العدد 19 -------------- مايس 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

حوار مع السيدة أعتقال الطائي

   

 

لا أسميه منفى..

 المنفيون أهلنا في المكان..

 أما نحن فنطوف العالم.. ونقول ما نشاء ونكتب!

 

 

 

 

أجرى الحوار: سلام إبراهيم

 

 

 

السيدة أعتقال الطائي غنية عن التعريف فمن منا لم يجلس ليل كل أحد في أواسط السبعينيات أمام شاشة التلفزيون عند التاسعة مساءً بانتظار ظهور طلعتها الجميلة وبسمتها الخفيفة العفوية الصادرة من القلب بعكس بسمة المذيعات المصطنعة لتقدم برنامجها المهم والأهم في تاريخ التلفزيون العراقي ثقافيا "السينما والناس" فتحاور الضيف حوارا ثقافيا عميقا يتعلق بالفن السابع عموما والفلم المزمع تقديمه خصوصا. واعتقال من مواليد الحلة حيث أكملت دراستها الابتدائية والثانوية فيها. لتدخل أكاديمية الفنون الجميلة عام 1968 قسم النحت وتتخرج عام 1972. عملت في ذلك العام في تلفزيون بغداد قسم الديكور. ثم دخلت دورة إعداد مذيعي ومقدمي البرامج التلفزيونية رُشحت بعدها لتقديم برنامج "السينما والناس" وبعد سنة من التقديم وبمناسبة اليوبل الفضي للتلفزيون العراقي حاز على جائزة أحسن برنامج واعتقال على أفضل مقدمة. ولم يطل الأمر إذ سرعان ما منعت من تقديمه ونقلت من التلفزيون إلى مركز الحرف والصناعات الشعبية عام 1978 عام الحملة على اليسار العراقي والديمقراطيين وبدء حملة تبعيث المجتمع العراقي. فهاجرت عام 1979 إلى هنغاريا لتكمل دراستها العليا متخصصةً في الفن السابع وتحصل على شهادة الدكتوراه.

وفي المنفى نشطت في مجال الترجمة فترجمت العديد من القصص العربية إلى الهنكارية نشرت العديد منها في مجلة الكرمل وغيرها.

وفي الآون الأخيرة نشرت قصتي حب جميلتين في موقع المهاجر لنكتشف أنها قاصة شديدة الرهافة

عن كل هذا ولأجل إلقاء الضوء على اعتقال وتلك الفترة من حياة العراق الثقافية وعن تجربة المنفى والحياة والكتابة  كان لنا معها هذا اللقاء

1ـ للطفولة والعائلة والمدرسة دور كبير وأساسي في تكوين الإنسان. ولدينا في العراق لها دور حاسم في تكوين المرأة التي ليس لديها منفذ سوى المدرسة والبيت وخصوصا بعد البلوغ. حبذا لو تحكي لنا عن عائلتك مدرستك في مدينتك والكيفية التي تمكنتي بها في الوصول إلى ما وصلت إليه في مجتمع رجولي شديد التحفظ كالمجتمع العراقي. بمعنى أخر قصة كفاحك وسط العائلة والمحيط؟!.

1. ليس هناك أجمل من طفولة يعيشها الفرد وسط عائلة كبيرة ، مع عشرة إخوة.

أب سبق عصره بفكره التقدمي ، وأخوة ناضلوا من أجل الحرية في العهد الملكي،

والدليل الأسم الذي اكتسبته من رسالة وصلت من سجن (نقرة السلمان) في العام

1949. التعليم ، السياسة ، الثقافة وحنان الأم وثقة الأب ببناته. كل تلك الأمور أدت الى ما وصلت إليه.

في مدينتا (الحلة) لم يجبرنا أحد على ارتداء العباءة ، لأن برأي والدي :" إذا أرادت البنت أن تفعل شيئا سيئا لا يمنعها أي حجاب ، ولا أخاف عليها حتى وإن كانت بين مئة رجل." رنين تلك الكلمات كان يدفعني الى الأمام.

في المدرسة كنا نحظى بحب المدرسات ولا أنسى  وجه مديرة مدرستنا عندما دعتني الى غرفتها والأبتسامة والفخر على وجهها حينما سلمتني رسالة من سجن الحلة عام 1965 كتب على ظرفها(الأديبة الصغيرة) فيها ملاحظات أخي ورفاقه الكتاب في السجن عن قصة قصيرة ولقاء معي نشرا في صحيفة يومية

 

.

 

2ـ لماذا أخترتي قسم النحت؟!. وهل نحتي شيئا؟ إذا كان الجواب بالإيجاب ماذا كان شعورك وأنت تخلقين شكلا من الحجر والطين؟

2 . أحب تحسس الأشياء ، أستطيع أن أحس ببرودة وحرارة الطين أو الحجر أو

الخشب ، لا أستطيع أن أصف لك ذلك الإحساس عندما نحتنا في الحجر ، تحول الناس جميعا أمامي إلى حجر ، كنت أراقب الأنوف والانحناءات وكيف يمكنني تعديلها، بل نحتها . عملت نحاتة في التلفزيون، وفي مركز الحرف والصناعات الشعبية. ولا أملك ألا صورا عن بعض أعمالي.

لي تمثال صغير لأمي رافقني هجرتي. للأسف أن آثار مادة الكلس مازالت في رئتي والحساسية المزمنة حتمت علي أن أترك النحت لأن الحياة أجمل .

 

 

3ـ العام الذي دخلتي فيه الأكاديمية عام وصول البعث إلى السلطة في انقلاب1968. لم يكن للبعث في الوسط الطلابي إلا أنفار وكان الصراع فيه محتدم بين اليسار المتطرف والشيوعيين. هل لك أن تحدثينا عن تلك الأجواء الحيوية، شخوصها، طبيعتها، النشاط الثقافي وقتذاك، وضع الطالبة الجامعية في تلك الفترة؟!.

. لم أكن أعرف شيئا عن الصراع المحتدم بين اليسار المتطرف والشيوعيين

لأنني لم أنتم إلى أي حزب أبدا ، وعلى العكس كان البعثيون مسيطرين في الأكاديمية على الوضع ، كانوا يعتقدون بأنني عضو فعال في نشاط مضاد لهم.

وكنت أستلم منهم التهديدات بين فترة وأخرى في غرفة الاتحاد الوطني  دون أن أدري لماذا. وأتذكر كيف ساقونا إلى ساحة التحرير كي نمتع أعيننا بأعناق الجواسيس الخونة المعلقة على المقاصل.

 

والفترة التي قضيتها في الأكاديمية 68ـ72 هي فترة محاولة السيطرة على الوسط الطلابي من قبل السلطة؟!. كيف كانت تجري الأمور؟

. أجمل فترة كانت في حياتي. كنت محاطة بالشباب المثقفين الواعين ، كان همنا الفن والقراءة وتبادل الأفكار النيرة ضمن علاقات طيبة ، كان المسرحيون نقادا لأعمالنا ، وكنا مشاهدين نقادا لمسرحياتهم. ما أزال

اكن لهم كل المودة . تذكرت أن رئيس الاتحاد الوطني في آخر سنة استدعاني ولكني أجبته :أنا لا أتناقش مع أطفال . مرت السنون وأصبح رئيسا لقسم الديكور،

وجاءت فرصة الانتقام ، فكان يرمي التماثيل في الزبالة ويكتب شكوى بحجة عدم تنفيذي العمل في الوقت المحدد.

 

5ـ لم وقع الاختيار عليك لتقديم برنامج "السينما والناس" صفي لنا شعورك في أول حلقة. وهل تتذكرين من كان ضيفك وأي فلم عُرِضَ؟!

4 . إن صادق علي شاهين (الله يذكره بالخير) كان رئيسا لقسم التنسيق. وكان يلح علي بأن أوافق على تقديم البرنامج ، وكان الرد هو الرفض ، إلا أن المدير العام (محمد سعيد الصحاف) استدعاني وطلب معرفة الرفض . قائلا : نريد بنات مثقفات لتقديم البرامج ـ أضف إلى أن الصحاف يعرف عائلتنا. تم الاختبار ونجحت ، ولكني ترددت ثم وافقت وفوجئ والدي بصورتي في التلفزيون وهو يجلس في مقهى الجندول على ضفاف نهر الفرات في الحلة وكان فخورا بي .

أما أول فلم فكان رائعة العملاقين تولستوي وبوندارتشوك (الحرب والسلام) . شعوري كعادتي هادئة لم ترعبني الكاميرا . في أول حلقة لم يكن ضيف وكان تعريفا بالفلم . لكننا أعدنا تقديمه بعد

سنوات تلبية لرغبات المشاهدين وبالطبع أفضل ضيف مناسب له كان، الفنان المسرحي قاسم محمد .

 

 

6ـ ماذا كان دورك في فريق عمل البرنامج. هل كان مقتصراً على التقديم أم كنت تساهمين في الإعداد؟ حدثينا بإسهاب عما كان يجري في كواليس البرنامج؟!

