|

الدكتور
خوشابا جاسم
بروفسور علوم سياسية جامعة شيكاغو
امريكا
تتميـّز
المرحلة الراهنة في العراق باختلاف وتباين وجهات النظر والآراء بين
الفئات السياسية المختلفة فالبعض منها يرتأي تشكيل حكومة تستمد سلطتها
من الشريعة الاسلامية والبعض يحبـّذ سلطة ذات نزعة ديمقراطية
علمانية وكل يغني لليلاه وينسى او يتناسى التجارب المريرة التي احتملها
الشعب العراقي المكافح طوال فترة اكثر من (50) عاما من سجون واعتقالات
واعدامات وتشريد وارهاب وبطش وقطع الارزاق وخنق الا نفاس وبتر الانوف
والآذان الى آخر ما في قاموس الاستبداد من مظالم. هذه الآراء تسود
قبالها وجهة نظر الادارة الامريكية في بغداد وفلسفتها الاقتصادية
السياسية الجاري تنفيذها في البلاد تمهيدا لاقامة حكومة مركزية
تعدديـّة ذات صفة علمانية توءمن بمبدأ فصل الدين عن الدولة.
ثمة عوامل
اساسية تتفاعل مع الواقع السياسي والاجتماعي جديرة بان توءخذ بنظر
الاعتبار وأهم هذه العوامل يتمثل في مسألة اخضاع الفكر النظري للواقع
العملي او ما يجري بالفعل من أفعال أيجابية وردود أفعال في الاوساط
السياسية وبعنى آخر تفسير العلاقات السياسية والاجتماعية الحاصلة بين
الدول والامم أو حتى بين فئات المجتمع الوطني الواحد بعكس ما توءمن
به السياسات التي تعتمد في تحليلاتها على الفكر الميتافيزيقي المخالف
للواقعية العلمية والقائم على الافتراضات والمثاليات.
ان المطالبة
بأقامة حكومة تعتمد الشريعة الاسلامية أو أيــّة شريعة أخرى لا تعدو أن
تكون دعوة مقتصرة غير شاملة اذ ليس من شأنها توفير الديمقراطية
التمثيلية العلمية أو اعطائها حق قدرها لان لها أي لهذه الدعوة آفاقا
فكرية قاصرة وليس بمقدورها استيعاب الآراء السياسية التي تعتبر في
عرفها مخالفة لما توءمن به فهي والحالة هذه ترفع شعارات ذات مميـّزات
خاصة تعتبرها الجماهير بعيدة كل البعد عن المفهوم العلمي للحكم
الديمقراطي وازاء هكذا ظروف تظل الحالة السياسية في البلاد عالقة وفي
أشد الحاجة الى حل . انه من الاصلح بل من الاسلم للعراق أن يتمتع
بحكومة أو سلطة ائتلافية ديمقراطية توءمـّن الحرية الفردية والمساواة
في التمثيل لجميع القوميات من غير تمييز او تفضيل بسبب الدين او
اللغة او الانتساب القومي . هكذا حكومة تعبــّر عن رضا الشعب باجمعه
وتكسب شرعيتها من صميم مطامحه السياسية.
هناك فئة أخرى
تطالب بنظام حكم يعتبر نشازا في سلـّم قيثارة الشعب العراقي وهذا
الحكم يريدون له ان يشمل القوميتين الكبيرتين العربية والكردية فقط .
ان نظام الحكم بهذا الشكل خال من المقوّمات التي توءهله لاقامة نظام
فدرالي في بلد متعدد القوميات كالعراق فهو يعتمد قبل كل شيء على
العامل الديني وعلى الغالبية الديموغرافية المليئة بالروح
الاستئثارية والتفرقة كما انه لا يتمتع بالاصالة التاريخية والارتباط
العضوي بارض العراق. ان التفوق العددي لا يمنح هاتين القوميتين
الصلاحيات السياسية او القانونية للتقرير للعراق سياسة أو اتجاها
ايديولوجيا ديمقراطيا يقوم على انكار الحقوق المشروعة للآشوريين
والتركمان وغيرهما. هكذا نيـّات (سياسية) لا تحبـّذ فكرة التمثيل
الديموقراطي الذي يفضله الشعب العراقي كما انها تتجاهل القوميات الاقل
عددا والتي تتمتع سوية بالشرعية القانونية والحق في المشاركة في حكم
البلاد والاستمتاع بموارده الطبيعية من غير تفرقة أو تفضيل بسبب
الدين أو اللغة أو أية موءثرات أخرى غير ديمقراطية يرفضها الشعب
العراقي الواعي الذي يتطلع الى كيان سياسي ديمقراطي تمثيلي يأخذ بنظر
الاعتبار التطورات السياسية والاقتصادية في البلاد والتي لها ابعادها
العالمية . ان الشعب العراقي المتمرس يوءمن بان ضيق الافق السياسي
يشكل عوائقا تقف في طريق تطبيق الديمقراطية وتحول دون اتخاذ سياسات
مبنية علي الفلسفة العلمية المعاصرة التي تأخذ بنظر الاعتبار الواقع
السياسي والاقتصادي الداخلي الجاري تنسيقه مع التطور السياسي
وألاقتصلدي في العالم.
ان المهمة
العاجلة والملحة اليوم لا تنحصر في أقامة حكومة مقتصرة سواء علي
الشريعة أو علي القوميتين الكبيرتين بل تستوجب بالضرورة أقامة نظام
فيدرالي تدعمه القوميات العراقية التي تشكل الكيان السياسي العام في
اطار فسيفساء عراقية الوانها الاديان السمحاء والتقاليد المتوارثة وفي
وحدة وطنية متآلفة مبنية علي المصالح المشتركة ونظام أقتصادي ليبرالي
يوءمن بمباديء التجارة الحرة والتملك الفردي لوسائل الانتاج ضمن النظام
العالمي أو العولمة الذي تستفيد منه الدول التي تتشابك مصالحها
الاقتصادية والتجارية. ان الفرص متعددة أمام الدول وخاصة الصغيرة
للانتفاع من هذا النظام وما عليهم غير تنسيق سياساتهم مع الاستراتيجية
الاقتصادية للدول الصناعية الكبري الثمان واعني الولايات المتحدة
وروسيا بريطنيا والمانيا فرنسا وكندا ايطاليا واليابان. اما الذين
يسيئون عمدا الي مصالح هذه الدول أو يضعوا العراقيل أو الاوتاد في
عجلات دولاب الاقتصاد العالمي فانهم لخاسرون وعليهم يقع اللوم اذا ما
أقدمت هذه الدول علي حماية مصالحها الا قتصادية وتأمين أمنها ومقارعة
الحركات المتطرفة بما يعود بالفائدة للجميع ويصون السلام في العالم
والعراق افضل مثل علي ذلك.
ان ما يصلح
للعراق اليوم هو تظافر جهود جميع قومياته للاستفادة بقدر الامكان من
العولمة فالمقدرة تكمن في تكاتف الشعب في أجواء رحبة توفــّر الفرص
المتكافئة للمواطنين. ان الشعب العراقي يتطلـّع الي المستقبل الي
الانعتاق لا الانغلاق ومن الافضل للعراق المتحرر ان يسلك أو يعتمد
السبيل السياسي القويم ويسير قدما ضمن الركب الاقتصادي العالمي وانه
لمن الاحرى أن يستوعب الشعب هذه الحقيقة ويعمل بعقلية ودراية من أجل
أقامة حكومة ليبرالية ديمقراطية علمانية تكفل للقوميات المساواة
وللعراق مكانة مرموقة في الحواضر الخصبة للعولمة كما توفـّر لابنائه
الرخاء الذي يعينهم علي تطوير مستواهم العلمي والاجتماعي والاقتصادي.
هذا هو الخيار
الافضل وهو أمر لابد منه فلنرحب به ونعمل كلنا علي تحقيقه لانه
الشعار والاسلوب الواقعي الذي يمتاز به القرن الواحد والعشرين.
|