العدد الثامن ------------------- مايس 2004    

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

الغرفة

 
 

فؤاد ميرزا

fouadmirza@iraqiwriter.com

 

1

هناك غرفة جدرانها الستة, تلامس بقوائم حادة ( وهمية) كرة الجمجمة العظمية من الداخل. وبامكانك تخيل كرة مليئة بشئ لزج, هلامي يقبع  فيه ذلك المكعب الفارغ النظيف الملئ بهواء نقي ساكن. وهذا المكعب يشبه تماما مكعب الكارتون في درس الهندسة التوضيحة للاحداث. وانا الآن أتخيل ابرة تلقيها يد غير مرئية من سقف ذالك المكعب .. وها انك تسمع الرنين .. بعد ان تسقط الأبرة , بخفة وببطء شديدين مثل ريشة حتى تلامس ارضية الغرفة .. تتذبذب الأبرة عشرات المرات بارتعاش لماع قبل ان تستقر بشكل نهائي على الأرض مكونة شكلا طويلا واضحا ينكسر عليه الضوء .

 ذاكرتي هذه  .. اشبه  بغرفة فارغة ونظيفة لها ملمس  كارتوني  خشن.

اقف الآن بكل جسمي, وسط ذلك الفراغ .. ارفع يدي كما لو اشير الى جهتي الشمال واليمين, وادور بخفة وبحُريّة في ذلك المكان الفسيح.  وارفع صوتي  ( آ آ ) فيأتيني  صدى متكرر لـ ( آ آ ت ) طويلة.. كما ترى انني احس بفرح الصبا في خلوتي التي لا رقابة عليها. هناك ادخل  دائما, حينما يضيق العالم الخارجي, ويملأ اذني الضجيج الذي يشبه قرع الأجراس.
في هذه ا لغرفة  كل شئ موجود وملغى .. يمكن لمسه باليد, مثلما تلمس علب هدايا صغيرة, تفتح عنها الأشرطة الحمراء والخضراء, وهاهو الزمن قابع هناك .. الاف الأعوام, لها شكلهاالمادي بحجم النمل الأسود المبعثر, وهنا في العلبة الثانية ترى المجّرة الأرضية امام  عينيك .. هاهي الأرض ( كرة المطاط ) وأنت تقف بشكل  افقي. وها هو راسك,  وها هي غرفة ذاكرتك,  وها انت من جديد.

في العلبة الأخرى تجد نماذج طينية بحجم مصغر قليلا  لسلالة طويلة من الآباء والأبناء.. تنتهي بك. ويعود نسبك كنسب الأخرين جميعا, الي الرجل الأخير, في الصف الأخير, أعني الأول. الضخم الجثة, الرياضي الجسم (آدم ابن ...) الايمنحك ذلك غبطة, فكرة ان تكون نتاج سلسلة مستمرة من الأحياء..الجميع حول الأرض ,الآن, لهم ذات الصفة والأمتياز.  فلو كان واحد من اجدادك القدامى قبل عشرة الاف سنة قد فكر بالأنتحار, لما كنت الآن موجودا.. كم يشكل هذا الخيط الجميل اغراءا مدهشا!! بامكان الجميع تخيل عدد الحروب والأوبئة والمجاعات والأمراض القلبية, لكن ابوك وابي, بل اباؤنا جميعا, على طيلة ملايين السنين, قاتلوا بالحراب والأضافر من اجل بقائهم, وبالتالى من أجل وجودك الحالي , اليس لذلك معنى قد يشعرك بالغبطة !

سادع هذه الفكرة تمر الآن  واتوجه مباشرة للحيمن..في سباقه المرير.. ذلك الزئبقي غير المنظور,  الذي له جلد وامعاء دودة , يشق طريقه, في اتجاهه الأعمى بحاسة واحدة هي  اختراق جدار البيضة الأنثوية. مااجمل عيني ذلك الحيمن. انهما يشكلان كرتين كبيرتين بارزتين  على جانب الرأس

 ( من اعطاك كل هذا الأضطراب والتميز ؟!) تتفتح  البويضة على شكل ذراعين بلون الحليب , تتلقفان الحبيب المثابر بشوق.

ارى الآن (شيف) ليمون حامض, والسكين ويدك كلها مغطاة بالعصير الحامض. تضع الليمونة والسكين فوق المنضدة, وتنفض يديك, ثم تمسك الشريحة من طرفيها, وتعصرها قليلا, فيتطاير على وجهك وداخل انفك ولسانك رذاذ بارد. تدفع (الشيف)الى فمك, وتطبق عليها باسنانك, فيندفع لعابك من تحت اسنانك , وتحس فراغا هوائيا في معدتك , وتفاحة آدم تسحبها نوابض مطاطية من الأسفل, فتعود الى مكانها  عشرات المرات!

الغرفة كما قلت  واسعة, وانا اتناول الأشياء من حولي ( علب الهدايا الصغيرة)  دون تعيين, لكني مصمم على تنظيم ذلك.

ها اني اتامل المكان حولي, فراغ عسير, تنطفئ فيه ( الأضوية) المحيطة الخافتة في الخارج, وبامكاني مثلما فعل الإنسان الأول, البحث عن الأشياء والأسباب والعلاقات والافتراضات من اجل بدء الخليقة. خليقتي.

تعرضت لحادثة غرق في طفولتي في ساقيه طينية قرب سدة عميقة للري, كان يخوض فيها اطفال بعمري .. وحينما امتلأت معدتي بالماء, تباطأ  الزمن  بشكل واضح, مثل ذرات انتشرت في كل مكان, وفي ذلك الزمن غير المحدود,  كنت قد هبطت وخلفت السطح الخارجي للأشياء والأصوات والكلمات والوجود المادي كله .  كنت بلا ارادة, وملأ صدري سرور غامض كما لو اني هبطت من علو أرضي الى طبقة سفلية اكثر غبطة وضوءا !
في حيّنا كان يسكن مخبول عجوز يقوم برحلات ليلية الى مكان ,كان ذات يوم محل عمله , في يده كيس فارغ  متخيلا ان فيه غداءه. كل شئ فيه عادي ومنطقي , غير ان الزمن كان عنده بالمقلوب , اوبالأحرى بشكله الحقيقي, حيث كما تعرف, ان العين تقلب المرئيات وتعطي العقل صورة  معكوسة.  فاحاسيسنا نحن مقلوبة والأشياء التي نلمسها  من اليمين هي في الحقيقة في جانبها اليسار!  وهذا ما يدفعنا دائما الى الطرق المعاكسة غيرالصحيحة. لأن الفكرة حينما توجد تنعكس وتتطور الى سلوك غريب ..!

في هذه الغرفة يصبح الزمن الصوفي معقولا, بل صحيحا.., الأسبق والأبعد يلتقيان في نقطة واحدة غير مرئية, تسبق الوجود نفسه  .. في  هذه  الغرفة كل شئ ممكن !
 امرأة عجوز محدودبة, لها شعر أشيب, ووجه ابيض رخو  كالعجين, ميزتني من بين جميع الأولاد وتنحت بي جانبا  .. عاتبتني بدموع  وبصوت مؤثر على فعلة لم ارتكبها, ظانة انني من ضرب ابنها وسبب له عقدته التي سترافقه طيلة حياته. اقسمت لها انني لم اكن ذلك الصبي الشرير  وتعهدت لها  بانني ساحميه من الأذى  لكني  لم ار الصبي ولا المرأة بعد ذلك!  اتخيله جالسا قرب النافذة, نحيل الجسم,  يضع نظارات دائرية (حول عينه )ـ . بين يديه كتاب, يتامل حزينا الحركة في الخارج.

ساقترب منه الآن , ساحدثه لكي أصبح صديقه..

آه .. كم وددت التعرف على ذلك الصبي !
الغرفة تشبه مكعبا كارتونيا, ملصوقا بالصمغ على قفا قناع صيني من العاج , معلق بسلك او سلسلة على حلقة ثابتة في السقف. المكعب الكارتوني متصل بشكل محكم  بالقناع لذا فهو يدور مع القناع, بلفات سريعة ثم يتباطأ, ثم يسرع. اتبعثر  داخل صناديق تتداخل في بعضها البعض . اغمض عيني داخلها  لكنها سرعان ما تتحلل رويدا رويدا وتتلاشى في العدم.

 

2

 

إنّ العملية برمّتها , تتوقف على هذا القلب ونبضاته التي لا أرى سلطان لي عليها.

تك تك .

 كنت أرقب تلك الساعة وأسمع الدقات التي تضعف، والقلب الذي يكاد يغفو.

 قرع ا لولد الطبلة بإيقاع جميل, أذهلني الوقع وقدرة الولد على الضرب وعلى التلحين. غنّى الولد  بكل ما كان يمنحه قلبه الفتي ورئتاه من قوة. كانت أغانيه تتحدث عن جنيّات صغيرات يحمين الناس من الشر والموت ولؤم عيون الناس. غنى الفتى بلغة "فيلية" عذبة،  تحدث عن آلهة طيبة.و  عن ساعة الخلاص، عن العالم الذي سيغدو جميلاً ,  بلا سجن ولا أمراض و مكائد.

حين توقّف عن الضرب, قال لي: أنا لن أموت, وإذا جاء الموت على شكل طوفان, فسأختبئ داخل دولاب ثياب أمي وأطفو مع الماء. وإذا جاء الموت  على شكل دودة مرض فسأسحق رأسها بالطبلة هذه, وإذا جاء الموت بعد مئة عام فذلك سيكون آخر الزمان, وآخر الزمان سيموت كل الناس.  وقتها لم أفهم  شيئاً مما كان يقوله.

