العدد الرابع ------------------- كانون الثاني 2004

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

          لماذا أكتب ؟ وليم سارويان

نقلها إلى العربية : فؤاد ميرزا                       

 انصرم ربع قرن تقريبا منذ أن نشرت أول كتاب لي. وإذا حسبنا الوقت الحقيقي, حيث بدأت الكتابة وأنا في التاسعة, فبإستطاعتي القول إنه مضى علي أربعون عامآ وأنا أكتب, وبمعنى آخر أنني عشت أربعين عامآ بتلك  الطريقة التي تسيطر على الإنسان, طريقة إنسان مصمم على فهم حياته, ومستعد للكتابة عنها.

 أعتقد أن الأمر يعود إلى أبعد من أربعين عامآ. أعتقد بأنني بدأت أحيا بطريقتي الخاصة تلك, عندما بدأت أعي بأني أمتلك ذاكرة. وعيت ذلك قبل عمر الثالثة. وحتى قبل  أن أبلغ الثانية من العمر,كانت لي ذكريات محدودة,  لأنني في ذلك العمر لم يكن لي بعد أن أتذك, أو بالأحرى أنني لم أكن قد انتبهت بعد لقدرتي تلك على تذكر الماضي.

 في الماضي كنت أملك بعض أهم الأشياء, الكثير منها لم يعد موجوداً,  أبي على سبيل المثال, والذي مات قبل أن أبلغ الثالثة. إحدى أولى ذكرياتي, والتي تعود إلى ما قبل الثانية من العمر, كانت عن أبي وهو يصعد العربة, يجلس قرب أمي, ثم يحدث ذلك الصوت أمراً الخيول كي تمضي. أنا وأختي وأخي نجلس في المقعد الخلفي للعربة, والعربة تمضي في جادة ترابية بين مزارع عنب النبيذ في ما بعد ظهيرة صيفية قائضة. أتذكر أنني كنت لسبب ما أحس بالحزن على عائلتي وعلى كل ممتلكاتي: أب, أم, أختين, أخ, حصاننا,عربتنا, إبريق شاينا, أوعية الطبخ المعدنية, كُتبنا. أما بقية الأشياء فقد ضاعت في النوم الذي سرعان ما سيحملني بعيداً. وحينما استيقظت, اكتشفت أن أبي لم يعد موجودآ. هذا الأمر لم استطع فهمه على الإطلاق.

 لقد كنت مهووسأ بحقيقة أن تكون لي ذاكرة, غير أن حزنها كان يزعجني ويثقل علي. لقد كنت أرفض نظرية أن لكل شيء نهاية, أرفض نهاية الناس, وضمنهم أبي. لقد رفضت أن أصدق أن أبي قد مات ( ولو أخذنا مقولة أن كل رجل هو في الحقيقة أبوه, فلم أكن مخطئآ بتفكيري ذاك على الإطلاق).  لقد كنت مدفوعآ منذ ذلك الوقت الذي أحسست فيه بأني أمتلك ذاكرة, لأن أفعل شيئاً تجاه الماضي, تجاه النهايات,  تجاه موت الإنسان. رغبتي الأولى كانت في غاية البساطة,  أردت أن أمتلك قوة خارقة, وكنت أعرف بأني إذا حققت ذلك, فلن يعصى علي تحقيق أيّ شيء.  سوف انتصرعلى الموت نفسه,  وسوف ينتصر عليه كل من يرغب بذلك.

 وجدت صفيحتين كبيرتين. ملئت واحدة بالماء, ووضعت الصفيحة الفارغة على بعد قدمين منها. أمرت  الماء أن ينتقل من الصفيحة الممتلئة الى الصفيحة الفارغة. هذه التجربة فشلت بالطبع. فعزوت فشلي إلى  أنني  بدأت من القمة, فأخذت بالبحث عن إمكانية وجود طريقة ثانية لتحقيق مأربي  ذاك. غير أن الوقت كان قد طال وما من بارقة أمل للعثور على تلك الطريقة الثانية. وبدا لي أنه إما أن تمتلك تلك القدرة, فتحقق كل شيء, وإما أن لا تمتلك شيئآ على الإطلاق. بل تمتلك خيطآ متواصلآ من إخفاقات متتالية, تتوج أخيراً بالموت. 

  ما الذي علي فعله إذن؟ ..

 ولكن مهلآ.. لماذا لم أكن أقتنع ؟ لماذا كنت مشغولاً بتلك الذاكرة والذكريات, ما دامت هي كلها تقودني إلى حقيقة أن الأشياء تتغير, تخفق, تضمحل, تنتهي ثم تموت. كنت أفكر, أن الأشياء الطيبة والجميلة, يجب أن لا يحدث لها مثل هذا الأمر، .يجب أن لا تموت؛  لم أكن لأرتضي بأي حال من الأحوال لها هذا المصير. كيف لي  أن أنقذ الأشياء الجميلة التي أعثر عليها, أمسكها بيدي وأوقف ضمورها وموتها.. ولم أكن أفكر بالإنسان لأنه لم يكن لمصيره بصيص أمل.  وأخير,  بدأ  يتجلى لي, أن الناس كلهم, وأنا ضمنهم قد اتفقنا واقتنعنا بحقيقة واحدة, وتلك الحقيقة كانت تلاحق كل الأشياء ولا تتغير ألا وهي أن كل شيء سيضمحل ويتفسخ ويموت. ومن الغريب أن هذه النهاية كانت تلاحق كل الأشياء, غير أن العالم كان  مليئاً بالناس دائمآ,  والأرض والبحر والسماء دائمآ ضاجة بالمخلوقات والحياة من أشجار, وحيوانات, وأسماك وطيور.

 إذن هناك أشياء قادرة أو قدّر لها أن تبقى, أو  توحي بأنه قدّر لها ذلك, حيث أنها من ذلك النوع الخالد. وكان هناك نوع ثان لم يكن قادراً على البقاء أو هكذا قدر له. أنا نفسي كنت من ذلك النوع الثاني ( الفاني ), كل الناس الذين عرفتهم وأحببتهم كانوا من ذلك النوع الفاني. إذن ما الذي كان علينا فعله؟ ما الذي يجب علي فعله بخصوص مصائرنا تلك؟ كيف لي أن أوقف تلك الحركة؟ كيف استطاع الآخرون أن يوقفوها؟ لقد عرفت أنهم لم يستطيعوا أن يوقوفوها حقيقة , بل تصنعوا ذلك.  لقد فعلوا ذلك بواسطة الفن, أو بمعنى آخر وضع حدود داخل متاهة اللامحدود. لقد تلقفوا شيئاً عابراً سريعآ, وحولوه إلى شيء ثابت, لا يمكن تحطيمه, أو إيقافه أو قتله, وغير قابل للموت. المصور العظيم, رسم زوجته, إبنه, إبنته, ونفسه. وكلهم, واحداً بعد الآخر, قضوا حياتهم, شاخوا ثم ماتوا.أما اللوحات فبقيت خالدة. المثّال فعل نفس الشيء مع الحجر, الموسيقار مع النوتات الموسيقية, والكاتب مع الكلمات. الفن هو تلك القوة السحرية التي كنت أبغي, ولكن أيّ نوع من الفن سأختار؟

 قبل أن أبلغ الثامنة, لم أكن أفكر على الإطلاق, أنه سيكون بإمكاني أن أكتب, وذلك لسبب بسيط جداً, هو أنني لم أكن أعرف كيف أقرأ. كل من كان حولي كان يجيد الإثنين. لحسن الحظ, أنني سرعان ما تعلمت القراءة والكتابة, وأحسست حينها, أو فكرت, أنني قد وجدت ضالتي. لقد أمضيت وقتاً طويلآ حتى تمكنت من الكتابة الحقة, وأنا أعتبر تملك تلك المقدرة, هو أعظم شيء يمكن أن يحققه الإنسان. أما الآن, فأنا إذا كتبت شيئاً, يبدو وكأنه كتب بهذا الشكل, شيئآ لا يمكن تغيره, وكأنما كتب في الماضي وسيبقى أبداً بشكله الثابت ذاك. إذن, لقد هيئ لي أخيراً, أن أوقف حركة الأشياء, وفي نفس الوقت الاستمرار في تعلم طرق جديدة  لتحقيق هذه الإيقافات, أو ما يدعى بالفن.

  ذلك كان  ببساطة, كيف ولماذا أمسيت كاتبآ.

 باختصار, لقد بدأت أكتب, لكي  أخذ ثأري من الموت.

 ولقد أستمريت بالكتابة لأسباب عدة, ولقد كنت قد قلت بأنها كانت طريقتي التي اخترتها للفوز بحياتي.

 ولكن السبب الرئيسي الذي يجعلني أكتب, هو أنني أريد ذلك. 

 

 

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )