لم أكن أعلم بموعد الجلسة المحدد بالضبط، لذا
تمهلت في إعداد وجبة الغذاء، إلا أن صوت زوجي وهو
يصيح مكرراً: " تعالي .. تعالي بسرعة!!" دفعني إلى
أن أركض من المطبخ لأرى ما حدث. جلس أمام شاشة
التلفاز مبحلقاً بالصورة ومشيراً إلي بيده كي أنظر
إلى المشهد.
وقفوا في قفص الاتهام، والصورة تغيب وتظهر بين
الحين والآخر. فوضى لم نعرف سببها. ظهروا بالزي
الشعبي (الدشداشة والعباءة). والغريب أن زوجي لم
يفهم من الحكاية شيئاً ومع ذلك علق قائلاً: " أين
ملابسهم الخضراء؟"
سأل القاضي أحدهم عن اسمه وهويته. عرّف المتهم
باسمه وأضاف بأنه فقد هويته لأنهم خلال دخولهم
القاعة نزعوا عنه كوفيته ( اليشماغ) وعقاله، لذا
بقي بلا هوية.
هززت رأسي ضاحكة لأقول " رحمة الله عليك يا أبي،
لكم كنت محقاً!...."
كنا صغاراً عندما انتقلت العائلة إلى البيت الجديد
في حي بابل، والذي كان يزهو شامخاً وسط بستان
النخيل. لكن الوصول إليه سبب لنا جميعا المتاعب
وخاصة في الشتاء حينما تهبّ رائحة الطين المتماوج
تحت أقدامنا من أرض الشارع. وفي ذلك اليوم الماطر
سمعنا صوت رجل ينادي طالباً النجدة. هرولنا جميعاً
نحو باب بيتنا الخارجي. وقفتْ عربة الخيول عند
الباب، وكان أبي يقف خلف سائقها" العربنچي" وقد
طوق رقبته بعقاله ليخنقه مردداً:
" كلب ابن الكلب، اتفقنا على الأجرة، شلون تقلب
بآخر لحظة!؟، آني مو خايف عالفلوس، بس أريد أفهمك
أن الرجل كلمة."
ركض أخي ليرفع يديْ أبي وينزع عقاله عن رقبة
السائق الذي كاد يموت خنقا..
دخلنا البيت مشفقين على سائق العربة المسكين الذي
عرفنا بعد ذلك أنه أقسم أن لا يدخل منطقتنا
وبالتحديد شارعنا قط حتى لو مات جوعا.
أما أمي فلم يكن غريباً عليها سلاح أبي. لقد شهدت
ذات ليلة من ليالي سني زواجهما الأولى حكاية أخرى.
كانت قلقة بشأنه ظانة بأنه لا يستطيع النوم لسبب
ما خاصة وأنه كان يجوب المنطقة بحكم عمله كمختار
للمحلة ولم يتهاون عن إعادة إحدى بنات العوائل
المحترمة مثلا إلى أهلها بعد منعها من الهروب مع
الحبيب سفراً "بالچتلة" آنذاك وهي كما أعتقد أشبه
بالقطار.
لكن الحكاية كانت مختلفة تماماً، ولم تعلم بها سوى
صباح اليوم التالي، عندما فتح أبي باب الحمام
ليُخرج منه رجلا حاول في الليل سرقة البيت إلا أن
أبي أمسك به وكالمعتاد ضربه بعقاله، وحبسه في
الحمام المعتم الخالي من النوافذ حتى الصباح ثم
أطلق سراحه بعد أن قدم له القيمر والخبز ليفطر.
وطلب اللص منه السماح حالفاً بسابع الأيمان ألا
يعيد الكرة.
لقد اتخذ أبي من عقاله سلاحاً لتأديب الآخرين..
ما زلت أتذكر صورة يده وهو يعدل عقاله بحركة رشيقة
قبل أن يضعه على رأسه، وذات يوم رحت أتفحص خيوطه
السوداء اللامعة وطريقة صفها بمهارة، ثم رفعته في
الهواء لأسدد ضربة على فخذي، ويا ليتني ما فعلتها.
لذا كنا نخشى ارتكاب ذنب أو تجنب الركض وراءه
لنطلب شيئاً منه وهو في طريقه للخروج عندما يرفع
يده نحو رأسه ربما صدفة، فنعود أدراجنا لاهثين،
خائفين.
كبرنا ولم نعد نسمع حكايات عقال أبي، ليس عدم
اهتمام، بل انشغال كل منا بهمومه واهتماماته.
في ظهيرة يوم تموزي قائظ، وقد كنت في السادسة عشر
من عمري آنذاك. وقبل أن تطعن المرأة خاصرة الضابط
بمقصها في رواية "أفول القمر" لجون شتاينبك التي
كنت أقرأها وقتذاك، فُتح الباب بقوة ليدخل أخي
التاجر يرتعد غضباً وكأنه أصيب بحالة هستيرية
ستقوده إلى الجنون مردداً:
" وين المسدس؟ راح أنتحر.. راح أنتحر "
وقفنا على أقدامنا كالجنود مرتعبين، خاصة وأننا
كنا نهابه حد الخوف، لكن أمي لا تملك شيئا سوى
كلماتها المعتادة:
" يمة.. يمة.. اللهم صلي على محمد وآل محمد.. شكو
.. شكو ..شصار؟"
أسرع أخي راكضاً نحو غرفته ضارباً السلم بأقدامه
مصدراً صوتاً كالزلزال و مخاطباً أمي: " روحي..
روحي شوفي.. انفضحنه!!!"
تجمدنا في أماكننا، لم نعرف سبب غضبه وعودته في
وقت مبكر إلى البيت، أما أمي فلم تجرؤ على اللحاق
به وبقيت جالسة أمام الباب الذي انفتح بتوجس هذه
المرة، ليدخل رجل يرتدي بنطلوناً فاتح اللون
وقميصاً أبيض بخطوط زرقاء وقبعة فاتحة اللون.
اعتدلنا في جلستنا حال دخول الرجل الذي لم نتعرّف
عليه في البداية، وبقيت أعيننا وأفواهنا مفتوحة
دون حراك حتى كاد يغمى علينا عندما صفقت أمي كفاً
بكف لتقول بعد أن رفع قبعته عن رأسه:
" يا! وآني أسأل هذا منو .. هذا منو جوني؟"
لقد استاء أبي من تعليق أمي وتشبيهها له بجوني.
هكذا بدا لها بملابسه الجديدة وبشرته الفاتحة
وعينيه الزرقاوين كزرقة فيروز خاتمها.
مشى نحو غرفته مكسوراً، مخذولا من تخلف عقلية
ابنه، وراح يتمتم:
" طاح حظكم، ما تعرفون التقدم، تبقون متخلفين"
لم يطلب الغذاء ومضى داخلاً غرفته ولم يخرج منها
إلا العصر مرتدياً زيه القديم. لم يتطلع في
وجوهنا.. ربما حياءً، أو كيلا نرى علامات فشل
ثورته المقموعة. أغلق الباب خلفه متجهاً نحو مقهى
الجندول حيث تحتضنه أشجار الصفصاف وسيداتهن أشجار
النخيل على ضفة نهر الفرات.
***
في أيلول 2007 دخلتُ المقبرة، وجدته هناك شاخصاً
أمام ناظري متلفعاً بكفنه.. وكأنه نهض ليستقبلني
بعد غيبة دامت أكثر من ربع قرن.. سألني عما أبحث،
فقلت له عن قبر فتى مازال جسده دافئاً في الكفن..
استغرب كلامي لأنه هو الآخر نهض من لحده بعد أن
ارتج قبره من ويل الفاجعة. قال اجلسي واحكي لي عن
الوطن! قلت يا أبي ضاع الوطن! قال أعلم ذلك..
وكنتُ شاهداً على بداية مسارٍ أفضى إلى الخراب
والموت. قلتُ كنتَ تعرف من هو عدوك عندما وضعتَ
القنبلة تحت قطار الإنجليز في الحرب العالمية
الثانية، وحُكم عليك بالإعدام الذي نفذتَ منه
كالشعرة من العجين. لكنك اليوم لا تعرف من العدو
الحقيقي، وتُقتل بلا ذنب ارتكبتَه. قال سمعتُ خفقة
جناح طائر قوي. قلت نعم إنه النورس الذي جئتُ أبحث
عنه. قال أي نورس هذا؟ قلتُ حفيدك يا أبي. قال ما
به؟ قلت وصوله إلى هنا هز قبرك وجعلك تنهض من لحدك
لألقاك.. رحلتَ تاركاً إياه طفلا يناغي، وجاءك
شابا.. رجلا.. أباً لم يسمع بعد كلمة بابا من
ابنته. قال ما خطبه يا ابنتي؟ قلت قتلوه. قال
لماذا وكيف؟ لا نعرف لماذا، ربما كنتَ أنتَ المذنب
في ذلك لأنك ربيتنا أن لا نسأل عن الطائفة التي
ينتمي إليها من سيصبح شريك حياتنا. هل نسيتَ بأنك
كنتَ في آخر ساعة قبل عقد قران بناتك تسأل: أي
قاضٍ أطلب، وهل الشاب سني أم شيعي؟ سيّان عندك،
المهم أن يكون شريفاً ويحافظ على ابنتك. ولنورس يا
أبي أب شيعي وأم سنية لم تشفع سنيّتها لإنقاذ
ولدها البكر، رحموه بطلقة في الرأس دون تعذيبه
وحرق ملامحه الجميلة وعينيه الخضراوين. قال من
القاتل؟ قلت لا نعرفهم يا أبي إنهم يتخفون تحت
الكوفية، تلك الكوفية التي نزعتَها ذات يوم في
السابعة والستين من عمرك وكم كنتَ محقاً بذلك،
لأنك كنت تعرف أنك لن تمتلك في النهاية معهم جميعا
سوى كفن أبيض، ولا قيمة لكل ما يتمسك به الأحياء
بادعاء أو غيره.
قال أصبحَ أباً وما اسم ابنته؟ قلت روز وعمرها ستة
أشهر.. قال ماذا ستقولون لها عندما ستسأل من كان
أباها؟ قلت سنقول لها كان طائر نورس أراد أن
يحلِّق في فضاء الحرية، فأطلقوا النار عليه ومات.
انتفض جسده في كفنه، وقفتُ لأسنده، فهوى في قبره..
رحت أصرخ .. أصرخ.. حتى أيقظني زعيق طائر اعتقدته
النورس.. لم يكن ذلك، بل كان غراباً أسود حطَّ على
الشجرة عند نافذة غرفتنا وراح ينعق لينذر بالشؤم.
اعتقال الطائي
2008.1.13 بودابست