 كان قد أسَرني فتبعته .

في دارته  أراني سبع حيّات بكل الألوان، نائمة في قوارير خزفية باردة. عند الزاوية, كان هناك كبش عظيم  تفوح منها رائحة نفاياته  التي بعثرها  في كل مكان. أخبرني الولد عن موعد موت الكبش. ذلك سيكون يوم السبت. ثم  استطرد بلا يقين ..أنه سيكون يوم سبت على أية حال, وسيكون ذلك السبت موعداً لختانه. داعبت بأصابعي حية خضراء رطبة. اكتشفت بين  طيات جسدها سّراً بارداً قديماً. شجعني الولد على ملامستهن جميعاً. كان صادقاً، فكل حيّة لها ملمس وسرّ مختلف. لمست فروة الكبش  وكأنني ألامس روحه وحكمته الخبيئة. أراد الولد أن  يجرني  إلى السرداب ليريني أعظم الأشياء.

 في السرداب أخرج لي الولد من صرّة في دولاب ثلاثة  مكعّبات عاجية بنقاط ملونة. ولأني لم أرَ حجر نرد من قبل ولا جواهر , فلقد ظننت بأنها أحجار كريمة. ذلك الولد العجيب كان يملك كل شيء في الدنيا.. أعطاني   واحدأ من مكعّبات النرد وقال خذه, إنه لك. . لم أكن أريد مفارقة الكبش الرائع ولا الحيّات. عُدت إلى البيت وقد امتلأت روحي بنقر طبلة مذهل, ورقص حيّات، وروح كبش.

 لم يكن الولد صادقاً في موعد ختانه ولا موعد موته. كان يوم السبت حقاً . ولقد وجدوه ميتاً وأفاعيه ترثيه بنحيب.

 نسيت كل ما قام به وما قاله, غير أني احتفظت بحجر النرد كسَّرٍ مقدس.

دخلتْ عليّ ابنتي وقالت (( العشاء جاهز )).

قفزت إلى الخلف ومضيت أعدو عكس الجميع. كنت أعود إلى الحاضر مع انجراف سيل العلق الزّلقة.

مدينة نيويورك تكتظّ بمارة يروحون ويجيئون  ولا يخلو الشارع منهم أبدا.

تحت الأرض كانت دودة المترو تصفر.

قرر أحدهم أن يجرب الطيران فحلّق من مبنى دائرة عمله في  الطابق المرقّم 77. كثير من سكان هذه المدينة تأتيهم الرغبة ذاتها في السابعة صباحاً, بعد تناول القهوة مع (الدونَت) والتحيات والابتسامات المزيفة. كان رجلاً بديناً قد تجاوز الأربعين،  فلم يحمله هواء نيويورك الثقيل بعيداً. حتى مشهد عصير الطماطم المندلق على الرصيف لم يُثر انتباه أحدٍ.

قال لي فائق: (( مّرات عديدة  تحاشانى الموت. ومثل جلجامش مضيت إلى العالم السفلي لأصارعه وأقتله )).

أربعون درجة سُلّم , ثم تجد نفسك في العالم السفلي. وحين تكتشف أن المترو والأرواح العجلة ما هي إلا وهم. تقودك قدماك دون أن تدري إلى العالم الشيطاني الملتهب. حشرات وجرذان ضخمة تحاول أن تثنيك عن المضيّ قدماً. وطاويط مقاتلة تفقأ عينيك وتنتف شعرك. وإذ لم تكن قد تزودت بمدية أو سلاح ناري فعليك أن تستسلم لتنّين البانثيون.  حين حلّ الليل وضعت رأسي بين ركبتيّ ونمت. أحاطت بي قامات فارعة موشومة, ومزوّدة بفؤوس وحرادين طويلة. تشبه الأجساد الفارعة لصيّادي حيتان ((موبي دك)).

لم أكن حوتاً , ولا  جلجامش الفتيّ المستعد للقتال. جرّدوني من كل ملابسي, وتركوني عارياً للبرد. قاموا بزيارتي كلما دبّ فيهم الضجر ليجّربوا بجلدي حدّة سكاكينهم  .

 حينما عَثر عليّ حراس المترو بعد ثلاثة أيام. وجدوني أرتعش من الجوع والبرد, وفمي ينزف. لقد انتزعوا خاتمي, ساعتي و أسناني ا لذهبية، ولم يقتلوني. كان مشهدي وأنا أتعذّب أكثر إثارة لهم من القتل السريع الذي اعتادوا عليه.