5 . في البداية كنت ألتزم بالأعداد ، ولكن بعد الممارسة أصبح الأعداد مشتركا ، بمعنى..كنت أناقش حسب معرفتنا ودراستي وتحضيري الخاص قبل التقديم .

إضافة إلى أنني كنت أتمتع بذاكرة حديدية (حسب قول الأستاذ احمد عباس صالح)

وفي النهاية صرت أقدم بلا ورقة ولم يقرأ أحد ما يدور في رأسي.

 

7ـ هل تقصين علينا طرائف حدثت بعملك في البرنامج؟!

. لا أدري إن كانت طرائف أم لا ! ولكن شر البلية ما يضحك .سأقص عليك بعضا منها:

ذات يوم ذهبت أسأل عمال الديكور عن الخلفية التي أعددتها للبرنامج . كنت ألمح في عيون الخطاطين نظرات غريبة ، سألتهم . أجابوني بأن مقدمته تغيرت . كان حينها سعد البزاز نائب رئيس القسم الثقافي جلب مذيعة أخرى دون قيد أو شرط .

سمع الصحاف وطلب من رئيس القسم محمد مبارك السبب فكان الرد : حركاتها مثيرة لأن دائما تعدل شعرها الطويل ! فأجابه الصحاف ساخرا : احنه جايبيها على شعرها الطويل! وألغى الحلقة . ودخلت الأستوديو ولم أجرأ على تعديل شعري حتى كاد يغطي وجهي ولم يستطع المصور العمل ، كان ضيفي الفنان الكبير وقتها يوسف العاني الذي كان ينظر باستغراب إلى ، اتضح أن المصور تقدم مني خلسة ليرفع شعري من على وجهي، فوجئت وصرت أضحك وتلافيت الموضوع بسؤال مضحك عن الفلم . أما الطريفة الكبرى ، عندما دخلت الأستوديو مع الكاتب جبرا إبراهيم جبرا(رحمه الله) وأخبرونا بأن البرنامج لغي من قبل سعد البزاز . وتدخل المسؤولون من جديد وحضر سعد البزاز مع شروطه وهي : إذا أردتُ تقديم البرنامج عليّ أن ألتزم بهذه الأسئلة التي أعدها . كان جوابي : أن يجلس في مكاني ويقدم البرنامج.! إلا أن جبرا إبراهيم جبرا بدأ يهدئ الوضع .ثم أخذ الورقة من يده ، قرأ الأسئلة وراح يضحك قائلا: اسألي كما تعودتي . هذه الأسئلة ليست لها علاقة بالفلم... كان الفلم باليه روميو وجوليت وكيف وظّف بركوفييف موسيقاه في عمل شكسبيري.

 

8ـ أستمر عملك في التلفزيون من 72ـ78 وفي هذه الفترة بالتحديد قاد "محمد سعيد الصحاف" فقاعة حرب الخليج الأخيرة حملة تصفية مؤسسة الإذاعة والتلفزيون من الشيوعيين والديمقراطيين وغير الموالين للبعث.. أي كنت شاهد على ما كان يحدث.. هل لك أخبار القارئ عن شهادتك على تلك الفترة المفصلية حيث كانت السلطة تعد لتخدير العراقيين بواسطة الإعلام؟!.

 

 . يجب أن أكون موضوعية في الرد على هذا السؤال . في تلك الفترة كان الصحاف يحاول بناء مجتمع ثقافي يسعى لتطوير الإذاعة والتلفزيون وكانت شروطه الشهادة الجامعية واستغلال مواهب وطاقات المثقفين . حتى كان يقول لي بسبب مواقفي : احمدي ربك لأنك جئت الآن وليس في الفترة التي كنت أسير فيها الإذاعة والتلفزيون بالمسدس . لقد تعرف عن قرب على الناس غير البعثيين وكان

يقرأ كثيرا كي يتعلم المهنة . وبعد نجاح البرنامج كانت تُفرض عليه قائمة بأسماء الكتاب البعثيين يطرحها علينا بأن نقدمهم في البرنامج ، وبالفعل استضفنا أحد شعرائهم وكان الفلم صعبا عليه . فأجّل الصحاف الحلقة مستغلا سفر الشاعر وإلغائها خوفا من الفضيحة . لقد تغير وصار يجلس مع المثقفين والفنانين ، وبالرغم من ذلك ظل ذلك المارد الذي يحل الصمت فجأة حينما يدخل الكافيتيريا.

لم يرق ذلك لمسؤولية الكبار ونقل من هناك وكما أتذكر أصبح سفيرا في الهند .

في نهاية 1975. في الحقيقة أن الحديث عن تلك الفترة يستغرق كتابا ولا يمكن تقديمه في سطور ، ربما سأنشر ذات يوم تلك التجربة في كتاب .

تلاه لطيف الدليمي وكان يرعى البرنامج أيضا. وعندما انتقل هو الآخر بقيت المؤسسة بلا معيل ، ثم شغل المكان سعد قاسم حمودي لفترة قصيرة.

 

 

9ـ سمعنا أن ثمة مشكلة حدثت بعد عرض فلم "الحرب والسلام" ما حقيقة الأمر وهل صحيح أن وسط البعث الثقافي تضايق من تلك الحلقات وكانت سبباً في إبعادك وإلغاء البرنامج لاحقا؟!. حدثينا عن ملابسات إبعادك ماذا كانت مبرراتهم؟.. ماذا كانوا يريدون منك بالضبط؟..

8 . المشكلة هي مع فلم قرغيزي المأخوذ عن قصة "جميلة" للكاتب جنكيز آيتماتوف. الحكاية أن مدير المخابرات فاضل البراك استدعاني ذات يوم وكان معجبا بالبرنامج وبأستاذته القرغيزية عندما درس في الاتحاد السوفييتي . لذا طلب مني أن أقدم الفلم . ولكنه طلبه رسميا من التلفزيون مع العلم ان الفلم ممنوع لأن هناك شروطا تمنع عرض الأفلام التي تعرض الخيانة الزوجية . وبما أن الجميع عبد المأمور طلبوا فورا منا تقديمه . وفرحنا لأن الفلم رائع.

وذات يوم استدعيت إلى القصر الجمهوري دون سابق إنذار وأتذكر كان الجبس

على بنطلوني وفي جيبي  25 فلس . كل شيء خطر على بالي إلا ذلك ، إضافة إلى ثقتي العالية بنفسي كنت أفكر أنهم طلبوا في تكريمي           (يا للسذاجة) . أحاط بي خمسة وزراء لا أتذكرهم. التهمة وهي أنني قدمت( فلما ماركسية شيوعية ) على

حد قول أحدهم في يوم المولد النبوي . ودار تحقيق طويل . أما كيف حصل ذلك التوقيت فما زلت أجهل تفاصيله. المفارقة أن الفلم عن المسلمين وفيه آيات عديدة من القرآن.

أما إبعادي عن البرنامج ربما كانت تلك المحاكمة ، ولكن المؤسسة استلمت معيلا جديدا اسمه (سهيل نجم الأنباري ) الذي أراد على الفور أن يراني ، فدخل قاعة العرض وبدأ يسأل عن عملنا وعن الفلم وأصيب بصدمة لأنني لم أجب على الأسئلة ، وسأل معد البرنامج عن  الأسئلة التي سأطرحها في البرنامج فأجابه : في رأس اعتقال ... نزل وقال : تنقل فورا وابحثوا عن مقدمة جديدة!

 وكتب : إنها شيوعية سيئة الأخلاق ! والسلام ...

 

 

 

10ـ هل غادرتي العراق هرباً أم رسميا لإكمال الدراسة؟!.

 

تستطيع أن تقول الاثنين . قررت ألا أخرج من العراق بدون هدف محدد ،

لذا انتظرت أكثر من عام الرد من أكاديمية العلوم المجرية بعد إرسال أوراقي ،

وحينما استلمتها كانت إجازتي قد انتهت وظروف عائلية حالت دون ذلك أيضا

فطلبت من المدير الفنان عطا صبري بتمديد الإجازة ، وافق وعندما طلبت منه

ذلك رفض ، وأهانني ، ولم أسكت على الإهانة ، كان نتيجتها أن اتصل لا أعرف بمن كي أُمنع من السفر. غادرت بعد يومين وما تزال أمام عيني ابتسامة العاملين في المطار وكلام الرجل المسؤول عن الممنوعين حينما قال لي بود : عندنا اعتقال واحدة وين أعثر عليها بين هذه الآلاف (يقصد الأسماء في السجل) .روحي الله وياج !

 

11ـ يستشف المرء من خلال متابعته لبرنامج السينما والناس أنك ومعدي البرنامج قريبين جداً من اليسار أي بعيدين جداً عن فكر البعث.. هل كانت لديك علاقة بالوسط اليساري العراقي؟!. وكيف تنظرين إليه في الوقت الحاضر؟!

9 . من حقي أن أتحدث عن نفسي فقط ولكن باستطاعتي القول أن زميلي علي زين العابدين إنسان مثقف مستقل وكنا معا نسعى لتطوير البرنامج الذي أخذ بيد المشاهد العراقي من مختلف مستوياته بالرغم من صعوبته . بالتأكيد أنني بعيدة  

عن فكر البعث . نحن لم نر منه سوى الاضطهاد . كان البعثيون يقولون عن ضيوف برنامجنا أغلبهم من اليسار . في الحقيقة لم يكن ذنبنا لأن ثلاثة أرباع المثقفين والمختصين منهم . نحن الآن في وضع غريب انتقالي وأنا منعزلة ، ولا أستطيع أن أقيم الوضع وليس من حقي كما أعتقد .

 

 

12ـ من خلال إطلاعي على سيرتك وجدت أنك في المنفى لم تدعي الوقت يمر عبثاً. دراسة سينما، عمل في معهد السينما والمسرح، ترجمات. تحدثي للقارئ بنفسك عما أنجزته في هنغاريا؟!.

11 . نعم وصلت بلاد المجر ، لم أعرف أحدا ، وبعد فترة التقيت بالعراقيين الذين ساعدوني بالعثور على أوراقي . وبدأت الدراسة على حسابي الخاص . قررت أن أتعلم هذه اللغة الغريبة العجيبة لوحدي مع بذل جهد كبير. حتى أنها أصبحت مصدر رزقي ، بدأت بترجمة قصة قصيرة ، ثم العمل في معهد السينما والمسرح إلى جانب أحد كبار المخرجين المسرحيين وتدريس لغة الاختصاص للطلبة العرب الدارسين في هذا المعهد آنذاك .

كنت أعمل إلى جانب كتابة الأطروحة ، فترجمت قصائد مختارة لعشرة شعراء .

قصص قصيرة نشرت في الكرمل ومجلة أدب ونقد المصرية . وكتبت عن السينما المجرية ، أعددت مادة عن تاريخ السينما المصرية . وكان أهم شيء بالنسبة لي هو تعريف المجر ولو بالقصة العربية القصيرة إلى مجلة مختصة بالأدب العالمي.

فترجمت قصصا من العراق ، مصر ، سوريا ، فلسطين . كان يجب إعداد مادة عن نجيب محفوظ بعد استلامه جائزة نوبل إلى الإذاعة مع ترجمة قصة قصيرة له. وكذلك قدمت تعريفا بالرجع البعيد لفؤاد التكرلي وتمثيل مقاطع منها في الإذاعة . إضافة إلى ترجمة قصته القصيرة ذاك النداء . قدمت في الإذاعة أيضا قصة يوسف إدريس بيت من لحم . ما قمت به  منذ عام مضى ترجمة كتاب صحفي مجري واكب أحداث العراق من عقد مؤتمر المعارضة في صلاح الدين حتى سقوط النظام ، ثم عاد وأكمل الكتاب في صيف 2003. إنها تجربة خاصة لأنه عاش في شمال العراق في بيوت الأكراد وسمع ورأى أشياء تقشعر لها الأبدان وفي بغداد والحلة وتكريت وكربلاء والنجف. ولكن للأسف لم ير النور بعد . إن النسخ المجرية نفذت تماما. ولو سنحت الفرصة أتمنى أن ننشر منه أجزاء في مجلة الحوار المتمدن .

لقد ترجمت وشاركت بإعداد سيناريو فلم الكارتون ( ابن الغابة ) المأخوذ عن قصة الكاتب ابن طفيل ( حي بن يقظان ) الذي يعرض الآن في دول الخليج العربي ، شارك في مهرجان دبي السينمائي.سمعت أنه حاز على نجاح كبير .

قبل أيام أنهيت ترجمة وكتابة سيناريو فلم كارتون جديد حكاية عن الخيول وعلاقتها بالإنسان (لؤلؤة الصحراء) ..هذا هو العمل الثاني مع مخرج الفلمين ثامر الزيدي.

 

 

 

13ـ  أنتقل هنا إلى موضوعات أخرى تتعلق بالحياة والعراق وتجربة العمر. يتميز الرجل العراقي بالشهامة والعطف والقسوة بنفس الوقت. نفس ميزات البدوي. تجدين هذه السمات لدى المثقف والبسيط. أنت كامرأة عراقية متحررة محتكة بالرجل ماذا تقولين فيه بلا مجاملة وبصراحة؟!.

12. أوه ! هذا موضوع شائك وصعب ! بحكم دراستي وعملي أيضا كنت دائما أعمل مع الرجال ، تعلمت منهم الكثير. كتب علي الوردي عن شخصية الفرد العراقي منذ زمن بعيد، توصلت الآن إلى أننا لم نتحرر من بداوتنا إلى هذا اليوم رجالا ونساء على حد سواء. تبرز هذه الظاهرة في الازدواجية التي يعيشونها.

تجد هذه الصفات التي ذكرتها متغلغلة عند الإنسان البسيط بشكل طبيعي عفوي ، لكن الحالة المرضية هي عند المثقفين . أسميتني بالمتحررة ، لا أدري بأي مفهوم ! أنا إنسانه عيبي يكمن في صراحتي وصدقي وعفويتي منذ صغري . نظرتي الأولى للرجل كإنسان وليس ذكر. الكذب بالنسبة لي عمل لا أخلاقي. لا أستطيع أن أجامل شخصا أعرف ما يقوله تفاهات . الرجل الأوربي لا يملك هذه الازدواجية بحكم طبيعة حياتهم وتربيتهم. وبالطبع هناك تمسك بالعادات والتقاليد.  وفي الحقيقة يبقى الرجل (رجل ) سواء كان عربيا أو أوربيا أو غير ذلك . المهم أن يكون شهما وكلمته واحدة في اتخاذ القرار ولا يكون جبانا يهرب أمام كلمته ووعده. وعليه أن يعرف كيف يحب . الرجل العربي يحب أن يكون الغازي . ونسينا أن عشتار قالت منذ آلاف السنين : " تعال يا جلجامش وكن حبيبي الذي اخترت! "

 

 

14ـ لماذا تخفي المرأة عمرها الحقيقي، فعندما وصلتني سيرتك لم أجد سنة ميلادك، لكن بحساب سنة دخولك الأكاديمية سيكون من السهل معرفة عام ولادتك؟!. هل الخوف من الشيخوخة سببا للإخفاء أم هنالك دوافع أخرى؟!. حدثينا بصراحة عن ذلك

 

 . لم أخف عمري الحقيقي أبدا ، لم ولن تجد امرأة فرحت مثلي بميلادها الخمسين ، اندهش الجميع عندما قلت مبتهجة : لقد عشت نصف قرن . خاصة وأن الموت في أرضنا يلتهم الجميع دون أن يضع فرقا بين الكهل والطفل .

والحقيقة أنا مازلت أشعر دائما وكأنني في الخامسة والعشرين .

 

 

15ـ المرأة العراقية بشكل عام مكافحة معذبة قوية لكنها أيضا مكتظة بالأسرار بسبب طبيعة القيم والأعراف الصارمة في البيئة العراقية المغلقة.. هذا على الأقل ما لمسته من تجربتي.. تظهر غير ما تبطن.. تقمع رغباتها وخصوصا ما يتعلق بالجسد والعلاقة بالرجل. ما رأيك بهذا الكلام وما رأيك بالحب هل لمستيه بحياتك من رجل؟ باعتبارك مثقفة وعاشت في بلد أوربي شديد الانفتاح بهذا الجانب. هل لديك الجرأة كي تحدثينا عن هذا الأمر أم أنك ستنغلقين كأي عراقية؟!

14 . كل ما تقوله عن المرأة العراقية صحيح ، المشكلة ليست أحادية الجانب كما

قلت سابقا لأن وطأة التخلف والقهر الاجتماعي مضاعفة عليها . لكن المرأة إذا أرادت أن تصل إلى هدفها (أيا كان) باستطاعتها ذلك . هذه هي طبيعة المرأة بشكل عام . المرأة قادرة على أن تكون أقسى من الرجل بكثير . أكره فيها رغبة الانتقام . ولا أتفق مع المرأة التي تعرف أن زوجها يخونها وهي تناضل من أجل استعادته ،لأن الإناء إذا كسر ورممناه ، ربما لا يراه الآخرون ولكننا نعلم أنه مشروخ من الداخل ، حتى ينتقل الشرخ إلى نفوسنا. لا أحب الحديث عن العلاقة الجسدية لأنها قضية خاصة يجب احترامها. هناك نساء عراقيات مناضلات ومثقفات وعاملات رائعات استطعن الوقوف بثبات على أقدامهن .

15 . بالطبع لمست الحب ، لقد كتبوا الشعر من أجلي وكنت أجمل امرأة في الكون عندهم ... ولكنها كما قال الشاعر وغنت ماجدة ـ كلمات ـ .

لم أ جد في حياتي رجلا عاشقا لي لمدة 17عاما كزوجي الذي يسرع إلى البيت دائما. بالفعل أعيش في بلد شديد الانفتاح ، اكتشفت أنهم لا يعرفون معنى الحرية

أيضا وأنها مرتبطة بالجسد فقط . (طبعا ليس بشكل عام )

 

 

 

16ـ عشتي في المنفى زمناً طويلاً.. وكل من عاش في المنفى فقد في نفسه شيء. ماذا فقدتي من نفسك في سنين المنفى؟

 أنا لا أسميه المنفى ، اعتبر الكلمة كبيرة جدا واشعر بالحياء أمام أهلنا في الوطن .صرت أراهم هم أنفسهم يعيشون في منفى ونحن أحرار نطوف العالم . أنا لم أفقد من نفسي أي شيء . مازلت أحفظ بذاكرتي وقلبي كل شيء، أتحدث عن أمي وأبي بصيغة الحاضر . 

 

 

17ـ زرتُ العراق بداية هذا العام ومكثت قرابة شهرين وجدت غير ذاك الذي أعرفه. كل شيء تبدل. أنت أيضا زرتي العراق! السؤال: كيف وجدتيه؟ أرجو أن يكون الجواب حقيقي أي متخلصاً من العاطفة. هذا شق الأخر والآخر كيف وجدتي المرأة العراقية هناك؟!

17 . زرت العراق .. بقايا عراق ، خرابة ..وقفت على نهر دجلة الخير على شارع (أبونؤاس) نظرت إلى القصر الجمهوري الذي حجبته الجدران الأسمنتية والتي دعمت بالمزابل .. وتذكرت جنينته الرائعة التي رأيتها عندما خرجت منه في آذار بعد التحقيق. لم أستطع التنقل لوحدي لأنني لم أتعرف على بغداد . ولم أعرف الحلة قال أخي : منذ 25 عاما لم تمد يد لتنقذ تلك المدينة أبدأ .

سفرتي كانت قصيرة جدا .كان أهم شيء بالنسبة لي هي زيارة اخوتي وأخواتي إضافة إلى أنني ذهبت مع صحفي . لم ألتق بالنساء العراقيات بشكل عام . عرفت أشياء عديدة من خلال أخواتي واخوتي . فوجئت لتعرف الناس علي ومحبتهم لي. اندهش الصحفي عندما رأى الرجال يخرجون من مكتباتهم في شارع المتنبي ليسلموا علي . لقد احتفظت بجنسيتي وجواز سفري العراقي لهذا اليوم لأنني أقسمت ذات يوم بأنني لن أدخل العراق إلا كعراقية بجواز سفري العراقي ، وتحققت الأمنية.

ما أدهشني ظاهرة تحجب البنات والنساء ، ومع ذلك أدهشني أكثر وضع بعض الرجال الفاسد الذين يطاردون النساء بسياراتهم علانية بكل سماجة خاصة عندما لم يكن معهن رجال (للحماية).عملنا لقاءا مع رؤساء العشائر ، لم أتحجب ، ولكني لاقيت كل الاحترام والمودة منهم ومن الفلاحين جميعا. كانوا فخورين بابنتهم أمام الأجنبي. لم استطع رسم صورة جديدة للوطن فاحتفظت بالقديمة .

 

                     

18ـ هل تفكرين في العمل في التلفزيون العراقي الجديد كأن تعيدي تقديم برنامج السينما والناس كما فعل مؤيد البدري؟!.

18 . لم أفكر بالعمل في التلفزيون العراقي، الطريق الآن مفتوح للجيل الجديد.

لبنات لن يحاسبوهن إن رفعن خصلة شعر انسابت على وجوههن.

 

19ـ ماذا تفعلين بيومك هذه الأيام.. قصي علينا يوما من حياتك منذ مغادرة السرير إلى الإياب إليه؟

19 . ماذا أعمل بيومي؟

إن وضعي العائلي وظروف العمل تزامنت مع التغيير السياسي في المجر ، لقد

تدهور الوضع الثقافي ، بعض المجلات الأدبية المختصة أعلنت إفلاسها ، الإنتاج السينمائي الجيد كاد ينعدم ، لقد أغلقت دور السينما أبوابها وتحولت إلى أسواق صينية ، نظرا للوضع الاقتصادي المتدهور. ارتفاع أسعار الكتب  ومتطلبات الحياة . لم يعد الأدب العربي أو العالم الثالث مهما. اتجه المجريون أو الأجانب إلى التجارة للكسب أي أن الثقافة (ما توكل خبز) لذا تناقشنا بالموضوع مع زوجي الذي يعرف أنني لا أستطيع عمل آخر غير الفن والأدب وكان يواسيني بقوله: لديك الآن عمل أهم وهو تربية البنت وتعليمها اللغة العربية .

أعيش كربة بيت ، قبل كل شيء الاهتمام بالعائلة ، أجهز الأكل لابنتي لتأخذه إلى المدرسة، هي الوحيدة التي استطاعت أن تكسر جناحي ، تخليت عن كل شيء لأجلها وهي الوحيدة التي تكلمني باللهجة العراقية. يخرج الأب إلى المكتب وأبدأ اليوم بترتيب البيت والقيام بأعمال المنزل. أنا الآن في سن أفضل فيه العمل الفكري في البيت إلا إذا دعت الضرورة لإنجاز العمل خارجه .

لا أؤمن بوجود شخص غريب يرتب سريرنا ولا سفرجي كما في الأفلام المصري أو الشغالة التي تستمتع بسماع القصص العجيبة وتهان بين لحظة وأخرى . ثم أننا الآن في عصر المكننة. إن زوجي الأوربي لم يأكل خارج البيت أبدا ولا يأكل من يد غريبة . أتتبع الأخبار ، أعمل إذا كان لدي عمل. أقرأ. نقضي أوقاتنا معا دائما. . لا أستطيع لك وصف يوم كامل لأنها مختلفة . من الربيع حتى الخريف أعمل كأي فلاح بارع في الحديقة وأنتج كل شيء . أجوب الغابات وأغمض عيني وكأنني أسير في بساتين النخيل في حي بابل أمام بيتنا في الحلة.

 

 

20ـ ماذا كنت تحلمين قبل سقوط صدام في نومك بالمنفى؟ والآن ماذا ترين في النوم؟!.

20 . الغريب كان الحلم ( الكابوس ) يتكرر دائما وأرى نفسي في مطار بغداد بعد أن أُرغمت على العودة بجواز انتهت صلاحيته وأنا مرتعبة منهم . لعشر سنوات تكرر الكابوس . اليوم حلمت فعلا بأنني أخذت عائلتي الصغيرة إلى بيتنا في الحلة   والذي لم يعد بيتنا سوى في الحلم .

 

 

  

21ـ ما باعث عودتك إلى الكتابة بموضوعة الحب وبهذه الشفافية وبعد كل تجاربك، حيث يبدو الحب طاغيا مدمراً يكتسح كل بنى المؤسسات المحتمعية كما هو الحال في قصتك الأخيرة المنشورة في موقع "المهاجر" ـ لمسة الفجر ـ الزوجة التي يعشقها زوجها يباغتها الحب إذ تجد نفسها تهوى رجل غريب تسمع صوته لأول مرة.

 

  20 . لم أعد الى الكتابة بل كنت على علاقة دائمة بها،. يبدو أن الموهبة ( إن استطعتُ تسميتها بذلك) كالبركان الخامد الذي ينفجر فجأة بعوامل داخلية يجهلها الرائي. أو كجذوة غطاها الرماد لتأتي ريح تزيله عنها فجأة. الكتابة شئ نابع من اللاوعي وأنت أعلم بذلك. أما لماذا بموضوعة الحب ؟ لا أعتقد أن الحياة جميلة بدونه. بعد سؤالك قرأت القصة ثانية بعد نشرها. لم أر فيها اكتساحا لقيم بنى المؤسسات الاجتماعية. لأنني أوردت لك مسبقا أنني أنظر للرجل قبل كل شيء كإنسان وليس ذكرا. هذا الرجل الذي كان طفلا شاهدا على حكايتها مع الرسم أزال الهم عن قلبها وقلبه، وليس هناك أجمل من أن يتحاور ويتخاطب الناس من القلب إلى القلب، لقد وجدته فجأة وبلا تخطيط. فالعلاقات الحميمة لا يحددها الجنس المحدد بذكر أو أنثى والفضول ليس محرما على النساء. تلك هي مشكلة مجتمعاتنا. أنا أؤمن بذلك منذ صغري، وأطبقه وليس من باب التنظير لأنني لا أحبه. وسيدرك الجميع في النهاية ما يريد الآخر وكيف.

الكاتب ليس بالضرورة هو بطل الحكاية. ولا يحتاج شرحه لك لأنك أصلا ضليع بها في قصصك.

 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )