|
ابراهيم زاير ودفاتر البنات |
|
|
كتب لي أحد زملائي في أكاديمية الفنون الجميلة معبرا عن فرحته لحصوله على عنوان بريدي الألكتروني من أحد أصدقائنا قائلا: "استحضرت أيام الزمن الجميل في الوطن الحبيب الذي يبدو لي بأنه ضاع بين الدكتاتوريات والحقد والنفاق، تذكرت الأكاديمية وساحتها الجميلة الواسعة، بأشجارها العالية التي كنا نستريح تحت ظلالها، تشكيليين ومسرحيين بعد الجهود المضنية مع الطين والهياكل الحديدية والحجر والتمارين المسرحية وكنتِ رايتنا تلوحين بشعرك الطويل ووو......" ثم بدأت أتصفح العدد الجديد من نصوص على موقع الكاتب العراقي، فوجدت شعرا شعبيا كتبه شاعر راحل اسمه طارق ياسين لرسام سبقه في الرحيل هو ابراهيم زاير. وراحت ذاكرتي تتصفح رسالة زميلي والقصيدة . لأشجار الأكاديمية الباسقة جمال متفرد وميزة مَلَكية وكل من تفيّا بظلالها شعر بأنه أمير أو أميرة لسبب بسيط وهو أن البناية كانت قصرا ملكيا. كانت ظلالها تحتضن العاشقين أو المتعبين والمبدعين على حد سواء ولم تفرق بين متسول وأميرة. كان الشباب يتركون قاعات العمل لينعموا بجلسة مع الفتيات اللاتي يمكن عدهن على أصابع اليد. وصورة صاحب الرسالة ما تزال عالقة بمخيلتي، يسأل الفنان الرائع أستاذنا محمد غني حكمت عنه فيجيب الشباب بخباثة: ليس غائبا، يجلس تحت الأشجار. تلمع عيون النحات العظيم ويبتسم وكأنه يقول: يا ليتني كنت مكانه. كانت تلك الأشجار عدوا لدودا للفنان العظيم فائق حسن الذي قرر أن يقطعها لأنها تسرق منه فنانيه. لكن الفتاة الشركسية فقدته لبّه. في عز الظهيرة وتحت ظلال أبعد شجرة جلس يناغيها كأي فتى. وفرح الجميع وتهامس. وأيقنت ذات يوم أن الشجرة كانت رمزا لشباب تلاشى منذ زمن مضى بعدما كنت في زيارة للفنان في بيته ورأيت لوحة على الجدار، بورتريت لزوجته الفرنسية الشابة. أشرت لها فرد من كان معي : سبحان الخالق وكأنها الشركسية. والشاب الأسمر إبراهيم زاير.. رأيته بشعره المجعد الأشعث ووجهه العراقي الصميم، أصابعه الطويلة النحيفة وروحه العبثية يجلس وحيدا تحت إحدى الأشجار الوارفة المحاذية للسلم المؤدي إلى النادي الذي نتناول فيه وجبات الغداء، يمسك القلم برهافة ليخطط أو يرسم ما يدور بخاطره. ورويدا رويدا يلتف حوله الشباب. حانت ساعة الاستراحة، وذهبت إلى النادي (المطعم). الكل ينظر إلي والابتسامة على وجوههم، كان وضعهم مريبا، تقدمت منهم فبادروني بالسؤال: ـ أتعرفين صاحبة الصورة؟
لم يرفع إبراهيم رأسه بل ترك القلم يمشط الشعر
الأسود. كانت الصورة عبارة عن خصلة شعر وعين ليست ككل العيون، بؤبؤ
تتفجر منه خطوط كأشعة الشمس. ابتسمتُ وتركتهم. بعد أيام جاء إبراهيم يطلب منا نحن البنات أن نزوده بكتابات لينشرها ضمن تحقيق صحفي يجريه معنا تحت عنوان " من دفاتر البنات " وفتحت البنات دفاترها له، فأرواح الفنانات الصغيرات حبلى بالمعاناة الشخصية والهموم. وكعادتي لم أبح بهمومي التي لم يستطع أحد قراءتها، كتبت هموم البنات العامة في القسم الداخلي. فالعين التي رسمها إبراهيم ألقت بشعاعها على الحقائق المرة ونشرتها كما هي. وقبل أن ينشرها إبراهيم طلب مني أن أصطحبه إلى مجلة "ألف باء" ليلتقطوا لنا الصور، دخلنا بناية سلالمها عالية جدا فقال إبراهيم: ـ احذري! أنا أجلب النحس دائما ربما سيسبب الموضوع إشكالا لك، لذا لن أكتب اسمك بالكامل سوى الحرفين الأولين. كنا في نهاية السلم استدرت وإذا بي أسقط وأتدحرج كالكرة وإبراهيم يركض ورائي نازلا ليمد يد المساعدة، يضحك ويقول: ألم أقل لك أجلب النحس للآخرين... ومكثت أسبوعا في القسم الداخلي وتحولت قدمي النحيفة إلى رجل فيل. ونُشر الموضوع، واستمتع الناس بكلامي الساخر من بؤس وضعنا آنذاك. ( مقارنة بالوضع الحالي وقبل أكثر من ثلاثين عاما كان جنة). للإشارة فقط: رسمت فيه وضع الحيوانات التي تصول وتجول ابتداءً من سبع السبمبع (الكلب) حتى أبو سبعة وسبعين الذي يطارد الفتيات في الحمام وانتهاءً بالنمل بنوعيه الفارسي الكبير والعربي الصغير. أما عن المشرفة فحدث ولا حرج. كانت تعاقبنا عندما يرتطم صدى ضحكاتنا بجدار غرفتها دون معرفة السبب. لم نكن نضحك فحسب بل كاد يغمى علينا حينما سمعنا إحدى طالبات المسرح الجنوبية ذات البشرة الداكنة والتي تعلق قلبها بابن الشمال الأبيض البشرة والشعر الأحمر وهي تحضر البيض المسلوق والكباب لتذهب في نزهة معه، متغزلة بجماله قائلة: ـ يا عيني حسين. شحلاته عبالك فرخ انجليز. كنا نعلم أن تلك الفتاة لم تفقه ما تدرس، كان هدفها الحصول على شهادة وعريس تحسن به نسل الجنوب "بفرخ انجليز" وتترك دزدمونة واوفيليا لأصحابها. لم تكن تعلم أن وطنها بعد ثلاثين عاما سيعج بأفراخ الأنجليز وغيرهم. أعود لحكايتي. عندما ذهبت لاستلام المنحة الشهرية قالت مديرة الأقسام الداخلية: ـ نحن نعرف جيدا من كتب، وكان يجب أن يكون له ضمير. ابتسمت شاكرة لها المنحة. وكان الضمير مستترا تقديره أنا. خرجت وأيقنت حينها أن من يوجه أشعة العيون التي رسمها إبراهيم زاير على الحقيقة يكون بلا ضمير. لكم كان إبراهيم سعيدا عندما أخبرته الحكاية وكأنه أراد أن يقول ويقول من خلال دفاترنا. تزوج إبراهيم وغادر إلى لبنان ولا أتذكر بالضبط هل رأى ابنه أم لا. مضت مدة من الزمن دون أن نسمع عنه شيئا. وذات يوم وأنا أقف في نفس المكان وتحت شجرته سمعت الخبر، قالوا انتحر راميا جسده في البحر من على صخرة الروشة ، وخبر آخر قال أنه أفرغ مسدسه في رأسه. سيان عندنا..تعددت الوسائل والموت واحد.. وقال الجميع : خسرناه. وقلت : الغائب هو الخاسر.. فالأولاد يكبرون، وتتجمل الأرامل كي تجد من يعجب بها، ويبحث الرجال عن حضن يعوض عن دفء الزوجة الراحلة والفكر الذي حمله سيتلون بألف لون وتسير الحياة وكأن شيئا لم يكن. قال أحدهم : كان إبراهيم زاير أنانيا لم يفكر إلا في نفسه ونسي أن له زوجة ومولودا جديدا. لابد وان المولود شبّ، ُترى هل سيبحث كأبيه في دفاتر البنات؟ وهل سيمنح شعاعا لعيون تبحث في العمق لتقول الحقيقة بضمائر نقية؟
اعتقال الطائي بودابست 2005.8.6
|