خرج
الشاعر حميد العقابي من القصيدة متسللاً إلى النثر في مجموعة قصصية " ثمة أشياء
أخرى" وسيرة ذاتية
تحت عنوان " أصغي إلى رمادي" ومن ثم إلى روايته الأخيرة "
الضلع". في حواري معه لن نتحدث عن العقابي كشاعر ولا عن الشعر العراقي بشكل عام،
سنتطرق إلى "أصغي إلى رمادي" ولكن تركيزنا سيكون على روايته "الضلع" التي تتتبع
سيرة إنسان ـ بل أناس ـ عراقيين ضمن مسار تاريخ سياسي واجتماعي بدءاً من نهاية
الستينات وانتهاءاً بسقوط النظام في العراق. الشخصية التي أصيبت بشرخ نفسي
نتيجة الظروف التي عاشها العراقيون. لقد كشف حميد العقابي النقاب عن كل ما
يخفيه، متقمصا إياها وغائراً في أعماقها.
لقد
كتبها بأسلوب سلس أشبه بماء النبع الرقراق في قمة جبل منحدراً على صخور
متخطياً كل العقبات، ينحسر
تارة بين الصخور ليلج دهاليز الروح، ويظهر ثانية لينساب وينساب غير آبه بكل ما
يعترض طريقه حتى يصل الوادي ويصب في بحيرة شاسعة اسمها الحرية. سنركز في حوارنا
على الجانب الإنساني.
ولكثرة ما استشهد بطل روايته بنيتشه من كتاب "هكذا
تكلم زرادشت" رحت مادة يدي إلى الرف لأعيد قراءته، حتى وصلت إلى هذا المقطع
الذي دعاني لأتوقف وأبدأ حواري معه:
" لقد كنت تحمل رمادك في ذلك الحين إلى الجبل، يا
زارا، فهل أنت تحمل الآن نارك إلى الوادي؟ أ فما تحاذر يا هذا أن ينزل بك عقاب
من يضرم النار؟"
هذا مقطع من كتاب " هكذا تكلم
زرادشت" سؤالي للشاعر حميد العقابي.. هل توجد هناك علاقة بين ما
استشهدتُ به
ورمادك، أم مجرد تسمية شعرية منحتها لكتابك أصغي إلى رمادي، وفي روايتك " الضلع"
أكملت سيرتك بفصل تحت عنوان الرماد أيضا، خاصة وأن بطل روايتك يستشهد بأقوال
نتشه من كتابه الذي ذكرته سابقاً. فهل لك أن توضح لنا ذلك.
أفهم من سؤالكِ أنك وضعتِ الفلسفة نقيضاً للشعر، ولو
أنك استشهدتِ بمقولة لنيتشه من كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) الذي أراه كما يراه
الكثيرون بأنه منطقة مشتركة ما بين الفلسفة والشعر ( خاصة في ترجمة فيلكس فارس
), حيث أجد في الكثير من مقاطع الكتاب شعريةً عالية، بل هناك مقاطع تشكل قصائد
نثر مكتملة، ثم وردت عبارة ( ... أم أنه مجرد تسمية شعرية )، هذه العبارة قد
يفهم القارئ من خلالها بأن العبارة الشعرية ما هي إلا لعب لغوي، وهذا غير صحيح،
فحتى في أقصى الإنزياح تكشف العبارة عن مدلول قد يضرب عميقاً في وعي أو لا وعي
الشاعر.
لنعد إلى العنوان. ألم تلاحظي أنك حينما تجلسين أمام
موقد مترمد ستجدين نفسك دونما وعي بأنك تحرثين الرماد بحركة عفوية بريئة ليس
بالضرورة للبحث عن جمرات، بل هناك حاجة في داخلك للإصغاء إلى تأريخ هذا الرماد.
قد يفهم الرماد هنا ( أعني في كتابي ) بمعنى مخلفات النار التي اكتوينا بها،
وقد يفهم الماضي بصورة عامة. قد يبدو هذا الرماد رمزاً لليأس أو للخيبة، وقد
يكون الماضي العزيز الذي يحمله الإنسان معه. قبل سنوات شاهدتُ فيلماً سويدياً
يروي قصة رجل عجوز تموت زوجته فيقوم بحرق جثتها ووضع رمادها في جرة يحملها
أينما يذهب، وليس بعيداً عن ذلك قصة الشاعر الحمصي ديك الجن.
رمادي هو ماضيَّ الذي أكرهه وأعتز به في الوقت نفسه.
ولأنه ماضٍ فليس أمامي سوى أن أصغي إليه.
قبل الخوض في الحديث عن كتاب
سيرتك الذاتية ورواية الضلع، أود أن أشرك القارئ بذلك: عندما أهديتني مجموعتك
القصصية " ثمة أشياء أخرى" أرسلتُ لك بعضا من قصصك التي حولتُها إلى قصائد
لأنني وجدتها كذلك. فكان ردك : نعم كانت في الأصل قصائد.هل كانت قصائد النثر تلك مدخلا للبدء بكتابة النثر؟
في مجموعتي القصصية ( ثمة أشياء أخرى ) أعدتُ نشر
ستة عشر نصاً كنت قد نشرتها قبل ذلك ضمن كتاب ( خمسة شعراء عراقيين ) الصادر
بدمشق عام 1998 باعتبارها قصائد. وضعتُ إشارةً قلتُ فيها ( بعد مراجعة هذه
النصوص ضمن تأملي لتجربتي في كتابة قصيدة النثر وجدت أنها بعيدة عن نظرتي
الحالية إلى الشعر، بل هي أقرب إلى القصة القصيرة لذلك آثرت نشرها ضمن هذا
الكتاب الذي خولت نفسي متردداً بأن أنسبه إلى القصة القصيرة ).
أقول لك : في بداية محاولاتي لكتابة الشعر وبنصيحة
من معلمي استنسخت كتاب ( ميزان الذهب ) ورحت أتعلم البحور بهوس مراهقٍ لا يرى
في حياته غير اتجاه واحد. كان أهلي ينامون على السطح صيفاً وكنتُ أتسلل إلى
تحت. أغلق باب الغرفة علي وأظل أردد إيقاع البحور. مرةً كنت أردد " لم أدرِ هل
/ مستفعلن / جنّي سبا / مستفعلن / ني أم بشرْ / مستفعلن.. لم أدرِ هل جني سباني
أم بشرْ / أم شمسُ ظهرٍ أشرقتْ لي أم قمر... مستفعلن مستفعلن مستفعلن ". فتحت
أمي الباب و أغلقته دون أن تشعرني بوجودها. في اليوم التالي سمعتها تقول لأخي
الكبير " الولد راح يروح من يدينا، الليل كله يحكي مع الجن. أخذوه لجاك عبود,
أخذوه للشماعية " ... اعتقال، هكذا بدأ الشعر عندي إيقاعاً وجنوناً، لذلك منذ
البداية كتبت شعر التفعيلة، وبعد أن تطورت مداركي ومجاراةً للسائد كتبتُ قصيدة
النثر، غير أني وأنا أتأمل تجربتي وجدتُ أني أتحايل على نفسي، حيث أني أحاول أن
أبحث عن بدائل لغياب الإيقاع ومن بين هذي البدائل هو السرد القصصي داخل
القصيدة، فهنا طرحتُ على نفسي سؤالاً وهو طالما أني أشعر بمتعة النثر لماذا لا
أجرب كتابة القصة إلى جانب كتابتي لقصيدة التفعيلة التي أعتقد بأن أداتي في
كتابتها تكاد تكون مكتملة، فأنا منذ طفولتي الشعرية أجيد الكتابة على أكثر من
عشرة بحور.
لذلك يا صديقتي, أن ما ورد في سؤالك كان صائباً
تماماً، فأنا انتقلت إلى كتابة القصة والرواية والقصة القصيرة جدا من خلال
قصيدة النثر التي انقطعتُ عن كتابتها منذ أن أدركت أن متعتي في الكتابة السردية
لا تقل عن متعتي في كتابة الشعر, وهنا أحب أن أشير إلى أن موقفي من قصيدة النثر
هو موقف مزاجي وشخصي بحت وليس موقفاً نقدياً.
الماضي المستمر
كوّرتُ أحلامي جمرةً أديرها من راحةٍ إلى أخرى
مستعذباً كواءها، غير أنها سرعانَ ما تفتتْ ومن رمادها نهضتُ ذئباً أدردَ، رحتُ
أعوي فاستدلّ الماضي عليَّ وراحتْ كلابه تطاردني فركضتُ ركضتُ والماضي يتبعني.
وفي منعطف الأربعين اختبأتُ. توقفتِ الكلابُ تشمشمُ أثري ولعابها يسيلُ. كتمتُ
أنفاسي مختنقاً بالصمت, ومن كوّةٍ في جدار مرّ قمرٌ مخسوف فلم أتمالكْ نفسي
ورحتُ أعوي ثانيةً فتناهشتني كلابُ الماضي تاركةً أشلائي متناثرةً في المكان.
" حميد أفقْ.. أفقْ يا حميد ! "
كنتُ أسمع امرأتي تهمسُ في أذني, ولكن كيف أفيق ؟
20/4/1996 دمشق
من ( ثمة أشياء أخرى )
هل تعتقد بأن الشاعر في النثر
يستطيع التعبير عن ذاته ونقل سيرته الذاتية أكثر من الشعر؟ وهل يوفق جميع
الشعراء بذلك مثلا؟
أنا أرى أن الاختلاف بين الشعر والنثر لا يكمن في
طريقة استخدام اللغة فحسب، بل هناك فروق جوهرية تكمن في صلب العملية الإبداعية،
فاللغة في الشعر حفر في الباطن يلعب اللاوعي فيه دوراً كبيراً وكذلك خزين
التجارب الحياتية والروحية الكامنة في أعماق لا يصلها إلا الشعر، أما في النثر
فللوعي السبق في ذلك إضافة إلى الثقافة والوعي الذهني. هناك مقولة تتردد دائماً
ولا أعرف قائلها وهي ( إن الشاعر الجيد هو ناثر جيد ). لا أتفقُ مع هذه
المقولة، وأعطيك مثالاً واضحاً جدا فالشاعر الكبير سعدي يوسف بلغته الشعرية
الفذة حينما كتب رواية ( مثلث الدائرة ) فشلت فشلاً ذريعاً، وأعتقد أنه هو نفسه
أدرك ذلك فلم يكرر التجربة على الرغم من أنه أعلن بأنه سيصدر رواية ثانية، غير
أنه لم يفعل، لذلك أنا أرى ليس بالضرورة كل شاعر جيد يستطيع أن يكتب نثراً
جيداً إذا لم يكن ناثراً جيداً.
سمعت من بعض الشعراء أن
للروائيين والقصاصين شعوراً بالنقص تجاه ذلك وينظرون بعين الحسد للشعراء الذين
يوفقون بكتابة النثر، إضافة إلى أن هناك كتاباً تجدهم يحفرون باللغة إلى درجة
تفقدهم السيطرة على مسار الرواية أو القصة فيتحول العمل إلى إنشاء يمل منه
القارئ، فما رأيك بذلك؟
أرى أن مقولة ( الشعر ديوان العرب ) أثرت تأثيراً
سلبياً كبيراً على الثقافة العربية بل على الوعي العربي بصورة عامة، فالصفات
التي ارتبطت بالشاعر مثل الحكمة والفلسفة وحتى النبوءة جعلت من الثقافة العربية
ثقافة وجدانية يطغى عليها الانفعال أكثر من كونها ثقافة تحليلية عميقة، ونتيجة
للصفات المغرية التي أسبغت على الشاعر, أصبح للشاعر هيبة أكبر من الناثر بل
وحتى من العالم ( هل عندنا عالم ؟ )، فصرنا نقيس نجاح أي عمل فني ( قصة، لوحة،
فيلم.. ) بمدى شاعريته، بل حتى في حديثنا اليومي نقول " هذا مكان شاعري " ونقصد
به المكان الهادئ الجميل. أظن أن القاص أو الروائي يدرك ذلك بوعيه أو لاوعيه،
لذا فهو يحاول شحن قصته بجملٍ يعتقد أنها قريبة من الشعر ناسياً أن اللغة لا
تطاوعه بمسعاه هذا، فمن السهل على الشاعر الذي تمكن من أسرار اللغة واعتاد
التكثيف أن يفضفض لغته إذا تطلب الأمر ذلك، ولكن من الصعب على القاص الذي اعتاد
على استخدامٍ فضفاضٍ للغة أن يكثفها، لذا أرى أن الشاعر يستطيع كتابة قصة أو
رواية بحدود مختلفة من النجاح ولكن يصعب على القاص أن يكتب قصيدة، ولكن بسبب
طغيان قصيدة النثر اليوم والمفاهيم الغريبة للحداثة وسيادة مفهوم الشعرية
وانحسار مفهوم القصيدة المبنية بناء هندسياً، توهم القاص والروائي بأنه حينما
يجمع مفردات متنافرة في جملة واحدة قد ارتقى بجملته إلى مصاف الشعر، لذلك تجدين
الآن سرداً ( شماطيطياً ) يدّعي القول ولا يقول غير الخواء، وتوهم مفهوم
الإنزياح كاستعارات غريبة فبدلاً من أن يقول ( ساعة الجدار ) قلب الأمر ليكون (
جدار الساعة ).
ولكن ما الذي يدفع
الروائي إلى ارتكاب هذا الأمر ؟
إن الرواية ( ليست العربية فقط ) تمر في مأزق يكمن
في طرق السرد. هل السرد وسيلة لإيصال فكرة أو نقل حدث أو بناء شخصية؟ أو أن
السرد غاية بذاته ؟ الإجابة على هذا السؤال أوقع العمل الروائي في طريقيْ ضياع.
الأول حينما يكون السرد وسيلة لنقل الحدث، اتجه نحو السيناريو خاصة مع طغيان
الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. أذكر لك مثالاً, قرأت قبل أيام رواية لكاتب
مصري ( كبير ! ) وضع إشارة في نهاية الكتاب يشكر فيها صديقه الدكتور على قيامه
بتصحيح روايته لغوياً ويعترف بجهله المشين في كتابة الهمزة, عجبي.. هل كتابة
الهمزة تحتاج إلى جهد عالم فضاء؟ ولكن هذا الاستهتار باللغة وعدم الخجل من
الاعتراف به يدل على طريقة تفكير هذا الكاتب وكيف ينظر إلى اللغة كوسيلة يتعامل
معها بنفعية واضحة، إذن هنا سؤال يطرح نفسه ما معنى كتابة رواية طالما أن
الكاميرا تستطيع أن تقوم بالمهمة على أفضل وجه. أما الطريق الآخر فهو ما أطلقتِ
عليه في سؤالك ( الحفر باللغة ) وهنا كان استنتاجك صائباً ( يحفرون باللغة إلى
درجة تفقدهم السيطرة على مسار القصة أو الرواية فيتحول العمل إلى إنشاء يملّ
منه القارئ ), وهذا في رأيي سببه قلة خبرة حياتية وروحية، وكذلك ضعف مخيلة ( لا
ننسَ هنا الوهم الحداثوي الذي تسرب إلى القاص والروائي عبر الشاعر ) لذلك راح
القاص يتوهم بأنه يبني أبراجاً ويفتح دهاليز غافلاً عن حقيقة كونه يحفر في
مكانه الذي لم يبرحه ولم يحلق فوقه قيد أنملة.
لنبدأ إذن من إضرام النار
التي بدأتها في أصغي إلى رمادي. عادة وفي مجتمعنا يحاول الكتاب في سيرهم
الذاتية الابتعاد بعض الشيء عما يعتقدونه سيسبب فضيحة للعائلة إن ذكروا تفاصيل
غير مقبولة في المجتمع أو بالأحرى لم يعتادوا سماعها أو إجهارها.. لكنك قلت كل
شيء، على سبيل المثال: أبحت بسر اشتهائك لأمك وأنت طفل يضع رأسه في حضنها.ألم
يشكل رأي الآخرين بذلك حساسية لك؟
في مجتمعاتنا لم يعتد القارئ على قراءة كتاب في
السيرة الذاتية كجنس أدبي مستقل عن القصة أو الرواية، وبقي هذا الفن حكراً على
السياسيين والقادة العسكريين ( إذا كانوا يعرفون الكتابة )، وغالباً ما تكون
السيرة لنقل معلومة أو أرشفة أحداث أو تبرير أخطاء ارتكبوها ( أو بالأحرى
ارتكبها غيرهم فهم لا يجرؤن على الاعتراف بالخطأ. ) وترين في السيرة الذاتية
تظهر الأنا واضحة جدا ومنتفخة، وكذلك القارئ لا يقرأ كتاب السيرة إلا للغرض
النفعي نفسه أي لمعرفة ما تخبئ سيرة هذي الشخصية من أسرار كأن تكون أسراراً
كبيرة كأسرار الحروب والمعاهدات والخيانات والانقلابات أو أنها تشبع فضول
القارئ العادي وشهوة التلصص على الحياة الخاصة للشخصيات المشهورة والنجوم
الفنية والرياضية وحتى الأدبية ( ربما تتذكرين معي الكتاب الذي أصدرته غادة
السمان والذي ضم الرسائل الغرامية التي كان يرسلها إليها غسان كنفاني فقد نال
اهتماماً أكثر من الاهتمام بأدب غسان وغادة ) أو كما نجده الآن منتشراً كثيراً
في أوربا وخاصة في الأوساط الشعبية أو ما يسمى بالصحف الصفراء التي تستغل فضول
القارئ العادي وهوسه لمتابعة أخبار نجوم الفن والرياضة أو فضائح السياسيين.
طبيعة قارئ من هذا النوع هو البحث عن الفائدة الآنية أو المعلومة المباشرة التي
تهم حياته اليومية، مع غياب القارئ الذي يهتم بالسيرة الذاتية كعمل أدبي يضع
البعد الفني بموازاة أو بانسجام مع الفكرة أو الخبر.
أنا ( بالمناسبة، أعتذر منكِ ومن القارئ على تكرار
صيغة الأنا، فهي فخ أو مأزق يقع فيه كاتب السيرة الذاتية ويصعب الإفلات من
استبداد قبضته. ) حاولتُ أن أكتب سيرة ذاتية أدبية تخاطب قارئاً على حد أدنى من
الفطنة ( على الأقل ) وتتحرك في مجال واسع من التآويل وبطبقات مختلفة في
القراءة، من هذا المنطلق سأجيبك على سؤال الفضيحة، وقد سئلت كثيراً حوله وقد
أثار استهجان البعض وربما اتهمت بالوقاحة. لا أدري, هل أن القارئ لم يلتقط
الإشارة بشكل صحيح أم أن لغتي لم تسعفني في إيصال الفكرة فحدث سوء الفهم. أنا
لم أقل إني اشتهيتُ أمي بهذا الوضوح الجارح، فلو أعدتِ قراءة السطور لرأيتِ
أمراً هاماً، فخلال الحديث الذي جرى بيني وبين أمي حول الظلم الذي عانتْ منه
بسبب إرغامها على الزواج من ابن عمها، عادتْ أمي من خلال حركاتها وطريقة كلامها
( بل غنجها وتصابيها ) خمسين عاماً إلى الوراء. غابتْ أمامي ملامحها كأمي فلم
أعد أراها كذلك، وكذلك هي، فمن طريقة حديثها معي أوحت لي بأنها لم تتحدث مع
ابنها بل مع رجلٍ ( أي رجل ) بندّيةِ متبارزين متكافئي القوى. تصرخ بوجهه،
ترفضه، تعلن حقدها عليه، ترد اعتبارها لنفسها، تكشف ما لم تستطع البوح به
سابقاً، تثأر منه ( متمثلاً بي كرمز ). وأنا نفسي كنتُ أقف أمامها رجلاً بلا
ملامح. لذلك كنتُ أعتقد بسبب ارتباك مشاعري بين الدفاع والهجوم، بين الحب
والكراهية لهذه المرأة أن شعوراً شبقياً قد ارتفع منسوبه في نفسي، ليس عندي فقط
بل كنت أرى ( ولأقل أتوهم ) شعوراً شبقياً عندها تجاهي، فهي في تلك اللحظات لم
تكن امرأة بعامها الرابع والستين بل كانت بعامها الثامن عشر.
هل أجبتُ على سؤالك ؟ أم عميتها بدلاً من أن أكحلها
؟
في مجتمعاتنا لم يجرؤ الابن
أن يقدم صورة والده الحقيقية حتى لو كان جبانا، فهل كنت تستخدم أباك كنموذج
للرجل العراقي (الأب) الذي فقد زمام الأمور لكنه احتفظ بعنجهيته مقابل زوجة
قوية الشخصية وهو إلى جانبها لا يساوي شيئاً.. ولا ننسى عقدتك من اسمه (بزون)
الذي سبب لك مشاكل كبيرة منذ الطفولة.
في فصل ( بزون ) وكذلك في فصل ( شمعة ) حاولت أن
أسجل بشكل غير مباشر جانباً مهماً ومهملاً من التأريخ العراقي الحديث والمسكوت
عنه بشكل غريب، وهو بالتحديد عام 1969، ( مع الأسف على الرغم من كثرة ما كتب عن
كتابي إلا أن لا أحد تطرق إلى هذا الموضوع ) حيث أن هناك سؤالاً لم يتجرأ أحد
من السياسيين أن يطرحه وهو كيفَ استطاعت زمرة صغيرة من المتخلفين ومن ذوي
السوابق سيئة الصيت الذين هم أنفسهم كانوا خائفين من أن يكشفوا هوية حزبهم في
الأيام الأولى من الانقلاب ( انقلاب 17 تموز 1968 )، وبعد أقل من سنة استطاع
هؤلاء أن يسيطروا على العراق ويباشروا بتبعيثه, وبنوا أجهزة أمن ومخابرات
واستخبارات، واستطاعوا أن ينهوا حركة الكفاح المسلح ويتحرشوا بشاه إيران ( لو
حسبنا ما بين تموز 1968 وظهور عزيز الحاج في نيسان عام 1969 على شاشة التلفزيون
سنجد أن الفترة أقل من ثمانية أشهر )، هذه المسألة ليست هينة في مدينة الكوت
حيث أن أكثر من 70% من شبابها كانوا متعاطفين مع القيادة المركزية.
أعتقد أني استطعت أن أجيب على هذا السؤال ( من وجهة
نظري طبعاً ) من خلال تصوير حياة الناس وطريقة تفكيرهم ونمط العلاقات التي
تجمعهم في مدينة الكوت، من تخلفِ الأب إلى رعونة المعلم، من ادعاء السياسي
وجبنه إلى دجل رجل الدين.
أبي ( بزون ) في كتابي هو واقع نقلته بخط موازٍ
لرمزيته بما يعني الأب من دلالات ماضوية أو سلطوية، فهو رمز للماضي المتخلف
الذي يلقي ظلالاً ثقيلة ويهيمن على الحاضر بقسوة شديدة ويعيق ( بل يجهض )
انطلاقة الجديد في حاضر يسير نحو المستقبل بخطى سلحفاة، على الرغم من أن الكل
يعرف مدى ضعف هذه السلطة المنخورة في بنائها إلا أنها تتقوى بدعائمها الأخلاقية
( الأخلاق بمفهومها الماضوي ) وسطوتها التليدة، ومن هنا جاء الاستهجان
والاستنفار ضد من يقوم بفضح خواء هذه السلطة بدوافع أخلاقية.
ألم تشعر بالندم تجاهه؟
الندم !؟
لماذا ؟
كيف استقبل أهلك كتاب أصغي
إلى رمادي؟
لم يكن موقفهم مستغرباً بالنسبة لي فأنا كنت أتوقع
أن يستفزّهم كلامي، خاصة وأن أهلي على قدر ضئيل جدا من الوعي.
وجدت في أصغي إلى رمادي
بأنك تقدس المرأة مهما كانت، ابتداء من الأم وابنة الجيران سهام التي ذُبحتْ
كالشاة وانتهاء بشمعة، لماذا لم تصطف إلى جانب الرجل في مجتمع تحصل فيه على
الأولوية كذكر؟
بالتأكيد، إن للطفولة أثراً كبيراً في هذا الأمر,
فكما أشرتُ في كتابي ( أصغي إلى رمادي ) أنا الابن الأصغر في عائلةٍ، الأب فيها
ضعيف الشخصية وكسول وعاطل عن العمل والأمل، وأمي كانت المعيل فقد كانت تعمل في
خياطة العباءات النسائية، كذلك كانت لها شخصية قوية حد القسوة والاستبداد، وحد
تعاملها مع الله بنديّةٍ، وفي الوقت نفسه كانت تملك روحاً عذبة جداً، فقد كانت
طوال الوقت تغني ( أقصد تنوح ) وبكلامٍ أعتقد أنه وليد لحظته، فأنا لم أسمع ما
تغنيه من غيرها. أما الصبية ( سهام ) فقد كشفت لي مبكراً ازدواجية الرجل
واستهتاره، فعبود الگصاب ( والد سهام ) كان رجلاً بذيئاً وسافلاً ( في كلامهِ
وسلوكه )، فقد كنتُ أتلصص عليه واسترق السمعَ إلى أحاديثه. كان هو يعلّم بناته
طريقة التسافد، إذ كنّ يمسكن برأس البقرة وهو يدفع بظهر الثور، ولن أنسى تقاطيع
وجهه وهو يتلمظ شبقاً. وحينما عشقت سهام ( هكذا قيل ) لم يتذكر سوى ( السكين ).
هذه الحادثة حفرت في نفسي شيئاً لا يمكن أن يُنسى.
الجنس هو ليس عقدتك
أنت فحسب، بل عقدة مجتمع بأكمله، ولا تخلو سيرتك الذاتية منها في كلا الكتابين،
رأيتك تقدمه لنا كغريزة حيوانية في أصغي إلى رمادي، أحلل ذلك من المكان وهو
زريبة الحيوانات.. هل كنت متعمدا ذلك؟
هل أقول شيئاً جديداً إذا قلتُ إن الجنس هو عقدة
البشرية بأكملها.. عفواً، لماذا عقدة ؟, الجنس هو حقيقة الإنسان الأزلية
والأبدية. لم أقدمه في سيرتي الذاتية ولا في رواية ( الضلع ) بغرض مسبق للكتابة
عن المسكوت عنه، وإنما قدمته ضمن بنية الإنسان الحقيقي، الإنسان ـ الإنسان وليس
الإنسان ـ الملاك الموجود في أذهان رجال الدين أو أدّعياء العفّة. أما تقديمه
كغريزة حيوانية ( حاشا للإنسان ) فأقول : لا، لم أنظر قطّ إلى الجنس كغريزة
حيوانية، بل على العكس تماماً. أنا لا أؤمن بالإنسان الملاك أو الإنسان
السماوي. أما ما ذكرته حول عبود الگصاب الذي كان يمارس الجنس مع زوجته في زريبة
الأبقار فقد كنت أصف مشهداً واقعياً دون أن أحمله أبعاداً رمزية.
أنت ابن شعب فتح عينيه على
القهر الاجتماعي والسياسي الذي مسخ شعباً بأكمله ولا يزال، وها أنت تعي ذلك منذ
صغرك، فهل أنك تعز كل ما كنت تمر به مع جيل كامل إلى ما شوهته السياسة بأنواعها
وحروب مزقت أرواح من نجوا منها وحرمتهم من أبسط ما يتمناه الفرد، ابتدأته في
أصغي إلى رمادي وكثفته في رواية الضلع وبمرارة؟
في رواية الضلع يقول الراوي ( الذي هو أنا ) بأنه
أشأم من طويس فقد ولد يوم مجزرة سجن الكوت، وخُتن يوم السحل المريع، ودخلَ
المدرسة عام مجيء الحرس القومي، واغتلمَ صيف عودة البعثيين إلى الحكم، وعشق
امرأة يوم بدء الحرب العراقية الإيرانية، فيسأل ( قل لي بربك من أشأم أنا أم
طويس ؟ ).
نعم، أنا من جيل فتحَ عينيه على الرعب، بدءاً من
الرعب الذي كنا نراه في وجوه أهلنا ( ذكرتُ في سيرتي بأن جدي مات في المرحاض
خوفاً بعد أن طرق بابنا خطأ أحد أفراد الحرس القومي ) وليس انتهاءً بما
عانيناه. شاب في العشرين يختطف من الشارع ليواجه ضابط الأمن جالساً خلف مكتبه
يمسك هراوة يولجها في راحة كفه ويخرجها وهو يتطلع إليه بعيني ذئب. يطالبه بأن
يتعهد بأن لا ينتمي إلى أية جهة سياسية. يتلفت في أرجاء الغرفة يجدها امتلأت
بضباع تنتظر الإشارة لتنهشه. يتلمس سنواته العشرين فيجدها طرية لا تحتمل ضربة
سوط. يتردد أو يفتعل التردد نكاية بهم لكن يأتيه الصوت " ابني أنت اش مورطك
بالسياسة بعدك جلق ما تعرف تضرب ". فعلاً، من الذي ورّطه بالسياسة وهو لم يذق
بعد طعم قبلة ؟. يوقع على وثيقة تنازله عن شيء لا يعيه ولكن يشعر بأن شيئاً قد
انكسر في داخله. شظايا انكساره ستبقى تدميهِ إلى آخر عمره.
وعلى الرغم من ذلك فأنا أقول بأني محظوظ لأني على
الأقل مازلت أعيش، حيث أن أغلب جيلي ( أنا من مواليد عام 1956 ) أكلته الحروب
والمقابر الجماعية.
مشهد أخير
على الجسر المحاصرِ بالقذائفِ
واقفاً كنتُ
وكان الجسرُ مكتظاً بقطعانِ الجنود الهاربه
وكان الموتُ ينهشُ من يشاءُ
وحينما مرَّ العراقُ
ببذلةٍ خاكيةٍ
نسرانِ ميْتانِ على كتفيهِ
ناديتُ :
" انتظرْ
قد يتعبُ الموتُ الـ ( ...... )
فننجو
لم يطعني
سارَ مزهوّاً بقامته الرهيفةِ
والدماءُ تسيلُ من جنبيهِ
ساقيتينْ
توقفَ برهةً
ورمى إلى وجه السماء بحفنةٍ من نزفهِ
ـ فاحمرَّ وجهُ اللهِ من خجلٍ ـ
وأخرجَ من نطاقهِ حربةً
بيضاءَ
ناصعةً
ولكني قبيلَ نهايةِ ( بدايةِ ) الكابوسِ
أنهيتُ القصيدة
27/10/2002
من ( الفادن )
شخصيات روايتك الضلع ليسوا
أناسا مغمورين وخاصة بطلها عاشور، نموذج للرجل العراقي الذي يملك درجة عالية من
الثقافة والوعي السياسي، لكنه أشد الناس مرضا وتعقيدا، فهو المثقف المتعالي وفي
الوقت ذاته السوقي. هل تريد أن تقول بأن الفرد بالرغم من ثقافته العالية
وفلسفته في الحياة، يظل ابن بيئته في ظروف معينة وخاصة في نظرته الدونية إلى
المرأة؟
برأيي أن كلمة ( السوقي ) التي وردت في سؤالك أو كما
نستخدمها في حديثنا اليوم هي كلمة خشنة وقاسية جداً، فهذه الكلمة ( كما
نستخدمها ) لها مدلول جنسي ونطلقها عادة من موقف أخلاقي ليس بالضرورة أن يكون
صحيحاً. فهناك حقيقة لابد من الإقرار بها أن للجنس سطوة كبيرة تفرض نفسها على
النبي وعلى ابن الشارع بنفس المقدار، لكن الذي أبرز هذه ( العقدة ) في
مجتمعاتنا هو تزامن أو ترابط بين الكبت الجنسي من ناحية وطريقة التفكير الدينية
من جانب آخر، فغدا التعبير عن الجنس خروجاً على التقاليد ومدعاة للخجل، وأصبح
مجرد التلفظ بكلمة ( كس ) مثلاً هو كلام سوقي، أما إذا ورد ذكر الأعضاء
التناسلية في كتاب فستستفز كل القيم وتقوم القيامة، وكأن القيمين على الأخلاق
لم يسمعوا في الشارع كيف تتقافز الأعضاء الجنسية وتتطاير من أفواه الناس.
في كتابي ( أصغي إلى رمادي ) وصفت كيف كان يتصرف
اللاجئون العراقيون الذين وضعوا في معسكر لجوء ( أوردوكاه , كما يطلق عليه
بالفارسية ) يقع في بقعة نائية بين مدينتي خرم آباد واندمشك الإيرانيتين، وهو
أبشع من أي معسكر اعتقال، بل قد يصعب عليك تصور بشاعته. كان اللاجئون (
وبالمناسبة كان أغلبهم من حملة شهادات الدبلوم والبكالوريوس وحتى فيهم من يحمل
شهادات عليا ) يقضون النهار بالنقاشات السياسية والثقافية ويقرأون الكتب، أما
في الليل فكانوا ( وأنا واحد منهم ) يتداولون علناً كتاب ( عشيق الليدي شاترلي
). هل هذا الأمر فيه من ( السوقية ) شيء ؟ أنا أرى أنه من الظلم الكبير أن نطلق
هذه الصفة. أما شخصية عاشور في روايتي ( الضلع ) فهي شخصية نموذجية للعراقي
وخاصة من جيلي الذي لم تسمح له الظروف السياسية في العراق من سجون وحروب
والاشتراك في النضال المسلح في كردستان وانتهاءً بالمنافي البائسة، أن يقبّل
امرأة في حياته، لذا فقد كان للكبت الجنسي تأثير كبير على تفكيره وسلوكه
وشخصيته، حتى غدت المرأة بالنسبة إليه ذلك العنقود الذي لا يستطيع أن يطوله
فراح يحاول أن يقنع نفسه ( بسبب كبريائه أو غروره وهذه صفة ملازمة للشخصية
العراقية ) أن يثبت لنفسه ( أولاً ) بأن ذلك العنقود حامض ولا يستحق عناء
الوصول إليه. ومرة أخرى أكرر بأن لا فرق ( في هذه القضية ) بين الرجل المثقف
وابن الشارع فكلاهما ضحية مجتمع ووضع بالغ القسوة.
ما قد لاحظتِه في شخصية عاشور وربما هذا هو السبب
الذي دفعك على إطلاق كلمة ( سوقي ) هو أني ( كراوٍ ) فضحتُ دواخله التي لا يجرؤ
أي شخص أن يبوح بها لغير نفسه. فمن الطبيعي للمكبوت جنسياً أن يفرط في ممارسة
العادة السرية، ولأنه يكره امرأة حلمه لأنها متمنعة وصعبة المنال لذا فهو
يختارها عاهرة ويفرغ فيها عدوانيته وساديته.
( لي حديث طويل حول هذا الأمر ولكني لا أريد للقارئ
أن يبني تصوره لشخصية عاشور قبل أن يقرأ الرواية ).
عندما بدأت الحديث معك،
سألتني على الفور وبلهفة: ها كيف رأيت المشاهد الجنسية فيها؟ هل طغت على ما
أردت قوله في الرواية؟رددت عليك بسؤال وهو: هل تعتقد أن القارئ بشكل عام
سيعتقد بأنك قدمتها لمجرد الإثارة أم سيصل إلى نتيجة أخرى أردت طرحها من خلال
تلك المشاهد الصريحة المكشوفة للغاية؟
أنا شاعر، وعمر كتابتي الروائية عشر سنوات. لم يكن
عندي تصور واضح عن قارئ الرواية. قارئ الشعر يمكنني تحديد ملامحه أما قارئ
الرواية فهو بلا ملامح واضحة لذلك يبقى افتراض الكاتب مفتوحاً على احتمالات
كثيرة، من قارئ يقرأ الرواية ليتسلى أو لكي يستدرج النعاس، إلى القارئ الذي
يدرك أدق الأمور في بناء الرواية ويقرأ ما بين السطور، وهذا ما يقلقني جداً
لأني كتبت رواية تغري القارئ العادي لقراءتها بحثاً عن شيء في نفسه، ولكنه
سيصطدم حينما يجد بأن ليس خلف الأكمة عاشقان يمارسان الحب بل خلف الأكمة ما
خلفها. ولأنكِ أول من قرأ الرواية فقد أردت أن أعرف ردة فعلك. أنا أتوقع بأن
هناك من سيرفض الرواية بحجة أنها تخدش الحياء، عندها سأقول له إن السيدة اعتقال
الطائي قرأت الرواية ولم يُخدش حياؤها، وسأسأله عن اسم البوابة التي خرج منها
إلى الوجود، هل اسمها ( أبو العلاء المعري ) أم..؟.
ولكن يا حميد ألا تعتقد أنك
بذلك ستُتهم بالسوقية، خاصة وأنك تبنيت طريقة تفكير وسلوك جميع شخصياتك
المطروحة؟ لقد أضرمت النار فعلا وسيُذر عليك رمادها.
يا سيدتي, لماذا أتهم بالسوقية ؟ هل أنا كتبت رواية
بورنوغرافيا ؟ أنا كتبت عن حالة شائعة في الشرق كله ومن يتنكر لوجودها فهو إما
مغفل أو دعي أخلاق. هل ينفي عاقل تأثير الكبت الجنسي على الشخصية العراقية ؟
أما ما تجرأت على طرحه هو لغة المكبوت جنسياً والتي يتنكر لها الجميع بحجة
العفة. ولأني معنيّ بكشف أغوار هذه الشخصية لذا فقد جاءت لغة الرواية متناسقة
مع الموضع ومع حقيقة الشخصية. أنا أتحدى من سيتهمني بالسوقية بأن يصف المرأة
التي يتخيلها وهو يمارس العادة السرية، وبأية لغة يخاطبها ؟ وماذا تعني كلمة
العفة بالنسبة إليه في لحظة هوسه الشبقي؟
بالمناسبة، مرة وصفني أحدهم بأني جريء فقلت له
الجرأة تحصيل حاصل للحرية التي دفعتُ خمسين عاماً من أجل الوصول إليها، وها أنا
أتشبث بها ولست على استعداد أن أتنازل عن مثقال ذرة مما حصلت عليه.
الكبت العاطفي والجنسي في
مجتمعنا يخلق خيالا خصبا عند رجالنا وربما حتى عند النساء، فتجد الرجال يصفون
مغامراتهم مع هذي وتلك وهم لم يلمسوا إصبع امرأة بعد، وفي النتيجة يصبح للمرأة
المنشودة طعم العنقود الحامض، ومن ثم تتحول في نظرهم إلى عاهر؟ هل وجدت ذلك
مكثفاً عند المثقفين، خاصة أنك أزحت القناع عنهم في الضلع؟
بالتأكيد، الجنس يلعب دوراً كبيراً في حياة الإنسان،
وفي تشكيل شخصيته، والكبت الجنسي كأي شكل من أشكال الحرمان يولد ( الأُمنية )
وكما يقال ( التمني رأسمال المفلس ) وهي الدافع للحلم أو الخيال في تعويض حرمان
النفس، أو إيجاد نوع من أنواع العزاء لها. أعتقد أني أجبت على سؤالك هذا من
خلال الأجوبة السابقة وكذلك من خلال الكتاب الذي ألفه عاشور وحيد صابر ( بطل
رواية الضلع ) والذي أسماه ( رسالة في الجلق والجلاّقة ).
أما عن الشق الأخير من السؤال حول كثافة الخيال أو
الوهم الجنسي عند المثقفين فأقول لك : إن آفة المثقف ( ولأقل العراقي بشكل خاص
) هي الغرور. الإنسان العراقي كما يقول الدكتور صلاح نيازي في كتاب سيرته المهم
" يرضع الغرور مع حليب أمه. " أما المثقف عندنا فينطبق عليه المثل العراقي
البليغ " مثل الديك رجليه بالخرا ويعوعي ". لذلك ليس من الغريب حينما يصطدم
غرور المثقف بحقيقة حرمانه من المرأة, لا يلقي اللوم على نفسه وإذا حاول أن
يناقش القضية من خلال تخلف منظومة القيم الاجتماعية فأنه ينظر إلى المجتمع وإلى
منظومة قيمه من خارجها وبنظرة محايدة كأن الأمر لا يعنيه كرجل أولاً وكمثقف
ثانياً، عندئذ لا توجد أمامه حجة سهلة سوى أن يلقي الاتهام على الضحية وأعني
هنا ( المرأة )، وهذي هي حالة عاشور في رواية الضلع.
يستطيع القارئ من خلال أصغي
إلى رمادي، أن يتعرف على شخصية الطفل والمراهق الخجول المتردد الذي لم يجرؤ على
المبادرة بالتعرف على البنت وإسماعها كلمات حلوة، واكتفيت بتقديم شخصية الفتى
المهذب الذي يتأبط كتابه ليثبت وجوده بثقافته ومعرفته ـ ولربما ما زلت تتمتع
بهذه الصفة ـ وحتى في الضلع كانت النساء هن المبادرات ولست أنت. إذن هل طريقة
الانفتاح بالكتابة والجرأة المدهشة، ما هي إلا نوع من التنفيس والتعويض وقتل
الصفات التي نعتك بها مسبقاً؟
لا أعتقد المسألة لها علاقة بالجرأة أو الجسارة، ولو
أن حال المثقفين كحال حسان بن ثابت، لم يحمل سيفاً في حياته ( وهذا مدح لا ذم )
ولكنه في الوقت نفسه تجدين شعره بوقاً للتحريض على القتل. أنا أعتقد أن أول
ملامح الموهبة عند الطفل تظهر في حالة الشعور بالتفرد والاختلاف عن أقرانه، وفي
مراهقته تظهر عنده نزعة إثبات الذات بطريقة مختلفة تماماً عن المراهقين
الآخرين، وهذا ما ذكرته في ( أصغي إلى رمادي )، حيث لم يكن يهمني أن تعشقني بنت
الجيران، بل كنت أسعى أن أحصل منها على اعتراف بأني متميز ومختلف عن المراهقين
الآخرين. أما عن ( الجرأة المدهشة ) بكونها تنفيساً أو تعويضاً فأكرر اعتراضي
على كلمة ( الجرأة ) وأضع محلها ( الحرية ) التي حصلت عليها بمجهودي الذهني
والحياتي، بتجاربي وتأملاتي الروحية، ولكن لأزيدكِ ( من الشعر بيتاً ) كما يقال
فأنا لم ألمس في حياتي كفَّ امرأة حتى بلوغي الثلاثين من عمري وفي الدنمارك،
وعليك أن تقيسي كم من الفانتازيا والخيالات ( الاستمنائية ) يحوي رأسي هذا.
. لنتحدث عن بناء الرواية
الفني والدرامي واللغوي. يقال عن المطربين مثلا: إنهم يستعرضون عضلات حناجرهم..
فنجد لديك أساليب متعددة في الكتابة، وفي طريقة التفكير أيضاً ضمن كتاب واحد.
فهل هو استعراض للغة تمكنت منها؟
التمكن من اللغة ليس غاية وإنما وسيلة، وعلى الكاتب
أن ينتهي من هذا الأمر مبكراً. أنا لا استعرض عضلاتي اللغوية ولكن طبيعة
الشخصيات في كتاباتي تفرض ذلك، كذلك لا يمكن أن أفصل حياتي اليومية عن كوني
شاعراً وهذه حقيقتي. أتعامل مع كل الأشياء برؤية شاعر، لذا فمن الطبيعي أن تكون
لغتي على درجة من الإتقان وهذا قد ظهر واضحاً في كتاب ( أصغي إلى رمادي ). أما
في (الضلع ) وكذلك في رواياتي ( التي لم تنشر بعد ) فأني تعاملت مع الشخصيات
حسب مستوى وعيها، حيث سيجد القارئ بوضوح مستوى الوعي عند الشخصية من خلال مستوى
لغته. ساعدني كذلك كوني ضليعاً بالأدب الشعبي والأغنية ( في بداياتي كتبت الشعر
الشعبي والأغنية ) على اختيار أفضل الصياغات في الحوار. هذا التلوين والتدرج في
الصياغات اللغوية ما بين لغة حضيض الشارع صعوداً إلى لغة الحكمة والتصوف يفرضه
( كما ذكرتُ ) مستوى الوعي عند الشخصية، وليس استعراضاً لعضلاتي اللغوية. إضافة
إلى أني تعاملت مع الرواية كما أتعامل مع القصيدة من حيث البناء وتجنب الإطناب
أو الوصف غير الضروري، كذلك مسألة الزمن، ليس زمن الحدث بل زمن السرد وفواصل
الصمت بين جملة وأخرى كعازفٍ يعرف أين يضع إصبعه على الوتر. هذا ليس استعراضاً
عضلياً بل هو ضرورة تفرضها الكتابة، فأنا لو لم أكن واثقاً من قدراتي لما
جازفتُ في الكتابة.
بدأت رواية الضلع بفصول ربما
قد يتوه القارئ بين سطورها وما أخشاه هو أن يملّها، قبل أن يصل إلى الجزء السلس
( الرماد) ومن ثمن الأجزاء الأخرى التي ستصبح المفتاح الأخير للرواية، ألا
تعتقد كان من الممكن بناء الرواية بشكل آخر. فماذا تريد أن تقول للقارئ عن ذلك؟
أنا أفترض قارئاً ذا ممارسة في القراءة وذا فطنةٍ (
على الأقل في الحد الأدنى )، ولستُ معنياً بالقارئ الذي يقرأ للتسلية أو
لاستدراج النوم إلى عينيه، وقد وضعتُ مفاتيح للدخول إلى النص في يد القارئ، وما
عليه سوى أن يعرف كي يدير المفتاح(لا أرى في ذلك جهداً أو صعوبة )، فعبارة (
الصندوق الأسود ) التي وضعتها كعنوان للقسم الأول من الرواية لابد أن تدفع ذهن
القارئ إلى الربط بين ما سيقرأه وبين ( الصندوق الأسود ) في الطائرة المتحطمة.
إذنْ، لابد من وجود خلل وعليه أن يبحث عن أسبابه وأسراره.
قسّمتُ الرواية إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول هو
فصول من سيرة ذاتية كتبها بطل الرواية ( عاشور ) ووضعت لها كما ذكرت عنواناً هو
( الصندوق الأسود ) كإشارة واضحة إلى ما كان يفكر فيه قبل انتحاره. في سيرة
عاشور يدرك القارئ ( ذو الفطنة ) مراحل تطور مرض انفصام الشخصية ( الشيزوفرينيا
) عند بطل الرواية من خلال أفكاره، سلوكه، أحلامه، كوابيسه، هذياناته،... الخ،
فلذلك من الطبيعي سيكون القسم على قدر من الصعوبة والتعقيد، ويتطلب من القارئ
معرفة ( ولو بسيطة ) عن تأريخ الشخصيات التي كان يتقمصها عاشور مثل تموز،
جلجامش، وضاح اليمن، مسلم ابن عقيل، كذلك هناك حالة مر بها عاشور أثناء إجراء
عملية فتح القلب، وهذي حالة قرأت عنها كثيراً وتحاورت مع أناس مروا بها، وهي
الموت المؤقت، فقد يموت الإنسان حينما يصاب بجلطة قلبية وقد تستمر فترة موته
لتصل إلى نصف ساعة ثم بعدها يعود إلى الحياة. خلال فترة موته يرى مشاهد وصفتها
حسب ما قرأت وسمعت، مضيفاً إليها من خيالي.
( اعتقال، أنا قضيتُ شهوراً أتقمص شخصية المصاب
بالشيزوفرينيا حتى كدت أفقد عائلتي، فهل من المعقول أن أعطي القارئ نصاً يقرأه
كما يقرأ إحسان عبد القدوس وينام بعد أن يرمي الكتاب بهدوء ؟ ).
أما القسم الثاني والذي أعطيته عنوان ( الرماد ) وهو
على لسان الراوي الذي هو أنا, فهو كتابة ثانية موازية لكتاب سيرتي الذاتية، وقد
أدخلتُ ضمنها شخصية ( عاشور ) المفترضة. لذلك جاء سلساً ويتناول أحداثاً واقعية
يعرفها ( وقد عاشها ) كل عراقي منذ الستينات ( مرحلة طفولتي ) وحتى سقوط نظام
صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 .
القسم الثالث والذي تعمدتُ أن لا أعطيه عنواناً
فهو... ( سأترك للقارئ كشف أسراره. )
أدخلتَ موضوع "رسالة في الجلق
والجلاّقة" بشكل ذكي، ولكن ألا تخشى أن يتم تركيز القارئ على هذا الموضوع
المحرّم على حساب الرواية؟
لكي نكون منصفين علينا أن لا نرسم صورة قاتمة للقارئ
العربي، فنتوقع القارئ ضحل الوعي، لا يهمه من العمل الأدبي سوى ما يسليه أو
يحرك غرائزه، ونهمل جانباً مشرقاً في الساحة الأدبية العربية يتمثل بشريحة
واسعة من القراء الأذكياء الذين يهمهم الأدب الجاد، الأدب الراقي، الأدب
الممتلئ بالمعرفة.
قبل سنتين نشرتُ فصل ( رسالة في الجلق والجلاّقة )
في أحد المواقع المقروءة واستلمتُ عشرات الرسائل ( بلا أدنى مبالغة ) ومن بينها
رسالة من رجل دين، كلها كانت تشيد بالعمل من وجهة نظر قراء جادين، ولم ينظر أي
منهم إليه من وجهة نظر بذيئة. لذلك لا أشعر بأية خشية من ذلك.
نعم، هناك من اكتفى بقراءة العنوان وعلّق " عرب وين
طنبوره وين " أو " العراقيين ينقتلون بالجملة وحميد يكتب عن الجلق ". سمعت هذا
الكلام ولكن لو تأنى هذا الشخص وقرأ العمل كاملاً لوجده ليس كما يظن، ولوجد من
خلال هذا الموضوع أني وضعتُ إصبعي على سبب مهم من أسباب مقتل العراقيين.
"مقطع من رواية الضلع"
" لقد عزمت على كتابة هذه الرسالة بعد الذي لقيته
أثناء دراستي طالباً للفقه والعلمِ في حوزة قم من عنتٍ وزيفٍ وتخريف من شيوخ
النفاق والخداعِ والتسويف فرأيتُ ما هالني من شائن الفعلِ والقولِ في شؤون
الدين والعالمين فقد حدثني شيخي الذي كنت أحسبه جليلاً حافظاً للأمانةِ وللعلمِ
خزانة قال " حكم الجالد لعُميْرته كحكم الزاني بأمه في الكعبة " فما كان مني
إلا أن رحتُ أضرب رأسي ووجهي نادباً إسرافي في المعاصي ولسان حالي يقول " هلكت
ورب الكعبة" ….
في النهاية لقد تحرر حميد من
توأمه عاشور ـ لا أريد أن أقول نهاية الرواية ـ ولكني أسأل هل هو التحرر من قيم
كان على حميد أن يتخلص منها أبداً
الإجابة على هذا السؤال قد تجبرني على فرض النهاية
على القارئ وبذلك أحرم العمل من احتمالات وقراءات وتآويل كثيرة يجترحها القارئ
نفسه، ولكن بإمكاني القول إني أردت أن يكتشف القارئ أن شخصية ( عاشور ) قد تكون
موجودة وقد لا تكون، غير أنها موجودة في كل شخص فينا.
وهل تخلص حميد العقابي فعلا
من تلك القيم الجاثمة على فكره وسلوكه، وهل سيطبقها في حياته اليومية على
ابنتيه دجلة ونور؟
أنا عراقي وابن بيئتي، لكني احترقتُ بالحياة وأصغيت
إلى رمادي طويلاً وخرجت منه على الرغم من الحروق الكثيرة وبمختلف الدرجات، إلا
أني خرجت بتجربة ومعرفة لا يستهان بها. أفتخر وبغرور بأني تخطيت مقامات الصعود
إلى إنسانيتي وتلمست الحرية ( حتى لو طرفها ) وآليتُ على نفسي أن لا أتنازل عن
قيد شعرة مما كسبت. أما إذا كنت أطبق تلك القيم الجاثمة على ابنتي دجله ونور
فلا أعتقد ذلك، ليس للسبب الذي ذكرته قبل قليل فحسب بل إني بكتاباتي ( وبوعي
تام ) أغلقت على نفسي طريق الارتداد. بالمناسبة، أنا الآن بصدد إنجاز رواية
عنوانها ( بول البعير ) تتحدث عن نكوص وارتداد المثقف اليساري العراقي حينما
يصطدم بحضارة تختلف عن قيمه، خاصة حينما يتعلق بالمرأة.
لو بقيت في العراق، هل كنت
ستفكر وتكتب بهذه الطريقة، وهل أثرت عليك طريقة التفكير الأوربية، أم كلاماً
فقط كأغلب العراقيين الذين يعودون إلى أصولهم فوراً عندما تلامس نسمة التفكير
الأوربي أثواب بناتهم؟
بعد سقوط النظام العراقي اتصلتُ بأحد أصدقاء طفولتي
ومراهقتي ودار بيننا حديث طويل، ومن ضمن حديثنا سألته عن اسم ابنه فأجابني "
علي موسى الرضا " فسألته ببراءة " ألا ترى أنه اسم ثقيل كونه مركباً من ثلاثة
أسماء ؟ " فأجابني مستفَزَّاً وبفظاظةٍ غريبة " اسمعْ.. أقول لك.. أنت مو صار
لك عايش عشرين سنة بالدنمارك.. وهسه جاي تتعيقل براسي " ثم أردفَ بيقين كبير "
احنه شيعة.. ولدنا شيعة.. ونموت شيعة ". عندها أدركتُ حجم الكارثة وعمق الهوة
بيننا، وتساءلتُ مع نفسي " لو أني لم أخرج من العراق, هل كان تفكيري يختلف عن
تفكير صديقي؟ ".
يا سيدتي، على الرغم من كل مآسي النفي ونخره للروح
إلا أن للمنفى حسنةً كبيرة، فالمنفي يشعرُ مع أول خطوةٍ يخطوها خارج وطنه بأن
الزمن الماضي قد توقفَ وبدأ زمن جديد، زمن يختلط فيه الماضي والحاضر لينتج
زمناً جديداً تختلط فيه الذاكرة والمخيلة لتنتجا ماضياً متخيلاً وذاكرة لا
ترتبط بالماضي، عندئذٍ يولد في كل لحظةِ تأملٍ جدلٌ حاد، على الرغم من قسوة
نتائجه أحياناً إلا أنه لابد أن يركن إلى مفهوم جديد وأفكارٍ جديدة، يبدأ من
طريقة الأكل والتمخط وينتهي بالقيم العظمى. وكمخلوق اعتادَ أن يضعَ حياته على
طاولة التشريح، أقول إني توصلتُ إلى شيء يشبه القناعة على الأقل في ما يخص
خلاصي الفردي. ساعدني على ذلك إقامتي في الدنمارك من عام 1985. بالمناسبة، أنا
الآن في عامي الثاني والخمسين, وبهذا العام قد انتصف عمري تماماً، نصفه في
العراق والنصف الثاني في المنفى.
أسميتَ ابنتك دجلة، قل لي
شيئاً عن علاقتك بالنهر سواءً في الشعر أم في الحلم أو الحقيقة.
نهر دجلة كان بالنسبة إلي كالمرأة تماماً، فقد كنت
أعشقه وأخاف الاقتراب منه. أنا من مواليد مدينة الكوت، وللكوت جمال خاص بسبب
التفاف النهر حول خصرها مشكلاً منها شبه جزيرة، وكذلك وجود السدة، هذا البناء
الكونكريتي العملاق الذي كنا نمر عليه ونتوقف في منتصفه لنشاهد مشهداً لم نره
في مكان آخر، فحينما كانت تغلق البوابات الحديدية، يتدفق الماء المحصور إلى جهة
الجنوب هادراً، ومع تدفقه كانت الأسماك تتطاير في الفضاء، منها ما يسقط في
النهر ثانية فيواصل مسيرته، ومنها ما يسقط على الفواصل الكونكريتية، فيظل
يتقافز ويتقلب متشبثاً بالحياة حتى تخمد أنفاسه. كان المنظر جميلاً ومخيفاً في
الوقت نفسه. كان بيتنا يبعد عن النهر بمسافةٍ لا تزيد عن العشرين متراً، ولكني
لم أجرّب مرةً الدخول إليه، خوفاً من الغرق، وخوفاً من التعري فقد كان ساحل
النهر ملجأ للوطيين، وهذا ما كان يضاعف الخوف في نفوسنا، وقد نلاقي عقاباً
شديداً من أهلنا إن عرفوا بأننا جربنا السباحة في النهر، لذلك لم أتعلم السباحة
وهذا الأمر يحزّ في نفسي حتى الآن.
كانت لي أمنية لو عدتُ إلى العراق أول شيء أفعله هو
التعري والسباحة في نهر دجلة حتى لو غرقت. ولأني يئستُ من العودة فقد أسميت
ابنتي ( دجلة ). ولدت ابنتي في دمشق وحينما عدت بها إلى الدنمارك قبل عشر سنوات
وأنا في الطائرة كتبت قصيدة بعنوان ( حاملاً دجلتي وأعبر البلطيق ).
الآن، أنا يائس من العودة إلى العراق، لذلك سأبقى
حاملاً ابنتي، سابحاً في عينيها إلى أن تحين ساعة الفراق الأكيدة.
[ طويلٌ
مثل عنقِ إسرافيل
صغيرٌ
في ذاكرةِ الأوز
ذلكَ النهرُ الذي مر من بابنا
توضأ بالحزنِ
وصلّى علي ]
قصيدة كتبتها قبل يوم واحد من مغادرتي العراق عام
1982
لقد تعلمنا
في دروس التاريخ أشياء كثيرة عن سمات العرب، أذكر منها الغزو، الكر والفر
والأخذ بالثأر. ألا تعتقد أن هذه الصفات تجذرت في شخصية الرجل العراقي،
فبالنسبة له العلاقة مع المرأة هي بمثابة غزو والكثير من العلاقات تنتهي بالفر،
ألا تتذكر عبارة " جئتكم غازياً" لبطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب
السوداني الطيب صالح؟
الغزو, الثأر, العنف, ازدواجية الشخصية... الخ، كلها
مفردات في قاموس واحد وهو التخلف. نحن أمة بنيت ثقافتها على المفهوم الديني،
ولهذا السبب تبدو هذه الصفات قد تجذرت في الشخصية ( وإن كنت لا أتفق تماماً مع
هذا التفسير، لكوني أدرك أنه لو توفرت ظروف أخرى اقتصادية، سياسية، نخب ثقافية
مدركة لأحدثت اختراقاً في هذا الجدار الصلد ) لسبب كون الشخصية المبنية على
أساس ديني ترضى بقناعاتها اليقينية دون تفحصها، وهي ليست على استعداد أن تشكل
مع الآخر ( المختلف عنها ) طرفي جدل لأن يقينها المزعوم يمنعها من رؤية
أخطائها، وبالتالي هي غير قابلة للتنازل والتفاعل مع الآخر، لأن مفاهيمها دائرة
مغلقة على نفسها. تجذر المفهوم اليقيني ( الديني خاصة ) يولد حالة النكوص
والارتداد حتى لو أجبر الواقع هذه الشخصية على التأقلم مع ظرفٍ متجدد ونالها من
رذاذ التطور شيء. أنت تتذكرين بالتأكيد سبعينات العراق, كان هناك تطور ولو طفيف
في العلاقات الاجتماعية خاصة عند جيل الشباب في الجامعات أو دوائر العمل، وبرزت
قضية المرأة بشكل واضح، وكان من المتأمل أن يأخذ هذا التطور مساره الطبيعي، لكن
ما حدث هو العكس تماماً. ليست الظروف السياسية ( سلطة متخلفة, حروب, تدخل قوى
خارجية... الخ ) وحدها التي أوقفت هذا التطور بل لوجود بذور النكوص والارتداد
في الشخصية العراقية، وقد ضربت لك مثلاً صديقي الذي أسمى ابنه ( علي موسى الرضا
)، بل سأضرب لك مثلاً قد لا تصدقينه. لقد أخرجت جامعة كوبنهاكن ميشيل فوكو من
الدراسات الأكاديمية لأنه أصبح عتيقاً، وفي العاشر من محرم خرج عراقيون يقيمون
قريباً من جامعة كوبنهاكن وطبّروا رؤوسهم، فهل من الغريب أن يقتل هؤلاء بناتهم
إن عشقن ؟، ولكن على الرغم من كل ظلامية المشهد وكل المبررات التي توحي
بالتشاؤم يبقى الأمر غير ميئوس منه لأنه ليس قدراً، والطَرْق المتوالي عليه
سيلينه حتماً.
أما عن المثال الذي جئتِ به وأعني رواية ( موسم
الهجرة للشمال ) للروائي السوداني الطيب صالح التي تطرح قضية الاصطدام بالآخر
المختلف حضارياً ( ولأكن أكثر وضوحاً فأقول الأرقى حضارياً ) فأنها كأغلب ( إن
لم أقل كل ) الروايات العربية وحتى الشرقية التي كتبت عن علاقة الرجل الشرقي
بالمجتمع الغربي تمركزت حول علاقة الرجل الشرقي بالمرأة الغربية، وهذا الأمر
طبيعي لأن المرأة هي نقطة الاصطدام الواضحة جداً، وهي عقدة الرجل الشرقي سواء
أكانت الجنسية ( وأعني الكبت ) أم بمفهوم الشرف. في رواية ( موسم الهجرة للشمال
) هناك طرح خطير جداً لو عُممت الشخصية أو أخذت بعداً رمزياً، لأنها ستفسر
الأمر وكأنه قدر لا مفر منه، وهذا في رأيي غير صحيح، فمصطفى سعيد لم يكن شخصاً
عادياً بل هو رجل على درجة عالية من الذكاء ويحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد
أو القانون ( لا أتذكر بالضبط ) لكنه لم يستطع التخلص من بدائيته وعنفه وتخلفه.
وهنا يمكن القارئ أن يسأل هل مصطفى سعيد هو الطيب صالح نفسه ؟ أكيد الجواب
سيكون لا. إذن المسألة ليست قاعدة والركون إلى هذا التفسير يولد حالة إحباط تام
ويأس, فعلى الرغم من ثقل الماضي وسطوته على الشخصية العراقية أو العربية بشكل
عام, إلا أن هناك مجالات كثيرة لإحداث ثغرات في هذا الجدار، وكذلك مسيرة التطور
لا تنتظر أحداً فإما أن يفيقَ المريض من ( الكوما ) التي هو فيها أو أن يموت،
وربما سيقتنع أهل المريض بقبول فكرة ( الموت الرحيم ).
تحضرني روايتان
تعالجان الازدواجية لدى الرجل العراقي، هما وليمة لأعشاب البحر للكاتب السوري
حيدر حيدر، ورواية سعدي سماوي "الخروج من القمقم" لعب الجنس فيهما دورا أيضاً.
فما رأيك؟
قرأت رواية ( وليمة لأعشاب البحر ) ولكن لا أتذكرها،
ومع الأسف لم أقرأ الرواية الثانية، ولكن أقول لك إن موضوع الجنس في الرواية
العربية لم يعد نادراً خاصة في أدب الشباب فقد صدرت عدة روايات في هذا الموضوع.
لا أدري لماذا تثار ضجة عندما
يتطرق الكتاب العرب إلى هذا الموضوع في الوقت الذي تُرجمت فيه مئات الأعمال
الأجنبية أذكر على سبيل المثال روايات ألبيرتو مورافيا والتي قرأناها منذ عشرات
السنين وغيرها الكثير، هذا أيضا يدخل ربما ضمن الازدواجية التي نعيشها؟
السطوة الدينية ولأسباب سياسية معروفة باتت تتحكم في
مجمل مناحي الحياة العربية، فالسلطة السياسية اتخذت من الدين غطاءً شرعياً لها،
الإعلام العربي تتحكم به أنظمة رجعية متخلفة، النخب السياسية والأحزاب لم تعد
تشكل طليعة في المجتمع، المجتمع نفسه وجد في الدين ملاذاً آمناً، المثقف نفسه
انهزامي وليس على استعداد أن يدافع عن كلمتهِ. خذي مثلاً السينما المصرية، في
الخمسينات كان مشهد القبلة مألوفاً أما الآن فأن الأم التي تفتح الباب لابنها
العائد من غيبة طويلة تقف أمامه متسمرة بلهاء، لأن هناك محرماتٍ على القبلة،
والعراق الذي أنجب مبدعة مثل نازك الملائكة في الأربعينات من القرن الماضي ها
هو الآن يتخبط في تخلف لا يستوعبه عاقل.
" مقطع من
رواية الضلع "
" هل أفرح؟ " .
لقد تخلصت من قسوة الوطن وأشباح الموت التي تطاردني.
" هل أحزن؟ ".
وأنا أودع شيئاً عزيزاً قد لا أعود إليه ثانيةً.
المكان يتحرك غير أن الزمان بدأ بالتجمد، يتوقف عند
الخطوة الفاصلة ما بين مترين.
" هنااااااااااااك … وطن اسمه العراق "
وكان سؤالي الأخير للشاعر حميد العقابي.متى
شعرت بالفرح لآخر مرة؟
صمتَ، ثم رد بصوت خافتٍ كاد لا يُسمعُ.
والله ما أتذكر يا اعتقال!!!
تشرين أول 2007
حميد العقابي ـ اعتقال الطائي
رابط لفصل
من رواية الضلع
حميد العقابي
مواليد عام 1956 الكوت / العراق
( . ) غادر العراق مشياً على الأقدام
إلى إيران نهاية عام 1982
( . ) يقيم بالدنمارك منذ عام 1985
( . ) أصدر الكتب التالية
ـ أقولُ احترسْ أيها الليلك ( شعر )
1986
ـ واقف بين يدي ( شعر ) 1987
ـ بم التعلل ؟ ( شعر ) 1988
ـ تضاريس الداخل ( شعر ) 1992
ـ حديقة جورج ( شعر ) 1994
ـ وحدي سافرتُ غداً ( شعر بالدنماركية
) 1996
ـ كمائن منتعظة ( شعر ) 1998
ـ أصغي إلى رمادي ( فصول من سيرة
ذاتية ) ط1 2002 ، ط2 2003
ـ ثمة أشياء أخرى ( قصص ) 2004
ـ الفادن ( شعر ) 2005
ـ الضلع ( رواية ) 2007
مخطوطات :
ـ أقتفي أثري ( رواية )
ـ الفئران ( رواية )
ـ منادى لا يسمع ( شعر )
ـ في اليوبيل الفضي لموتي ( قصص