|
طقوس |
|
|
اعتقال الطائي بودابست 1981.1.13
1
في المدينة النائية، في الشارع الذي ربما لن يؤدي إلى نهاية أخرى غير المعبد.. حملوا البخور.. رددوا التعاويذ، حملوا معهم صمتهم.. خوفهم.. حبهم وقدسيتهم للإله.. هاهو المعبد يطل من بعيد، يقترب منهم، والإله في انتظارهم. يفوح عطر البخور من فضة الدخان، يدنو منهم. همس مخيف كالفحيح. من سيكون قربان الليلة؟ هبطت نبضات القلوب، تلاشت وهم يؤدون الطقوس، وانتهى كل شيء.
2
في كل مرة ومنذ آلاف السنين مات ويموت الآلاف.. بل الملايين، لكن في الساحة الشاسعة يرقد نصب "جندي مجهول" رمز الحرب والتضحية والسلام. ويجيء من بعيد موكب رجال مرموقين ببزّات أنيقة أُثقلتْ بعشرات الأوسمة. عليهم السير بهيبة ووقار لتأدية الطقوس. تهادى في الأفق صوت موسيقى النشيد الوطني.. ربما تقشعر الأجساد، أو تدمع العيون. وقع الأقدام يضفي هيبة أكبر.. وشيئا فشيئا وبخطوات مثقلة بحروب الزمن يقترب عجوز لينحني بخشوع مكللاً النصب بالزهور، غار رأسه تحت قبعته ولم نر سوى انعكاس الشعلة في عينيه. يستقيم بتثاقل ويعود إلى من حيث أتى..تتسع الساحة.. يظل الورد لتعبث به الريح. ويبقى الجندي مجهولا..
3
للمعبد قدسيته.. للجندي المجهول هيبته.. أما هما فجاءا من مدن بعيدة، تضمهما عربة تطوف بهما في شوارع تحتضن خباياها قدسية مبهمة، لا تعبق فيها رائحة البخور، ولا تتبعثر فيها أكاليل الورد. حملا جسديهما فقط، انتشيا بسماع أغانٍ لا تشبه الفحيح ولا موسيقى النشيد الوطني. ربما لن تظل هذه العربة صامدة، شامخة كالمعبد، ولن تبقى أضواؤها متقدة كشعلة الجندي المجهول...قد تتهشم في ومضة عين. تتوقف الكتلة الحديدية فجأة لتشهد طقوسا خفية يتردد فيها صدى الصمت المطبق الذي تكسره تكّات الساعة منذرة بعدم البقاء. لم يجرأ أحدهما على البدء بتأدية الطقوس المحرّمة التي تزرع الخوف في قلبيهما والحنين، أو الشعور بالذنب ربما. لا شئ غير قبلة متقدة قد يزهو الجسد بعدها أو ينطفئ. وتنتهي الطقوس...
اللوحة للتشيلي حسام كاكي |