 العشاء جاهز في المستشفى وحين استعدتُ وعيي عرفت أن خبر موت أمي كان حقيقة, وأني دخلت مترو  نيويورك ولم أخرج منه إلا بعد ثلاثة أيام. 

 ارتطمت برجل عظيم الجثة, و سقطت على الأرض. اجلس إلى مائدة باردة وأتناول طعامي وحدي. ضاع صوت أمي وهي تحثّني على الطعام, حتى ماتت غمّاً, ويئستْ مني زوجتي هي الأخرى. وها هي ابنتي تتعلّم طبائعي وتصرّفي العجيب.

 السمك المجفّف خاصة يذكرني بوجه ذلك الرجل الضخم.

علت الزغاريد في الدار. رفع الرجل الضخم أمي ودار بها ثم رماها في الهواء مثل طفل صغير. لم أرَ أمي تقّبل رجلاً آخر غير أبي قبل هذا الوقت.  حينما دخل الرجل الغرفة كان عليه أن ينحني, ويبقى محنيّ الظهر حين يقف.  يرتدي العملاق معطفاً طويلاً بصدرية سوداء مزخرفة ومفضّضة حدّ الركبتين. للمعطف جيوب سرّية خبيئة.  أخرج العملاق من جيوبه أكياساً من الفستق والجوز والمن والسلوى. أكل أولاد الحي جميعاً. تذّوقوا فستقاً وجوزاً لأول مرّة. أما السمكة العظيمة  المجففة, فقد قطعّتها أمي وخبأتها في السرداب. كان ذلك الرجل هو  خالي الذي لم  أره  من قبل الآن قطّ والذي تضوع منه رائحة المناقل الجبلية والجوز والسمك المجفف. لم أر في حياتي رجلاً باهراً مثله. لم أر معطفاً جميلاً كمعطفه, ولا قلنسوة من فروة الأسود كقلنسوته.

ناولته أمي الشاي  مع مكعّبات السكر . وضع خالي مكعّبات السكر في فمه وأخذ يرتشف الشاي المرّ وهو يتحدث. تحدث  وبدا وكأنه يحلم, يعود بذكرياته إلى ماض لم يكن بكليته جميلاً. وانتبهت إلى  قلنسوته قرب المنقلة التي كانت فيها الجمرات تطقطق, والنار تهدأ. انتبهت إلي خط رمادي في شعره لم أكن قد رأيته من قبل. الخط الرمادي قادني إلى تجاعيد جبهته والغضون تحت جفنيه. يداه الضخمتان كانتا معروقتين ,ترتعشان بين حين وآخر. حينما تحلُّ الظلمة , لا يبقى لنا غير جمرات المنقلة مصدراً للضوء, وخلل الضوء الخافت للجمرات, بدا وجه خالي العظيم حزيناً بشكل غريب.  بدا هو نفسه ضعيفاً. كان يرتشف الشاي المّر ببطء وبصوت مسموع. كانت أمي تتابع كلماته وتطارد حلمه, ومن عينيها لاحت إلتماعات دموع أخفقت في إخفائها.

نمت وأخوتي السبعة على الأرض تلك الليلة. أطفأت أمي جمرات المنقلة بماء بارد. تطايرت سحابة رماد المنقلة وحطت فوق الأفرشة والنفوس مثل لوعة. نام الجميع تلك الليلة, وصدورهم تتحشرج بصوت مسموع. بقيت وحدي يقظاً أراقب خالي الذي كان يتقلب وقد ضاق به السرير. استيقظ خالي مبكراً, وكان قد نسي حزنه واستعاد قوته. عاد من جديد عملاقاً جبلياً بهياً.

اختارني من بين أخوتي, وأجلسني في حجره ثم أخذ يرفعني بركبته ويهزّني بقوة.  فجأة توقّف , ووضع إصبعه  وسط جبهتي. فأحسست بحريق في تلك النقطة بين حاجبيّ.

كلما أغمض عينيّ الآن أحس بحريق  جمرة متوقدة وسط جبهتي.  الجمرة تخبو وشعاعها يبيضّ وينتشر. يتّسع. يتخذ شكل مكعب كارتوني خشن الملمس.  أدخل غرفتي ( مكعب الكارتون) وأغلق خلفي الباب.  

 

 

 3

 

 

أغلق غرفتي بإحكام. أستلقي فوق الأرض مباعدآ ما بين قدميّ  وأشابك كفيّ تحت رأسي.

الظلمة عميقة.

أهدأ.

أملأ رئتيّ بهواء رطبٍ فأسمع فجأة صفيراً و حشرجة  بعيدة.

أغمض عينيّ وأغوص في أعماق ظلمة لها اصوات امواج.

