قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com


العدد 21 ---- تموز 2005     


الافتتاحية

  سلام إبراهيم: النص العراقي والناقد

شعر

صلاح عواد:   البيت العتيق

ترجمة : بدل رفو المزوري: قصائد للشاعر ألويس هيركويت

محمد بن الأمين: ربّماوات

عبداللطيف الحرز: ازقة التباوين وموت المعلم 

القصة

حسن حمود الفرطوسي: زوايا الصمت

    صبيحة شبر: أستاذتي.. ما عاد لك

خضير فليح الزيدي: نساء

  أسعد الهلالي: الرازم

اعتقال الطائي: قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين

قراءة في قصص نصوص

سلام إبراهيم: قصص العدد الماضي

نص

خضير فليح الزيدي: على حافة الحب حتى اعتناق الكراهية

كريم كطافة: قصة طف معلن

أدب الرسائل

سلام إبراهيم: مقدمة عن أدب الرسائل وقصة الرسالة مع نص الشاعر المرحوم رسالة عزيز السماوي

كتابات شابة

 طالب عبد الامير: مصافحة بيد واحد

 هشام عليوي:  البوح

حسين الهلالي: اور ملهمة المبدعين

لقاء مع مبدع

وديع شامخ: حوار مع الفنان المسرحي العراقي المغترب حازم كمال الدين

كتاب الشهر

سلام إبراهيم:  "الحدود البرية" رواية ميسلون هادي

 

طالع الأعداد السابقة

 العدد 20

العدد 19

العدد 18

العدد 17

العدد 16

العدد 15

العدد 14

العدد 13

العدد 12

العدد 11

العدد 10

العدد 9

العدد 8

العدد 7

العدد 6

العدد 5

العدد 4

العدد 3

العدد 2

العدد 1

العدد صفر

 

 

 

 

     

اعتقال الطائي

 بودابست

                

متى تنتهي الحرب

 

"مكالمة تلفونية في، 1969.12.12 "

 

ـ أتكلم مع الكاتب؟

ـ نعم.

ـ قرأت الآن في الجريدة، اليوم مساءاً سيقدمون مسرحيتك في التلفزيون تحت عنوان " فورونييج ". قرأت الإعلان أيضا. وحضرتك المعني؟

ـ نعم سيدتي.

ـ وأعلنتَ : أنك كتبتَ المسرحية في مخيم أسرى الحرب. أهذه حقيقة، أم لغرض الإثارة قلتَ ذلك؟

ـ حقيقة.

ـ أرجو المعذرة، لأنني اتصلت بكم بلا سابق معرفة. أحب أن أذكر اسما فقط. و أود أيضا أن أعرف إن كنتم تتذكرونه. هل باستطاعتي ذكره؟

ـ نعم، تفضلي.

ـ بوغنار بيتر.

ـ بوغنار بيتر؟

ـ نعم. أنا أمه.

ـ آسف جدا، سيدتي. لا أتذكر اسم ابنكم. وأين التقيتُ به؟

ـ في أيار 1942، استدعي ابني إلى الجبهة. وحضرتكَ كنت في "فورونييج"؟

ـ نعم.

ـ أرسلَ بيد رفيقه الذي صار عاجزاً وعاد إلى الوطن من هناك، قصاصة ورق كتب فيها " نحن في كوشتينشكو ".

ـ هل كان هذا من التقى به آخر مرة؟

ـ لا، ليس هو، لأن الرسالة الثانية وصلت من مخيم "تامبوف" لأسرى الحرب.

ـ أنا أيضا كنت هناك سيدتي.

ـ حضرتك أيضا؟ في تامبوف؟ ولم تتذكر بوغنار بيتر؟

ـ كنا آلاف المجريين هناك. ماذا كتب ابنكم العزيز من هناك؟

ـ في 1943 جاء إلى الوطن شاب من مخيم تامبوف، وجلب معه قائمة طويلة بأسماء الأسرى الذين كانوا يعيشون هناك.

ـ هذا غير ممكن سيدتي.

ـ ماذا تريد أن تقول؟ ما هو غير الممكن؟!

ـ أرجو المعذرة، لا أريد أن أكون سببا في عذابك. وربما أخطأتِ برقم السنة. لأنه في عام 1943 لم يستطع أحد المجيء إلى الوطن من تامبوف.

ـ أنا شخصيا تحدثت معه. كان عبارة عن جلد عظم. هو الذي أراني اسم ابني في القائمة.

ـ هذا حصل بالتأكيد. ولكن ليس في عام 1943.

ـ لماذا ليس في عام 1943؟

ـ لأن تامبوف تقع في الشرق، و بعيدة في أقصى الإتحاد السوفييتي. ولأن الحرب كانت في الوسط تماما حيث لم يستطع أحد العودة. ولا حتى في السنوات التي تلتها، إلى عام 1945.

ـ إذن لندع أرقام السنين. وحضرتك كم بقيتَ في تامبوف؟

ـ ما يقارب الثلاث سنوات.

ـ ولم تتذكر بوغنار بيتر؟

ـ كنا كثيرين جدا، وتغيرنا باستمرار، إضافة إلى أن ذاكرتي سيئة بالأسماء. ولكني إنْ لم أتذكر، فهذا لا يعني شيئا أبداً. وإذا وصل ابنكم إلى مخيم تامبوف، فمن المؤكد أنه لم يُفقد.

ـ كيف؟ ابني مفقود؟ كيف استنتجتَ ذلك؟ ابني مفقود؟

ـ أنا لم أقل أي كلمة كهذه سيدتي، بل بالعكس. نحن فقدنا ستين ألف شخص في فورونييج، وكان من بينهم عشرات الألوف اختفوا بلا أثر. بعدها همنا على وجوهنا خبط عشواء خلف خطوط الجبهة. لكنّ من وصل إلى المخيم، ومثلا إلى تامبوف،

كان قد تدبر أمره ضمن تلك الظروف. وضعوا اسمه في القيد، وكانوا يقرؤون الأسماء بالترتيب يوميا، ويقدمون المواد الغذائية. ومن أصيب بمرض نقلوه إلى المستشفى. إذا كان ابنك هناك، فبالتأكيد لم يُفقد.

ـ ألا تتذكره؟

ـ آسف لا. لقد مضت أعوام طويلة على ذلك.

ـ كان ابني صديقا حميما ل (إمرة شالاي). هذا أيضا لم تتذكره؟

بعد سنتين استدعي للجبهة، كان عضوا في الحزب. هذا أيضا ما لا تسمع عنه؟

ـ لا يا سيدتي.

ـ بالرغم من أن مثل هذه الأشياء واضحة للجميع عن شخص مثله، مهما كان عددهم كبيرا؟

 ـ هذه حقيقة.

ـ لو كنتَ مع شخص كهذا، هل استطعتَ نسيانه؟

ـ لا أريد أن أثير حزنك سيدتي.

ـ لكني أريد أن أعرف كيف استطعتَ خلال سبعة وعشرين عاماً نسيان صديقك

"إمرة شالاي"؟

ـ لم أنسه سيدتي.

ـ قل لي بصراحة. برأيك لم يكن ابني في تامبوف؟

ـ هذا ما لا أستطيع البت به سيدتي.

ـ قلتَ مسبقا: إن الشاب لم يأت من تامبوف إلى الوطن .

ـ قلتُ فقط، في عام 1943 لم يكن باستطاعته العودة إلى الوطن.

ـ انتظرتُ عودته سبعة وعشرين عاما، كان الإبن الوحيد لي. منذ ذلك الوقت فقدت زوجي أيضا، وأرجوك ألا تكون رقيقا معي في شيء مثل هذا، أريد أن أعرف الحقيقة، الحقيقة الساطعة. إذا لم يعد الشاب من تامبوف، إذاً من أين كتب لي ابني؟

ـ الجواب على هذا صعب سيدتي.

ـ انتظر لحظة فقط، تبادر إلى ذهني شيء ما. ألا يوجد في الإتحاد السوفييتي بالصدفة مدينتا تامبوف؟

ـ تقصدين مدينتين بنفس الإسم ؟

ـ ولمَ لا؟ إحداهما حيث كان حضرتك، والأخرى التي كتب منها ابني. أو هذا مستحيل؟

ـ ليس مستحيلا.

ـ آها، أليس كذلك؟ والقائمة رأيتها أيضا، رأيته بأم عيني، كان شابا كله جلد وعظم. هو من جاء من تامبوف الأخرى، لأنه لا يوجد لهذه القضية تفسير آخر.

ـ في الحقيقة ليس هناك تفسير آخر لهذه الحالة.

ـ ولذلك لم تلتق به حضرتك؟

ـ لذلك لم التق به، سيدتي. 

 

 مغزى الحياة

إذا نظمنا كثيرا من الفلفل الأحمر بخيط، سنصنع منه إكليلا من الفلفل. وإن لم ننظم الفلفل الأحمر بخيط، فلن نحصل منه على إكليل. بينما الفلفل ذاته وبنفس الكمية، أحمر تماما، وحاد تماما، لكنه ليس إكليلا.

لو وضعنا الخيط بحد ذاته، فلن يعمل شيئا. . كلنا يعلم أن ذلك الخيط لا أهمية له. إنه شيء من الدرجة الثالثة.

إذاً ماذا؟

من يفكر بهذه الأشياء، ويمعن النظر فيها، ولا يطلق العنان لأفكاره أن تجول كيفما تشاء، وإنما تتقدم في الإِتجاه الصحيح، عندئذ سيكون بإمكانه تقفي آثار الحقيقة.

 

  الخلود

لم يعد شابا، مع ذلك استطاع أن يفترض نفسه كذلك، عرفه وخافه سكان الأحراش، وبصفة خاصة كل الكائنات التي تدب في القرب والبعد. لم تضعف رؤيته، وإذا اختار غنيمته على ارتفاع آلاف الأمتار، ينقضّ عليها كالمطرقة التي تهوي على المسمار بضربة واحدة.

وهكذا بعنفوان عمره، وبكامل قوته، بين خفقتي جناحيه البطيئتين، على حين غرة توقف قلبه. مع ذلك لم تجرأ أن تدب أمامه لا الأرانب ولا السلاحف، ولا حيوانات القرى الداجنة، لأنه هناك على ارتفاع ألف متر يخفق باسطا جناحيه، منذرا بثبات،

بالرغم من أن أنفاسه انطفأت منذ دقيقتين أو ثلاثة، حتى توقفت الريح.

 

                                

                                    أبناؤنا

كان هناك أرملة فقيرة، لها ولدان وسيمان يافعان. أحدهما، وهو الأكبر، كان

يشتغل على إحدى السفن التي انطلقت على الفور في رحلتها الأولى إلى المحيط

 الهادي. ما حدث له، وما لم يحدث، لا يوجد من ينبئنا بذلك، لأن السفينة أضاعت مسارها في البحار.

بقي الأصغر في البيت. لكنه في أحد الأيام، عندما أرسلته أمه إلى " الصيدلية التي

تقع في البناية السابعة " لجلب الدواء، لم يعد إلى البيت ثانية، وضاع أثره إلى الأبد.

حدث هذا في الواقع. ولكن في الحكايات، اعتاد أن يكون للنساء الأرامل ثلاثة

 أبناء. والإبن الثالث هو الموفق دائما.

 

 

                         البيت

كان عمر البنت الصغيرة أربع سنوات فقط. فلابد أن تكون ذاكرتها مضبّبة، وحينما أرادت الأم أن توقظ فيها الشعور بالتغيير الذي يفضي إلى المستقبل،

قادتها نحو سياج الأسلاك الشائكة، ومن بعيد أرتها القطار.

ـ ألا تفرحين؟ هذا القطار يأخذنا إلى الوطن.

ـ وما يحصل عند ذاك؟

ـ عند ذاك سنكون في البيت.

سألتها الطفلة:

ـ ما ذلك الذي تسمينه البيت؟

ـ ذلك الذي سكنّا فيه من قبل.

ـ وماذا يوجد هناك؟

ـ هل تتذكرين الدب الصغير؟ وربما عرائسك أيضا ما تزال هناك.

ـ ماما – سألت الطفلة- أهناك في البيت حراس أيضاً؟

ـ لا، ليس لهم وجود هناك.

ـ إذاً ـ سألت البنت الصغيرة ـ هل يمكننا الهروب من هناك؟

 

ترجمة اعتقال الطائي                              

 

 

إشتفان أوركين 1912 ـ 1979

كاتب مجري معروف بحسه المرهف اتجاه لا عقلانية الحياة المعاصرة ومفارقاتها، إلى الحد الذي أُطلق عليه لقب " سيد المفارقة ". إنه أحد أكثر كتاب المسرحية المجريين نجاحا في فترة الستينات والسبعينات.

انحدر من أسرة غنية، والده صيدلي ورئيس مستشاري الدولة. لذا كان على الأبن أن يحذو حذو الأب فدرس الصيدلة، ثم نال شهادة دبلوم في الهندسة الكيميائية.

اتجه نحو الكتابة في نهاية الثلاثينات ونشر أول قصة قصيرة في عام 1941.

في عام 1942 دعي إلى الخدمة في العمل الأجباري ضمن الجيش المجري، وفي ربيع هذا العام كان على أطراف فورونييج حيث سقط المجريون في موت جماعي. وفي 1943.1.12 وفي درجة 47 تحت الصفر انهار الجيش المجري وضاع الآلاف منهم. ووقع أوركين أسيرا قضى أكثر من ثلاث سنوات في معسكرات الإعتقال. وقد انعكست تلك السنوات بشكل ظاهر على أعماله، حيث جسد بعضها نمط الحياة داخل هذه المعسكرات، كما أنه اختار بعض أبطاله منها أيضا.

اتجه أوركين لكتابة المسرحية في الفترة ما بين 1949 ـ 1953 بينما نشر قصصه القصيرة ورواياته في عدة مجموعات خلال الفترة ما بين الخمسينات والستينات.

منذ بداياته كان مولعا بروح المفارقة والسخرية اللاذعة، واستمر هذا الولع في أسلوبه ليصبح الميزة الأساسية لأعماله منذ منتصف الستينات. في ذلك الوقت بالذات كتب أوركين مسرحيته الناجحة " عائلة توت " واعتبرت عملا مسرحيا بارزا، تم عرضها في 15 دولة أجنبية وعلى خشبة تسعين مسرحا. تُرجمت إلى العربية أيضا وأخرجها الفنان جواد الأسدي.

ابتكر أوركين نوعا غريبا وجديداً من أسلوب المفارقة الكوميدية أسماها " قصص في دقيقة واحدة ". تميزت هذه القصص بقدرتها على تشخيص لا عقلانية حياتنا المعاصرة، والتي يتقبلها معظمنا كأشياء يومية عادية، من خلال بضع صفحات أو سطور. 

ترجمت أعماله إلى أكثر من 12 لغة، وتضمنتها ثلاثون طبعة. لاقت مسرحياته نجاحا باهرا في هنغاريا والخارج. إضافة إلى مسرحية " عائلة توت " لاقت مسرحيته الشهيرة الأخرى

" لعب القطة " نجاحا عالميا مماثلا وتم عرضها في أكثر من ثمانين مسرحا خارج هنغاريا.

نال إشتفان أوركين جائزتي لايوش كوشوت  واتيلا يوجف تقديرا لنشاطه الأدبي.

 

 


اللوحة للفنان صادق طعمة