العدد 20 -------------- حزيران 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

غربة

اعتقال الطائي

بودابست..  2005.4.12

اللوحة للتشكيلي لمرحوم دلشاد

 

ما كان عليها أن تجلب تلك الحقيبة الكبيرة التي لولاها ما تعثرت وسقطت، لكنها لم تأبه للوجع الذي كاد يقصم ظهرها، فنهضت وواصلت جريها لتلحق في اللحظات الأخيرة بقطار العاشرة المنطلق من فرانكفورت.

وقفت في مكانها فرحة بلحظة الأنتصار، تراقب المحطة االمبتعدة رويد... رويدا حتى اختفت. أحست للحظة بالغثيان. تماسكت مستنشقةً نفساعميقا، ثم أخرجت البطاقة من جيبها باحثة عن رقم العربة. ظلت تترنح مع حقيبتها، الممر ضيق والشاب الأشقر يعانق فتاته دون أن يعي وجود الآخرين.

وقفت مبتسمة، تعيش غبطة الفتاة المتوردة الوجنتين والتي فتحت عينيها بغتة، لمحت المنتظرة، فابتعدت قليلا كي تفتح الطريق أمامها.

جرجرت قدميها بخطى متثاقلة حتى رأت الرقم . دخلت العربة.

إمرأة على اليمين ورجل على الشَمال لمحت في الفور نظرته اليها. هبّ لمساعدتها، راكنا حقيبتها. ابتسمت وشكرته بالأنجليزية.

كان شاهقا، لونه أقرب الى البياض منه الى السمرة. كانت عيناه عسليتين ولون شعره بني فاتح.

شغلت مكانها قبالته، لائذة بالصمت، وهي تسدل جفنيها عاضة على شفتها من شدة الألم. راحَ يختلس النظر اليها وكلما فتحتْ عينيها تشاغل بقراءة صحيفته.

كل شيء متعب، المقعد، والمكان الضيق المحتل بأرجل الركاب الطويلة، جو العربة الخانق، والألم الذي يسري في ظهرها. خلعت معطفها القصير، مكوّرة منه وسادة أسندت عليها رأسها محاولة النوم، أوعلى الأقل الهرب من الوجع. لكن ذلك لم يدم طويلا، إذ سرعان ما قدم المفتش ليطلب البطاقة. جفلت وبحركات مضطربة بحثت عنها في جيب معطفها. أخرجتها، سقطت من بينها ورقة على أرضية العربة، انحنت لتلتقطها فمد يده مسرعا لتناولها، رمق الحروف على القصاصة، ناولها إيّاها وبقي في حالة ذهول..

أخذت الورقة منه، ودسّتها في حقيبة يدها متأففةً. ثم عادت الى وضعها السابق. انفتح زر من أزرار بلوزتها دون أن تدري، كاشفاً عن قلادة فضية عتيقة، تدلت بين نهديها. ركََنَ الجريدة جانبا وراح يتأملها، غائراً في عتمة شعرها المنسدل على بلوزتها.

شقّت الشمس طريقها عبر النافذة نحو عينيها، فتحتهما، بدا لونهما أخضرَ. أفاقت، ناظرة الى ساعتها ومندهشة للوقت الذي سريعاً، اعتدلت بجلستها، زررت بلوزتها.. رشفت جرعة ماء من قنينة صغيرة احتفظت بها في حقيبتها، وجدت قصاصة الورق طريقها الى يدها ثانية. نفدَ صبره، تطلّع هو الآخر الى ساعته، لم تبق سوى مسافة نصف ساعة الى المحطة القادمة، ستنزل تاركة إياّه، ويظل يتحرّق فضولا لمعرفتها، فباغتها السؤال بالأنجليزية:

ـ هل تتكلمين العربية ؟

ـ نعم .

سألها عن بلدها فأجابت: 

ـ من العراق.

لاحتْ على وجهه البهجة فصاح كطفل:

ـ أنا أيضا..

زمّت شفتيها أسفاً واعتصرالحزن فؤادها، الذي طفا على نبرة صوتها، لأنها فضّلت النوم على ابن بلدها.

ـ من أين من العراق؟ ـ سألها.

ـ من الوسط. وأنتَ؟

ـ من الجنوب.

ـ آه! شط العرب ؟

ـ نعم من البصرة.

ـ وهل تقيم هنا؟

ـ أجل.

أدركا أن الوقت يداهمهما فصارالحوار بينهما سريعا يتردد كالصدى.

ـ ماذا تفعل؟

ـ أنا كاتب، زوجتي المعيل الرئيسي، لنا طفلان، وراتبها لا يكفي لسد حاجاتنا.

لذا أعمل في غير اختصاصي.

ـ أحب القراءة. مازلتُ مسحورة بشعر بدر شاكر السياب، ارتبطت صورة المطر

والخليج والشناشيل بقصائده.... أكون سعيدة لو قرأتُ لك.

ـ أشارك الآن في مؤتمر أدبي، أحمل بعضا من كتبي، سأكون مسرورا بتقديمها لكِ.

ـ جئتُ في مهمة عمل لبضعة أيام، باستطاعتي قراءتها وإعادتها لك.

ـ هل لي أن أعرف من أين جئتِ وأين ستقيمين الآن؟

أخرجت العنوان بأصابع متلهفة ومرتبكة.

ـ جئت من براغ..

سجل العنوان.

ـ هل أستطيع الأتصال ليلا؟

ـ ممكن.

اختلسهما الحديث، ولم يشعرا بمسافة الطريق إلا من هزة العربة المتوقفة فجأة

منذرة بالوصول.

نزلا.. ساعدها في حمل الحقيبة، شكرته. صافحها. ودّعته واستقلت سيارة أجرة.

وصلت الفندق. صعدت الى غرفتها... فتحت حقيبتها. طلبت شيئا تأكله، ثم تمددت في حوض الحمام، علّ سخونة الماء تسكّن آلام ظهرها.

" آه! يا لمتعة الأسترخاء في الفراش! "

تسللت يدها نحو مجموعته القصصية، متأملة

عنوانها " غربة " صورة الغلاف، شارع طويل يمتد ...يمتد ليتلاشى. في نهايته صبي يتطلع الى الأفق اللازوردي.

هل كان متعمّدا إعطاءها مجموعته القصصية كي تكشف لها عن مكامن روحه؟

فتحتْ كتابه وراحت تغيب في عالمه، وشيئا فشيئا بات من السهل عليها التغلغل في أعماقه، كانت تراه في كل كلمة تقرأُها وتسبرغور روحه، ترحل معه، تحب وتعاني، تتألم، وتبتهج.. وجدته رجلا يعشق جسد المرأة كما الحياة، وطفلا متشبثا بعباءة أمه البعيدة الثكلى لاهثا وراء حنانها الذي افتقده في امرأته...

تذكرتْ قول أبيها لها ذات يوم: " سيصبح كل واحد منكم تحت نجمة ". ها هي الصدفة تجمعهما تحت نجمة واحدة في فضاء مدينة غريبة.

رجفة جفنيها وارتخاء أصابعها كادا يسلبانها من عالمه، إلا أن رنّة الهاتف الحادة أيقظت كل حواسّها... لكنّ رعشة صوتها خذلتها وأفشت سر نعاسها.

ـ أنا آسف جدأ ! يبدو انني أيقظتكِ .

ـ لا.. أبدا.. لم أنَمْ بعد. غرقتُ في عالم قصصك.

ـ ستجدين روحي مبثوثة في كل قصة كتبتها، وستفهمين عني الكثير.

ظلت صامتة لا تعرف من أين تبدأ الكلام مع هذا الرجل الهابط من الظلام كالومضة ليوقظ في روحها بصيص الذكرى والحنين. فها هي تصبح أسيرة لغته.. كانت تعلم أن المثقفين يفتقدون الصدق ويرتدون ألف قناع . تململت ..

ـ أسمعُكَ...

ـ حدثيني... إحكي لي عن نفسِك! أعرف أن الأنسان مكتظ بالأسرار، ولكن المشكلة، لمن نفضي بها؟.

ـ يحتاج الأنسان الى صديق حميم يحيط الآخر بحنان ويسمعه بود وصدق.

وأنا لا اعرفك. ( قالتها بصوت كاد يكون همسا)

ـ ستتعرفين علي من خلال كتاباتي، أعيش حياتي وكأنني في رواية.

ـ ......

أضمّكِ...

شمس هذه المدينة لا تشبه شمس بلادها، تظل الألوان كالحة، وزرقة السماء باهتة،

لكنّ الفاختة في الشرفة تنشج أغنيتها الأبدية في كل زمان ومكان. أنصتتْ لها مبتسمة، حملت دفترها وغادرتْ الى مكان العمل.

مالذي حل بهذا الرجل ؟ لماذا سكنه صوتها، لماذا لمس في كلامها دفء حضن أمه؟ لماذا أباحت له بصغائر أمورها، لماذا يريد ان يعرف عن الذي عشقها و كيف أفلتها مِن يده؟؟

ألف سؤال وسؤال يدور في خاطريهما كدوّامة تتحول الى بؤرة ينبثق منها ردّها على رنة الهاتف:

ـ لأنه لم يستطع التسلل إلى عالمي الداخلي..

ـ تقصدين لم يستطع الأمساك بعالمك الدفين؟

ـ نعم... وزوجتُك ؟!

ـ هي تعتقد ذلك، أو تظن... لكني أعتقد أنّ لكل منّا عالمه الخاص.

ـ يسكنني طائر لم يستطع أي رجل كسر جناحه..

ـ لأنك لم تعثري على الرجل الذي يملأ سماءك بحيث لن تستطيعي التنفس دونه.

ـ ......(صمتتْ)

أضمُّكِ...

كانت أمواج النهر تلامس جسدها برقة متناهية وهي مستسلمة لها بخشوع، لم تخَََفْ هذه المرة من الغرق الذي نجت منه في طفولتها، بل استعذبت انسيابيته. 

