لم تنته الحرب

 

نصوص عراقية

 

 

 

العدد 27 -- كانون الثاني  2006

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

 

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

 

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

الكتابة.. ليست نزهةً ولا لعباً بالكلمات: سلام إبراهيم


مقالات ودراسات

الحادثة: نصير عواد
فلسفة المصير: حمودي عبد المحسن
هاملت البياتي وقباني: د. عدنان الظاهر
التنمية والأصلاح الأقتصادي في العراق: د. عبد الوهاب حميد رشيد
صدام والدراما المعقدة من ساحة الفردوس إلى قاعة المحكمة: محمد مظلوم
اليسار ـ الديمقراطية ـ العلمانية: محمد حنفي
عقبات أمام ثقافة الديمقراطية في العالم العربي: خالد غزال
محاورة الآخر ومساءلة الذات !: إبراهيم الداقوقي
وأد البنات: سحر الياسري
عن التقارب بين الأسلام والغرب: محاضرة د. ماجد فخري إعداد: صلاح شعيب
مرايا سقوط بغداد: محمود الزيباوي
تساؤلات صامته تعد بالبراكين: أدونيس


شعر
 

مولعٌ بغموضكِ ياخلاصة الحبِّ : سعد جاسم

 درب: مجيد الأسدي

بوصلة أخرى للمتاهة: عبد اللطيف حرز
أربع قصائد: قيصر الوائلي
أنا الذي رأى: أزاد أسكندر
البحث عن فنار علي: حسين علي شاهين

الطير والصياد: طارق ياسين

ثلاث قصائد لأزار باوند:  أزاد أسكندر
قصائد عن الدنمراكية !:  جمال مصطفى
 من الشعر النمساوي:  بدل رفو

قصص

القلب المسحور: فؤاد ميرزا
قلب خشب: حسن عبد الزارق
البرزخ: حسن الفرطوسي
شعور عارض: صبيحة شبر
كائن: محمد رسن
لم تنته الحرب: أعتقال الطائي
نخلة في غرفة: سلام إبراهيم

قصتان قصيرتان: هيثم محسن الجاسم


الكتابة والتجربة

نصان عن تجربة واحدة
تتبع منابع التجربة: سلام إبراهيم
كآبة الأبداع وفردوسه: علي الشوك

الرواية

مقطع من رواية مهرة بلا فارس: وفاء نصر شهاب

يوميات

يوم في حياة: عالية ممدوح
يوم  في حياة: كازيميرو دي بريتو
!


مسرح

حوار مع مسرحي عراقي: شمس الدين العوني
جواد الأسدي يبدأ عروض عمله الجديد "حمام بغدادي" في دمشق
سنوات مرت بدونك نص مسرحي: لجواد الأسدي: هوشنك الوزيري

سينما

عودة "خفيفة" لمحمد خان: وائل عبد الفتاح
وقائع "السقوط" بين أدلوف هتلر وصدام حسين

تشكيل

بغداد ـ باريس في متحف مونبارس: محمود الزيباوي
الفنان الكردي بهاء الدين محمود: أسامه ختلان

متابعات

ريم قيس كبة شاعرة من العراق: محمد علي شمس الدين
كتاب "صدام حسين الأسود" بروتريه واحد للدولة والعائلة والرئيس: خالد سليمان
قراءة في قصص سلام إبراهيم
حين تغدو الكتابة تصفية حساب مع الحنين ! باسم المرعبي


كتاب الشهر

ما بعد الحب رواية "هدية حسين": سلام إبراهيم

حملة تواقيع

بيان تضامني مع الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية العراقية.

كتب

كتب وصلت المجلة


البرمجة الالكترونية الشاعر آزاد اسكندر

عودة الى موقع الكاتب العراقي



 

 

 

اعتقال الطائي

 

  لا أنكر أنه لفت انتباهي بوسامته ولباقته، باستقامة ظهره، وحتى بطريقته في تأدية التحية عندما كنا نلتقي صدفة، وبشكل يكاد يكون متواصلا في ساحة لعب الأطفال، صباحا وعصراً. كنت سعيدة وفخورة أمامه بابنتي وهي في الثانية من عمرها وتمتلك تلك البراعة في الجري وراء الكرة مع أولاد العشر سنوات كي تسجل هدفاً. يمتدحها ويحث حفيدته على اللعب مع الصغار. كنا ندخل في حوارات طويلة، نبترها فجأة عندما نرى أن الوقت قد حان للعودة إلى بيوتنا. في كل ساحات اللعب وكما ألفناها، يبدأ الحديث بين الناس حول الأطفال وتربيتهم وعاداتهم، ثم يتطور للخوض في السياسة والفن والأدب، وإن كان أجنبيا، من أين أتى ولماذا وكيف تأقلم على حياة البلد والعادات والتقاليد. ونظل نسمع قصصا وأساطير عجيبة غريبة، بينهم من يتحفظ في قول رأيه، وللآخر حكم مسبق اتجاه الأجانب.. وتضجر الأمهات الشابات أحيانا من عبء تربية الأطفال والتذمر من الشريك، ومرة تطفح كلماتهن بالحب والنشوة خاصة بعد مضي عطلة هادئة مترفة مشحونة بالمشاعر التي افتقدنها في أيام العمل.

   تمرُّ الأيام والشهور و يبدأ عام جديد، تغيب وجوه لتحل محلها وجوه مواليد جديدة، ونظل نلوك الكلمات ونلعب مع الصغار.وكان هو.. كلما رآني ابتهج، لم أعرف سر فرحته بي ولماذا لا يحدّث نساء بلده؟ ألمح الاستفهام في عيونهن. كان صوته خافتا حتى وإن غضب من حفيدته، لم أره أبدا يجلس في فيّء شجرة كالمتقاعدين. وحينما أودعه أرى حزنا شفيفا في عينيه مع ابتسامة رقيقة. وفجأة غاب، تُرى ماذا ألمّ به؟ لم يكن مريضا، لم أسمعه يشكو أبدا كعادة المتقاعدين من كلا الجنسين وكأنهم يحصدون اللذة في التسابق على تعداد أمراضهم. وذات يوم وأنا أسرع في دفع الحساب بعد التسوق كي أذهب لجلب ابنتي من الروضة، سمعت همس تحية آتية من ورائي وبلغة البلد التي تعني:

ـ أقبّل يدك..

ـ أهلا نهارك سعيد!         

   فرِحتُ لوجوده، واستفسرت عن أحواله، كان كطفل فقد لعبته وهو يقول:

ـ أنا بخير، للأسف، انتقلتْ ابنتي إلى مدينة أخرى. أفتقد وزوجتي حفيدتنا الصغرى، كانت الملعونة بالرغم من مشاكستها تلوّن حياتنا الهادئة.

   خرجنا، كنت في عجلة من أمري، فراحت الكلمات تتطاير من فمي بسرعة البرق عبر عشر خطوات لأوفيه بأخبارنا، ركضت وأنا ألوّح بيدي متمنية له الخير والصحة، وقبل أن يرفع يده ارتسم ذاك التعبير الذي ألفته على وجهه عندما يودعني.

   شبّ الصغار وكبرت الأمهات، ومِن بين الأجداد مَن شاخ ومن رحل. ولم يبق من ساحة لعب الأطفال غير ذكريات عن هذه وتلك وهذا وذاك. كلُّ مضى في سبيله شاقا طريقا رسمته له ظروف حياته نحو مصير محتوم. واليوم بعد عشر سنوات لآخر لقاء معه، وفي صخب محطة المترو التي ازدحمت بالبشر قبل أعياد الميلاد، لم أسمع صوتاً يناديني في الضجيج، وشعرت فجأة بيد تحط على كتفي، جفلتُ للوهلة الأولى، استدرت وإذا به، والغبطة تلوّن وجهه بمشاعر حميمة لرؤيتي. هو بقامته المستقيمة التي مازالت تقاوم تضاريس الزمن. خلعت قفازي لأصافحه فشعرت ببرودة يده. كان يحمل مجموعة من الطوابع التي جمعها طوال حياته ليعرضها للبيع في احد المحلات بعد أن خاب أمله بأحفاده الذين أبدوا عدم اهتمامهم بها. كان على يقين بأنه سيحصل على ثمن باهظ  يستطيع به شراء هدايا مناسِبة لأعياد الميلاد. استفسر عن وضعنا، وبما أننا اعتدنا الحديث دائما عن الأدب فأخبرته عن الترجمة التي أقوم بها. أخذ بيدي لنقف جانباً، وكأن العالم قد تلاشى من حولنا راح يحكي لي قصة قرأها قريبة إلى قلبه يود مني ترجمتها.

ـ لماذا هذه القصة بالذات؟ سألته..

ـ لأنني أرى فيها نفسي. كنت أعشق فتاة قبل انخراطي في الجبهة في الحرب العالمية الثانية حتى وقعتُ في الأسر في معسكرات الاتحاد السوفييتي، كنت أحلم بها في كل ليلة، أتدفأ بحرارة عينيها التي ظلت تنظر إلي من صورتها التي رافقتني حتى عودتي. وعدت أبحث عنها، كنت في الثانية والعشرين، وهي لم تكمل العشرين بعد. لم أجدها، ضاعت تحت ركام الأنقاض. كانت لها عينان واسعتان دافئتان، وشعر طويل داكن كشعركِ.

   صمتَ.. وعرفتُ بعد أكثر من أربعة عشر عاماً الرد على سؤال يدور في خلدي. عن سر لم تعرفه حتى من تعيش معه، سر تلك المشاعر الحميمة تجاهي. تلاشت الابتسامة التي عهدتها وكأنه اليوم يسمع خبر رحيلها. خرجنا من محطة المترو، لم أعرف ما أقول له، وقفنا تحت الثلج الهاطل بغزارة وسط الباعة، وغصة تحبس كلماتي، مددت له يدي فضمها بين كفّيه وشعرت بنابض الثمانين عامآ مازال يخفق لذكرى الحبيبة. ودعته، أغالب دمعتي، تاركة إياه في الزحام يبحث عن شال من الصوف لزوجته التي وصفها بالطيبة ليمنحها الدفء في أعياد الميلاد.

 

2005.12.18

بودابست

                         

 

  اللوحة للتشكيلي العراقي: صادق طعمة