|
أبي من يوميات طفل في شهره السادس |
|
|
للكاتب المجري فريجش كارِنتي ترجمة: اعتقال الطائي
قررت أن أسجل بعض الملاحظات لنفسي، لأنني سأحتاج إليها في المستقبل عندما أصبح كاتبا ينتمي إلى المدرسة الطبيعية. لا تسمح لي بيئتي الضيقة إلا ببعض التأملات وبذلك سأعمل حاليا على تسجيل بعض الظواهر الدائمة التكرار: من بينها أحد المستَخدَمين ذو المظهر المُمَيز والذي وُظّفَ لخدمتي. منذ أسابيع يسعى جاهدا ليلفت انتباهي إليه، لكم كان عنيدا ومتحمسا إلى درجة يستحق فيها تقديرا أكبر بكثير من انتباهي إليه الذي ولّد في شعورا بالرثاء وحسن النية اتجاهه. لخادمي هذا بنية متوسطة، شعر أشعث، ولون بشرة مصفر، لا أعرف عنه الكثير، ولا يهمني ذلك، ولكني أقول: في الحقيقة إن حماسه هذا يؤثر بي جدا في أغلب الأحيان حينما يريد أن يُلفت إليه الانتباه. يلف ويدور حولي دوما، يقفز نحوي بمجرد أن يلمح أي إشارة تبدر مني وعلى وجهه الساذج المتحمس رغبة عارمة في القيام بخدمتي، ياله من مسكين. في الفترة الأخيرة بالذات يسعى جاهدا من أجل أن أحفظ شكل وجهه واسمه. يقدم نفسه إلي يوميا مائة مرة " بابا، بابا ـ أنا بابا " ويقولها ويعيدها مراراً وتكرارا أملاً في أنني ربما سأقدّره وأحفظه في يوم ما.
لكم يجهد نفسه، حتى صرت تقريبا، أو بالأصح أستطيع أن أقول كلمة "بابا" ولكني لم أقلها عمدا، لا يجب على الإنسان أن يثق بخادمه، هذا ليس جيدا أبدا. لا يجب أن نجعله يثق بنفسه، إضافة إلى أن وجوده يثقل كاهلي بما فيه الكفاية.
ولو أني أكرر، إلا أن هذا الوفاء الكلبي أيقظ في عطفا خاصا وشعورا حميما بحسن نيتي اتجاهه. من بين أشغالي الكثيرة ( بدأت أسناني بالظهور، لذا فأنا مشغول بها جدا) وأفكر به أحيانا عَرَضاً : أي نوع من البشر ممكن أن يكون هذا المسكين؟
في ذلك الصباح، وأنا مستلقٍ في فراشي بعد أن استَدعيتُ ببعض الصرخات الآمرة خادمي الآخر المسمّى ب "ماما" و التهمتُ فطوري بشهية طيبة: ضجرت من نفسي، ورحت أتطلع حولي شارد الذهن فلمحته يجلس أمام المنضدة ويمسك بيده شيئا كعصا سوداء صغيرة و ينبش بها في ورقة نائمة أمامه على المنضدة. وفجأة استولى علي شعور بالشفقة عليه: ياله من إنسان متخلف جاهل! أرى بيده شيئا ما وأمامه ورقة ـ وهذا الإنسان الغبي، بدلا من أن يحشو الاثنين في فمه، كما يليق بالإنسان العاقل، راح ينبش بأحدها، وكأنما الورقة تشعر بحكة. ولكن هذا ليس كل شئ. يوجد شئ آخر، أنبوب نهايته معقوفة يرفعه أحيانا إلى فمه ليمص منه الدخان، ثم ينفخه، بدلا من أن يحاول بلع الأنبوب بأكمله، إنسان مسكين، غبي لا يعرف حتى هذا، وهو إذا وقع بأيدينا شئ، علينا في الفور وضعه في أفواهنا بلا منازع، وهذا هو الأسلوب الوحيد كيلا نتركه خارجا.
