عصف بي الحنين إلى الأهل والأحبة،
فرحت ألوذ بالنافذة البيضاء التي
تطل من خلالها الأخبار والوجوه ـ
إن أمكن ذلك ـ أو نكتفي بالحروف
والكلمات، وفي أحسن الحالات نسمع
أصوات بعضنا البعض دون أن نعرف
كيف تغيرت سحنات الوجوه التي شبت
أو شاخت في غيابنا.
لم تمر لحظات وإذا بنافذتين
مفتوحتين ومنتظرَيْن، نقرت بسرعة
مرحبة بهما، فكان الرد سريعا
ولهفة صوت ابنة أخي الأكبر كانت
أسرع وأكبر:
"
هلو عمة، مشتاقتلك، قلقت عليك..
إنتِ وين؟"
"
شكرا عزيزتي، أنا بخير، كل ما في
الأمر ما فتحت المسنجر من زمن
طويل، كيف الأحوال؟"
"
نحن بخير، ممكن نفتح الصوت؟"
"
طبعا"
فتحنا الصوت وانضم إلينا أكبر
أخوتها مشكلين بذلك مثلثاً من
ثلاث دول أوربية ـ ألمانيا،
رومانيا والمجرـ دخلت معهما
الحوار الذي ابتدآه وهو عن
إمكانية السفر لأنها تتوق لرؤيتي
خاصة وأنها رأتني آخر مرة في
العراق في السادسة من عمرها.
"
عمة أي جواز عندك؟"
"عراقي"
"يعني
معقولة بعد كل هذي السنين وإنت
متمسكة بالجواز العراقي ، ليش ما
تاخذين مجري؟ وبعدين ما ممكن
تتحركين بهذا الجواز!"
ضحكتُ، متنهدة لأقول لها:
"
شوفي عزيزتي، أنا أقسمت على أن
أعود إلى العراق كعراقية بجواز
سفر عراقي وبشعري الطويل.. حققت
ذلك.. لندع الآن شعري ولنتكلم عن
جواز السفر" وقبل أن أكمل قاطعني
ابن أخي .
"
عمة! جواز سفرك هذا نافذ المفعول،
ممكن تشوفيه وتخبرينه؟
مددت يدي لأخرجه من الخزانة
القريبة، فتحته عند الصفحة التي
تحمل توقيع العقيد السوري قبل
مغادرتي لسوريا في عام 2000 بعد
زيارة قصيرة لها مع ابنتي وكانت
أول وآخر سفرة لبلد عربي منذ
خروجي من العراق في نهاية عام
1979. هذه السفرة تلت آخر سفرة لي
إلى بلد أوربي في صيف عام 1987
يوم وددت السفر إلى الاتحاد
السوفييتي بدعوة من أخي الأصغر كي
أتعرف على زوجته وابنه الصغير. لم
يكن الدخول سهلا إلى هذا البلد
إلا بعد جهد لا يوصف بالحصول على
الفيزا. وأخيراً تم كل شيء ورحت
أجمع الهدايا من أشياء بسيطة
وتافهة حُرموا منها. بدتْ حقيبتي
بمنظر أكياس المعكرونة وكأنني
ذاهبة إلى بلد فيه مجاعة. تخيلت
فرحتهم بملابس الجينز وأكياس
النايلون.
ركبت القطار الذاهب إلى موسكو،
المدينة التي سمعنا عنها الكثير ـ
الكثير. كانت العربة أشبه
بالزنزانة بحجمها، اخترت السرير
التحتاني، وكنت أدعو من كل قلبي
أن أكون وحيدة فيها، ربما عقدة
وحياء المرأة الشرقية من أن
يشاركها غريب العربة؟ وكالطفل
ابتهجت عندما انطلق القطار، ركنت
حقيبتي وكنت حريصة على إشغال
السرير بمعطفي وديوان شعر. لم أكن
أعلم في تلك اللحظة ما يجب فعله،
هل أجلس على السرير أم اضطجع؟
أغلقت باب العربة ـ الزنزانة ـ
لأجربه، شعرت بالكرب وكأنني في
قبر، يجثم على أنفاسي السرير
الفوقاني. بقيت على هذه الحال كي
أخلق ألفة بيني وبين المكان. لا
يمكن لعراقي تعوّد النوم على
السطوح مراقباً النجوم تحمّلِ هذه
العربة. لماذا أصبحنا كالغجر
يلازمنا الترحال من مكان إلى مكان؟
وقبل أن أغور في أعماق دهاليز
الذاكرة، فُتحَ البابُ ليدخل
المفتش. نهضت بصعوبة للقيام
بالواجب.
أعدت التذكرة إلى مكانها، لكني لم
أعد إلى السرير مفضلة الخروج إلى
الممر لأقف عند النافذة.. لقد
أذهلني الأخضر العجيب الذي امتزج
بالذهبي، كنت أظنه يعلو ويهبط
ناسية حركة القطار.. تماثلت
الألوان للدكنة، كم جميل لو
امتلكنا أكثر من عينين، لكان
باستطاعتنا فرز الألوان وخزنها
كلاً على حدة. امتدت المساحات،
هبط الذهبي ليلامس الأخضر، فارتفع
نحوه، امتد.. امتد بعيداً ليعانق
الزهر في السماء الوردية. كل
الطبيعة تناغمت، تداخلت.. تغلغلت
في بعضها.. وأنا وحدي.
الكل يذهب، الجسور، أعمدة
الكهرباء، البنايات، الأشجار
والسهول.. لماذا أحسب الأشياء
كلها تذهب؟ ألست أنا الذاهبة؟
حركة الذهاب أتعبتني، دوختني،
خاصة وأن الطبيعة لم تعد واضحة
ولم أعد أرى سوى انعكاس صورة وجهي
في زجاج النافذة. أدرت ظهري لها
داخلة الحجرة الصغيرة لأصطدم
بالحقيبة. شعرت بتعب مفاجئ، ترى
هل أستطيع النوم والشباب لم يكفوا
عن الحركة والثرثرة في الممر
الضيق من أجل التقرب إلى الفتيات
في العربة المجاورة، ألم تُحل
أزمتهم بعد؟؟
لماذا سئمت القطار الذي أحببت
رؤيته في طفولتي وهو يمر خلف
بستان النخيل الموارب لبيتنا في
حي بابل، كان أشبه بأفعى سوداء
تمرق عبر النخيل. كنت أراه من
الخارج فقط، ويوم دخلته وعرفته،
ضجرت منه.
هذه الأفعى السوداء تحمل مئات
الأجساد التي تكتنز بعوالم مختلفة
بتفاصيلها.
أريد أن أرتاح... أرتاح.
استلقيت على السرير محدقة إلى
زجاج النافذة، أصبح الظلام في
الخارج مخيفاً، أغمضت عيني لكني
لم أكن على يقين بأن ما رأيته كان
حلماً أم خيالاً. خيوط بلون
النحاس الأحمر بدأت تتشابك لتتكور
راسمة نصف دائرة ترتفع رويداً ـ
رويدا وقبل أن تتفجر في قبة
السماء، ارتفعت ضحكة الفتاة في
العربة المجاورة.. فتحت عيني وكان
المطر ينقر على زجاج النافذة
بقطراته التي تجمدت عليها نظراتي،
والغريب في الأمر تعلقت قطرتان
بحافة النافذة تأبيان السقوط، رحت
أراقبهما حتى انسابتا راسمتين
خطين اتحدا في الأسفل أبديا كنهري
دجلة والفرات.
مر وقت طويل ولم يشغل السرير
الفوقاني أي أحد. كنت مسرورة
بعزلتي. فتحت الكتاب لأقرأ
المجموعة الشعرية، وكان آخر بيت
غفوت بصحبته " أركض نحوك... أركض
معك "
الجميع يقظون الآن، لون الفضة
يغمر كل شيء، لكن خيط النحاس بدأ
يشق اللون الرمادي المزرق وأنا
بانتظار الانفجار.
وقبل أن تتفجر الكتلة النحاسية في
السماء، دخل الشرطي العربة لتفتيش
جواز السفر وتأشيرة الدخول وذلك
كان يدلل على أننا دخلنا الحدود.
شكرني وراح يتطلع بوجهي بشكل مريب
خشيت من أن شيئاً ما ليس على ما
يرام، ولم أتوقع سؤاله: " تسافر
المرأة العربية وحدها ولمسافات
طويلة؟ "
وعندما سمع ردي له وربما بطريقة
ساخرة دعته إلى أن يكون أكثر جدية
فطلب مني بشكل حازم أن أفتح
الحقيبة وراح ينبش الأغراض
مقلّباً الملابس الداخلية وقسمات
وجهه تتلون بين الابتسام والغضب.
حركة شرطة الحدود ورواح ومجيء
المسافرين بدد ملل السفر وصارت
الغبطة تتسرب شيئاً فشيئاً
للروح.. قربت ساعات اللقاء. حزمت
حقيبتي وكان علي أن أبدو بمظهر
حسن فرتبت حالي، وبأصابع مرتبكة
حملت حقيبتي متجهة نحو الباب
ساعية إلى أن أكون أول النازلين.
كانت باقة الورد قد سبقت حاملها
إلي، استقبلني أحد الأصدقاء بفرحة
وابتسامة نابعتين من القلب.
اصطحبني إلى شقتهم لأبيت عندهم
حتى يصل أخي من أوكرانيا.
إذن أنا في موسكو.. المدينة التي
رأيتها في عشرات الأفلام
السوفييتية الرائعة. رافقتني
الصديقة إلى بعض الأماكن لكني كنت
أتوق إلى رؤية الساحة الحمراء
ومحطات المترو الساحرة بعمرانها
وتماثيلها حتى أن المرء يشعر
وكأنه في متحف.
كان أخي وهو يصور الكنائس ذات
القباب التي تذكر بشكل العمائم
وكأنه يراها لأول مرة.. لفت
انتباهي أن كل شيء في هذه المدينة
كبير وشاسع، ولا يستطيع الفرد أن
يعبر شارعاً إلا راكضاً قبل أن
تتغير إشارات ضوء المرور. المحلات
واسعة وخالية من البضائع التي
يحتاجها الشخص في حياته اليومية.
لا أدري لماذا راودني شعور وسط
تلك الشوارع المحاطة بالبنايات
الضخمة بضآلة الإنسان حجماً وكأنه
في هُوّة.
كان ترحيب الأصدقاء بي يطغي على
كل شيء، عند ذاك يفقد المكان
أهميته. لكنهم أرادوا للمكان أن
يعيد بنا إلى العراق فالكباب
والريحان كانا حاضرين في مطعم
أذربيجاني.
كيف يمكن أن أصل الاتحاد
السوفييتي دون أن أزور متحف
الأرمتاج؟ سألت أخي.
شددنا الرحال إلى لينينغراد. تلك
المدينة الساحرة بلياليها البيضاء
التي خُلدت في الروايات أيضاً،
تذكر بمدينة البندقية بقنواتها
الصغيرة وجسورها البديعة. لم تحمل
التماثيل بنايات على أكتافها بل
تاريخاً بأكمله. يغلف المدينة
ثراء خارجي وفقر وبؤس داخلي
اكتشفناه بصحبة صديق فنان وزوجته
كانا يدرسان هناك. كل ما هو جميل
وساحر كمتحف الأرمتاج والقصور وما
شابه ذلك يعود للقديم الذي يشهد
على الفقر.
وجب على أخي الاتصال بزوجته في
خاركوف في أوكرانيا ليخبرها بموعد
وصولنا، كانت متلهفة ليس لسماع
صوته ومعرفة أخبارنا، بل سعدت
لأنها طلبت منه أن يشتري لحماً
فهي منذ ثلاثة أيام تسعى للحصول
على مائة غرام منه دون جدوى
وستُحرج أمامي.
يجب علينا إذن شراء اللحم من
لينينغراد وأخذه إلى أوكرانيا...
دخلنا ما يقارب العشرة محلات لبيع
اللحم عبثاً، لا يوجد في واجهاتها
الزجاجية سوى صفائح المعلبات.
وقبل أن نفقد الأمل خلال جولتنا
وإذا بطابور طويل أسرع أخي لاهثا
نحوه، ويا للمفاجأة السارة.. إنه
اللحم.. انضم أخي إلى الطابور
وكان قلبه يخفق نتيجة انفعاله
وخوفه من أن يصله الدور عندما
تكون آخر قطعة لحم قد ودعت يد
البائع. لم يخب أمله، لقد حصل على
ثلاثمائة غرام من اللحم الأحمر.
هللنا جميعاً لفرحته، ثم ودعنا
الصديق الفنان وزوجته وطفلتهما
الجميلة التي تسكن معهما في دار
الطلبة.. واتجه قطارنا إلى
خاركوف. كانت العربة مليئة
بالمسافرين وكأنهم تكدسوا على
بعضهم البعض كالخراف ونحن معهم.
كانت نفوس أولئك الناس تنضح
بالطيبة.. عاملونا كأبناء وطنهم
ظانين أننا من جورجيا التي انحدر
منها ستالين. نام الجميع إلا نحن
لأن العربة كانت تضج بمختلف أنواع
الشخيرالذي يتعذر على السامع
تمييز الأصوات إن كانت صفيراً أم
خواراً، لكنها مع ذلك بدت متناغمة
وكأنها ترتفع وتهبط مع حركة يد
قائد أوركسترا. كنا نضحك في الوقت
الذي كان علينا أن نبكي، ومشكلتنا
الكبرى هي اللحم الذي سيتعفن حتى
وصولنا. لكن نباهة أخي أنقذت
الموقف فاستغل وصول الجابي متوسلا
إليه أن يحفظ شريحة اللحم في مكان
بارد. كان رجلا طيبا لم يرد الطلب
مشيرا إلى أخي مرافقته ليريه
المكان المناسب لحفظ اللحم. ربط
الكيس بخيط وشده على نتوء حديدي
من خلال فتحة تحت مقعد السائق.
وهكذا كانت شريحة اللحم الحمراء
ترفرف في الهواء تحت خلفية السائق
كالراية الحمراء. كانت ليلة في
القطار أشبه بكابوس أفقت منه على
بريق فيروزتين هما عيني مكسيم ابن
أخي وزوجته الطيبة وابنها الأكبر.
لقد سعدوا بوصولنا، فَرَحُنا
المشترك غسل أعباء السفر. راحت
زوجة أخي تشكو من مرارتها في
الحصول على المواد الغذائية وخاصة
اللحم، لكن أخي لعب دور البطل
مناولا إياها وبفخر الثلاثمائة
غرام من اللحم الأحمر. ( يا فرحة
المادامت) لقد تغير لونه إلى
البني وتطايرت في الجو رائحته
الكريهة. لابد من إنقاذ الموقف...
