ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

             

حوار مع أبي الجِنّيب

اعتقال الطائي

 

 

ـ قبل عامين خلت، في نهار شتاء بارد، كنتَ تقبع في عالمك الوردي ظاناً بأن لا أحد سيكتشف آثار خطاكَ التي بدأتَ بها خلسة متسللاً إلى ذلك العالم المتماوج، تتأرجح صاعداً ـ هابطاً معه. وفجأة داهمك شعاع لم تعرف مصدره فانكمشتَ على نفسك مختبئاً في الاسفنجة الوردية منتحيا اسماً أخر.. لا .. لا عفواً إنهم أخطأوا تشخيص هويتك وراحوا يكيلون لك الضربات تحت اسم آخر.

ـ كنت أصغي إلى نبضات قلبكِ الذي يجاورني، فأتألم لأجلكِ لأنكِ كنتِ تعتقدين بأنك ستتخلصين مني بتجرعك آلاف الأقراص البيضاء، الوردية والصفراء.. وكنت أعجب لإرادتكِ التي لم تُكسر أو تضعف. أجول معكِ في كل مكان، منصتاً إليكِ  وأنتِ  تمنحين الحب والمحبة لمن حواليك تارة، وتارة أخرى تغضبين وتنفرين من العالم الذي تحول إلى ساحة قتال، وكنت تخشين من أن تنتصر شريعة الغاب. وكيلا تضعف مناعتك صرتِ تلتجئين إلى الطبيعة مخاطبة الأشجار والطيور.

ـ مضت شهور طوال وكنت أظن قبل أن يُسلط عليكَ ضوء جديد، سأتحرر منكَ أبدا وستزول أثاركَ ويعم الصفاء العالم الوردي الذي شوهته، بل قتلته... لقد حجبت عنه الهواء بهالتك التي تقوقعتَ داخلها أيها المتطفل. لكنك كنت مصراً على البقاء. إذن لم تكن أنت الذي اعتقدوك.

ـ ههه.. نعم.. لم أكن ذلك المسكين الذي لم يعد خطِراً في عالمكم المتقدم. أصيب الجميع بخيبة أمل مرتاعين من عدم زوالي، تنهشهم  الشكوك إلا أنتِ، واتفقتِ معهم على التحري عني بأسرع وقت. لقد دسوا ما أسميته أنتِ بالثعبان للمرة الثانية  ليتقصى آثاري فوجدني رابضاً بين التشعبات التي تشبه فروع الأشجار بعد أن مد لسانه وغرس أنيابه لينقض علي  مقتطعا إحدى أرجلي. كدتِ تموتين، لذا رأفت بك ولم أطلق بقية أرجلي للهجوم عليك وعدت متقوقعا في رمال عالمك الوردي.. هل عرفتني؟

ـ لم يكن بمقدوري التعرف عليك .. هم أخبروني، وفوجئت  بحقيقة وجودك.. ولا أخفي عليك، وجودك أرعبني  وأبكاني. ولكن قل لي:  لماذا وقع علي اختيارك؟

ـ لأنك ضعفتِ، وأنا لا أحب الضعفاء.

ـ آها! أنتَ إذن كالجبابرة، كالطغاة  تسحق الضعفاء.

ـ لكني لم أسحقكِ بعد وها أنت تحاورينني، لقد جعلتِ مني أضحوكة حتى في أتعس لحظات تجرعك للسم.. ورحتِ تسخرين من اسمي اللاتيني كارسينوما مستبدلة إياه بكازانوفا.  لقد عشقك الكثيرون حتى خشيتُ من أن تطلقي علي اسم أحدهم.

ـ أنت السبب في تجرعي  للسم أيها الخبيث!

ـ ها ها ها .. أنا وحدي الخبيث؟ ألم يكن بين من عشقك خبثاء خانوا العهد؟ وماذا عن الأصحاء الأبرياء الذين قُتلوا بالسم ذاته؟.. هل أنا كنت السبب أم أنتم بنو البشر الأذكياء.. لستم أقل خباثة مني، صرتم تمهدون لي الطريق باستخدامه بتقدمكم العلمي. ثم توظفونه ضدي ؟؟. أي كائن أنتِ ومن أي طينة خُلقتِ .. لم ينفع معك كيميائي و تأبين الخنوع أمامي؟

ـ أنا؟ .. خلقت من طينة الفرات.

ـ مهلا .. لا تكملي!  الفرات هو السبب، تذكري نحيبكِ وأنتِ ترينه بعد ربع قرن من الفراق، حتى خارت قواك، وجاء دوري لأنتقم منكِ يا من كنت تسخرين مني في طفولتك مع أقرانك وكانت قدماك الصغيرتان العاريتان تغوصان في رمال شاطئ الفرات لتصيحي : شوفوا هذا أبو الجنيب شلون يعرج!  كنتُ أتخلى عن إحدى أرجلي مختبئاً في الرمال حتى استعادتها مجددا. ها .. ما رأيك لو استعدتها الآن؟

ـ لا .. لا أرجوك أمهلني كي أعود للفرات!

لا تتوسلي.. قلت مسبقاَ لا أحب الضعفاء!

ـ شعوركَ بالنقص إذن جعلك تكرع من الخباثة  حتى مُسختَ إلى شيء يسمى  بالخبيث.  وأنت وغد كالطغاة!

 ـ لا أنكر ذلك.. عودي إلى التاريخ ستجدين الشعور بالنقص ولد الطغاة، هذا الشعور الذي يقود إلى الخباثة.. ولكن الفرق بيني  وبينهم أنني أحترم الضعيف حينما يقوى ويتصدى لي .. فأتركه بسلام. وها أنتِ الآن ً أكبر دليل على ذلك.. تكابرين متناسية الآلام.

ـ من قال لك ذلك؟ كيف لي أن أنسى سوط النار الذي كان يمزق أحشائي محولا جسدي إلى دمّلة أو جرح كبير.. حتى كنت أشعر وكأن ساعة القيامة قد دنت وأنا أكتوي بنارها التي أرعبونا منها في الصغر وما نزال.

ـ ومع ذلك كنتِ تضحكين وتغنين وتكتبين وترعين عائلتك الصغيرة، لذا تركتك تكملين طريقك، معتكفا غاضاً الطرف عنك، حتى انسدل أمام ناظري على حين غرة ستار أسود عتّم على عالمي الوردي، ثم سمعتك ترددين بيت شعر حفظتِه ربما في الخامسة عشرة من عمرِك:

 "يا شعرها شلال بحر أسودِ

ألمه سنابلا ، سنابلا لم تحصدِ"

انزال الستار الأسود.. وانهار شلال صافٍ  يلمع في ألق ماسّي.. فأدركت أنها دموعكِ وانعكاس ضوء المرآة التي كنت تقفين أمامها شادة بيدك على سنابلك الداكنة، مرددة أمامها: لقد سقط  تاجك يا امرأة!

ـ لكن الفضل يعود لكَ.. فها أنت تحصد السنابل  وتُسقِط التاج.

ـ سيّان عندي، أنا لا أميز بين جبار وضعيف، بين رجل وامرأة، بين كهل وطفل، بين وغد وتقي، أتسلل حينما تسنح لي الفرص. هل نسيتِ أنكم وضعتموني في برج ليرتبط اسمي بيوم ميلاد بعضكم كي تتنبأوا بطالعكم أطلقتم عليه " برج السرطان " لأكون جوار برج حيوان ضارٍ مفترس تكنون له الاحترام، ناسين أنّ باستطاعتي أنْ أكون أشد ضراوة منه ولكن بهدوء دون زمجرة أو عنجهية الملوك.

ـآه! تذكرت اسمك الآخر وعرفت لماذا أطلقوه عليك.

ـ أي اسم تقصدين؟

ـ السلطعون.. لم يكن عبثاً تشبيهي لكَ بالطغاة، وانظر فاسمكَ يجمع بين السلطان وفرعون، كيف لا وأنتَ تمتلك قسوة السلطان وجبروت فرعون على حد سواء.

ـ هه.. ومع ذلك نكون ضحيتكم تقدموننا على موائدكم، وتمضغوننا بلذة.

ـ ولكن أيهم أنتَ يا من تسكنني ؟ سمعت عن أحد أصنافك الذي ينظف شعب المرجان.. فهل أنت ذاتك جئت لتزيل من شعب اسفنجتي الوردية  بقايا الكلس التي خلفها النحت؟

ـ ربما.. لكني لا أمتلك ذاكرة حديدية كذاكرتك..

ـ تذكر أرجوك!!

ـ لماذا لا تسألي الأذكياء الذين واظبوا على حقنكِ بالسم دون جدوى.. أهي تجربة جديدة لعالَم متقدم في صناعة السلاح ومن ضمنه الكيميائي. وجب تطبيقها عليكم؟

ـ نعم كنت فأرة بيضاء يجرون عليها تجاربهم الموجعة، ولم يهمهم سوى نجاح التجربة أو فشلها. وكانت النتيجة صفراً.

ـ لا .. لا.. لا تنتقصي من قيمتك.. لم تكوني فأرة ذليلة.. كنتُ شاهداً على حركاتك وسكناتك.. لم تستسلمي لسرير المستشفى كالآخرين، بل كنت تتصرفين وكأنك ذاهبة إلى نزهة في الجبال تاركة السرير الأبيض خلفك ـ قبل جرعة السم ـ وواضعة ماكنة التصوير في جيبك.. تجوبين الحديقة الجبلية  لتنعمي بجمال الطبيعة خوفا من الرحيل الأبدي الذي سيحرمك منها، حتى قدم الربيع حاملا لك أزهاره التي خلدتها في صور مع المستشفى. كان تغريد طيوره الصغيرة الملونة  يبعث في قلبك البهجة. مر الصيف وكأن شيئاً لم يكن.. كنت تركضين في الغابات مختبرة طاقاتك التي اعتقدوا أنها ستنضب.

سمعتكِ تخاطبين نباتات حديقتك  في الخريف قائلة: " سأعود لكم في الربيع وسأرعاكم حتى بعد عشر سنوات لأنكم كبرتم مع ابنتي التي أريد أن أراها وهي تشب معكم " وها أنت تحاورينني في ربيع جديد. تحرثين الأرض وتنثرين البذور....

ـ كفى... اسكت!! اصغِ إلي.. دعني إذن أجني ثمار ما زرعت، احذر! فأمامك خياران إما أن تذهب بعيدا أو تبقى راكداً وإلا سأكون أشد خباثة منك وأمحيك من الوجود!!

ـ أمرك ... سيدتي.

 

30.4.2008