لقائي بالبحر كان لقاءً غريباً. دعتني, بل قادتني للتعرف إليه  فتاة إيطالية. وأنا الذي لم تكن لدي خبرة بالنساء ولا البحر, ولا معانقة الطبيعة عارياً على الرمل, استسلمت  تماماً لخبرة الفتاة وبصيرتها الثاقبة. اختلت بي عند حافة المياه تحت عشيبات بعيدة عن العيون. كانت السماء مطفأة, ولا رقابة حولنا غير أضواء بيوت وفنادق (اوستيا ليدو) البعيدة والتي أخذت تغمز لنا مشجّعة بعهر .

صاحبتي التي رقصت مع الإيقاع الرتيب المتكرّر لفالس الأمواج,  اكتشفت مواهبي الضحلة في هذا المضمار وانتبهت لرعشات أصابعي الوجلة المحمومة. ناولتني سيجارة فكدت أسحقها بيد جافلة.

 قالت (إهدأ  واسمع الأمواج).

 وضعت رأسي على رمل بارد, وأغمضت عينيّ, فأخذت رعشة وحُمّى  التجربة تفارقني.

داخل روحي المتّصلة بحبل المشيمة السرى الذي يربطني بالأشياء, أحسست بدفء وأمان حقيقيين .

أنا الذي لا أقبل أن أقاد, عرفت  أنني لم أكن مستعداً  للمضيّ.

هل كنت قد غفوت؟ .. لا أعرف, غير أنني كنت أشم الوجود والبحر والرمل. كنت أرى كل شيء عبر حاسة الشم:  ركام الأصداف البراقة والعناكب المائية السوداء العالقة  بالصخور, البطون الحلزونية واللولبية لمتاهات بحرية صغيرة, طحالب تحت مياه عميقة, أفراس ماء تنفث الرمل.

  كانت الروائح الغامضة تسري عبر خياشيمي, تخترق الحبل الشوكي والنّخاع  وتتفتّح في عقلي مثل تفتّح مياسم ملونة.  صور الأشياء المحيطة بمتضادّات لونية صاخبة تتفتح أمام عينيّ ببطء وببهاء ممتزجة بمقذوفات بحر الماضي السحيق.

كنت قد هدأت وأخذت إيقاعات أنفاسي تتناغم مع ضربات المويجات الخفيفة التي كانت تنبسط على الرمل.

صدري يعلو ويهبط بهدوء.

شش..

شش..

وأحسست بأن الأمواج قد أحاطتني من كل جانب, وأخذ جسمي يخفُّ, وروحي تصفو.

رفعتني مياه دافئة  وفصلتني عن بساط الرمل.  كان فيض المياه السرية قد غمر جسمي وجعله يطفو وينساب  إلى البحر.

تعرّفت على البحر .

وضعت منظار الغوص واختطفت حربتي ومضيت أستكشف القاع القريب من الشاطئ. رأيت عالماً حلمياً كان قد صنع خصيصاً لشاعر أو رسام. ذلك العالم المتموّج المكتظّ بكنوز الضوء وأشكال التجريد الملوّن. ولو لم يكن الهواء في قنينة الغوص ينفد مع الوقت  لما كنت عدت إلى اليابسة. دعاني البحر لملامسة القيعان العميقة ذات الزرقة السرمدية  السرية الباردة, حيث تختبئ أسرار البحر وتُحرس بإرادة أسماك قرش لها وجوه تشبه المناشر والمعاول.

 

 ما أحسست بالخوف في ذلك العالم البعيد عن أذى الإنسان غير مرة واحدة.

 

 لم أطلق حربتي على ذلك المخلوق الغامض الذي كان يتقدم منّي.

 كان شيئاً داكناً لا شكل له ولا لون, يزحف ببطء قاتل فيحجب ضوء الشمس عنّي. لم يكن سمكة ولا حوتاً, بل كان يشبه طبقاً طائراً مائياً أسود.  حاولت أن أحشر جسمي بين الصخور كي لا يراني, وحينما أمسى المخلوق فوق رأسي تماماً, توقّف لبرهة بدت لي وكأنّها دهر كامل. كان قد حجب بجسمه المسطح العريض كل منفذ للضوء فوقي وكل الهواء في رئتي. شككت تلك اللحظة بنبوءة العرّافة الغجرية التي حدّدت موعد وتأريخ موتي, لم أكن وقتها قد تجاوزت نصف ذلك العمر بعد, ولا أعرف لماذا تذكرت أمي في تلك اللحظة.

الآن كان بوسعي رؤية الأخطبوط العملاق وأذرعه الطويلة التي مدّها لتتذوق جسمي الساكن. الأخطبوط المسكين كان يتصوّرني سمكة من نوع فريد لم يعهد له أن رآه أو مسه من قبل, فأخذ يتفحصّني و يجسني ويلحسني بصمامات أذرعه المخاطية. لم يعد بإمكاني الصمود, فقفزت من مخبأي وبدأت أعوم بسرعة باتجاه الشاطئ. كان ذعر الأخطبوط أعظم بكثير من ذعري. التفتُ فرأيتُ الأخطبوط يسبح وهو لا يلوي على شيء باتجاه الجهة المعاكسة.

 

 حينما وُلدتُ لم ينم تحت سريري غير جدتي.

ماتت جدتي تحت سريري بعد عامين من ولادتي. أنا وجدتي لم نكن نفهم سبب العجالة لذاك  الفراق. قالت لي أمي: ((جدتك تشبثت بيدك وقالت لا أريد أن أموت,لا أُريد أن أحرم من رؤيتك)), غير أنها ماتت على كل حال.  كانت لها عينان بلون أعشاب الماء. ورثتُ عن جدتي هيامها وتعلُّقها المدمّر بالأشياء.  أنا لا أعرف هل كانت جدتي حقيقة أم حلماً. هل كنت قد نظرتُ إلى وجهها أم لا. لكنها عادت لتراني مّرة واحدة بعد ذلك. ميزّت وجهها من بين وجوه العجائز جميعآ.

 

حينما كنت مريضاً وقد فشل الجميع بمعرفة سبب مرضي أو طريقة شفائي, دُعيتْ النساء: امتلأت غرفتي بالعجائز, أسراب من أجسام ذاوية, عيون واسعة, وأصابع طويلة معروقة. مسّتني العجائز في كل أنحاء جسمي. كنّ يأتين و ينحنين فوقي. يتمتمن تعاويذهن بعيون جافة تكاد تدمع..

 ثلاثة شهور كنتُ طريح الفراش وسيل العجائز لم ينقطع. لم يكنّ يدخلن من الباب , بل عبر الجدران بأجسام ضبابية. آلاف وآلاف من ا لجدات حتى البداية الزمنية السومرية للأرض, جئن و بكين عند سريرى . رتّلن أنجع ما تعلمن من تعاويذ كي أبقى على قيد  الحياة. نجحت العجائز  بإقناع شيطان الموت وقد تفطر قلبه للوعتهن فتركني لحالي.

قبل أعوام كثيرة من ذلك وحينما كنت في العاشرة من عمري ومصاباً( بالصفرة) اصطحبني أبي لرؤية أقاربه في الجنوب. كانت السيارة تخضّ أمعائي والشمس  تصهر عقلي. فكانوا يضطرون للتوقُّف كل ساعة لكي أتقيّأ أو أبول. توقّفنا في أماكن خيالية انقطع عنها الزمن منذ قرون. كان الناس يعيشون في أكواخ بلا أبواب ولا نوافذ بُنيت من الطين والسعف والقصب.  يبيض الدجاج  في النوافذ وعند الوسائد أو قرب مرابط الكلاب. تلك المدن والقرى العجيبة في أقاصي الجنوب والمليئة  بالشمس والطيور والدجاج والكلاب والنمل والذباب. هل كانت تلك المدن حقيقة أم محض نسيج مخيّلة طفولية؟ لا أعرف.  كانت المدن الكبيرة التي توقّفنا عندها لها أسماء قديمة صدئة لا أعرف لماذا سمّيت بذلك مثل: كوت ، شيخ سعد ، علي الشرقي ، علي الغربي ، عمارة. كانت البصرة هي  المدينة الأخيرة في قائمة النسب ورحم الدم,   وكانت مسقط رأس جدي وجدتي لأبي. في أحدى قرى أبو الخصيب  رأيت أكبر عدد من العجائز المعمّمات الموشومات. العجائز لهنّ عيون خضر يشبه لونها لون أعشاب البحر.

طوال الوقت وأنا في سيارة الأربعين راكباً, بقيت أنظر  للمياه الزئبقية فوق أسفلت الطريق والتي كانت تظهر وتختفي. متجنّباً وجه أبي ووجوه المسافرين المتأرجحة المملّة  وهي تصحو   عند كل حفرة أو انعطافة في الطريق. حينما وصلنا أخيراً إلى الحارة التي ضمّت طفولة أبي,  أحاطت بي عماته وخالاته العجائز من كل جانب.

أحطن بي رفعن كفّي النحيلة وقبّلن كل إظفر من أظافري القذرة الملطخة بالطين والسخام. قبّلن رأسي, عينيّ, جفنيّ, وجنتيّ, صدغيّ, شفتيّ, حنكي, عنقي,  جبهتي.  ألف قبلة، ألفين، ثلاثة آلاف. كان  رأسي يدور بفعل الجوع و دوخة الصفرة ولعاب العجائز فسقطت على الأرض مغشياً علي.

وحينما استيقظت وجدت نفسي محاطاً بحفنة من( الصبيات) الفاتنات.

 

قال عمي يخاطبني وقد أطلّ فجأة من باب الصريفة:  تأمّلهن ملياً, والتي ستعجبك سأزوجها لك في الحال.

 غطت الصبيات كركرات حياؤهنّ بأكفهن. أما أنا الذي كنت متوعكاً, محرجاً, وبطني تقرقر من الجوع, فلقد أغمضت عينيّ لأتخلّص من لوعة الحرج التي أحسست به تلك اللحظة.  ذلك العالم كله كان جديداً وثقيلاً علي. هل كان ذلك الرجل النحيل والمتغضّن بشكل واضح والذي عرفت في ما بعد بأنه عمي جاداً في ما قاله؟  هل يحق لي أنا ابن العاشرة القذر والخجول إلى أبعد الحدود أن أختار وأتزوج؟  كنت أفكر بسرعة ولكن ملياً كما لو أني أثقُلت فجأة بهّم مسؤولية مبكرة. حينما غادر عمّي المكان, تجرّأت وفتحت عينيّ وأخذت أتأملهن مستغلاً انشغالهن بالحديث. كنّ يتغامزن ويضحكن وهنّ يثرثرن بهراء سعيد عن ألوان الثياب والطيوب والأحذية.  يصمتن لبرهة ثم يعاودن الضحك والغمز وقد تذكّرت إحداهن حادثة طريفة ما أو عيباً من عيوب صويحباتهن.  الصبيّات تسامرن كما لو كنّ في خلوة. أما أنا فكنت هناك في الوسط مستلقياً على الفراش ومحموماً بفعل الوحشة والخجل. الصبيّات تصرّفن بحرية كما لو لم  أكن موجوداً, ضحكن وثرثرن بقلوب لم تعرف الهموم بعد.

واحدة من بينهن كانت  تتميز  لكونها لم ترتدِ ثوباً زاهياً كالأخريات. كان تبدو أصغرهن أو أقصرهن. لم تكن تضحك ولم تشارك بالحديث, بل كانت تحدجني بعينين من نار. كانت قد ارتدت ثوباً أسودَا  وأغرقت عينيها بالكحل وشفتيها بلون الديرم البنيّ. كانت داكنة السمرة ولو لم أكن قد سمعتها ترطن باللغة الفيلية لظننتها ابنة الجيران الأعراب. عيناها لم تفارقنني لحظة واحدة. كان فيها شيء أهمّ  من الجمال. شغلتني الصبية فأخذت أفكر بها وأرى وجهها الصاخب داخل روحي وأنا مغمض العينين. فجأة أحسست بفيض من الوعي يجتاحني. هل اختارتني تلك الصبية زوجاً لها, لذا فهي تحرقني بنظرات فيها حرص ووجد واستعداد للقتال والموت  من أجلي. كانت الغرفة بأسرها غارقة بذلك الشذى الحلو الذي يعبق ويمّيز قرويات الجنوب.. شذى صنعته خبرة فطرية بمزيج من رائحة الحناء  والديرم  وماء الورد.  تجرّأتُ  وصرت أحدق وسط عينيها الداكنتين. أحسست فجأة بالحمّى التي فارقتني قبل ساعة تعود إلي وتجتاحني مثل شعلة في هشيم. لم يكن هناك متّسع للخيار. كانت نظراتنا وحدها هي التي تتكلم ببلاغة تحت ثرثرة و صياح الصبيات المتواصل.  أحسست بأني رأيتها بل عرفتها منذ زمن طويل وفي مكان ما قبل أن أولد.

 دخل علينا ولد حليق الرأس بأذنين ضخمتين وابتسامة خرقاء. رفع أمام وجهه خرقة ملطخة بلون أحمر وهتف  بكل حنجرته

(حورية تحيض مثل جرية). انخرطت أكبر الصبيات في بكاء مرير بينما انفضّ عقد الصبيات وهنّ يطاردن ويقذفن الفتى الأبله بكل ما كانت تقع عليه أيديهن.  لم أفهم إلا بعد سنين من ذلك مغزى تلك الحادثة وقسوة الكلمات الجارحة. حورية أكبر بنات عمي لم تتزوج وأصيبت بعد سنوات بمرض نفسي خطير وعقدة التطهّر. ألقت بنفسها الى مياه القرنة حينما دخل عليها دون قصد أحد نزلاء الدار الحمّام ولمحها وهي نصف عارية. أما ابن عمي عيسى الأبله, فقد قُتل في حرب ( الجاجة ضد الكاكه أو الجنوب ضد الشمال) والتي شنّتها السلطة بذكاء للتخلّص من القوميتين.

كان هناك وقت لنا أيضا, كانت تلاحقني وتدلني من أجل اللقاء في الأماكن الأكثر أمناً. وضعت يدها في يدي وكأنها تعرفني منذ قرن, قالت ( أنا ملكك.. تزوجني وخذني بعيداً عن هذا المكان). كانت قصيرة ونحيلة ولكنها متأجّجة مثل لهيب مشعل. كانت تكبرني بثلاثة أعوام على الأقل, وتعرف أشياءَ  وأسراراً لم تكن لتمْر على مخّيلتي التافهة.

 كانت تروق لي, وهي تعرف ذلك.

 بعد لحظة صمت واحدة , التقت فيها نظراتنا, حلّ شيء فيها كالزلزال. انقضّت علي تقّبلني بحرارة,  تعض رقبتي عضاً خفيفاً وتسحق إصبعي بيدها المخبولة . أحسست بفرح وتألق ضوء آسر  في داخلي. لقد قبلتني الصبية  ليس لأني طفل ضعيف بلا عقل ولا إرادة كما تفعل كل العجائز, بل لأنها امتلكتني وتوّجتني ملكاً.

كان ذلك شعور لم أكن أعيه أو أعرف بوجوده قط. وسريعاً سريعاً أخذتُ أفكر بمسؤولية حماية الصبية والتي غدت كزوجتي منذ تلك اللحظة. أحسست فجأة بأنني قد هرمت  وأمسيت بسن أبي. أما هي فاحتلت مكان أمي. كنت أفكر بأن عليّ واجب إسعادها, وشراء الهدايا الرائعة  وابتكار الألعاب لتسليتها. وأردت أن أقول لها شيئاً بليغاً يسحرها ثم تذكرت بأنني لا أعرف اسمها بعد.

 وضعتْ هي في إصبعي خاتماً رخيصاً  وهتفت بحرارة (اسمي عنّة..أنا لك إلى الأبد).

بقيتْ عنّة طوال فترة إقامتي معهم تخدمني وتذود عني  وتخصّني كل صباح  بطاسة من اللبن الخاثر الذي كانت تلذُّ لي قشطته.

 حينما عدت إلى بغداد , أنساني أبناء الزقاق وبسرعة كل مسؤولياتي والتزاماتي تجاهها. ومع الأيام تحوّلت هي إلى حلم. حلم حلو ولكن قديم وغير مهم. لم أعد أفكر بها قط وكلما مرت بخاطري, أنفض كتفيّ وأقول: ( كم هي شقية تلك الخنفساء عنّة). وهذا ما فعلته تماماً حينما أخبروني بموتها. قال لي أبي:  (أتذكر ابنة عمك عنّة.. ماتت بالسل). نفضت كتفيّ بلا مبالاة وعدوت إلى الزقاق حيث لعبة الكرة على وشك البدء. لقد حققنا أربعة أهداف مقابل هدف واحد لفريق الحي المجاور. لم يبق على انتهاء المباراة إلا دقائق قليلة ولعبوا بفوضى ووجهوا الكرة بعصبية وعشوائية.

 أصابتني الكرة بحدة فوق فمي وأحسست بسائل مالح حار حول أسناني. كانت شفتي العليا قد شقّت وأخذ الدم يملأ فمي فأبصق على الأرض وأمسح اللّعاب الأحمر بالمنشفة البيضاء. كنت قد  أبعدت إلى الخط الجانبي بينما استمر اللعب بحماس . دقائق قليلة وأعلن الحكم, وهو صبي طويل بارع وعادل عن انتهاء المباراة وفوزنا الساحق.  مشيت مع الأولاد  وأنا أقطر عرقاً وفخراً. أضغط بأسناني على المنشفة التي اصطبغت بالدم وأتمتم باستخفاف على كل سؤال يوجه لي (كلا.. مجرد شق صغير تحت شفتي العليا, لا داعي للقلق يا صقور الماء)  كان اسم فريقنا هو  صقور الماء  أما  اسم الفريق الغريم فهو (الأسود الحمراء). لم يلعبوا كأسود بل كقطط مذعورة.   أكرر  بيني وبين نفسي من جديد  (لا داعي إلى القلق على الإطلاق)  ثم أستطرد بعد برهة دون أن أشعر (كم كانت رائعة تلك العنّة). 

 استيقظت على لسعة شمس وجلبة المصطافين الذين بدأوا يالزحف إلى الشاطئ. كانت الفتاة الإيطالية قد غادرتني تاركة حول عنقي حريق عضّ خفيف, وعلى قميصي عطراً أنثوياً مميزاً. بدأ المصطافون بفتح المظلات وتهيئة المناشف والبسط على الرمل.

 كان البحر صفيحة من معدن, وكان الرمل ساخناً وهشاً,  وكانت أقدامي تغوص عميقاً عميقاً فيه.  غادرت غرفة رأسي

( غرفة الكارتون) وبقيت حزيناً طوال اليوم.

 

 

 


 نشرت في المجلة الفصلية مشارف.

 تخطيط للفنان كمال خريش

هولندا

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )