|
فصول من
كتاب "كان يا ما كان"
|
|
|
للصحفي المجري: آنتال ماروشي ترجمة: اعتقال الطائي
ما الذي يدفع عادة بالصحفيين للتضحية بأرواحهم من أجل تغطية حدث
ما،
سواء في زمن الحرب أو السلام، هل هو تأدية العمل والقيام
شغل بال آنتال ماروشي مصير الشعب العراقي، فقرر العودة في عام 2002
بعد أن اطلع على مؤتمر المعارضة في لندن، وذهب إلى أمريكا ليجري لقاءا
مع عالم الذرة الدكتور خضر حمزة والذي نشره ف
لقد عاشا وسط الشعب الكردي وفي بيوتهم كما كتب في أحد أجزاء كتابه
تحت عنوان "وكأننا أفراد عائلة". إن ما يميز الكتاب هو أنه ليس تجميعا
من كتب التاريخ أو الأنترنت . بل نقل الواقع كما هو دون تحريف
بكى عندما كتب له ابنه رسالة رسم فيها طائرات ليقول لأبيه: "يكاد
قلبي يتمزق من خوفي عليك" أجابه الأب: أنا برعاية الله يا ولدي، سأعود اعتقال الطائي
محارب من أنصار الإسلام
تعتبر الغالبية العظمى أن أنصار الإسلام هي ـ منظمة إرهابية- يبلغ عددهم حوالي 1000 شخص، وبالدرجة الأولى يتمركزون في المنطقة الحدودية بين إيران وكردستان العراق. في جبل قنديل. وهم يتحملون مسؤولية إطلاق النار في مركز السليمانية في نيسان عام 2002. حيث فقد حياته اثنان منهم، واستطعنا إجراء الحوار مع الثالث الذي اختبأ وأسمه قيس، الذي يقول: " تحتوي قائمتنا على أسماء كثيرة، بينهم اثنان من اكبر قادة الأحزاب مثل مسعود البرزاني وجلال الطلباني، اللذان لا يمكن الوصول إليهما. العملية التي قمنا بها ضد رئيس الوزراء في منطقة السليمانية برهام احمد صالح، كانت تبدو واجباً أسهل، لأنه لم يتمتع بحماية كافية، استغرق الإعداد للعملية سنة ونصف، كانت لنا تجاربنا الخاصة، ولكننا سعينا إلى الكمال، لذا سافرنا إلى الأردن لإجراء محادثات مع المنظمات التي تحمل نفس العقائد ". يحب الصحفيين والتحاور معهم، يعتبر اهتمامنا أكبر وأكثر انفتاحاً من المحققين الذين عرفهم. - بماذا فكرت وشعرت عندما ذهبت لقتل شخص؟. - كنت أحس بارتياح عظيم، وكأن روحي طائر يخفق، لأنني أنا الإنسان البسيط الصغير، سأنفذ الآن عملاً جباراً. كنت قادراً على تفجير نفسي، ولكني أردت أن أطلق الرصاص لأن الأول – أصعب بكثير- ولكن كان يبدو أجمل أمام الله. - هل كان الدخول سهلاً إلى السليمانية بهذه اللحية الطويلة التي لم تكن مألوفة هناك؟. - لقد حلقنا نحن الثلاثة لحانا، وارتدينا ملابس عادية، ودخلنا بسهولة. توجهنا نحو الهدف تاركين مسافة بيننا. ليرى بعضنا البعض. خبأنا أسلحتنا المعدة للرمي تحت معاطفنا، لم نثر الشك لدى الجنود والشرطة الأكراد. لذا سُمح لنا عند نقاط التفتيش بالاستمرار في الذهاب. بدأنا نركض في الأمتار الأخيرة أطلقنا الرصاص على سيارة برهام أحمد. الهجوم المفاجئ أثار دهشتهم، لذلك فإن رجال الحماية عادوا إلى وعيهم بعد فترة زمنية وجيزة. نجحت بالفرار لكن رفاقي قُتلوا. دخلت رصاصة في عضلة ساقي لم تمس العظم، لذا استطعت الركض. اختبأت في بيت أحد معارفي، وفي اليوم التالي عثروا علي حين تم تمشيط البيت. استناداً إلى عمود في صحيفة كردستان نيوز أن برهام احمد صالح لم يصب بجروح، مات خمسة من رجال حمايته في الفور، وجرح اثنان منهم. استخدم المهاجمون أوراق مزيفة، بينها أوراق رجل " بشمركة " قُتل من قبل أحد أعضاء أنصار الإسلام الذي قُتل هو الآخر في عملية اغتيال أخرى وقعت قبل سنة ونصف. - على أي أسس يوضع اسم أحد ما على تلك القائمة؟. - كل من يبيد المسلمين له مكان على هذه القائمة. الحريري ليس كونه مسيحياً، وإنما لأنه عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني ويقتل المسلمين. بالنسبة لنا هو في الدرجة الأولى عضو في الحزب وفي الثانية مسيحي. - هل تعتقدون بان لكم الحق في إطفاء حياة الآخرين؟. - أن الله وهب الحياة للإنسان ومن يكفر بالله، لا يستحق الحياة. واجبنا هو حماية حياة المسلمين المؤمنين الطاهرين، الذين لا يريدون السير في طريق آخر غير طريق الله وموسى والأنبياء الآخرين. لم يصدر الحكم بحق قيس بعد، ليس بحاجة إلى محامي- كما يقول – لأن الحكم ليس بيد محكمة على الأرض، بل بيد الله. وبهذا لا يشغله ما سيحل بمصيره. كان والداه يعيشان من تقاعد أبيه الضابط في أربيل، ولكن بعد الحوادث انتقلوا إلى مكان غير معروف. كان قيس في الماضي ينتمي إلى حزب KDP " شكلياً ". كان يسعى بكل طاقته للبحث عن ذلك النظام، الذي يستطيع من خلاله فهم العالم. " طريق خاص " يمهد له أن يعيش حياته بتكامل. درس ماركس، ونظريات الشيوعية والاشتراكية – وبالطبع كمؤمن – كُتب الدين، وعلى رأسهم القرآن، والحديث. " راجعاً إلى الوراء" وضّحتْ له صورة الإسلام، الذي هو بالنسبة له الطريق الوحيد. هدف حياته النضال من اجل حماية المسلمين من الكفار. بحث عن أصحاب يحملون نفس طريقة تفكيره. وأسّس جماعة تحت أسم " التوحيد". انتقلوا إلى الجبال المحاذية للحدود الإيرانية، أزداد عددهم بسرعة فائقة، وعرف العالم منظّمتهم تحت اسم أنصار الإسلام. - هل لأنصار الإسلام علاقة مع القاعدة؟. - بالطبع ! انتمى إلى جماعتنا عدد كبير من أشقائنا الأفغان والذين جلبوا معهم أفكار أسامة بن لادن. وهذه تتفق تماماً مع عقائدنا. توجد اختلافات بسيطة بيننا. مثلاً نحن على النقيض منهم نحارب أعداءنا في مساحتنا الضيقة، لأن حسب تجاربنا لها تأثير اكبر من الحرب في نفس الوقت على جبهات عدة. - ما هو جوهر التشابه الأيديولوجي؟ - أهم هدف هو حماية المؤمنين المسلمين الأتقياء من الكافرين بالله، أساس فكرنا هو العلاقة بين الله والإنسان. على هذا الأساس تنقسم الجماعات إلى أربع. أولها أهل الكتاب، بمعنى أخر المسيحيون واليهود. في الحقيقة ليس لنا مشكلة معهم، هم أيضاً يؤمنون بالله وتعاليمه. الجماعة الأخرى هي " المشركون" وهؤلاء من يشركون بالله فيؤمنون بغيره أيضاً كالبوذيين والهندوس. هؤلاء جهلة لم يسمعوا شيئاً عن الإسلام يجب هدايتهم إلى الطريق الصحيح. أما الآخرون فهم، المنافقون الذين يتظاهرون بأنهم المسلمون الصالحون، لكنهم فاسدون من الداخل. مثل هؤلاء، محاكمتهم ليس من واجبنا. عقابهم سيظهر يوم القيامة. أخطر شيء بالنسبة لنا هو جماعة المتخلين عن الإيمان. كالمسلمين الذين كفروا بتعاليم الإسلام، إذاً.. فهم مذنبون. ينتمي لهؤلاء جميع رؤساء الدول الإسلامية، الذين ينادون بأنظمة ديمقراطية، لأننا نعلم: يوجد على الأرض نظام واحد خلقه الله. إذا توفر الوقت يجب محاولة إقناع من ينتمي إلى تلك المجموعة. في كثير من الأحيان نجابَه برد حاد، لذلك يصبح الإقناع غير مجدِ. عند ذلك تتدخل الشريعة الإسلامية في حياته، والتي تنص على قتل من خرج عن دينه!. هنا في كردستان عملنا كل شيء من أجل ذلك. بعثت رسائل وشرائط فيديو لرؤساء أكبر الأحزاب السياسية مثل مسعود البرزاني، وجلال الطلباني، من خلالها لفتُ انتباههما لكل شيء. لم نستلم منهما أي رد. وكان الحال كما هو بالنسبة لقواتهم المسلحة أيضاً. عرفنا بان من يؤمن من بينهم بعقائدنا وتعاليمنا يضعونه في " مخيم لإعادة التربية" يعاقب، ويعتقل. عندها أعلنّا الجهاد، الذي صرنا نلمس بأيدينا نتائجه. - قلتَ بأن أسس فكركم تتفق مع فكر أسامة بن لادن. إذن ما هو تفسيركم لما قام به بن لادن وهو محاربة الجماعة الأولى التي ذكرتها؟. - إنه بدأ عند الجذور، لأن الولايات المتحدة الأمريكية تحمي وتساند الأنظمة الكافرة بدينها. سُررنا، عندما قام إخواننا بتدمير مركز التجارة العالمي. إذا ينهي بوش مساندته لأعدائنا، سنقبله كفرد في مجتمع أهل الكتاب. - على ذكر هذا الموضوع، فإن USA دعمت إسامة بن لادن أيضاً. - ليس صحيحاً، هذا رياء، . لقد سار في طريق الله، عندما حارب ضد الروس الكفار، وقَبِل فقط بالمساعدة التي قُدمت له، لكنه لم يخدم مصالح أمريكا!. - أي مصير ينتظر العراق، وأنصار الإسلام؟. - سيكون للعراق قادة جدد، مثل الجلبي، عبد العزيز الحكيم، البرزاني، الطلباني، وآخرون. كل هؤلاء كافرون! وحتى الأمريكي أفضل منهم! . أما بخصوص أنصار الإسلام، سيدمروننا كما أعتقد!، لقد مات كثير من أعضاء منظمتنا. يأمل هؤلاء الذين لا يعرفون الشريعة الإسلامية، بأننا سننتهي. لا يعلمون بأن ما يحدث لنا دائما يجري بالمقلوب!. فإذا مات أحد من عندنا، لم يعط لنا الضعف بل القوة! يبقى دائماً من يسير في طريق الله. عبثاً يقضون على أنصار الإسلام، ستكون هناك مفاجآت صدقني!. وقبل أن يختفي وراء باب زنزانته، ينادي " في موضوعك ضع صوراً مبتسمة فقط. إن أفضل ما يعبر عن ذاتي، هو الانسجام بين العقل والروح" .
سجين أنصار الإسلام
يعيش السجين في حلبجة مع عائلته. له من الأبناء ثلاثة عشر أكبرهم يعيش في لندن. يبعث كل شهر 50 دولاراً إلى العائلة. كان أبوه " مُلاَ " شيخ ديني. كذلك جده، لكنه أصبح مدرساً. " ليس كثيراً، ولكن باستطاعتي الحصول على مبلغ اكبر. لم أرغب أن أكون كأجدادي الذين إلى جانب عملهم كمُلالي كانوا فلاحين أيضاً، كي يدبروا حياتهم"، يقول بينما يطلب منا : ألا نصوره ولا حتى نذكر اسمه. يخاف كثيراً. كان سجيناً منذ حزيران 2002 وحتى كانون أول في سجون أنصار الإسلام. ربما الآن يساهم في تصديق قصتنا المقبلة، صحفي جريدة " أخبار كردستان " من مدينة حلبجة البالغ من العمر 39 عاما. بناءاً على طلبه ذهبنا للبحث عن السجين وبقي معنا حين أجرينا اللقاء المشترك. يعمل إبراهيم منذ عام 1998 للصحيفة. أكمل دراسته كمهني لتصليح السيارات، لم يمارس مهنته أبداً، كان يحب كتابة الشعر ويهتم بالأدب والثقافة. يمارس العمل الصحفي منذ عام 1993. عمل في صحيفة بغدادية مختصة بأخبار المصانع للعمال، ثم أصبح لمدة عام مراسلاً في إيران." أعمل هنا في حلبجة وأطرافها تحت تهديدات مستمرة. عندما كتبت عن ظروف خطوط التلفون السيئة، دعاني رئيس أحد المنظمات الإسلامية في السليمانية إلى مكتبه وهددني بشكل علني، بأنه إذا تكرر مثل هذا مرة ثانية سيؤدي إلى نهايتي. دائرة الهاتف والاتصالات على ما أظن تابعة لهم. ومنذ عملي في صحيفة الاتحاد الوطني الكردستاني، لم يتحرشوا بي، لأنهم يعرفون باني تحت حماية PUK". - قال ذلك وهو يشعل سيجارة بعد الأخرى، وقبل أن نذهب، ألقى الرجل نظرة سريعة على مكتبته التي يفخر بها مضيفا ًـ " كان يجب علي أن اعمل شيئاً أخر. لان المائة دولار شهرياً من الصحيفة غير كافية لإعالة عائلتي لذلك فتحت هذه المكتبة" . نذهب إلى السجين بمصاحبة نصير من أحد المراكز المحلية، مرافقته تثبت بأننا أناس موثوق بهم، يقص لنا السجين الحكاية و كأنه يقدم إفادته. " الساعة الخامسة عصراً في الثلاثين من حزيران عام 2002- لا أستطيع أبداً نسيان ذلك التاريخ- وقفت سيارتا جيب تويوتا أمام منزلنا. داهم المسلحون بيتنا، وصاروا يصرخون علينا ويعبثون في الأشياء بشكل عشوائي، بعثروا محتويات الأدراج. ثم أخذونا أنا وأخي إلى بيارا حيث مركز أنصار الإسلام ". - هل ذكروا ما هو السبب وراء كل ذلك؟ - لا، قالوا لنا سنذهب في زيارة لفترة قصيرة. بعد فترة أطلقوا سراح أخي، بعد أن أخذوا سيارته منه ولم يعيدوها له. خلال ستة اشهر عانيت من الضرب المستمر كي يأخذوا مني اعترافاً بأنني عضو في PUK. عبثاً نفيت ذلك، لم يصدقني أحد. - هل مارست السياسة؟. - لا. قبل 8 سنوات كنت نصيراً، ثم تركته، درّست الأطفال في مدرسة القرية، وعملت سائقاً إلى جانب ذلك. - هل عرفت من اعتقلك؟. - رجال أيوب الأفغاني. الذي تلقى التدريبات لمدة ثلاثة عشر عاماً في أفغانستان، وحارب في الحرب الأخيرة، ثم ظهر على ساحة هذه المنطقة، انه كردي عاش في أربيل. يقدم لنا الغداء اكبر الأولاد . كانت الوجبة مكونة من أرز بالطماطم مع خضار – يقال أنها تساعد على عمل الكلى-. نأكل بصمت، وخلال شربنا للشاي يكمل السجين حديثه دون أن نطلب منه. - لم أحصل على الطعام في الأسبوعين الأولين، والماء كان للاغتسال قبل الصلاة فقط. شربت منه قليلاً. أما في الأسبوع الثالث حصلت على وجبة واحدة في اليوم وهي: خبز مع الطماطم. كانوا يربطون أطرافي ويبدأ الضرب بأسلاك الكهرباء. يتكرر هذا مرتين أو ثلاثة في الأسبوع. الجروح ملأت جسدي وتورمت عيناي، وسال الدم من أذني، وحتى البول امتلأ بالدماء. وذات يوم استدعوا طبيباً يتكلم الكردية بشكل رديء، وبنفس طريقة كلامه عالجني، كانت تتسرب من الغرفة المجاورة أصوات صراخ رفاق مصيري . - ما كان أصعب شيء واجهته؟ - عندما أتوا بعائلتي بعد شهرين ونصف التقيت بهم لبضع دقائق. يبكي السجين بصمت. يغالب دموعه، التي يدعكها على وجهه بحرج، ثم يستعيد صلابته عندما يدخل ولده الأكبر. يرى وضع أبيه فيحس به، ويكمل الحديث: - لم أتعرف على أبي في بادئ الأمر. اعتقدت أنهم أخذونا إلى رجل متوحش، كان حليق الرأس تماما،ً وجهه اسود من آثار الدماء الجافة عليه، كان بلباسه الداخلي فقط. لم يستطع المشي إلا إذا أستند على طرفي كعبيه. انتحبنا، لم نقو على الكلام ومع ذلك فرِحتُ لرؤيته، لأنني افتقدته، وعندما كنت أرى الأطفال يلعبون مع آبائهم أحسست بان قلبي يتمزق. - ما هو إحساسك اتجاه أولئك الناس الذين فعلوا ذلك بابيك؟ - الحقد، أتمنى لو أسحق رؤوسهم ضرباً بهذه البطارية. يتدفق الحقد من الولد المراهق، لكن أباه يفكر بشكل أخر . - لا احمل حقداً اتجاههم. لأن هذا يتناقض مع ما علّمنا عليه أجدادنا. فجأة بين يوم وأخر أُفرج عني، وفضلت أن أترك كل شيء هناك. أجّرنا هذا البيت وانتقلنا إلى هنا. أتأمل أن ينتهي كل شيء بسرعة، وسنعود إلى ديارنا. اعترانا شعور مريح، عندما خرجنا من البيت البارد إلى الشمس المشرقة. استغرق الوداع وقتاً طويلاً، لأنه أراد أن يعبر عن امتنانه لنا. كنا أول من أستمع له. نؤدي السلام، ويسرع " السجين ". لأن موعد الصلاة قد حان.
الحياة الجامعية
أحبََنا رايناز، اصطحبنا إلى عائلته. كان فخوراً بالحاسوب الجديد نسبياً وبسلاحه الموجود في خزانة ملابسه" لن أتأخر إذا اندلعت الحرب سأحارب بهذا العتاد الجاهز ضد الجيش العراقي"- يوضح، بينما يخبئ بعناية رشاشته خلف معطفه الشتوي المعلق. في الوقت ذاته يدخل إخوانه ليقدموا لنا بالمناسبة حفلة موسيقية- كونسرت-. الغيتار وآلة العزف الكردية تقدم ألحاناً خيالية نستمتع بسماعها. يهز الأولاد أكتافهم، ويضربون بأقدامهم الأرض كأي كردي يرقص الدبكة. يتحلى أبوه بشخصية هادئة، يتحدث بصوت خافت. يعترف رايناز بان أباه كان شيوعياً ملتزماً حتى نهاية الستينات. رافق مسعود البرزاني لمرات عديدة إلى الاتحاد السوفيتي السابق. وأخيراً توقف عن العمل السياسي. ونتيجة لذلك أصبح مجرد مستشار اقتصادي يقدم تحاليل اقتصادية. توصلنا إلى أن الأم هي الآمرة الحازمة في العائلة. لقد تعرفنا على صوتها من قبل أن نراها عندما كانت تصرخ في سماعة التلفون على رايناز مستفسرة عن ساعة عودته إلى البيت. لم يتعود رايناز أن يسرع إلى البيت، فاغلب الأمسيات يقضيها معنا في الفندق، تراه مليئاً بالسعادة خاصة عندما يفوز بلعبة الورق علينا" الكارت ". وكأي رجل حزبي يلقي علينا محاضرات في تاريخ الشعب الكردي. وينهيها بأن الحزب KDP هو الحقيقي الوحيد بين الأحزاب الأخرى ومن ضمنها PUK لا تساوي مثقال ذرة. إذا استطاع الهروب من عمله أو الدروس الجامعية، يأتي لينقلنا من مكان إلى أخر بسيارته طراز 1986، القادرة على تحمل الطرق، والتي تمتلئ بالأوساخ بعد نهاية كل طريق بفضل مترجمي أده الذي يملأها برماد سجائره. رايناز ملئ بطاقات جبارة، يعود الفضل لها في عرض نيته إلى أخذنا إلى الجامعة حيث يدرس. لم نُسعد بالخبر، ليس لنا مزاج للذهاب، ولكن المعارضة لا تريد أن تعقد المؤتمر، أيامنا مليئة بالفراغ، لذا أصبح واضحاً أمامنا بان الوقت يعمل لصالح رايناز، سنستسلم أمام رفضنا، وخلال لعب الورق نطلب منه أن يأخذنا إلى الجامعة. في جامعة صلاح الدين 1600 طالب. مسرح الحياة الاجتماعية في الجامعة هو الساحة والبوفيه المفتوحة، وفي حالة سوء الطقس يلتقي الطلاب في مطعم الجامعة. يقودنا مرافقنا إلى المطعم، عند المدخل تحضّر الذرة المحمصة التي تعبق رائحتها في المكان حيث يمكن الجلوس على كراسي بلاستيك ملونة. يتبادل الطلاب والطالبات النظرات. يجلسون في مجموعات منفصلة، البنات على حدة، وكذلك الأولاد. يعتبر الجميع الشاب جيلل دون جوان الجامعة. "يجب توجيه النظرات أولاً، فإذا تبادلك الفتاة النظرات وتبتسم، فهذا دليل ناجح، وطبعاً يجب أن تنتظر يومين أو ثلاثة ثم تبحث عن مكان تواجدها، لنقل أن تجلس إلى جانبها في محاضرة، وتساعدها في أشياء صغيرة، دون أن تلفت انتباهها للغرض، لأن البنت تخاف من أهلها. ثم تجلس بقربها في المطعم السريع " البوفيه" ولا يجوز الاحتكاك بها، تتحدث معها عن أشياء محايدة، ولكن يجب عليك أن تجهّز نفسك للإجابة على أسئلتها حول وضعك المادي. هذا أهم شيء هنا. أنا مثلاً اعتدت الكذب بشكل فائق. يجب أن تكون أنيقا في لباسك، لأن هذا يعني الكثير، فإذا توفرت كل هذه الأشياء ما عليك إلا الانتظار، ثم تبدأ بمراقبة عائلتها عندما تخرج من البيت، عندها يمكن لقاءها بالسر. هناك يمكن تقبيلها، ويجب أن تظل الفتاة عذراء! لقد غزوت منذ دخولي الجامعة وحتى الآن قلوب خمس بنات، طبعاً انتهت بدون جنس. يُطرد الطالب من الجامعة بسبب قبلة، لذا كان علي أن أسافر إلى ليبيا كي أحظى بامرأة". ولهضم ما سمعناه، وللمحافظة على التوازن، انتقلنا إلى المائدة المجاورة حيث البنات يقضين أوقات فراغهن لم يبحن بأسمائهن، ولم يتسابقن من اجل الوقوف أمام الكاميرا، ينفين بان المادة هي أهم شيء، الكياسة والمعاملة الحسنة، والمظهر " اللباس " هي أهم بكثير، ليس هناك فرصة للمسيحيات في الزواج من مسلم، لأن – بالرغم من أن الدين لا يَمنع – لا توجد عائلة واحدة وافقت على هذا الزواج المختلط. الماكياج وحتى بالنسبة للمحجبات هو موضة لا يستغنين عنها. سراويل الجينز ليست الضيقة إلى درجة كبيرة هي الواردة في لبسهن وكذلك الأحذية ذات الكعوب العالية. الشباب الذين دخلوا المطعم تواً، معظمهم يرتدي القمصان الناصعة البياض، تحت كنزة سوداء أو سترة، أحذيتهم مصبوغة للتو. تلمع. لا ينتقص أحدهم من الأخر بسبب لبسه للذهب، فالساعة والخاتم الذهبي هنا هو رمز الغنى. لا يخشى أحد أن يفقد ذهبه في قاعة الرياضة، فلا وجود للرياضة أو قاعتها هنا. لهذا اكتشفوا كلية التربية الرياضية. - هل توجد هنا منحة دراسية؟ نسأل جيلل الذي ركض دائرة حول البنات. - لا توجد، التدريس مجانا، إضافة إلى أن الطلاب أبناء المدينة يقبضون 50 ديناراً، أما القادمون من خارجها فيقبضون 150 ديناراً للمواصلات. - بمَ تعادل شهادتكم الجامعية في الغرب؟ هل معترف بها؟ لا تساوي شيئاً لوحدها، إلا إذا عودلت بشهادة أخرى. - ماذا تخطط بعد الجامعة؟ - لن أذهب إلى أي مكان، سأبقى هنا وأرغب العمل في شركة أهلية. لأن مرتب الشركات الحكومية متدني ولا يمكن العيش برفاهية. لا يضر بعد أن أكمل دراستي، فيما لو تفتح شركات أمريكية، سأجرب حظي معها أيضاً، المهم هو المرتب العالي، كي يستطيع الفرد في المستقبل فتح شركة لحسابه. لا أثر للحرب.وإذا تعالى صوت دوي السلاح ترى ماذا سيفعل طالب جامعي شاطر؟ مثلاً الشاب جيلل يود أن يؤمن سلامة البنات، - عدد كبير منهن في آن واحد- ويتفق في الرأي مع صديقه، الذي سيحمل السلاح في وجه الأتراك فقط.
ترجمة اعتقال الطائيبودابست 2003. |