استهواها تماوجه وصار يلتف حولها مداعبا جسدها، فراحت تهبط..تهبط في دوامته حتى استكنّت في القاع..

أفاقت.... غشاوة الفرات أم غبش الفجر؟! 

الماء البارد علاجها الوحيد.

الحافلة تنتظر في الخارج لتنقلها الى القرية القريبة.

ليل المدينة شائك وموحش بدونها، اين ذهبت، اين صوتها؟ لمذا غادرت دون ان تُعلِمَه..ومن غرس فيها كل هذه القسوة؟ لقد ضيّعوا العمرعليها بلهاثهم وراءها، هل تعتقده سهلا وبسيطا؟ ولماذا يصبو اليها؟ له امرأة يحبها ينهل من جسدها بحب كلما شاء. ضاعت، رحلت، أم اختفت عمدا هاربة أمام لهفته؟

رمت جسدها المرهق من نهار عمل مضنٍ على الكرسي المحاذي للهاتف، انتشلها صوته في الفور.

ـ لِمَ تتجاهلينني؟!

اذهبي إذاً! لن تضحكي بدوني، ولن تنامي على نغمات كلماتي بعد اليوم!!

ـ يا مجنون ! هل نسيتَ أننا سافرنا الى مكان أثري في القرية المجاورة؟

فرحَتُه الغامرة ودقات قلبه تُنبِضُ في كل كلمة يقولها..

ـ نسيتُ وسط زحمة أفكاري.. فقدتُ الكثيرين وصار غياب الآخرين المفاجيء يرعبني.

ـ أفهمكَ من القلب.

ـ أحب الحياة وأتعامل معها وكأنني سأموت غدا، فكل يوم جديد متعة مضافة.

ـ أرجوكَ لا! لا تتحدث عن الموت! اللحظة الصادقة التي نعيشها الآن هي نتح الروح..

لِمَ يتحدثُ هذا الكائن ـ المرأة ـ عن الروح؟! هل ما تقوله له نابع من روحها، أهي امرأة تغرق في صدقها وليس هناك من يمّس أعماق روحها بعد؟!.. كيف عرفتْ أنه ضائع ووحيد، لقد وضعتْ يدها على الجرح لتلمس شَغاف قلبه. هاهي تتبنّى صدقه العاري المطلق معها.

أحسّت برعشة في قلبها.. لماذا صمَتَ وهو الذي هوى معها في هاوية اللغة التي افتقدتها في الغربة؟! ذاك الحوار الذي لم ينقطع أبدا في كل زمان وفي أي مكان تئمه.. يصاحبها كظلها. صارمنبعها تنهل منه عذب الماء كلما عطشت. يتلاشى

العالم الغريب أمام عينيها، تنظر ولا ترى البشر المحيطين بها. يتحولون الى كتل مبهمة ويظل صدى صوته يصدح في أذنها.

انتابهما ارتباك في خضم صمت بدده سؤالها:

ـ هل تسمعني؟

ـ معكِ..

ـ غدا..... سأرحل..

حلّت الكلمة عليه كاللعنة، لا خلاص منها.

ـ أضمّكِ ... أضمّكِ الى روحي!!!

لم يودّعها.

عليها أن تركّز. لملمت أشياءها وأجزاءها المبعثرة مستنجدة بالفراش.

رأته صبيا يجلس جوارها، يؤديان لعبتهما المفضلة. تتدلى أقدامهما الصغيرة في ساقية بستان النخيل. لكز قدمها النحيفة فطار النعال من عليها غارقا في الساقية. ارتعبتْ. قفز خائفا من غضبها، راحَ يركض .. يركض حتى ارتقى أول نخلة مكركرا.. تسبّه وتهدده، لم يعد يرى منها سوى عينين تقدحان غضبا. أراد أن يريها مهارته فتعلّق بسعفة للهبوط بها، وإذا بها تنشرخ منخلعة عن جسد النخلة ويسقط على الأرض. يا لغبطتها وشماتتها به. انفجرت ضاحكة... تضحك....تتتتتضضضحححك.

وتشد ....تشد الطرف الثاني للسعفة.

كادت تمزق الكتاب بأناملها التي أصابها الخدر من شدة التشبث بصفحاته.

اسيقظت..

نهضت بعناء...

حزمت حقيبتها، متأملة بفخر الدراسة التي أعدّتها. حفظتها في حقيبة يدها. لم تبق الا صلتََي الوصل بينهما، الهاتف وكتابه، وضعته في حجرها وظلت مصغية الى الجهاز البارد. لِمَ ظل أخرس، اين صوته؟ سيعود الى مدينته لا محال وتظل ذكراههما معتّقة في قلبيهما.

أزفت ساعة الرحيل. لا من يودعها أو يستقبلها في المدن الغريبة.

لماذا احست انها وحيدة حال رحيله رغم وجود زوجها وابنتيها؟ 

لماذا... لماذا ؟؟

اعتقال الطائي

بودابست.. 2005.4.12

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )