ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

عندما نحب

اعتقال الطائي

 

 

                    

 

ـ 1 ـ

 

فتحت عينيها ثم أغمضتهما، لأن خيوط الشمس قد تصالبت في فضاء غرفة نومها. تمطت كقطة ناعمة قبل أن تنهض من سريرها شاعرة بجوع مباغت، حتى أنها لم ترتد روب نومها وهي مسرعة نحو المطبخ لتحضير الفطور.

سمعها تدندن لحناً، فترك الشرفة نحو المطبخ مصطحباً جريدته التي تخلى عن قراءتها وهو يتطلع إلى منحنيات جسدها الرشيق عبر قميص نومها الشفاف.

ندت عنها زفرة حارة حينما اقترب منها مطوقاً خصرها برقة، وضاغطاً على رمانة كتفها باليد الثانية. ارتجفت عندما التصق بها شاعرة بشحنة كهربائية تسري في جسدها المتعرّق. لم تبعده، وتظاهرت بانشغالها بتحريك محتويات الأكلة على النار، تأججت رغبته، فراح يهمس في أذنها. توردت وجنتاها.

لقد اعتادت على هجماته الفحولية في كل زمان ومكان. وتعالت ضحكتها عندما فكرت: ما الذي جذبه إليها، رائحة الأنثى أم رائحة الطبخة؟ متذكرة المقولة الشهيرة "طريق الوصول إلى قلب المرأة أذنها.. والطريق إلى قلب الرجل معدته"

 فتساءلت مع نفسها:

" ماذا لو فقدت نساء العالم حاسة السمع وفقد الرجال شهيتهم للأكل؟ "

"هل سيقف الرجال أمام المرايا مرددين كلامهم المعسول، وتأكل النساء ما طبخن؟ " .

 

 

ـ 2 ـ

 

أسرعت الزوجة مصطحبة طفليها إلى المدرسة، ثم عرّجت بعد ذلك على السوق لشراء ما تتطلبه منها وجبة الطعام الخاصة باحتفال عيد زواجهما العاشر. 

لقد أرهقها تحضير الأكلة المفضلة لزوجها والحلويات التي يلتهمها طفلاها بنهم غير مباليين بالوجبة الرئيسية. أعدت المائدة، حتى أنها لم تنس الأزهار والشموع.  نظرت إلى الوقت، لم تبق إلا ساعة واحدة على عودتهم إلى البيت، تطلعت في المرآة فأغمضت عينيها كيلا ترى وجهها المتعب. وفكرت باختيار هندامٍ يضفي عليها حيوية تخفي تعبها. بحثت بين أثوابها فوجدت تنورة زرقاء ذكرتها بالسنين الأولى بعد زواجها، لكنها خشيت من أن مقاسها قد تغير خلال العشر سنوات ولم تعد نافعة الآن لها. ارتدتها، ولكم أسعدها ما رأته في مرآتها وهي تتحسس جسدها. سرّحت شعرها، واضعة قليلا من المساحيق، وبأصابع قلقة بحثت عن قلادة تناسب بلوزتها الحريرية بلون اللازورد.

لتجلس إذن! لابد من الاسترخاء قبل وصولهم. أغمضت عينيها ومر أمامها شريط صور لحفلة عرسها المرهقة وإغفاءتها بعد خروج المدعوين. وبينما هي تسْرَح في عالم الذكريات وصل زوجها، فجفلت ناهضة، ومستقبلة إياه بلهفة وابتسامة عريضة.

كان الزوج متعبا إلى درجة لم ينتبه إلى المائدة المفروشة، ثم لمحها بنظرة خاطفة،  ولم يقل غير جملة واحدة بعد التحية وطبع قبلة خفيفة على خدها:

" أكاد أموت جوعا، هل طبختِ شيئا؟ "

ردت مرتبكة ومندهشة بعض الشيء:

" طبعا ... طبعا."

" إذن أحضريه وغيري هذه التنورة القبيحة "

فتحت الزوجة فاها مصعوقة:

" قبيحة؟ أنت اشتريتها لي في عيد زواجنا الثالث وكنتَ معجبا بها جدا "

لم ينظر إليها وراح يدمدم:

" أنا.. أنا اشتريتها ومعجب بها" ثم رفع صوته ليقول:

" حسنا .. غير مهم .. نادي على الأطفال في الحديقة... لنأكل! "

 

ـ 3 ـ

 

بينا كانت تلبس عقدها تأمل عنقها الطويل، وتراءت أمام عينيه تلك الكدمة الزرقاء التي خلفتها ليالي السنين الأولى لزواجهما وكيف كانت تضطرب مبتهجة في صباح اليوم التالي حين تلامسها بأناملها وتغطيها بوشاح حريري  قبل أن تذهب إلى العمل. 

هبّ لمساعدتها، فشعر بحرارة رقبتها وهو يلبسها العقد، لم يقاوم رغبته في تقبيلها وقرص فخذها، فانتفضت غاضبة بعض الشيء وبلهجة معاتبة قالت:

" أرجوك لا.. هل نسيت أنني سآخذ الأولاد غدا للمسبح؟ "

 

 

ـ 4 ـ

 

فتحت الزوجة الظرف لتُخرجَ منه بطاقة دعوة زفاف إحدى قريباتها، لكن الزوج اعتذر متذرعا بكتابة بحثٍ علمي مستعجل وغاية في الأهمية. كانت زوجته تعرف طباعه حق المعرفة، لذا لم تكرر سؤالها وفضلت الذهاب بمفردها.

رقصتْ وغنّتْ مع الجميع، لكنها كانت تطلق تنهيدة بين الحين والآخر لافتقاده عندما ترى الأزواج والزوجات يداعبون بعضهم البعض بالأيادي والكلمات. مر كل شيء على أجمل ما يرام. ودّعتهم بعد أن حمّلوها بعض الحلويات لزوجها.

عادت منتشية بسكرة الفرح والأغاني التي أعادت بها إلى حفلة زفافها. أدارت المفتاح في قفل الباب، لم يسمعها وبقي مضطجعاً على سريره يستمع إلى موسيقى كلاسيكية هادئة. أوقفت الشريط ووضعت بدلا عنه شريطا مسجلاً لأغاني قديمة، فقفز زوجها مستاءً من فعلتها ليقول غاضبا:

" لماذا أبدلت الشريط بهذه الأغاني التافهة؟"

اندهشت الزوجة واتسعت حدقة عينيها متسائلة:

" تافهة؟ هل نسيت أنها كانت أغانيك المفضلة التي رقصنا على أنغامها في حفلة زواجنا، وبقيتَ ترددها لسنوات ؟ ".

 

 

ـ 5 ـ

 

لقد وعدت الأم ولدها وابنتها بأن ترافقهما مع أبيهما لقضاء نهار نهاية الأسبوع خارج البيت، لكن الأب نقض عهده وبلهجة رقيقة اعتذر منهم جميعاً بحجة إكمال روايته التي يجب عليه تسليمها للناشر بأقصى سرعة. رافقهم حتى باب البيت طابعاً على خديهما قبلاته ولامحاً العتاب في عينيهما. أغلق الباب وقبل أن يدخل الدار تمشى في الحديقة ونظرة العتاب ولا مبالاة زوجته كانتا قد استولتا على مشاعره وأفكاره. سعى جاهداً لإبعادهما. ارتشف قهوته، وبدأ يلملم خيوط روايته لينسج آخر فصولها. لقد خذله نوله، وراحت أفكاره تنط بين خيط وآخر جارفة إياه في فوضى عارمة حتى استقرت في دوران مكوك دماغه وظلت تدور .... وتدور دون هوادة.

" كان بإمكاني مرافقتهم، وتأجيل الكتابة، وهل الرواية أهم من لحظة فرحهم الآنية التي لن تتكرر أو تؤجل؟ وهي؟ صدت بوجهها عني، و بالرغم من جهدها في العمل الوظيفي وإدارة أعمال البيت والسهر إلى جانبهم وتحمل نزواتي، لماذا لم تعتذر عن الذهاب؟؟"

بدأ سوس الندم يقرض تلافيف دماغه معيداً به إلى لحظات مبهجة وسخية. إذن ليقم بشيء يثير بهجتها كالسابق يوم كانت تفرح من قلبها عندما يفاجئها بمائدته المفروشة بأشهى المأكولات.

فرك يداً بيد مضطربا وهو يدخل المطبخ باحثا عن نوع من الخضرة المجففة التي كان بارعاً في طبخها وفخوراً بتعلم سر إعدادها من والدته. لم يجدها. عصر دماغه، ما الذي سيفعله الآن؟ أمامه وقت طويل، سيعودون في المساء.

ارتدى معطفه خارجا للتسوق بعد أن اكتشف أن طبخته بحاجة إلى مواد لم تتوفر في البيت.

وقبل أن يحل المساء كانت رائحة الطعام تفوح في أرجاء البيت، جهز المائدة بشكل لم تستطع أي امرأة أن تفرشها بتلك الأناقة كما كان يردد دائماً. تصدّر المائدة ونظراته متسمرة على الباب. قاربت الساعة السادسة، وقف عند النافذة يرقب الباب الخارجي.  وأخيرا وصلوا، لم يعرف سر ارتباكه وفرحه المزدوجين وكأنه فارقهم منذ دهر.

استقبلهم بلهفة، كانوا متعبين إلى درجة لم يبالوا بغبطة الأب فرمى الولد بجسده على أقرب أريكة واتجهت الزوجة نحو السلم، وقبل أن تصعد ناداها:

ـ لقد حضّرتُ العشاء، ألستِ جائعة؟

ودون أن تلتفت ردت عليه ببرود:

ـ لا ، أنا متعبة الآن.

وعند منتصف السلم استدارت لتنادي على ابنها، فرأت المائدة المفروشة مضيفة:

ـ لقد أكلنا وجبة خفيفة قبل عودتنا. ـ ثم قالت باستياء ـ لماذا استعملت طقم الصحون الغالي؟ لقد احتفظت به للضيوف.

لم يعرف كيف يتصرف أمام أولاده، لذا التزم الصمت جالساً بمفرده يحدق في أطباق الطعام الجميلة. تطلعت ابنته إليه بأسى، ثم اقتربت منه لتؤاسيه بقولها:

ـ أنا جائعة، سآكل معك. أنت تعلم أنني لا أحب وجبات الأكل السريعة!

ابتسم لها، وصب كأساً من النبيذ الأحمر دالقاً به في جوفه بحزن شديد الكثافة.

 

 

-6-

على غير موعد التقى بصديقه القديم، وفي خضم ضجيج الشارع وحركة المارة راح يروي له آخر تطورات أحداث حياته الزوجية بفرح عارم. لقد انفصل عن زوجته الأولى التي لم تزين بيتهما وحياتهما بذريته. وها هو الآن يعيش مع زوجته الثانية والتي تصغره بما يقارب العشرين عاماً وابنه الجميل الذي بدأ يركض مالئاً البيت بنشوة الفرح.

لقد طلب من صديقه أن يتصل به ليحدد الوقت المناسب كي يدعوه للتعرف على زوجته الفنانة الرقيقة عازفة الكمان، راسماً لها صورة وكأنها إحدى إلهات الإغريق أو بابل وسومر، واصفاً أناملها الطويلة الرقيقة وهي تداعب أوتار الكمان حينما يعود متعباً من العمل لينتشي من سحر موسيقاها العذبة.

لم يتصل الصديق، وبين الحين والآخر يلقاه صدفة مع أصدقائهم المشتَرَكين، ويشعر بسعادته وهو يتحدث عن ابنه الذكي ومكره وكيف صار يعي الأشياء ويقلد أمه بالعزف على الكمان.

أصبح الولد صبياً عندما التقى الصديقان صدفة بعد غياب سنوات. لكن الأب صمَتَ هذه المرة ولم يتحدث عن ابنه وزوجته الرقيقة، مما دعا صاحبه إلى افتعال  مادة للحوار فبادره بالقول:

ـ لحسن حظك طّلقتَ...

وقبل أن يكمل كلامه قاطعه صديقه:

ـ تقصد.. طلّقتُ ... من ؟

ـ زوجتك الأولى طبعاً.

لكني طلقت الثانية أيضاً...( قالها ضاحكاً)

اندهش الصديق وقبل أن يتفوه بالسؤال أكمل صديقه:

ـ يا أخي! قتلتني.. ليل نهار تعزف .. تن.. تن.. تن..تن. دخت ومليت. الله لكم سعيد الآن بوحدتي. أفعل ما أريد وأسمع ما يحلو لي. وأستمتع بالسكون متى ما أردت أنا.

لم يعلق صديقه مستأذناً مغادرته.

بعد فترة وجيزة وبينما كان الصديق يكلم صديقهما المشترك على الهاتف، ذكر له قصة صاحبهما زوج الفنانة الشابة، فقاطعه الآخر على الفور:

ـ نعم .. نعم أعرف، لقد تركته زوجته.

 

 

بودابست 2007

اللوحة بعنوان (endless love) للفنان ألفريد جوكل.