لأن الجو شُحن باليأس والبؤس
معاً. إذن لأريهم مهارتي وخبرتي
التي تعلمتها من المجريين.. طلبت
منهم إحضار الخل فنقعت اللحمة
بالماء المخلل، انتظرنا فترة لا
بأس بها فزالت رائحته الكريهة،
طبخنا الوليمة المعدة من
الثلاثمائة غرام من اللحم، أكلناه
ولم يحصل لنا شيء (وما زلنا نعيش
عيشة سعيدة.)
أمضيت وقتاً ممتعاً بصحبتهم. في
إحدى الأماسي بعد عودتنا من زيارة
سجن قديم يعود إلى عهد القياصرة،
كانت زوجة أخي بانتظارنا بعد أن
أعدت الشاي في السماور الروسي، لا
أدري كيف قرأتْ ما يدور في تلافيف
دماغي، لأن صورة السجن الفظيعة لم
تتركني لحظة واحدة.. ونحن نحتسي
الشاي فتحتْ ألبوم الصور لتريني
صور أهلها التي رافقتها حكايات عن
كل فرد منها.
"
هذه أختي الصغرى، تصوري عندما
أردنا إدخالها روضة أطفالٍ لم تكن
تابعة لحيّنا، فقدمنا طلباً
وجاءنا الرد بعد أربع سنوات كانت
قد أنهت فيها الروضة و دخلت
المدرسة".
أضفى التفرج على الصور والتعليق
والضحك مع احتساء الشاي حميمية جو
عائلي افتقدته في غربتي، حتى سكتت
زوجة أخي فجأة عندما قلبت صفحة
الألبوم لتتوقف عند صورة رجل كهل،
بدا كناسك شاحب الوجه. وبصوت خفيض
ملؤه الأسى قالت: هذا أبي.. قبل
وفاته..
سألتُ عن سنه. كان في بداية
الستينات من عمره.. اندهشتُ
متسائلة بلا تردد: كيف؟ لكنه يبدو
في الثمانين!
"
كيف؟ من سجون ستالين!"..
قالتها بصوت مرتجف اختلط
فيه الأسى ،الألم ، الغضب
والحسرة.
أحسست بقشعريرة تسري في جسدي وأنا
أقف أمام تمثال الأم التي فقدت
جميع أولادها في الحرب العالمية
الثانية، كان الصوت المنبعث من
التمثال يثير في الرائي رهبة كمن
يدخل معبداً. ضربات وجيب قلبها
أثار في حزناً معيداً بي إلى أمي
وذكرى من سقطوا ويسقطون في حربنا
التي لم تنته بعد آنذاك، وخطفت
أمام عيني صورة ابن أخي باسل
(شبهه رفاقه بالمسيح) الذي استشهد
في كردستان. للحظة شعرت بأنني
أريد أن أصرخ، لكنني احتفظت
بسؤالي داخل نفسي: لماذا ولأجل من
؟؟
في اليوم التالي كان علي أن أعود
إلى موسكو ومن ثم إلى بودابست،
لكن المعضلة التي واجهتنا، هي عدم
الحصول على تذكرة سفر، وبات
الرواح والمجيء إلى المحطة طوال
يومين مهمتنا الرئيسية، لكن
الطامة الكبرى هي نفاذ مدة الفيزا
التي ستسبب مشكلة كنت أجهل
عواقبها.. وفي النهاية قررنا
الذهاب الى المحطة ليلا علّنا نقف
في طابور حتى انطلاق القطار في
الصباح. هذه كانت نصيحة مسؤولة
كبيرة زودتنا بقصاصة ورق صغيرة
جداً دسها أخي عبر الفتحة الصغيرة
لشباك التذاكر، قرأتها الموظفة
مشيرة علينا بأن نجلس في المحطة
بانتظار الفَرَج.
ركبنا القطار صباحاً، والغريب في
الأمر لم أتذكر شيئاً البتة، يبدو
أننا همدنا في مقاعدنا كالموتى
حتى وصولنا عاصمة الاتحاد
السوفييتي. المدينة التي احتضنت
معالم أسيا وأوربا ونهرها الذي
يذكّر بدجلة. إن منغصات الإقامة
والفيزا، تداهم كزلزال لتحطم
وتهدم كل صورة وذكرى جميلة يرسمها
الفرد عن بلد ساحر وشعب طيب، وتظل
هموم المراجعات والوساطات طاغية
على كل ذرة من تفكيرك كيلا تسبب
حرجاً لمن دعاك واستقبلك في بيته.
فرح الجميع بتمديد المدة لثلاثة
أيام أخرى، وسنحت الفرصة لنا
بلقاء بعض الأصدقاء القدامى.
بينهم من كان معي في أكاديمية
الفنون الجميلة وصديق من
التلفزيون كان يمكن أن يكون
مخرجاً سينمائياً ناجحاً، إلا أنه
كان من ضمن الذين نُقلوا من
المؤسسة العامة للإذاعة
والتلفزيون. غادر إلى اليمن ثم
دخل الاتحاد السوفييتي مع زوجة
يمنية فاتنة ليكملا تعليمهما في
الفن السينمائي والباليه، كان
بيتهما غرفة في دار الطلبة مع
ابنهما.
ونحن نتجول في شوارع موسكو سألني
إن كنت أرغب بزيارة ضريح لينين،
فكان ردي بالرفض. وبالرغم من حبي
وبكائي في صغري على رائد الفضاء
غاغارين الذي لقي حتفه بسقوط
طائرة.. لم أود رؤية قاعدة
الصواريخ، لأنني تيقنت من أن مصدر
فرح البشر ليس إطلاق الصواريخ
وسباق التسلح، بل هم بحاجة إلى
أشياء بسيطة تضمن راحتهم وتسد
حاجاتهم اليومية ولن يصبح اللهاث
وراء قطعة لحم همهم الأكبر.
هذاالشعب الذي فقد ما يقارب
العشرين مليونا من البشر، أدرك
القيمة الحقيقية للحياة. لكنه لم
يحصل على ما يستحقه عن جدارة من
متطلبات العيش الرغيد بحرية كطائر
يأبى السقوط.
عاد أخي إلى أوكرانيا، وأنا وليت
وجهتي نحو هنغاريا، وكان نصيبنا
من إشعاع "چرنوبيل" واحداً أثبتته
السنون.
في القطار العائد إلى بودابست،
فتحت الكتاب عند قصة السيدة
والكلب الصغير لأحد كتابي الروس
المفضلين" تشيخوف". وأنا أعيد
قراءتها مرت لقطات الفلم أمام
ناظري حتى انني تذكرت الضيف الذي
علّق على الفلم في البرنامج الذي
كنت أقدمه. احتواني شعور الرجل
الأشيب الذي رافق حلمي الذي لم
يدم طويلا. لقد داهم العربة شاب
اعتقدته عربيا أو غجريا، بادر على
الفور بتقديم نفسه بلغة انجليزية
سليمة: "محمدوف من أذربيجان"!
بادلته التحية ثم عدت إلى كتابي
لأهمس: اللهم صلي على محمد وآل
محمد!
حملق في وجهي ليسألني: مسلمة؟ ـ
ثم بفخر ـ أنا مسلم.
ابتسمت لأبشره: وأنا كذلك. ـ
مرددة في داخلي ـ والنِعم!
ولما لم يجد ما يشجعه على الحوار
معي، خرج ليكلم كل من هب ودب ثم
عاد إلى العربة ليخرج كيساً يحوي
على مواد غذائية وليفاجئني بعصير
الرمان ناطقا الكلمة "جلّنار" وهي
ورد الرمان، وباليد الأخرى الزبيب
الذي أسماه بالكشمش مضيفاً: "كل
شيء متوفر عندنا"
اندهشت لذلك واتضح لي أننا نعرف
اللغة الأذربيجانية أو بالأصح
الفارسية. كان الشاب الأذربيجاني
كالمكوك لا يكف عن الحركة، إضافة
إلى أنه شغل السرير الفوقاني وكان
ينط بين صاعد ونازل وأنا في غمرة
إرهاقي كنت أراه كقرد مرح يأكل
الكشمش ويشرب عصير الرمان. حبست
ضحكتي متخيلة أخوتي الكبار وهم
يسألونني: منو هذا القرقوز؟
وأخيراً عرفت سر قفزاته التي لم
تؤدِ إلى نتيجة تجارية ناجحة في
القطار، لذا حاول مع المسلمة هذه
المرة وبدأ يفتح أزرار قميصه
ليبرز لي القلائد الذهبية التي
يود بيعها، لم يكتف بذلك بل راح
يرفع طرف بنطاله ليريني المجموعة
الأغلى ثمناً والتي زين بها
كاحليه كالخلاخل.
اعتذرت منه بأدب، وبشكل غير مباشر
كيلا أحبط عزيمته أفهمته أنه لن
يستطيع بيع مجوهراته، وإذا كان
بإمكانه أن يهجع حتى وصولنا في
الصباح. استدرت ثم نهضت تاركة
العربة لأقف عند النافذة المفتوحة
مستنشقة الهواء ومتمتمة: لا حول
ولا قوة إلا بالله، بس لو أعرف
شنو ذنبي حتى أبتلي بهذا
المحمدوف؟
عدت الى العربة شاعرة برغبة جامحة
إلى النوم. لم أفسح له المجال
للتحدث معي وأنا أردد بصوت هاديء:
نام! نامت عليك الطابوقة!
يبدو أن دعائي قد وصل، مع القطار
الذي وصل هو الآخر إلى بودابست،
كان الأذربيجاني ذا نخوة، حمل
حقيبتي حتى باب المحطة. شكرته
مودعة إياه ومتمنية له إقامة
سعيدة وتجارة وافرة في بودابست
التي عدت لها ثانية مع قلادة
روسية طوقت عنقي بمرجان البحر
الأسود.
*****
في ذلك العام أي 1987.. وضعت جواز
سفري في الجرار.. وبعد عامين
وُلدتْ ابنتي الوحيدة، ولم يعد
يعنيني السفر، كنت أرى العالم في
عينيها، أبحر في عالم سوادهما متى
شئت فأرى سهولا، هضاباً، ودياناً،
أنهاراً وبحاراً. رحت أروي لها عن
بلد جديها العربيين، وحياتنا
هنااااااك بعيداً. علمتها رسم
النخلة التي كانت تتوق للمسها
وارتقائها ذات يوم في العراق، حتى
أصبحت في الحادية عشرة من عمرها.
وفي نهاية صيف عام ألفين ركضتْ
نحوي مضطربة لتخبرني بأن أحداً
يتكلم العربية يطلبني على الهاتف.
تعثرت خطواتي خشية سماع خبر سيء،
انتفض قلبي لصوت أختي الذي لم
أسمعه منذ زمن طويل وهي تطلب مني
متوسلة السفر إلى سوريا كي نلتقي
بعد واحد وعشرين عاماً، مؤكدة على
أنها فرصة لن تتكرر ربما طيلة
حياتنا، خاصة وأنها لم ترَ ابنتي
بعد. عبثاً شرحت لها عدم إمكانية
السفر حتى أني لا أملك جواز سفر
والمدرسة ستفتح أبوابها بعد
أسبوع.
وأخيراً قررنا السفر كيلا تضيع
علينا فرصة اللقاء. الجميع يعرف
ظروفنا، وبدلاً من أن ترفض
المدْرسة طلب الإجازة، راحوا
يشجعوننا على السفر لتتعرف ابنتي
ولو على عائلة واحدة من أقارب
أمها.. لكن مدرّسة التاريخ فرضت
عليها واجباً وهو أن تعد مادة عن
تاريخ سوريا وعمّا سوف تراه.
حملتُ جوازَيْ السفر متوجهة إلى
السفارة السورية. لم نكن بحاجة
إلى تأشيرة دخول.. "على أساس هو:
أننا وطن واحد ولا يحتاج العراقي
لها". هذا ما قيل لي هناك. لم أكن
مطمئنة لذلك، وكنت أصر على الحصول
عليها. لكن النفي من قبلهم انتصر
في النهاية.
جهّزنا كل شيء حتى حانت ساعة
الذهاب إلى المطار. سلمنا جوازات
سفرنا واتجهنا نحو صالة الانتظار
قبل الطيران ورؤوسنا مستديرة صوب
زوجي الذي فارقنا لأول مرة، فرأيت
الدموع في عينيه.
ابتسمتُ على مضض ملوحة له بجواز
السفر الجديد وابنتي تردد: " خطية
بابا بقى وحده!"
وجدت نفسي وجهاً لوجه مع مسؤول
السفارة الذي أكد لي مجددا بأن كل
شيء على مايرام وليس هناك ما يدعو
للقلق.
ركبنا الطائرة وفرحنا بوجود صديق
عراقي إلى جانبنا. كانت ابنتي
مرعوبة من أن الطائرة ستسقط ويظل
أبوها وحيداً. كنت أربّت على
كتفيها شاغلة إياها بحكايات لا
معنى لها..
حطت الطائرة على مطار دمشق بعد
انتصاف الليل بحوالي الساعتين.
تمت الإجراءات المتعارف عليها في
المطارات، تلاها الوقوف في طوابير
عرفتُ لاحقاً كلاً حسب نوعية
جوازه. وقف الرجل العراقي في
طابور الأجانب كونه حاملا جوازاً
مجرياً وكذلك ابنتي. أما أنا
فبقيت مع العرب. قدمت الجواز ولم
استلمه طالبين مني الوقوف على
جهة. لمحتْ ذلك ابنتي فركضتْ نحوي
رافضة تقديم جواز سفرها.
غادر جميع الأجانب الذين وصلوا
معنا، ولما اكتشف ذلك أقاربنا،
طلبوا معرفة تأخيرنا أو التأكد
على الأقل من وصولنا. نادوا
بأسمائنا حتى نذهب نحو نافذة
يمكننا فيها لقاء من جاء في
استقبالنا. سرني وجودهم ومعرفة
السبب عندما قال الضابط: "ممكن
الطفلة تخرج لأنها مجرية وأمها
تبقى لأنها عراقية أو بالأصح لأن
جواز سفرها عراقي".
سألتُ ابنتي إن كانت تريد الذهاب
إلى بيت خالتها، فردت: "لا ماما..
آني ما أعرفهم.. جيت وياك وأروح
وياك.. وإذا ما يدخلوك، نرجع
لبودابست سوة ".
عاد مستقبلونا إلى البيت تسبقهم
الخيبة دوننا. وجلسنا نحن في قاعة
الانتظار الكئيبة على كراسٍ تكاد
تقصم الظهر.. وضعتُ رأس ابنتي في
حضني راجية منها أن تنام قليلا
حتى يفرجها رب العالمين:
"
نامي بنتي نامي..!! أمة عربية
واحدة .. ذات رسالة خالدة "
لو تعلمين يا ابنتي معنى تلك
الرسالة، رسالة الذل والإهانة
والشعور بالدونية لمن يحمل جواز
سفرهم، هكذا سيظل فحواها خالداً
ما داموا ينادون بها وينحنون
احتراما وإجلالا لما هو مدون بلغة
لم تنتم إلى ما يسمونها بلغة
الضاد"..
بمَ كانت تحلم الطفلة وقتذاك؟ كان
جسدها النحيل ينفر بين تارة
وأخرى، فأربت على ظهرها وأمسد
شعرها.. غادرتْ حضن أبيها معزَّزة
وجاءت لتُذَلَّ في بلد تنتمي أمها
إلى لغته. أردت أن أروي لها عن
المواطن في بلداننا، إلا أن صوتاً
فظاً ولهجة موظف المطار الآمرة
بترك المكان والذهاب إلى الجانب
الآخر حيث ينتظر الكثيرون رحمة
المسؤولين بالسماح لهم بمغادرة
المطار، قطعا حديثي مع نفسي.
تكوموا على المقاعد متخذين منها
أسرّة لهم، وكانت امرأة فلسطينية
تولول: "هادي كل مرة هيك يعملوا
فينا، سلمتهم نص الشنتاية وبعدهم
مش راضين، شو بدي أساوي بعد؟
لو لم يكن لائقاً لقلت لها بصوت
عالٍ: " هذا جزء من تحرير فلسطين
الذي تتاجر به الأمة العربية"
لا أعرف كيف تواردت إلى خاطري في
تلك اللحظة مقاطع من أغاني
البطولات كهذا من أغنية عراقية
غنتها إن لم تخنّي ذاكرتي " مائدة
نزهت" ـ هالعيد نعيْده ببغداد ..
وعيد اللاخ بفلسطين" . والنشيد
المصري لأم كلثوم " أصبح عندي
الآن بندقية .. إلى فلسطين خذوني
معكم ".
كنت أشعر وكأنني عائدة إلى العراق
وما ينقص المكان إلا أهزوجة "
هلهلولة للبعث الصامد
هلهولة..هي..هي".
كانت قهقهات موظفي أمن المطار بين
وقت وآخر توقظ المتعبين الذين
ربما حلموا بإطلاق سراحهم بعد
إعلان براءتهم من تهمة يجهلونها
أو هكذا يدعون، لأن الخوف يمنعهم
من أن يرفعوا أصواتهم ويعلنوا
رأيهم أمام الملأ لقول الحقيقة.
لم يكن الطقس بارداً، لكننا شعرنا
بالبرد لأننا لم ننم منذ ما يقارب
الأربع ة وعشرين ساعة. كنتُ
خَجِلة أمام ابنتي التي زجَجْتُ
بها في عالم لم تكن بحاجة إليه،
ودوامات الحزن لا تكف عن الدوران
في روحي فكنت بين الفينة والأخرى
أشد على يدها مؤكدة لها بأننا
سنغادر في الصباح المطار.. إلا
أنها وبغريزة الطفلة أدركت من
اللغط الذي بدأ يرتفع وحاجات
جسمها بأن الصباح حاضر في
المكان.. فطلبت مني الذهاب إلى
دورة المياه. مسكت بيدها وسرنا
على غير هدىً وكأننا نشق طريقاً
مظلماً... ثم من أين لنا أن نعرف
الطريق؟ بعد بضعة أمتار داهمنا
رجال الأمن زاعقين بلهجة خشنة: "
شو... وين رايحات.. إنتو
العراقيات مش هيك؟؟"
شعرت بأصابع ابنتي المرتاعة تنغرس
في كفي. حاولت توضيح الأمر لهم
دون جدوى، لأن أيديهم كانت تصدنا
إلى الخلف كما يصد الراعي خرافه
الفارّة من القطيع. سلوكهم أيقظ
فيَ الأم النمرة فرفعت صوتي في
وجوههم: " انتو متصورين إحنة نريد
نهرب؟ أولا ما نعرف الطريق،
وثانياً البنت تريد تروح
للحمام!!"
نادوا على امرأة، ـ كانت المنظفة
على ما يبدوـ لتدلنا على المرافق
غير الصحية. انتظرتنا مبتسمة،
عرفتُ مؤخراً كانت تنتظر إكرامها
ـ لا أدري لماذا ـ ثم نفّذتْ ما
أمروها به مع رجل آخر وهو أخذنا "
لهونيك ". تركتنا المرأة نتبع
خطوات الرجل إلى مكان يعجز المرء
عن تخيل أنه جزء من المطار. جلس
رجل وشرطي في نهاية الممر العريض
عند واجهة زجاجية تمتد إلى جهة
اليسار حيث توجد ردهة بلا باب.
صُفت كراسي ومصطبات عند الجدار
المقابل للنوافذ الكبيرة.. تكدست
القمامة في أكوام تأكل منها
القطط. لم نكن نعلم أن الأكوام
احتوت البشر أيضا.. لقد نهض رجل
من تحت كومة البطانية، أعقبه رجل
ثانٍ وثالث أبى النوم على الأرض
مفضلاً المصطبة. جفلت ابنتي
وبنبرة قريبة إلى البكاء سألتني
بالعربية :
"
ماما هذولة.ـ وبالمجرية ـ
hajléktalanok ـ مشردين؟ ليش
حطونة وياهم؟"
"
ما أعرف بنتي، يجوز بسبب
جوازاتهم"
إثنان من العراق وواحد من
البحرين، أمضوا أياماً في الحجز
دون مبرر، لقد سقطوا في فخ الوطن
الواحد كما يبدو. لم يعرفوا سر
حجزهم، لكنهم أدركوا أن دولاراتهم
على وشك النفاد، لأن المعلومات
والوعود تكلف مبالغ لا بأس بها.
كانت آمال الشاب الكردي الذي خطط
الذهاب إلى كردستان تذوي كشمعة
تحترق ليل نهار. كان ينتفض بين
حين وآخر معبراً عن سخطه الذي لم
يقو على كبح جماحه. اقترب منا
الرجل الآخر ناهضاً من كومة
بطانيته بصعوبة، لم نلحظ من عينيه
غير شقٍ وكأن جفنيه التصقا
ببعضهما أبداً. كان ضئيلا لأنه لم
يرغب في الأكل.. أدى التحية وسحب
كرسياً ليجلس مسنداً وجهه على
راحة كفه، اتسعت فتحة عينيه وهو
ينظر برأفة إلى وجه ابنتي
الذابل.. وفجأة أسعفته ذاكرته
فتعرف علي. كان على مستوىً عالٍ
من الثقافة.
قدم من بلد أوربي لزيارة أخته
التي ظلت تلطم صدرها من أجله، ولا
من معين، يدفع الدولارات ويأكل
الآخرون. كانت حكايته معقدة صعبة
الفهم بالنسبة له أيضاً.
أما البحريني ذو المظهرالمعافى
والذي لا تفارق الابتسامة شفتيه
بالرغم من تشابك خيوط نسيج حكايته
التي التفت عليه كنسيج العنكبوت
الذي لو أخرجوه منه معيدين به إلى
البحرين، فلن يجد مأوى آخر غير
السجن.. هذا ما فهمته من مختصر
الحكاية. كان يعد نقوده خشية
نفادها. ترك قضيته واهتم بابنتي
فراح يعلمها ويلعب معها لعبة
ترافقها كلمات سريعة، تعتمد على
خفة حركة اليد ما زالت تتذكرها
حتى هذا اليوم.
كانت معاملة رجال الأمن فظة
تشعرنا بالذل والاحتقار، شعرت به
ابنتي بالرغم من صغر سنها. خطوتُ
نحوهم ورحتُ أعبر عن تذمري بصوت
مسموع:
"
كان العراقي وجواز سفره محترمين
بكل العالم، لولا نظامنا اللي قلل
من قيمتنا ووصلنا إلى هذا المستوى
المنحط وصار بإمكان أي واحد
يهينّا بسببه... صار أكثر من
عشرين سنة طالعة من العراق ومع
ذلك لازم أدفع ضريبة نظام عادى
العالمَ كله"
باغتني رد فعل الحارس الذي اتسعت
حدقة عينيه ليقف طارحاً عليَّ
السؤال:
"
يعني إنتِ مش جاية من العراق؟"
"
لا .. من أوربا"
انقلب سلوك الرجل تماماً.. هل زال
هم صدام حسين من قلبه.. أم السبب
فرحته بالقادمين من أوربا مع
النقد الأخضر؟ عاد الرجل الآخر
فلمحته يصغي إلى وشوشة زميله.
تقدم منا وسأل إن كانت البنت
جائعة، شكرته دون طلب شيء. سار
نحو المحتجزين مدعياً اهتمامه
بمراجعة قضاياهم، وكانت الأوراق
الخضر قد استقرت في جيبه.
غادرنا والبِشر يطفح من مسامات
وجهه، ثم عاد بالوليمة فارشاً
الجرائد وواضعاً عليها صحون الحمص
بطحينة الجميلة. نادى علينا
جميعاً لنفطر، كان بمنتهى
الحميمية يحث ابنتي على الجلوس
على الأرض وتذوّق الطعام الغريب
عليها.
شاركناهم الطعام مجاملة.
وفكرتُ..إنهم يؤدون عملهم أليس
كذلك؟
غاب المحتَجزون لفترة، ربما
للاغتسال.. وبقيت مع ابنتي.
أسندتْ رأسها على صدري صامتة.
أغمضتُ عيني عائدة إلى بودابست
وصوت أحد الأصدقاء العرب يتردد في
أذني:
"
اتركي هذي الرومانسية وقدمي على
جواز سفر مجري، إحنا كنا مثلك في
البداية"
ثم صوت صديق عراقي في أمريكا:
"
عندي جواز سفر أمريكي أروح بي وين
ما أريد خاصة بالدول العربية
ينحنون قدامي، ياخذون لي تحية
ويبوسون حذائي "
والشاب العراقي الذي ادعى أنه
إسباني أمام صديقتي الإيطالية
التي فاجأته بلغتها الإسبانية.
ففر هارباً.
وحكاية بعض السيدات العربيات
المتمكنات اللاتي يذهبن قبل
ولادتهن إلى أميركا كي يلدن هناك
ويحصل أطفالهن على الجنسية
الأمريكية، ـ يعني يولد مُحترَم
ـ.
وتذكرت لقاءً تلفزيونياً مع ممثلة
مصرية في حوار مباشر مع المشاهدين
لاستقبال مكالماتهم من جميع أنحاء
العالم. لفت انتباهي فرح الممثلة
العارم حينما عرفت أن المكالمة من
أمريكا، فكادت تطير فرحاً وهي
تردد دون وعي منها: " من
أمريكا..من أمريكا.. ألو .. ألو
.. أيوة سامعينك .. مساء الخير
واللا إيه عندكم؟ صباح الخير.."
عجباً! ما الفرق بين مصري ومصري؟
لأنها كانت ترد على من هم في
أرضها بشكل رسمي: " أهلا يا فندم
متشكرة خالص" قالتها دون غبطة لأن
المغنية من حيّها، وليست من أرض
أمريكا.
أما أنا فكنت أضحك متخيلة نفسي
وأنا أنحني أمام رئيس جمهورية
المجر لتأدية القَسَم من أجل أن
أكون مواطنة صالحة وحاصلة على
الجنسية المجرية، ثم أن إتقان لغة
البلد لا تعني الكثير لهم أو لأي
بلد آخر حتى لو تكلم الأجانب
لغتهم بطريقة " نحباني للو "...
وشيريدون بعد كسبوا مواطِنة جديدة
اسمها اعتقال التي تحول اسمها إلى
إتكال وهي لم تتكل على أحد قط.
وشتان بين المعنَيَيْن.
"
كنتم خير أمة أُخرجت للناس"
لأختبر معلوماتي في قواعد اللغة
الأم! كان فعل ماضي ناقص، تدخل
على المبتدأ والخبر فترفع الأول
ويسمى اسمها وتنصب الثاني ويدعى
خبرها. التاء إذن اسمها.. يعني
أنتم اسمها وهو ضمير متصل ومرفوع
الرأس.. هذا إذا كان لكم ضمير.
أما خيرَ فهو خبرها منصوب بالفتحة
التي سننفذ عبرها إلى الخارج. آه
لحظة! يعني كنا في الماضي، وما هو
حال الحاضر إذن؟ لا شيء سنظل وما
نزال وسنصبح.. أمر عجيب.. كلها
أفعال ناقصة ونحن جميعا سنبيتُ في
خبر كان. وما بال الفعل أُخرجَ؟..
فعل ماضي مبني للمجهول والتاء أي
الأمة ضمير متصل وهو نائب فاعل
ربما.. إذن لا فعل ولا فاعل
حقيقي. لم يبق غير الناس المساكين
المجرورين بحرف الجر المبتلين
بهذه الأمة التي ستبقى في محل
مضاف إليه.. أي ليس لها محل من
الإعراب، والسلام.
بالرغم من أنني كتمت ضحكتي على
هلوستي، إلا أن ابنتي شعرت
باهتزاز كتفي وصدري فسألتني:
"
ماما .. على شنو تضحكين؟ "
"
أضحك على حظ الأمة الأغبر"
لم أستطع التوقف عن الضحك خاصة
عندما تذكرتُ إحدى الأمهات
العراقيات التي سئمت من مقطع
أغنية ترددت عشرات المرات " أمة
حرة.. أمة حرة " بعد أن نفد صبرها
لتقول:
"
كافي أمه حرة.. أمه حرة.. يعني بس
هو أمه حرة.. وأمهاتنا قحاب؟؟!! "
قارب النهار منتصفه وعاد الشباب
خائبين بعد محاولات باءت بالفشل
ولا أخفي بأنني شعرت بالخوف عندما
عرفت أن هناك احتمالا ًبحجزنا
لأيام بعد أن روى لي أحدهم عن
امرأة عراقية حُجزتْ لمدة أربعة
أيام. تكثف خوفي على ابنتي التي
وعدتْ أباها بأننا سنتصل تلفونياً
حال وصولنا..
ساعة كاملة ونحن جميعاً نضرب
أخماساً بأسداسٍ واضعين نصب
أعيننا جميع الاحتمالات السيئة.
وفجأة أسرع نحونا أحد رجال الأمن
مرتبكاً ليخبرنا بأن القضية قد
ُحلت وسنغادر المطار بعد قليل.
غادرنا مكان المشردين كما أسمته
ابنتي إلى قاعة الانتظار الحقيقية
التي تدلل على رقي البلاد، أجانب
وعرب وعمال هنود وخادمات
فليبينيات نعموا بالنوم على
الأرائك المريحة. ركض نحونا
البحريني ليزف لنا خبر إطلاق
سراحه أعقبه العراقيان وكان رجل
الأمن الحارس يدعي بأنه كان السبب
في مغادرتهم المطار.
نزلنا السلم نحو باب الخروج
مروراً بضابط الجوازات الذي سلمني
جواز سفري العراقي ليقول بصوت
سمعه الجميع:
"
تفضلي.. دكتورة .. روحي كِبي هذا
الجواز بالزبالة وطلعي جواز
أوربي"
شكرأ .. ومع نفسي " أمة عربية
واحدة ذات رسالة خالدة "
كان الإرهاق بادٍ على وجوه
مستقبلينا الذين لم يناموا ساعة
واحدة بانتظار الصباح الذي
ابتدأوه بالركض من مكان لآخر من
أجل الحصول على موافقة لي لدخول
بلد ( الوطن الواحد).
"
احمدي ربك لأنك طلعتي بعد وقت
قصير، غيرك يقضون أسابيع
بالحجز... وتعرفين بسببك أفرجوا
عن الثلاثة الباقين؟ " قال
قريبنا.
آها! إذن كانوا يكذبون علينا
حراسنا..
هكذا التقينا بعد واحد وعشرين
عاماً. لقد وهبت شقيقتي شبابها
لابنها وبنتها اللذين تركتهما
أطفالا صغارا لم يتذكروا شكل
خالتهم. منحوا ابنتي حباً مازالت
تتغذى عليه.
بدأتُ بزيارة البلد كأي سائح..
لكن الفرق بيني وبين السياح
الأجانب هو إحساس جميل تملكني
معيداً بي إلى وطني، اللغة
والأسواق وطيبة الناس، وسلوك
بعضهم الملتوي وووو.. الأسواق
الشعبية والضجيج والفوضى والأغاني
في سيارات الأجرة.. لقد سحرت هذه
الأشياء ابنتي:
"
ماما! خلي نبقى هنا ونجيب بابا
ويانة!"
ما أجمل الأطفال.. ينسون بسرعة..
لقد نسيت أو تناست الإهانات
وعذابات المطار كما يبدو.
لابد من زيارة الأماكن التاريخية
ابتداءً من قصر العظم والجامع
الأموي وانتهاءً بتدمر. غطينا
رؤوسنا بمناديل قبل دخولنا الجامع
الأموي. كان موعد الصلاة قد قرب
وتعالى صوت المؤذن، دخلنا نحن
أيضاً، جلسنا على السجاد متكئين
بظهورنا على الجدار فغمرنا شعور
بالأمان. غادرنا قاعة المصلى
داخلين مقام رأس الحسين. بوغتُ
بفقر المكان الذي اعتدنا على
غناه، رهبته، هيبته ووقاره في
كربلاء. تشبثتْ بشباك القبر
امرأتان عرفت في الفور أنهما
عراقيتان من عباءتهما والنحيب
الذي هزّ المكان، لم استطع مغالبة
دموعي.. شحبت ابنتي متسائلة:
"
ماما ليش تبكين؟ "
شعرت أنني في حال يصعب علي شرحه
لها فتداركت الوضع قائلة:
"
ما أدري تذكرت أمي ـ وكي أخرجها
من جو الحزن أكملت ضاحكة ـ دا
أبكي عالهريسة "
"
شنو يعني هريسة؟"
"بعدين .. بعدين أشرحلك"
مسكتُ بيدها حاثة إياها على
الإسراع في خطواتها لنذهب إلى
عالم مختلف في سوق الطيور. لقد
أُغرمتْ بالببغاء الذي رحب بنا
بالفرنسية، وحملت الصقر على
ذراعها.. طيور .. طيور أينما
صوبنا نظرنا. كان من الصعب
إقناعها بمغادرة السوق.
اتجهنا نحو سوق الحميدية ثم إلى
باب توما حيث يمكننا شراء اللحوم
الباردة التي اعتادت تناولها.
دخلنا إحدى المحلات الصغيرة،
وراحت تنظر إلى أصناف اللحوم
لكنها فجأة صاحت بلهفة:
"
ماما.. ماما شوفي هذا جبن مجري
مكتوب عليه "جبن دونا" وكلمة دونا
بالمجرية تعني الدانوب ".
قطعة جبن أثارت فيها الحنين
والانتماء إلى بلد أبيها الذي
وُلدتْ فيه، فماذا نقول نحن؟ ـ
فكرتُ ـ.
كان من الصعب على أقاربنا
مرافقتنا إلى مدينة تدمر. لكني
ربيت ابنتي على قاعدة وهي إن
وعدتها بشيء، لابد من تنفيذه كيلا
تعتاد على نقض الوعود وبمفهوم
الأطفال هو الكذب عليهم، ناهيك عن
خيبة الأمل. لذا ذهبنا بمفردنا،
لكن الأمر لم يتم بتلك السهولة،
لقد تركتُ جوازات سفرنا ولا نملك
هوية أخرى تثبت وجودنا فيما لو
حدث لنا مكروه، اتصلتُ بسرعة
بالبيت وجاء ابن أختي ومعه
الجوازات، ليس هذا المهم في
الحكاية، بل شيمة الكرام
أذهلتني.. لم تنطلق الحافلة
بسببنا في الوقت المحدد لها، وهذا
لا يمكن أن يحدث في بلد أوربي،
ولم يستاء أي راكب من ذلك، بل
تعاطفوا معنا.
طريق غريب لم تألفه ابنتي، لقد
تلون الطريق بين سهل وصحراء
وكثبان وصخور بنية معشقة بالأحمر
شرحت ابنتي لي كيف أصبحت بهذا
الشكل لأنها تعلمته في درس
الجغرافية وكانت سعيدة برؤيتها عن
قرب. قطعنا مسافة لا بأس بها
وبدأت الطريق تتوزع بين الشمال
والغرب وإذا بلوحة إشارة المرور "
موصل ـ بغداد " انتفض قلبي
لرؤيتها، حاولت جاهدة حبس دموعي
وأنا أهمس بشجن في أذن ابنتي:
"
شوفي .. شوفي هذا الطريق يروح
لبغداد!!"
"
إي ماما .. بس لا تبكين.. آني صرت
أفهم ليش.. ما تتذكرين شلون فرحتْ
لما شفتْ جبن مجري؟!"
لا أدري كيف علم السائق بإحساسي
وحزني الدفين حينما نزلنا من
الحافلة ليقول:
"
شو؟ بدك تروحي لبغداد، هلق رايح
للموصل... تيجي معنا؟"
"
يا ريت!! " رددتُ بصوت هادئ.
إذن نحن في مملكة "زنوبية "
برمالها الذهبية الساخنة التي
تبعث في الروح الدفء والبهجة..
غرقت المدينة بوهج الشمس شامخة
بأعمدتها ومسرحها وبواباتها ومعبد
بعل.. لم يبق لنا شيء سوى التاريخ
القديم الذي سنظل نفخر به ونلوك
بذكره للأجيال القادمة ضمن "
حضارات سادت ثم بادت " حتى نباد
نحن. هه، ولكن هل ستفخر الأجيال
القادمة بتاريخنا الحاضر؟ تظل
المسألة نسبية يحددها أصحاب
المصالح والمنتفعون منها، والعكس
صحيحاً.
لم يسعفنا الحظ وضيق الوقت لزيارة
قلعة البطل صلاح الدين الأيوبي عن
قرب.. ليته ينهض الآن من قبره
ليرى ما ألمّ بالأرض التي دافع
عنها واستردها. إذن، لا ملكات ولا
أبطال.
كنا كيتيمتين فقدتا أعز ما
تملكان، وحيدتين بلا دليل،
تتخبطان في مدينة فقدت أهلها
واحتفظت بذكرى تاريخهم. كانت
المرارة تفيض في روحي لولا بستان
النخيل الذي كانت تحلم ابنتي به،
أضفى الغبطة على قلبينا، فاحتضنتْ
جذع نخلة لأخلد المشهد في صورة.
هبط قرص الشمس لينذرنا بمرور
الوقت.. رحت أرقبه فتداخلت صورتا
مدينتين تاريخيتين ببعضهما البعض
هما: الحَضَر وتدمر. حثثنا الخطى
نحو الحافلة التي عادت بنا إلى
دمشق.
يومان ونعود إلى بودابست قضيناهما
في المراجعات الرسمية. الأول في
دائرة الأمن للحصول على الموافقة
على طلب لمغادرة البلاد. دخلتُ
تاركة ابنتي مع ابن خالتها
خارجاً.. عشرات من البشر ينتظرون.
وقفتُ عند إحدى النوافذ وإذا بشاب
ظريف أسرع نحوي مبتسماً وماداً
يده لتناول جواز السفر، وقبل أن
يفتحه باغتني بسؤاله:
"
أنتِ كردية؟ "
استغربت سؤاله الذي رددت عليه
بالنفي.
فتح الجواز ليقرأ الاسم، وإذا به
يفتح عينيه على سعتهما قائلا:
"
العمى! في واحد يسمي بنتو
اعتقال؟ـ مضيفاً ـ تعرفي ليش
سألتك إنتِ كردية؟ لأنك نسخة من
خالتي، وأنا كردي "
"
أهلاً وسهلاً " ـ رددتُ ـ
قدم جواز سفري للموظف طالباً منه
الإسراع في إجراء اللازم، ثم أشار
إلي أن أتبعه. اصطحبني إلى غرفة
أخرى مقدماً لي زميله الضابط
وواضعاً أمامي صحناً من اللوز
الملبس، لقد أحرجني بأدبه ولطفه
وكرمه... لم يمر الوقت بطيئاً بين
قضم حبات اللوز والرد على أسئلتهم
وإذا بجواز السفر بين يدي، هذا ما
أثار حسد المراجعين الذين كان في
انتظارهم يوم ثقيل وطويل. صافحته
شاكرة له جميله علي وداعية في
قلبي لخالته بطول العمر.
في اليوم التالي توجهنا نحو دائرة
أخرى للحصول على دمغة في جوازات
السفر لا يمكن مغادرة البلد من
دونها. كلت أقدامنا وملت نفوسنا
من الانتظار في بناية أشبه
بمستشفى قديم بسلالم عالية، ولا
أتذكر عدد المرات التي صعدنا
ونزلنا فيها لنلبي طلبات عديدة من
شراء الطوابع ودفع الرسوم وغيرها.
كنا نقف في ممر ضيق عند أبواب غرف
مكربة للنفس وكأنها هُجرت منذ زمن
بعيد. وبغتة خرج شرطي لينهرنا
ويعود واقفاً يحرس الباب ومرددا:
" لسة بعد ما أجا العقيد "
وأخيراً سمعنا بوصول العقيد
فالتصقنا بالجدران فاتحين الطريق
أمام حضرته. دخل الغرفة، فانزاحت
الغمامة بعض الشيء عن صدورنا،
ورحنا نتدافع على الدور حتى خرج
الشرطي لينهر قطيعنا. تأدبنا
حرصاً على كرامتنا وكيلا نسبب
إزعاجاً للعقيد الذي بقي واقفاً
خلف منضدة ليوقع على
جوازات السفر. وأخيراً دخلنا
وكبقية البشر مؤدين التحية، لم
نسمع الرد بالطبع.. وقّع واضعاً
الدمغة في جواز سفر ابنتي الذي
تناوله الضابط ليسلمه لي، وجاء
دوري.. كانت يده بحركتها العنيفة
المضطربة دليلا على انفعاله، فراح
واضعاً توقيعه ورامياً الجواز على
الأرض. كان العقيد أرفع من أن
يسلمه في يدي.. لم أحتمل ذلك
فصرخت متسائلة:
"
وليش هذا الاحتقار؟ "
سحبني قريبي من ذراعي، لكني أكملت
جملتي:
"
ويريدون واحد يحترمهم "
نزلنا السلم وكل ذرة مني ترتعد
غضباً من ذلك السلوك الفج، حاول
تهدئتي بعض الأشخاص الذين جاءوا
لنفس السبب. خرجنا من المبنى
الكابوس، وإذا بابنتي تفقد طاقتها
لتنهار جالسة على الرصيف.
كيف أشرح لها عن جذورنا التي
غُرست في مثل هذه الدول، وهي
ترانا نُهان بلا قيد أو شرط دون
ذنب اقترفناه؟ تُرى هل ستكتب
لمعلمتها عن تاريخ الماضي والحاضر
على حد سواء؟ هل ستكتب لها عن
السيدة الطيبة التي سألناها عن
اسم شارع، فدلتنا على الطريق
ودعتنا إلى بيتها لشرب القهوة؟
وضعت ابنتي رأسها على صدر خالتها
في مطار دمشق وبكت بكاءً مراً.
لقد رشفت من محبتها وكرمها ما
يكفيها دهراً من الزمن. كانت وجوه
مودعينا شاحبة خوفاً من مشكلة
جديدة تعرقل عودتنا. مر كل شيء
بسلام.. لوحنا بأيدينا
كالمنتصرين. كانت تقف أمامي في
الطابور شقراء أجنبية أمعن المفتش
النظر في وجهها ناسياً التطلع إلى
جواز سفرها وممهداً الطريق لها
دون تفتيش حقيبتها. نظر إلي
طالباً فتح حقيبتي اليدوية،
وعندما قرأ الاسم والمهنة، غض
الطرف عن قلائدي في الحقيبة
ليبتسم قائلا:
"
ناقدة سينمائية! تفضلي دكتورة..
مع السلامة "
تناولت الجواز لأقرأ اسم العقيد
المحترم إلا أن صوت ابنة أخي سونة
" سيناء " ـ التي لم يعلم أبوها
عندما وُلدتْ في عام 1973 يوم
تحرير صحراء سيناء. أنها ستكون
على نقيض الصحراء سيناء بعينيها
الخضراوين كغابتي نخيل " السياب "
وقامة شاهقة كنخلة بابلية وشعر
أشقر كسنابل حقول الفرات الأوسط.
لكنها ادخرت في اسمها البطولات ـ
تناديني بعد نفاد صبر:
"
عمة وين رحتي .. تسمعيني؟
اشقررتي؟"
"معك عزيزتي .. قررت أقدم طلب على
جواز سفر عراقي جديد "
اعتقال
الطائي
بودابست 2008. آذار ـ نيسان