أقول: إنني أشفقت عليه كثيرا، وضحكت عليه بصوت خافت. وبالطبع نظر إلي، و قفز في الفور بوجه مشع، ركض نحوي متولولا ككلب صغير. ابتسمت له بحنان، كي أكافئ حماسه، وسمحت له خلال ذلك بأن يغير حفاظتي المبلولة. بعد ذلك أشرت له أن يجلس بجانبي، إضافة إلى أنني سمحت له بأن يرفعني ويضعني في حضنه. كل هذا بسبب فضولي لمعرفة ما يصنع بهذا الأنبوب الأسود، ولماذا يستعمله هذا المسكين؟ " كو، كو" قلت له بوضوح بالفرنسية(Que fait vou ? ـ هذا ما أردت سؤاله). ـ ماذا تفعل؟ كان ينتبه بتركيز، ليفهم أوامري، ولكني رأيت في الفور، أن عقله الصغير الضيق لم يستوعب معنى كلامي. يضحك مضطربا ويكرر جملتي قائلا: "كو، كو" وينط مثل الببغاء. لقد أغضبتني قليلا هذه البلاهة، فقطبت حاجبي، مما دعاه إلى أن يجفل ويبدأ بمراقبتي. قلت له: " غاجيغو " عبثا، لم يفهم حتى هذه، سوى أنه راح يردد بعدي" فَفَجو" حاولت مرة أخرى تكرارها غاضبا، لم يستطع الإجابة بذكاء. لكنه بدأ يدرك قليلا بأنني أريد شيئا ما، لأنه بدأ يتمتم قائلا: " بو بو" "بوبوكا" وما شابه ذلك من الكلمات غير الواضحة التي ليست لها معانٍ. في الحقيقة لم أُوفَّق معه، إنه إنسان مستحيل. مسكت أذنه ورحت أجرها، لكنه سحبها من يدي بدلا من أن ينزعها من رأسه ويقدمها لي كإنسان واعٍ كي ألعب بها. رأيت أن لا أمل في هذا المسكين، مللت منه، وبدأت أصرخ بصوت عالٍ كي تأتي المستخدَمة الأخرى وتبعد هذا الإنسان من هنا. لقد جاءت في الحال راكضة، ووبختْ " أبي " بعنف وأخذتني منه. مسكين " أبي " جرجر أقدامه محني الرأس حزينا عائداً إلى مائدته.
*** نبذة عن الكاتب:
وُلد فريجش كارنتي لعائلة من الطبقة الوسطى في بودابست في العام1887، بالرغم من إنهائه الثانوية من الفرع الأدبي، إلا أن علم الطبيعة أثاره وشغله، لذا دخل الجامعة ليتخصص بالفيزياء والرياضيات، ثم كلية الطب. لم ينهِ أيا منهما، لكنه حصل على معرفة عالية، بعد مرور الزمن فاق بها معرفة أقرانه الكتاب حيث لم يفصل بين ثقافته الأدبية ـ الفنية والتاريخية وبين معرفته للرياضيات والعلوم الطبيعية. في العشرين من عمره كان شاعرا ناضجا كأصدقائه الشعراء، لكنه تأخر في نشر أشعاره. قبل كل شئ يصبح صحفيا... ويبقى ذلك حتى مماته. ولكنه كان يعد ببطء قصته الرائعة عن ذكريات الدراسة تحت عنوان" أرجوك يا حضرة المعلم" (حولت إلى مسرحية مازالت تُعرض لحد الآن) ومخطوطة مجموعته القصصية. ويلتفت إليه القراء ويشتهر من خلال كتاباته الساخرة الممتعة عن الأدباء تحت عنوان "هكذا تكتبون أنتم"، بالرغم من أنه كان يعتبر هذا النوع من الكتابة ثانويا، لكنه استمر به حتى وفاته. لذا أعتُبر من كتاب الفكاهة التي لا تقارن بأي فكاهة أخرى والتي شكلت له مصدر رزقه طوال حياته. كانت المرارة تسكنه، ولكنه استطاع إضحاك الآخرين بشكل رائع، عبر عن أساه بسخرية، في فنه الأدبي ( المفارقة) واللعب باللغة وما زال المجريون يضحكون ويستمتعون بقراءته. في أغلب رواياته وقصصه نرى الصراع المحتدم بين المرأة والرجل، برأيه أن الرجل مظلوم، مستَغل،ومهزّأ. لكن كارنتي في حقيقة الحال لا يحمل حقدا ضد المرأة ، بل بالعكس ينحني أمام الأنوثة بكاملها. كان إنساني بمعنى الكلمة: يؤمن بالإنسان، بالعلم والثقافة، عانى من القسوة وناضل من أجل الخير. عندما كتب أحيانا قصصا مأساوية اندهش القراء متسائلين: هذا أيضا كارنتي؟ في التاسعة والأربعين من عمره، أصيب بورم في الدماغ. وأجرى له العملية طبيب سويدي، وكان يبدو أنه أنقذه. بعدها كتب كارنتي كتابا مميزا عن مرضه وتجربة عمليته الجراحية، يعتبر من أشهر كتبه عنوانه " رحلة حول جمجمتي" . بعد العملية بسنتين توفي فجأة في العام 1938.
كرافك الحاسوب ازهر الخميسي |