للشاعر
المجري ميهاي فوروشمارتي
1800 ـ
1855
ترجمة إعتقال الطائي
|

|
|
للتشكيلي فؤاد الطائي |
إعزف أيها الغجري، شربتَ الثمن
لا تدلّي ساقيك عبثا،
ما قيمة الهم خبزاً وماءا،
إملأ الكأس الباردة بالخمر،
هكذا كانت حياة العالم دوما،
بردت مرة، واحترقت باللهب أخرى،
إعزف، من يدري الى متى تستطيع العزف،
عندما يصير قوس الكمان البالي عصا،
القلب والكأس طافحا بالأسى والخمر،
إعزف أيها الغجري لا تفكر بالهم!
ليغلي دمك كدوامة الفيضان،
ليرتج دماغك في رأسك،
لتتقّد عيناك كلهب المذنّب،
ليدوّي وترك في النكبة بحدة.
بصلابة ، كضربات الجليد،
تبدّد بذر الأنسان ـ
إعزف من يدري الى متى تستطيع العزف،
عندما يصير قوس الكمان البالي عصا،
القلب والكأس طافحا بالأسى، والخمر،
إعزف أيها الغجري لا تفكر بالهم!
تعلّم الأغنية من عصف الرعد المدوّي،
كيف يئن، يزعق، يتوجّع، ينوح ويصرخ،
يقلع الأشجار ويفتت السفن،
يخنق الحياة، ويقتل الحيوان والبشر،
الحرب الآن قائمة في العالم الكبير،
يرتجف قبر يسوع في الأرض المقدسة.
إعزف من يدري الى متى تستطيع العزف ،
عندما يصير قوس الكمان البالي عصا،
القلب والكأس طافحا بالأسى، والخمر،
إعزف أيها الغجري، لا تفكر بالهم!
لمن كانت هذه الحسرة المكتومة،
مالذي يصرخ، يبكي في الركض الجامح،
من يطرق على قبة السماء،
مالذي ينشج مثل رحىً في الجحيم؟
ملاك هابط، قلب كسير، روح مجنونة،
جيوش منهزمة أم آمال جريئة؟
إعزف، من يدري إلى متى تستطيع العزف،
عندما يصير قوس الكمان البالي عصا،
القلب والكأس طافحا بالأسى والخمر،
إعزف أيها الغجري، لا تفكر بالهم!
كما لو نسمع في الصحراء مجددا
مظالم الأنسان الثائر الضارية،
سقوط عصا الأخ القاتل،
ومراثي أول اليتامى،
صفقة جناح النسر،
عذاب برومثيوس الخالد.
إعزف، من يدري إلى متى تستطيع العزف،
عندما يصير قوس الكمان البالي عصا،
القلب والكأس طافحا بالأسى، والخمر،
إعزف أيها الغجري، لا تفكر بالهم!
النجم الأعمى، هذه الأرض التعيسة
دعها تدور في سائلها المر،
لتتطهر في عاصفة تأججها،
من ذنوبها، فحشها ونزوات غضبها،
ودع سفينة نوح التي،
تحوي على عالم جديد، تأتي.
إعزف، من يدري الى متى تستطيع العزف،
عندما يصير قوس الكمان البالي عصا،
القلب واكأس طافحا بالأسى، والخمر،
إعزف أيها الغجري لا تفكر بالهم!
إعزف، ولكن لا ـ دع الوتر بسلام،
سيكون في العالم عيد مرة أخرى،
وإن سيتعب سخط الكارثة،
وينزف نزاع الأخوة في المعارك،
عندئذ إعزف من جديد بحماس.
فلتطفح روح الآلهة بالسرور.
ولينبسط جبينك العابس
وليمتلىء قلبك بنبيذ الفرح،
إعزف، لا تبالِ لهم العالم.
يعتبرالشاعر ميهاي فوروشماتي من أحد كبار ممثلي
المدرسة الرومانسية في الشعر المجري. وُلد في عام 1800 لأسرة نبيلة
افتقرت. الا أنه يسعى لأكمال دراسته ويعيل نفسه عن طريق تدريسه عند
احدى العائلات الغنية ، فيعشق ابنتها بلا أمل ويكتب أجمل قصائد الحب.
لكنه نال شهرته بعد صدور ملحمته " ركْض زالان " في
عام 1825 يتحدث فيها عن بطولات أمجاد المجريين عند دخولهم حوض الكاربات
ونشوء بلاد المجر. درس الحقوق والفلسفة في بودابست. وبين الأعوام 1832
ـ 1836 أصبح عضوا فعالا في الأكاديمية و شاعر المجر الأول. فكتب قصيدته
الشهيرة " النشيد " والتي أصبحت بمثابة النشيد الوطني الثاني للشعب
المجري. كتب الدراما الشعرية أشهرها مسرحية " تشونغور وتوندة ". كتب
النقد المسرحي أيضا. كان رائدا للأصلاح فكتب القصائد القصيرة اللاذعة
والمحرضة، والقصائد الغنائية مستندا الى الميراث الشعبي المجري في
القصائد القصصية المغنّاة. في عام 1843 يتزوج من فتاة في العشرينات،
بعد حب عارم فيكتب أجمل قصائد الغزل. كان ثمرة زواجهما ولدين وثلاث
بنات .
