|
|
|
|
اعتقال الطائي بودابست تشرين أول ـ 2005
تضبّبت زرقة عيني أبي فارس خلف دمعة. لم يكن كما عهدته، إنه الآن غاية في الكآبة، قلت: حدثني يا أبا فارس عن الوطن! لم يستطع، فالحديث صعب.. قبل عام ونحن نتناول الغداء في بيته الجميل الذي ينعم بدفء المشاعر، وابتسامة أم فارس الجميلة وروحها الطيبة، وولديهما فارس وسامر. قلت لأبي فارس بينما كان كالفتى يطلب صورتي ليضعها على الرف بين العدد الكبير من الكتب: هل سمعت؟ أم فارس ترغب الهجرة إلى بلد آخر فماذا تقول؟ أجابني وبحدة: لا يا عزيزتي! لو انقلبت الدنيا لن أترك بلدي. وُلِدتُ هنا وسأموت هنا. واليوم يبكي أبو فارس.. بعد عام يتجاوز الستين.. لكنه قبل ثمانية وثلاثين عاما كُتب في "شهادة جنسيته" ـ إيراني بالتبعية ـ لم يكن يعلم أنه سيولد ذات يوم ولد سيلقب "بفارس الفوارس" وسيبيد كل من يسميهم بالأعداء. ترتجف يد أبي فارس، ويخفق قلبه بحدة أمام الهاتف.. يبتهج، لكن الصوت الآتي من بغداد البعيدة خذله عندما قال: آسفون، لا أحد يرد. لم تعد ركبتاه تحملانه، اعَتقدَ بأن بيته اُقتحم من قبل حراس السلطة. لكن الصوت البعيد صار يتردد كالصدى ليسعفنا بقوله: بإمكانكم إعطاء رقما آخر. رن جرس الهاتف، وارتعش صوت أبي فارس : ألو.. ألو مَنْ جارنا يتكلم ؟ أنا أبو فارس عبد الغني الخليلي. الله يخليك .. لم يكمل عبارته وإذا بصوت الابن البكر فارس يأتي من بعيد: أبي لا تقلق، لماذا تكلف نفسك؟ نحن بخير.. كنت فألا حسنا لأبي فارس، طار من فرحته وقبّل رأسي... لكنه كاد ينهار، وما علي إلا أن أتماسك أعصابي وأخفف من الحزن الذي تغلغل في روحه. فكرتُ .. لندخل مكانا جميلا في هذه العاصمة الأوربية، فالعالم مختلف تماما، والمكان الجميل على الجبل وناسه الطيبون، والطبيعة الساحرة التي يعشقها هل ستغسل الأسى والكآبة من روح أبي فارس؟ كنت على يقين بأنه لن يشعر بكل ما حوله، ولو وضعته في ما يسمونها الجنة فلن يجد الفرح مكانا لديه. وأعود بذاكرتي.. حينما كنت أقرأ الشعر أمامه ويزل لساني بغلطة صغيرة فيوقفني في الفور صائحا: احذري!! هذا خطأ. وأخشاه لأصححه. يجلس الآن أمامي مكدّرا، حزينا، يتأبط كتاب "مذكرات بابلو نيرودا" الذي رافقني هجرتي. أعطيته له كي أخفف من همّه. لقد حفظ أبو فارس معظم شعر العرب، فقلت له لأغير الحديث عن الوطن: لو سألتك عن أجمل بيت شعر، فقل لي بسرعة أي بيت سيأتي كومضة سريعة إلى ذهنك الآن؟ لكنه يجيبني حزينا يائسا: الحالة التي أنا فيها يا عزيزتي تحدد أجمل بيت، إضافة إلى أنني لا أؤيد الآن قول العرب في أن هذا أجمل بيت شعر في الغزل، والمدح أو الهجاء قالته العرب. ويردد أبو فارس بيت شعر لكنه يحوّره ويغير الأسماء والأماكن، فيصف بيت أخيه الذي كان زاهيا كيف اجتاحته الظلمة الآن بل الموت إن استطعتُ القول. لقد أُخرجوا جميعا من البيت تحت إرهاب حراس السلطة.. وربما هم الآن في إحدى المخيمات في إيران.. بعد خدمة ثلاثين عاما للوطن أخرجوهم ياعزيزتي. افتقد كتبه ومجالس الأدب في بيته: أسفي وحزني على كتبي سيعبث بها ناس أميون لم يقرؤوا بيت شعر في حياتهم، اعتادت أياديهم الضغط على الزناد وليس على القلم. نسي من فرحته بعائلته أن يسأل عن شيبوب كلبه، وكان متأكدا بأنهم سيرمونه في الشارع. أولئك الأوغاد. ومات شيبوب. عبثا أردت إضحاك أبي فارس، نسيت معه كل ما يُضحك.. ألف لعنة في رأسي، وألف حسرة في صدري وأنا أبتسم، وفي داخلي نابض يصرخ : لماذا ..لماذا كل هذا الظلم؟؟!
بودابست 1980.4.24
لم أكن أعلم ذات يوم بأن ما كتبته قبل خمسة وعشرين عاما سينشر الآن لأنحني أمام إنسان كان مثالا للطيبة والعطف والصداقة الحميمة، لا أتحدث عن عبد الغني الخليلي الكاتب والمثقف. كان بمثابة الأخ والأب والصديق. وقوله: "وُلدتُ هنا وسأموت هنا". مات أبو فارس وفي قلبه حسرتان، الأولى: كان القدر قاسيا معه، لم يمهله حتى التاسع من نيسان2003 فقد رحل في تشرين ثاني ـ نوفمبرـ 2002. والثانية: بالرغم من أنه دفن في بلد كرّمه، احترم إنسانيته، تنفس فيه الحرية، لكنه لم ينعم بحفنة تراب حارّة من أرض النجف. ونواسي أنفسنا في الغربة لنتساءل: وهل نعم من اختفى في الوطن بقبر؟
|