عندما فتحت اليوم العلبة
الزجاجية الزرقاء رأيت أعز ما احتفظ به، وهو خاتم ذهبي مرصّع
بحجر ياقوت احمر، كان أول خاتم اشترته أمي لي في السادسة من
عمري. تراقصت حوله لآلئ صغيرة، هي أسنان ابنتي اللبنية التي بدأت
تفقدها في السادسة من عمرها، عزّ علي رميها يوم ركَضَتْ نحوي
شادة بين أناملها الصغيرة على أول سن لبني غادر فمها وكانت الشمس
تسطع عبر النافذة فقلت لها: ارميه في عين الشمس وقولي لها،
خذي سن الحمار واعطيني سن الغزال!
نظرت ابنتي إلي بذهول اتسعت فيه
حدقتا عينيها لتقول وبلهجتها العراقية الجميلة
من فمها: ماما، آني مو حمار
وماريد سن الغزال! ماما احنة صحيح زغار بس مو ما نفتهم.
أخفيت ارتباكي أمام ذكائها وقلت
لها: مجرد حكاية.
فردت : لا انتو تكذبون
عالزغار، انتو شنو ماما؟
أجبتها مبتئسة: إحنة حمير
يابنتي! نرمي أسناننا بعين الشمس.
ركضتْ إلي، احتضنتني وبصوت مرتعش
قالت: العفو ماما، آني ما أقصد،العفو!
* * *
تلك اللآلئ أعادتني إلى كلمة
ابنتي "تكذبون" كان يوم استرخاء، فرُحت أتأملُ العدد
الكبير من كتبنا التي صُفت بشكل جميل وحسب مواضيعها، وإذا بي
أفاجأ بكتاب عن الكذب وارتباطه بالأطفال، فالكذب عند الأطفال
شغلَ حيزا كبيرا في الدراسات العلمية.
وماذا عن الكبار؟
ركنت الكتاب جانبا. لامست
يدي صورة عائلية صغيرة اتكأت على الرف. تمعنت فيها عن قرب.
رأيتني وكأنني أغمز فيها لزوجي. عدت بذاكرتي إلى
الوراء.. كان يقول لأمه إن ما تقوله غير صحيح، أراها الآن تروي
عن زوجها المتوفى قبل اثنين وثلاثين عاما أجمل الحكايات وكأنه لم
يخطئ في حياته قط، تزال لا تزال تتحدث كالعاشقة عن
حبيبها، لتؤكد لنا وهي في التسعين من عمرها" لو أُحب الآن فلن
أعشق سواه ". وتعيد لنا مرارا وتكرارا وصف أحفادها
المفضلين لتضفي صورة مثالية متكاملة لهم أمامنا. يستاء ابنها
ليقول: أمي تؤلّف.
شرحت لابنتي بأن جدتها لم تكذب
وإنما تقول ما تتمنى أن تراه في الواقع. وهذا هو الوهم بعينه
الذي يجعلنا نمتلك القدرة على تحمل الصعاب. أي الكذب على النفس.
وتلك الكتب تحمل أجمل أنواع
الكذب الذي تحول إلى إبداع ، فالعالم يزخر بملايين المؤلفين،
يوفرون لنا أعذب المتع عندما نقرأ قصصهم ورواياتهم، نجدهم
يتقمصون شخصيات يرصدونها، يعيشون بواطن صغائرها، يغورون في العمق
ليرووا لنا ما تنبغ به أخيلتهم، أو العكس تماما يتجردون من
شخصياتهم وتجاربهم الخاصة ليلقوا بها على شخص مبهم.. و يكون
الكاذب"المبدع" بارعا وماهرا حينما يبحر في عالم هو نسيج من
الحقيقة والخيال وإلا ما كان إبداعا.
وجدت نفسي لمرات بين السطور بلا
اسم ولا هوية.
قفزت إلى ذهني كلمات الشاعر
العراقي مظفر النواب:
لك لا مرّيت ولا نِشْديت
ولا مرة شلت عينك تعرف البيت
ولا طارش كذب وديت
تركت شريط الغناء يدور لأمتع
أذني .....
كذاب دولبني الوكت بمحبتك كذاب.
كذاب روحي تمرمرت بمحبتك كذاب
ثم يرفض حتى لو صار الحبيب
بلسمًا له بقوله:
لو صرت بس انتَ الدوى
لا ما أرد وانسى المضى
كذاب....
هذا النهار العجيب ( نهار الكذب)
حملني ليحط بي على مرفأ طفولتي لأروي حكايتي التي يبدو أنني لم
أتحرر من عقدة ذنبها حتى هذا اليوم كما رويتها لابنتي..
* * *
خمس بنات، أصغرهن أنا.. نتعلم في
مدرسة واحدة. غمرتني الفرحة بدخولها، لكن الكارثة حلت على ابنة
الست سنوات يوم فتشت المعلمة ملابسنا، واستفسرتْ عن عدم لبسي
للحزام الأبيض على الزي الموحد ( الصدرية السوداء..ياقة بيضاء
وحزام أبيض) . كانت عقوبتي الوقوف في الزاوية أمام الصف. سألتني
عن الحزام بصوتها الحاد وجسدها العملاق وهي تلوح بالمسطرة،
ارتعبتُ وكان لابد من الدفاع عن النفس فقلت لها وأنا الهزيلة
النحيفة اقف أمامها بلا حماية :
ـ ماتت جدتي ولم يشتروا لي
حزاما.
كنت اعتقد أن موت جدتي سيبعث في
قلبها الرأفة فتتركني بلا عقاب ولا تذلني أمام الطالبات. بدأت
انتحب ليس لأنها لم تعر أهمية للمصاب الأليم وتركتني واقفة في
الزاوية، بل لأنني صرت أشبه بممثل بارع يتقمص شخصية مسرحيه،
يسكنها ليشعر بمكامن روحها، هكذا عشت حدث الموت وصرت أنوح على
جدتي التي وأدتُها وهي حية.
انتهى الدرس. جلست في
الفرصة مكسورة، ذليلة. لم ألعب مع البنات، وصرت
لا أرى منهن سوى أحزمة بيضاء.
ومنذ تلك اللحظة لم يهدأ لي بال. ماذا أقول لأمي لو عرفتْ
بكذبتي؟
في البيت لم أشك من العقاب، كيف
وأنا المذنبة؟! وهل تسنح الفرصة أو الوقت للتحدث في مثل هذه
الأمور مع ست بنات وخمسة أولاد؟..
ركضتُ ابحث عن الثعبان الأبيض،
وجدته على الفراش، هو منقذي الوحيد. رفعته برقة وطوّقت به خصري،
عليّ أن أتعّود على صحبته.
قررت أن أكون مجتهدة كي أُبعد
الشبهة عن كذبتي. تعلمتُ الألف والباء وأول كلمة ـ باب
ـ هي المنفذ الوحيد الموصد في وجهي للخروج من المحنة التي
وقعت فيها.
تعبتُ كطفلة أُثقلت روحها بهمٍّ
كبير، فهمدتُ في الفراش وقت الغروب والحزام والياقة نائمان عند
رأسي. رأيتها تحمل الحزام الأبيض بديلا للمسطرة، وأنا أرتجف بين
يديها متوسلة لها بأن تعيده إلي. كنت أولول في منامي حتى
أيقظتني أختي الكبرى. نهضت فزعة. مسكت بالحزام فوراً لأربطه على
جسدي النحيل، ضحكت أختي قائلة: أولا الصدرية وبعدين الحزام.
خرجنا جميعا. بين ركض ومشي حتى
يمكننا استئجار عربة بخيول (تاكسي أيام زمان). كانت أختي الكبرى
ترتعد حينما تعدو الخيول مسابِقة الريح.. لأنها كانت شاهدة على
عجلة العربة التي انكسرت ذات يوم تحت ثقل وزن مديرة مدرستنا الذي
تجاوز الطن.
كالرعد جلجل جرس المدرسة.
دخلنا الصفوف، وحضرت المعلمة الجبارة، وصاحت المراقبة: قيام ـ
جلوس!.. جلس الجميع إلا أنا كي أريها حزامي. لم تلتفت إلي.
مرت الأسابيع، وعُلّقتْ في نهاية
كل صف من الرحلات صور الطيور، وكنت في صف الببغاء بالرغم من أنني
كنت أفضّل شعبة البلبل لأنه ينشد ما يريده هو، وليس ما يردده بعد
الآخرين. وكنت أراقبها، والغريب لم أحمل ضغينة أو كرها لها، كان
شيئا أفظع بكثير، صرت أنفر منها ومن كل حركة تفعلها. أتحاشى
النظر إليها، وكانت ملاذي حروف الكتاب التي كنت أراها حتى وإن
أغمضتُ عينَيْ.
بدأنا نتعلم التربية الدينية،
فعلّمتنا سورة الفاتحة، كان اسمها "الست هدية "إنها هدية
رب العالمين ، أرسلها كي تعكر صفو طفولتي في مدرسة الفيحاء
للبنات.
حل الشتاء ببرده ومطره، في ذلك
اليوم الكئيب، لم أشعر بكفي المتجمدة.
لم تدخل هديتنا الصف، رحتُ
أراقبها خلسة، رأيتها تتكلم مع كبرى أخواتي، وصار هاجس
الشك يساورني. لم ألمح طيف ابتسامة على وجهها. تُرى ماذا تقول،
هل كانت تعزّي أختي بموت جدتنا؟ كدت أدوخ من هلعي، وبلا
وعي صارت أصابعي المتجمدة تضغط على شفرة الحلاقة التي كنا
نستعملها كمبراةٍ لأقلام الرصاص. لم أشعر بالألم
بل بحرارة الدم الذي منح الدفء ليَدي. وأخيرا وطِئت قدمها أرض
الصف. دسستُ كفّي بجيبي علّه يوقف النزف، وكان كل شئ يبكي في،
إلا عيني. ومنذ ذلك اليوم وأنا أمقتُ درس الحساب ووحشة أيام
الشتاء الحزينة.
قرُبَ امتحان نصف السنة
الدراسية، حجبتْ الكلمات بأجمعها إلا كلمة واحدة وقالت: اقرأي
! فقلت: دار...
كانت دارنا تقع على نهر الفرات.
في ذلك النهار الدافئ أسرعنا الوصول إليها.
لم أعرف السرَّ إلا حينما قالت
أمي في العصر:
ـ روحن العبن بحديقة النساء
بعد شويه توصل المعلمات.
شهقتُ، عن أي معلمات تتحدث أمي،
ولماذا يأتين لزيارتنا؟! لقد آنت ساعة العقاب والتعري أمام
الجميع. أي لعب وأي طفولة بائسة تستطيع أن تبدد الخوف الذي
بات يلاحقني كظلي.
ونحن نعبر الشارع تشبثتُ بيد
أختي التي استاءت من تعثري بقدمي. كانت حديقة النساء
مكتظةً بالأطفال والأمهات. البهجة.. أين مني تلك البهجة
التي لا شيء لا شيء سواها. أين زهور الخشخاش التي كنا
نلتهم بذورها وننام كالمخدَّرين دون أن يعلمنا أحد عن كنه ذلك
الخََدَر؟ لم أر السنجاب يتسلق النخلة فارّا أمام صيحاتنا. لا شئ
غير غشاوة الخوف البليد. وكمن يسير في الحلم مشيت باتجاه الموج
الناعم للفرات. ركعتُ على ركبتي ووضعتُ يدي في الغِريَن البارد.
وأنا أفركه بين يدي وأتحسس نعومته، نسيت أنهن الآن يجلسن في غرفة
الضيوف ويتألّبن ضدي. زحفت قليلا لأمسك بالموجة عبثا، سمكة صغيرة
تحوّل لونها إلى الأرجواني، رفعت رأسي لأتأمل قرص الشمس يهبط
رويدا.. رويدا وقبل أن يغرق في النهر تعالى صراخ صديقتنا بديعة
وهي تقف على سور الحديقة لتصيح بكل ما تملك من طاقة:
ـ الله اكبر.. الله أكبر،
ـ وكأنها أصيبت بلوثة ـ اليوم ستقوم القيامة.
نهَرَتْها أختي الرصينة منذ
صغرها : انزلي، لا تفضحينا أمام الناس! ومن قال لك
ذلك؟
ـ أمي ..أمي.. والله العظيم
أمي قالت.
ركضتُ نحوها، لم يهمني من
القائل.
ـ أريد أن أعرف متى؟.
انبعث الصوت من رئتي وكأنني أحتضر.
ـ اليوم نص الليل.
ها أنا، بعد ساعات سأدخل النار،
فمن يكذب مكانه جهنم وبئس المصير. هكذا قالت الست هدية التي تمهد
الآن طريقي إليها.
قبل أن يهبط الظلام أقفلت
الحديقة أبوابها، دفعتني أختي إلى الدار، وصدى صوت تلك المعتوهة
يتردد في أرجاء الحديقة ورأسي ـ اليوم نص اللييييييييييل
ـ .
لم يبدُ على وجه أمي وأخواتي
الامتعاض أو الغضب، لكن أمي ليست كعادتها لم تخاطبنا بحنان،
وقالت دون أن تنظر إلينا: تعشوا وناموا!
خوفا من السؤال، أكلتُ قليلا
وصورة النار التي سأتلظى بلهبها لم تفارق عيني.
ناموا جميعا، منتصف الليل، نحن
لم نتعلم بعد قراءة الساعة، من أين لي أن أعرف الوقت، يبدو أن
منتصف الليل لم يقترب بعدُ، لم أرَ لهيبا ولا نارا، إذاً
متى ستقوم القيامة؟
صرت أرتعد، فذا الشيطان يقترب،
يدنو مني، أسمع مواءه، قالت جدتي يظهر بهيئة قط أسود. صممْت
أذاني وخبأت رأسي تحت اللحاف.
لقد حانت الساعة. انشقّت السماء،
نور، لهب، رعد، برق، ما الذي يئزّ؟ إنها النار.
ألسنتها تلتهم كل شئ وكل ما
يعترض طريقها، لكني لا أشعر بحرارتها بل العكس، أشعر بالبرد أكاد
أتجمد، فتحت عيني تحسست ملابسي، كانت مبلولة والفراش. خبأت ثوب
نومي وغطيت الفراش، وركضت لأرتدي الزي الموحد والحزام.
كان صباحا ربيعيا باردا، ندياً،
يفوح منه عطر القدّاح في الحدائق النعسانة التي تسكر وتنعش في
الوقت ذاته أرواحنا الصغيرة، فنستفيق لنشد همّتنا بالوصول إلى
المدرسة.
لمَ لوّنَ الأسى وجوه البنات
بالشحوب، لماذا يبكين؟
ـ ماتت ست
هدية...
لم أصدق أذني، ألم تكن ضيفتنا
بالأمس؟ يبدو أنني لا أعرف غير سؤالين هما:
ـ متى وكيف؟!
ـ بالأمس كانت مريضة،
حُقِنَتْ خطأً بإبرة البنسلين الذي قضى على حياتها
حزن عميق.. ذهول..أم انفراج؟
وروحي مخضبة بألف إحساس وإحساس.طفلة نجت من النار على حساب موت
معلمة أخذتْ سرها ـ كذبتها الأولى والأخيرة ـ ودفنته معها
إلى الأبد.
أضافت الدمعة إلى عين ابنتي
بريقا أكبر، تركتها تنساب على خدها لتقول بصوت
متهدج تخنقه العبرات:
ـ ماما ! آني أعرف انتو كلّش
تحبون الزغار ( وأكملت النصف الثاني من جملتها
باللغة المجرية ) ـ لكنكم قساة معهم!!
ألقت رأسها على صدري وقد فتحت
العلبة الزجاجية الزرقاء وراحتْ تدوّر على إصبعها النحيلة
الخاتمَ الذهبي المرصع بحجر الياقوت . همستُ في أذنها :
ـ نعم يا روحي! ملايين من
نصفك الثاني رضعوا ويرضعون القسوة من عشرات السنين وما يعرفون
طعم الرحمة بعد...
اعتقال الطائي
أيلول ـ سبتمبر بودابست