في1848ـ1849 لم يعد شابا إلا أنه شارك في الصراع
السياسي أثناء اندلاع ثورة التحرير، وبعد اخماد الثورة وخوفا من انتقام
امبروطور النمسا اختبأ، وبرز إيمانه بالثورة والدفاع عن الوطن في
أشعاره فرثى الحرية بقصائد رائعة مناديا بولادة ثورة جديدة ضد نير
الأستبداد.
في سنواته الخمس الأخيرة شحّت كتابته، ولم يترك لنا
إلا القليل من قصائده الرائعة بدون استثناء، والتي تفردت بحداثتها
ومتانتها، لذا لها مكانة مرموقة في الأدب العالمي. أشهرها القصيدة
المترجمة " الغجري الكهل " عام 1854 والتي تعبّر عن عذابات العالم من
خلال الغجري الذي يعبّرالشاعر عن ذاته ومرارته من خلاله ابتداءاً من
بدء الخليقة والأغريق والمسيح حتى يومه. لكنه في نهاية القصيدة يبعث
الأمل في بدء عالم جديد مليء بالفرح.
بعد عام توفي فقيرا في 1855.
تُرجمت أعماله الى اكثر من 25 لغة أجنبية.
المسيرة القسرية
للشاعر المجري
ميكلوش رادنوتي
1909 ـ 1944
مجنون، من ينهار على الأرض لينهض
ويبدأ الخطو مجددا
وكالألم الجوال يحرك
كاحلا وركبةً،
وبرغم ذلك ينطلق للطريق، كمن يبسط
جناحا،
وعبثا يدعوه الخندق، لن
يجرؤ على البقاء،
وإذا تسأل، ِلمَ لا ؟
فربما سيجيب،
بأن امرأة تنتظره وأنسب
موت جميل.
لكن الخنوع مجنون، لأن فوق
الأوطان هناك
منذ زمن بعيد تدور الريح
المحرقة فقط
نام جدار البيت على ظهره انكسرت
شجرة البرقوق
ومن الخوف شائك ليل
الوطن.
آه، لو أستطيع أن أصدق : لحملت
كل شيء، بل وكل ما يستحق
ليس في قلبي فقط لأعود
فالوطن لم يزل،
وإن وُجِد ! كما في الماضي في
الشرفة الباردة القديمة
لو تغني نحلة السلام،
ريثما يبرد مربى البرقوق،
لو يتشمس صمت نهاية الصيف في الحدائق
النعسانة،
لو تتأرجح الفاكهة عارية
بين الغصون،
ولو تنتظر " فانّي" بشقرتها أمام
السور الأرجواني
ولو يكتب قبيل الظهر البطىء الظلال
رويدا رويدا، ـ
ولكن، ربما ممكن بعد ! أن
يكون القمر اليوم بدرا !
لا تذهب أبعد ، صديقي، نادِِ
عليّ ! فأنهض !
15 . 9 .1944
بور ترجمة إعتقال الطائي
وُلد الشاعر ميكلوش رادنوتي في بودابست عام 1909 .
كان يعتبر نفسه مدينا بحياته لأمه وأخيه التوأم اللذين ماتا أثناء
ولادته. في عامه الثاني عشر يفقد أباه أيضا. يرعاه خاله.
صدر أول ديوان شعر له في الواحدة والعشرين من عمره.
يدخل الجامعة في مدينة سَجَدْ
قسم اللغة الفرنسة والمجرية في 1930.
في عام 1931 صدر ديوانه الثاني، لكنه مُنع من قبل
الشرطة بتهمة الأساءة للدين ومنافٍ للأخلاق. والسبب هو أنه شبّه
مواصفاته الأنسانية بالمسيح، لكن البابا استاذه في الجامعة تدخل كيلا
يُرفض من الجامعة.
في 1931 يذهب الى باريس التي تؤدي الى تطور ترجمته
الأدبية. لم يحصل على عمل بعد تخرجه عام 1934 بسبب أصله. لذا كان يطلب
رزقه من ترجماته ونقده وعمله كمدرس خصوصي.
عمل في أهم المجلات الأدبية "نيوغات ـNyugat
" وتزوج من فانّي التي كتب لها أجمل
قصائد الحب ذات المشاعر الجياشة. صدرت له ثلاث مجموعات شعرية في 1935.
1936و1938.
يتعاطف مع الأشتراكيين و يراقب بقلق مصير اسبانيا
مع الفاشست. لكنه يُمَس عن قرب.
منذ عام 1941 يّدعى الى الخدمة في معسكرات العمل
الأجباري ولمرات متتالية. وفي عام 1944 يُنقل الى احد معسكرات العمل
الأجباري في يوغسلافيا المحتلة حيث يعمل في المنجم وتعبيد الطرق. لكنه
ظل يكتب أشعاره خلال الأستراحة في الليل.
في عام 1944 يساق من قبل الجيش الألماني المنسحب في
مسيرة قسرية الى ما وراء الدانوب. لقد انهكه الجوع والتعب، ولم يعد
يحتمل المزيد. في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) وبالقرب من مدينة جور
المجرية في منطقة آبدا يُرمى بالرصاص مع 22 شخصا معه. القصيدة المترجمة
وأجمل أشعاره وجدت في جيبه بعد حفر القبور الجماعية والعثور عليه حيث
كتب:
" أنا الشاعر المجري ميكلوش رادنوتي، من يعثرعلى
جثتي فليسلم قصائدي هذه لزوجتي "
وصدرت تلك القصائد في عام 1946.