|
فؤاد ميرزا

النهر
ابتسم الشاب, ثم
رفع حفنةَ ماء إلى فمه فابتسم النهر له .
ارتوي هذه المرة إلى حد الامتلاء ( يا له من
ماء نظيف ومدهش).لقد كان فرحاً غامراً ذلك
الذي يلم به وهو يتأمل الماء المنحسر دائماً..(
الماء ليس هو ذاته ومع ذلك فالنهر باقٍ
خالد!).
استدار حوله, الهدوء
شامل, وكان هو مع النهر. أحس بأن هذا العمق
يخطفه إلى أعمق.. حيث الصمت رهيب والوحشة
مفزعة..
ـ من أنت؟
ـ أنا ما ترى .. ماذا
يدور بخلدك؟
ـ ليس هناك شيء البتة..
لكنني أخاف النمل.
ـ أي نمل؟
ـ أسراب كثيرة ستزحف
نحوي لتنهشني بعد قليل.
ـ تعال عندي.
ـ هل ستضيفني؟ ـ
إنك ستصبح مني.
ـ إنني أحببتك منذ
زمن.
ـ الخلود أم أنا؟
ـ بل أنت.
على حين غرة جاءت
شجيرة مقطعة الأغصان والجذور بشكل يبعث على
الحزن والشفقة, وعلقت بحجر ـ من هي؟ سأل
الشاب.
ـ ضيف مثلك.
ـ وهل تستضيف أشياء
غير إنسانية أيضاً؟
كركر النهر هذه
المرة مرحاً, ثم قال:
ـ عجيب.. الأنسان هو
هو.. حتى في معرفتي!
ـ الخلود! .. لم أفهم
شيئاً!.
لم يجب النهر وغرق
ضاحكاً بين موجاته الهادئة. سمع الشاب صوت
قاطرة من بعيد أفزعه وأعاده إلى حواسه.. كان
هو والنهر وحيدين في تلك الليلة الداكنة,
لكنه امتلأ بشعور غريب أيضاً.. لقد أصبح
صديقاً للنهر.. الأمر الذي ملأه بالقوة
إلى حد كبير. ضحك بنشوة.. ثم قفز إلى الماء,
وأحس بأنه قد ارتوى ولن يعطش إلى الأبد.
بغداد 1975
مرجان
في الغرفة
المجاورة, رجل عجوز أسود, صديق لأبي. زارنا
قبل يومين.. دخل الغرفة وأغلق خلفه
الباب. تعهدت أنا بأطعامه.. رجل أسود غير
بشوش. يتناول (الصينية) مني ويضعها على الأرض.
لا يتكلم أبداً. بل يدخن غليونآ طويلآ من خشب
التوت. ينظر إلى صينية الطعام, ولا يكف عن
التدخين. دخان أسود له رائحة نفاذة قوية
كرائحة الشياط.
سألت أبي عنه..
قال: هذا صياد لؤلؤ.. تعرفت إليه في
البصرة. قال أبي: الأسود قتل واحداً منهم.
أمي لا تقترب من تلك الغرفة.. وفي السرير
ليلاً.. تتخامش مع أبي.. وتتحدث عن الرجل
الأسود.. قال أبي: لقد قتلوا امرأته.. ولقد
قتل القاتل.
أبي كان (فيليآ)
ويعرف سبع لغات.. وله أصدقاء أجانب
من مختلف الأجناس, يستوقفونه في كل مكان. أبي
كان طيبآ, ومخلصآ لأصدقائه القدامى.
كانت
النوافذ مسدلة.. والغرفة التي يجلس فيها
الرجل الأسود هي غرفة الضيوف. وكان
الأسود قد جلس على البساط متكئآ بظهره على
الأريكة الخشبية. كان يمد رجليه, فأرى بياض
باطن قدميه وباطن كفيه.. كانت له أسنان
كالعاج.. لكنه لم يكن يبتسم مطلقاً.
رأيت أسنانه ومقلتيه البيضاء مكبرة في
قدح الماء وهو يشرب. كان ينام في نفس المكان
الذي يجلس فيه, واضعآ يديه تحت رأسه, فوق
الكوفية الحمراء والعقال.
لم تكن أمي تحب
الرجل الأسود, أما أنا فأحب الدخان الذي
يجعلني أعطس.
الرجل الأسود..
صياد لؤلؤ, لكنه لم يمنحني شيئآ طيلة مدة
بقائه في البيت. أمضى الرجل الأسود تسعة
أيام في الغرفة دون أن يخرج أو يحدّث أحداً.. ثم أنصرف.. ومضى في الأزقة وتاه في
بغداد.
في الشورجة
قبل يومين رأيت عجوزاً أسودَ تفوح
منه رائحة بنّ مُحمصّ , وتبغ أسود شائط.
راقبت غليونه, وكوفيته الحمراء, تجاعيد
الظلام تحت عينيه, وشقوق جبهته وخديه.
كانت بيده دلّة وفناجين صغيرة يطقطق بها,
ويبتسم للجميع. أسنانه بيض عاجية, ويبتسم
حتى للمارة الذين لا يرغبون بقهوته.
قلت: ألست
مرجان؟
حدق فيّ مليآ..
وذابت ابتسامته رويداً رويداً, في
غليونه الطويل. احترقت وتصاعدت على شكل
دوائر سوداء.. ثم رأيت أسنانه من جديد..
ابتسامة عذبة حائرة..
وطقطق فناجينه
أمام عينيّ قائلآ : أترغب بفنجان
قهوة؟
قلت: ـ لا.
كان دخان
الغليون قد جعلني أعطس .. رفعت عينيّ
الممتلئتين بالدموع.. كان ا لعجوز الأسود
قد اختفى.. خلفني وضاع بين الجموع من جديد!
بغداد 1975
شامة خديجة
البنات يأخذنها إلى الغرفة ويغلقن خلفهن الباب, كل ذلك من
أجل أن يرين شامة خديجة. وخديجة معروفة
بشامتها, الصغار والكبار ينادونها بخديجة
أم الشامة. وهي بجديلتيها غير المضفورتين
وشعرها الأشعث تبدو كإحدى
صبيات الغجر. وهي لم تكن تمانع, بل تفرح
حينما كانوا يسألونها عن شامتها. قالت لي أختي: إنها شامة بحجم حبة الحمص
فوق عانتها مباشرة. غير أن الذي أعرفه
أنها لم تكن ترتدي لباسآ من أيّ نوع!
بعبارة أخرى أنها تملك شامة بحجم حبة
الحمص فوق عانتها مباشرة.
ثم ماذا! وما كل هذه الأهمية لشامة
خديجة؟ ولماذا تفرح خديجة لأنها تملك شامة
بحجم حبة الحمص ؟ والكل يتشوقون لرؤيتها! لم أكن أطيق
خديجة هذه. كنت أكرهها وأكره شامتها, حبة
الحمص تلك. أكره ابتسامتها حينما يقودونها إلى الغرفة ويغلقون
خلفها الباب, يرفعون ثوبها ويشيرون
بأصابعهم ويكركرون.. إنها
بحجم حبة الحمص حقآ.. وهي هناك, فوق عانة
خديجة.
كنت أدعوها بخديجة ( أم الشامة )
احتقاراً. لكن الناس جميعاً كانوا يدعونها كذلك..
لذا فهي لم تر في نعتي الذميم ذاك أي احتقار.
كنت أسررت
للأولاد بأمرها وأفشيت لهم سرها,
فشاركني الجميع
الضحك ومشاعر المقت والاستهجان, لكنهم
حينما كانوا يلمحونها تقترب منهم أو تتحدث إليهم. كانوا يظهرون احتراماً غريباً, كما
لو كانوا يخشونها أو يدخرونها لأمر ما في
نفوسهم! ولقد صرحوا لي جميعآ, واحداً بعد
الأخر. . الخونة.. إنهم يودون أيضآ رؤية شامة خديجة والتي هي بحجم حبة
الحمص! ولم اعد أطيق ذلك , فهجرتهم واحداً واحداً ماذا حل برؤوس كل أولئك
الناس؟ فحتى الكبار أخذوا ينادونها الآن
ويلامسون رأسها. يمسحون شعرها, يعدلون
ياقتها, وينفضون عن طرف ثوبها التراب,
وكأنهم يتقربون
شيئاً فشيئآ من رفع ثوبها والنظر إلى
شامتها ! لم أكن أفهم ما أهمية أن
يمتلك الإنسان شامة بحجم حبة الحمص فوق
عانته! أقسم
أن الجميع قد رأوا
شامة خديجة, الصغار والكبار, البنات
والأولاد, عداي. أما
هي فقد تعودت بعد حين على رفع ثوبها, ولم تعد
تأبه كثيراً
بهوية المتفرج. أهو صبي أم فتاة. حتى لأظنها تبدو تعيسة إذا انشغل الناس عنها
وعن شامتها. فأتخيلها واقفة أمامهم ناظرة في
عيونهم باستعطاف: أما يكفي الآن .. ألم يحن الوقت.. ألا تريدون رؤية شامتي! أنا وحدي لم أكن أفهم
ما الأهمية التي يعلقها
العالم على شامة خديجة, وكنت أحتقر ذلك, وأشمئز منه.
تزوجت خديجة, كما أني (
بلغت ) وأمسيت جاداً إلى
أبعد الحدود, مفكراً طيلة الوقت في
الثورة وتغيير العالم.. لكن خديجة كانت هناك,
وكنت معها في خلوة! لقد هجرت زوجها وعادت إلى بيت أمها تجرجر خلفها
طفلتين. ولقد جلست
تقص على أمي
التي كانت تخيط لها ثوبآ جديداً, حكاية عذابها
في عشها الزوجي. ولا أعرف كيف
اختفت أمي بعد ذلك.. كنت أفكر بها: يا لها من امرأة في محنة
ومسكينة. كانت حزينة بلا فرح في عينيها ولا
ابتسامة. ومن على الأريكة كنت ألمح
دموعها. وهنا خطرت لي ذكرى
شامتها المشهورة. وبنزق صبوي اقتربت منها
لأذكرها بشيء بهيج مفرح.. فسألتها عن شامتها.
لكنها بدل أن تأخذ ملاحظتي هزلاً, سألتني إذا
كان بودي حقآ أن
أرى شامتها! بعد ذلك اليوم.. عرفت لماذا كانت
شامة خديجة والتي
هي بحجم حبة الحمص على عانتها تماماً, بكل
تلك الأهمية.
1990امريكا
الغيمة
ضحكت الغيمة الصغيرة وقفزت بسيقانها الدخانية فوق
اجسام غيمة اصغر منها فبعثرتها الى نتف تشبه نتف الثلج والقطن . ضحكت
الغيمة بكل ما في قلبها الصبوي من فرح وقالت سأتحول الآن الى راع
بمزمار وسأسحرك فتتحولين الى شاه ثم معزة بريّة. وفعلاَ تحولت الغيمة
الى راع بمزمار يشدو لحناً شجياَ, وحولت الغيمة التي تتبعها الى شاة
ثم ايل ثم طير. وبنزق طفولي لا يحركه إلا الملل تحولت الغيمة
الصغيرة وبلحظة واحدة الى عشرات الأشكال والأشياء: فمن شجيرة الى رأس
شيخ جليل الى جمل بسنامين الى فيل بخرطوم الى بوق الى صبية فيليية
اسمها نسرين.
يحدث كل هذا على صفحة السماء, التي كانت ساطعة
الزرقة مشرقة فوق نسرين التي تعدو تلك اللحظة عابرة الزقاق وهي تكركر
هاربة من علاوي الذي كان يصغرها بعام واحد ولم يكن يجاريها الفرح أو
العدو.
بغداد 1974
أزقة الدهشة
تفحص وجهه في المرآة: نفس الوجه الصغير
الطافح بالبهجة يلوح أمامه, وشعره المهمل منذ البارحة , وتلك البقع
القاتمة السمرة لا ينفع معها الماء، وكم من مرة أقسم لأمه بذلك. قبل
أن تراه أمه غذ السير شاعراً بالسعادة. تمنى أن يوقف المارة ليثرثر
معهم, يخبرهم عن سبب سعادته. جاءت البارحة جارتهم وأهدته دمية.
تمتمت: " كم أنت فقير ايها الولد الصغير" .
خلل ظلام الليل سمع صوت امه وهي
تغني بحزن وعذوبة والنجوم تنخرط من اماكنها وتسقط خلف حجاب خفي. لم
يغمض عينيه وبقى يفكر بكلمات المرأة
وفي الصباح سأل أمه حائراً : هل نحن
فقراء. قالت: نعم. قال: من هم الفقراء؟ قالت: كل الناس. لم يفهم ذلك
تماما ولكنه شعر بفرح غامر لامتلاكه دمية جديدة.
بين الحلم اليقظة مرت سيارة مسرعة
واختفت في المنعطف.
نظر الى دميته : هذه الدمى الصغيرة
التي تعيش وتقضي نحبها, تتهشم عظامها الصغيرة من دون أن تتأوه.
لم يعد سعيدا ولا حزيناَ على الأرض
ونشج بلا دموع.
بغداد 1974
يوم طارت
الأسماك
لم يرَ أحد
من قبل صبياً بهذا الطول. نحيل دقيق مثل خيط .. وحينما يصعد الى
سطح الدار, حيث يتجمع الأطفال لصيد السمك المسحور الطائر. كان هو أطول
منا جميعا, ولذلك السبب يكون أحسننا حظاً وأكثرنا قدرة على الإمساك
بالأسماك الطائرة.. كان يجلب معه شبكة مخروطية مثبته على طرف قصبة بردي
طويلة.. يدور ويلف حول نفسه عدة دورات رافعا الشبكة عالياً فنرى
الأسماك تسقط في الشبكة: الأسماك الذهبية والفضية, الطويلة ذات
المناقير, والعريضة المفلطحة, ذات الأسنان الحادة, وتلك التي لها عيون
غاضبة. البني والشبوط والزوري, كلها تسقط أسيرة في شبكته الطائرة.
يتوقف لبرهة ينفض الشبكة بحركة متغطرسة متعالية فتمتلئ سلالنا الفارغة
بالسمك الحي الذي يبقى يلبط لساعات. يضع كفيه على خاصرتيه مقهقهاً
بصوت جهوري. يحكى بأن الصبي الطويل كان مسحوراً، تمتم ذات يوم في نهر
دجلة فجعل الأسماك تغادر الماء محلقة في سماء بغداد فوق سطوح البيوت. .
نتذكر بأن الصبي الطويل تحول ذات يوم هو نفسه الى شيء كالدخان وصار
غيمة على شكل سمكة.
بغداد 1974
استيقظ على لسعة شمس وجلبة في
الشارع وصهيل حصان. رفع رأسه عن الوسادة فرأى ثلاثة غربان عند سور
السطح قرب تمر نخلة البربن، تنفش ريشها وتنظف جلدها بمناقيرها ,
تدخل رؤوسها تحت أجنحتها ثم تتطلع الى أسفل حيث يقف، تنظر له ولا
تطير. كانت الغربان تعرف على ما يبدو عدم مقدرته على إيذائها بسبب
صغر سنه و علو سور السطح. لوحّ بيده وأخرج كل الأصوات التي تخيف
الطيور لكن الغربان بقت مشغولة بنفسها ترمقه بين حين وآخر دون كثير
اكتراث. أمسك بحجر وقذف به عبر السماء. ومن موضع الحجر بزغ شكل
طائرة حربية مربعة الذنب شقت السماء مثل مقص يعمل في نول ازرق
فشطرتها الى شطرين. ومن حافة السياج انطلق خرطوش المصفحات العسكرية
التي طوقت الحي. الخرطوش له شكل التمر ملأ بعثوقه صفحة السماء .
طارت الغربان الثلاثة فحلق خلفها وتوقف ليجمع الخرطوش الجميل
الذي له شكل التمر.
عثر عليه
أخوته صباح فجر 8 شباط 1963 وفي فراشه رسمت خريطتان واحدة من دم
حول عنقه والاخرى من البول حول ساقيه.
اعتاد
زيدان ان يبكي ثلاث مرات في اليوم، مما دعى الجيران الى الطرق على
السقف وعلى الجدران احتجاجا على الصوت النشاز. قرر زيدان والذي
خلقه الله بستة اصابع في كل يد وقلبان (في كل جهة قلب) ان يبكي
يوميا مرتان بصوت خفيض محاباة للجيران ومرة واحدة لنفسه بصوت مروع
.
تقيأت
دما وقالوا لا مفر من الموت وأن المصاب هو السل.. زارتها حكيمات
مدينة الحلة وساحراته ونصحنها بمعانقة شاب فيلي أمام المارة بلا
خجل. حينما دخلت بغداد وقصدت سوق الصدرية ، احتارت سعدية
المحمولة بين الأيدي من تقبل، فكل من يمر بها له وجه قمر.. تقدمت
من فتى وسيم يدعى اسكندر وقبلته من فمه قبلة طويلة. يحكى أن سعدية
عاشت مائة عام أما الفتى اسكندر فلم يذكر له التاريخ خبر.
بغداد 1974
اسطة بدري
وقفت بدرية
أمام المرآة وبمقص بارد كبير أخذت تقص شعرها الأسود الطويل خصلة إثر
خصلة حتى اخذ وجهها الفتي يشبه وجه غلام صغير. انتزعت عقدها الذهبي من
عنقها كما انتزعت قرطيها وخاتم له شذرة من العقيق كان يزين أصبع أمها
المرحومة، و ارتدت فوق كُلّ ذلك ملابس الذكور.
برعت الشابة
اليتيمة التي أخذت تلبس الآن دشداشة والدها المرحوم وتطوق رأسها بكوفية
بتسلق النخيل السامق الصعب، وشوهدت تعمل فأسها في الخشب، تجمع حطب
الوقود، وتقف في طابور عمال البناء الصباحي الذي نقلها من مدينة الى
مدينة حتى استقرت في بغداد.
أصبح لبدرية
التي تحول إسمها الى أسطة بدري ، شهرة وباع في بناء البيوت الحديثة
المبنية من الطابوق المفخور كما ذاع صيته بالنكتة اللاذعة وفاحش الكلام
حتى بوجود
ابنته الشابة بدرية والتي كانت ترافقه كظله الى مقهى بوابة الكيلاني حيث اعتاد
الجلوس كل مساء. وحينما يُسأل اسطة بدري عن سبب عزوفه عن الزواج وخاصة أن كثير من
عانسات الحي يتمنين الاقتران به. يشير الى ابنته الجالسة قبالته على تخت المقهى
( بدرية هي من ثالث وآخر زوجاتي.. زوجتي العاهرة كانت تستدرج
وتغوي كل عمالي الفتيان الذين اخترتهم لقوتهم و إخلاصهم.... ولذلك طلقتها و أقسمت
أن لا اتزوج مرة رابعة) يقهقه بخشونة وتقهقه ابنته معه بنفس طريقته وهي تطلق
سحابات من دخان النركيلة في وجوه المتعجبين.
بغداد 1975
القلب المسحور
كانت في السابعة عشرة. تواعدت معه قرب شاطئ دجلة,
وضمته اليها بقوة. قبلته من شفتيه ثم غرست سكينا حادا في صدره وانتزعت
قلبه ورمته الى السمك، فنهشته عشرات السمكات النهمات. ثم غرست السكين
في صدرها وانتزعت قلبها ورمته الى الماء فأكلته زورية صغيرة عابرة.
***
تعشي عيني الصبي شمس قوية، و يتطاير على وجهه
رذاذ بارد من دجلة. وقف ملتصقاً بالسور الحجري المثلم مباشرة فوق
مجموعة من الفتية الفيلية يصيدون السمك بخيوط مربوطة مباشرة الى
اصابعهم. كان يبدو أنهم تسابقوا على عبور النهر سباحة غير انهم تعبوا
وعزموا على صيد الشبوط وشيه وأكله كعادتهم دون مغادرة الشاطئ... وعن
الصيد وعن قدراتهم في السباحة كانوا يثرثرون ويتشاكسون ويخوضون في
الماء حتى سراويلهم مخلصين السنانير حينما تعلق بالطين. وعلى طول
الشاطي من جهة الرصافة كانت ترى تجمعات صغيرة مشابهة تفعل نفس الشيئ:
أشخاص يصيدون أو يسبحون أو يجمعون اخشاباً واوراقاً لغرض ايقاد نار..
وفجأة علقت سمكة بخيط صياد شاب غاية في الوسامة. فسحبها ليكتشف انها
كانت مجرد (زورية) صغيرة فقطب وجهه باستياء. خلص خيشومها من السنارة
وأمسكها من ذيلها مزمعاً اعادتها للنهر. نظر الصياد الى أعلى فلمح
الصبي الصغير الملتصق بالسور يتطلع اليه بإنبهار. هتف بحنجرة قوية:
تريدها. فأومأ الصغير بالأيجاب. رماها الشاب له بقوة من خلف كتفه. سقطت
السمكة قربه وأخذت تتقلب على التراب. انحنى الصغير فوقها وأمسكها من
ذيلها بحذر. رفع السمكة محدقا عبر حدقتي عينيها كمن ينظر عبر فتحة
صندوق مظلم. من داخل السمكة سمع صوت فتاة تهتف: أحبك. كم أحبك.
غسلتها أمه تحت الحنفية, فترطب جسم السمكة الذي
كان متصلباً, قالت: انها صغيرة جداً ولا تنفع لشيء. خذها الى أم كوثر
فأنهم يقلون السمك اليوم للغداء, لعلها تقليها لك.
هرول خارجا من الباب ممسكاً بالسمكة من ذيلها بين
سبابته وابهامه مبعداً إياها عن وجهه كما لو كانت على قيد الحياة. وبين
فترة وأخرى يسمع صوت فتاة تقول: كم أحبك..كم أحبك.
دفع الباب المردود دون أن يطرقه.
ثلاث سمكات تفوح منها رائحة الشياط تقلب في مقلاة
مليئة بالدهن. عند الزاوية كانت هناك فتاة حمراء الوجه تجلس على مندر،
تحوك ليفة من نسيج خشن ذهبي امامها, وفتاة ثانية تشبه الأولى تقلي
السمكات الثلاث في مقلاة مسّودة القاع تتهدل فوق جبهتها خصلة شقراء.
قالت الفتاة الحمراء المنمشة التي تقلي السمكات : امّنا خرجت في طلب
ملح من الجيران.. تعال هنا اجلس قربي وارني ما معك.
رفع الصبي الزورية عاليا ليقربها من عيني الفتاة
المشغولة بالقلي. ضحكت الفتاة التي تحوك الليفة في الزاويه وانتبه
الطفل الى ربلتي قدميها البيضاوين وساقيها المكشوفين حتى الركبة: ـ
أنها صغيرة جدا ولا تصلح لشيء. هل صدتها بنفسك؟. حرك الصغير رأسه علامة
النفي ثم جلس على المندر قرب صينية فيها خبز ساخن وبصل أحمر مقشر
وملح ناعم، فاحس بحرارة النار الحمراء اللاهبة تحت المقلاة كما احس
برطوبة طابوق الحوش الذي كان قد غسل أو رش ومازال رطبا وباردا.. نزلت
الفتاة الثالثة وكانت أصغرهن وأجملهن من مسّور شناشيل الطابق العلوي
وأخذت تضحك بدورها على صغر حجم السمكة .. أذهل جمال الفتاة
الصغيرة الصبي. قال: سمعت السمكة تبكي وتقول: أحبك.. أحبك.
ضحكت الفتيات الثلاث دفعة واحدة.
قالت الفتاة التي تحوك الليفة: لابد انها سمكة
مسحورة. والفتاة التي تقلي السمك: أو انها جنيّة, وأصغر الفتيات: بل
أنها عاشقة أو أكلت قلب عاشقة. لماذا لا تتركها لي, وسأعطيك سمكتي
بدلها.
وافق الصبي على المقايضة. وضعت له الفتاة الصغيرة
سمكتها وسط رغيف الخبز ثم قالت: ـ أنت لا زلت صغيرا على الحب.
ضحكت الفتيات الثلاث مرة ثانية, وكانت رائحة شياط
السمك تعبق قوية في الهواء.
***
من رأى الفتاة الصغيرة تلقي بنفسها من شرفة
الشناشيل, شبهها بطائر السنونو المهاجر. فردت عباءتها السوداء وطارت
فوق البيوت دائرة عدة دورات قبل أن تسقط أمامه وتتحطم كقطعة من الخزف..
أنحنى فوقها وأخذ يتأمل وجهها االجميل الفتي بينما كانت أصابعها تلامس
كفه: قلت لصديقاتي لو أعرف بأني سأسقط بين ذراعيه لألقيت بنفسي من
النافذة. سخرن مني. ولكني كنت جادة. اليوم تحققت أمنيتي. ضمني الى
صدرك.
ضمها الى صدره وسمعها تلفظ انفاسها الساخنة قرب
أذنه: آه من حبك..آه من حبك.
1974
--------------------------
* زورية جمعها زوري: كلمة عامية عراقية تطلق على سمك صغير الحجم يكثر
في مياه الرافدين.
* شبوط: نوع من السمك العراقي
* مندر: وسادة مسطحة تستخدم للجلوس بدل الاتكاء.
الفيلية: من الشعوب العراقية العريقة يعتقد انهم احفاد الشعب السومري
بسبب قربهم من المدن السومرية ولغتهم الحبلى بالعبارات السومرية.
المراهقة والساحر
أخذتها أختها الكبيرة الى مدينة الألعاب بعد أن بدت متوعكة و متألمة
على غير عادتها
مما أقلق أمها وأختها عليها كثيراً. مضت ساعتان
دون أن تثير فيها العروض و الألعاب وبهجة الناس أي حماسة. وأخيراً
تعبتا وجلستا أمام عرض سحري لممثل شاب نحيف القامة له خصر كخصر
الدبور. و كان يحرك عصاه السحرية وأصابعه الطويلة بحركات رشيقة جداً
و يرمي بعباءته المفضضة خلف ظهره و يخرج من قبعته حمام ومناديل ملونة
وأرانب.
بدل متابعة العرض شغلت الفتاة الصغيرة نفسها
بتأمل لوحات الإعلانات الكبيرة على الأسيجة الجانبية: (( تحفزت الرؤوس
العديدة حول حلقة السيرك, وكأنها على وشك الافلات من أماكنها والطيران
مع حبال الأرجوحة المتدلية من سقف الخيمة. وكانت الفتاة في الصورة قد
ألقت بجسمها خارج الارجوحة, بحركة رشيقة, طائرة في الفضاء, وقد وقف
رجل نافر العضلات في الأرجوحة المقابلة, متأهباً لتلقف الفتاة)). نظرت
الفتاة الى صورة أخرى: (( سقطت امرأة بيضاء شبه عارية من مكان عال,
وكانت بسقوطها الشديد البطيء وسكونها المستسلم في عتمة الفراغ, تبدو
وكأنها تحلم بأكف قوية غزيرة الشعر ستمتد وتنتشلها من أسفل)).هتف
الساحر بصوت شبه ممغنط وهو يهبط من خشبة المسرح ويسير بين المتفرجين
مقلداً حركات نمر متأهب للقفز على فريسة ( أقرأ الأفكار.. وأعرف
الأسرار) رددها عدة مرات ثم أشار بعصاه الى رجل أصلع قاتم السمرة يجلس
بين طفلين ( جاسم.. في جيبك عشرة دنانير وعشرون فلساً, ورسالة مطوية من
صديق اسمه عماد, وتفكر برحلة صباح الغد الى البصرة). تلعثم الرجل بذهول
(صحيح..صحيح كيف عرفت ذلك) تعالى التصفيق وهتاف الجميع محيين الساحر.
خطى الساحر خطوتين متربصتين بنفس الطريقة النمرية وقبل أن يختار هو
نفسه تبرعت امرأة عجوز موشومة الوجه فمها خال من الأسنان تقريبا رافعة
اصبعها. فالتف الساحر بعباءته بحركة سريعة ووجه عصاه ناحيتها ( غزالة,
أم سعدون.. أنت تفكرين بابنك الجندي سعدون. في جيبك خمسة وعشرون فلساً
ثمن بطاقة العودة بالباص, وخزامة ذهبية مكسورة في ورقة مطوية) ابتسمت
المرأة و أغلقت عينيها الصغيرتين هازة رأسها بالإيجاب فقهقه الناس
واختلطت كلمات استحسانهم بالتصفيق والصياح.
الآن..أحست الفتاة الصغيرة انها أمست في منطقة
الخطر, فلقد اقترب الساحر كثيراً وأصبح على مبعدة خطوتين من مقعدها
فضغطت على ذراع أختها طالبة منها مغادرة المكان على عجل. طاوعتها أختها
الكبيرة وسارتا صامتتين مخلفتين الساحر والضوضاءوراءهما متجهتين نحو
البوابة الخارجية.
دار قطار صغير حول الزاوية و فاجأهما بصيحة قصيرة
عالية اختلطت بصرخات الصغار الذين أخرجوا رؤوسهم من النوافذ. كان
القطار يشبه أحد الزواحف الطويلة, من وجهه أطلت ابتسامة بهيجة وراحت
كرات بطنه المكشوفة ترتفع وتنخفض بحركة متموجة.. في البدء لم تكن
الفتاة الصغيرة قد تنبهت لوجود سكة القطار حول الحديقة, فأخذت ترقب
عجلاته التي تظهر بين فترة أخرى بين الحاجزين المقابلين لها. إلتوت
مؤخرة الحيوان نصف التواءة.. رفعت الفتاة رأسها لتودعه, فلمحت أحد
الأطفال في العربة الأخيرة لوى عنقه الى الوراء في محاولة لتثبيت بصره
عليها وقبل أن تختفي مؤخرة القطار وهو ينحرف الى جهة محجوبة, كان
الصغير قد قذف لها بقبلة في الهواء, ولم يسعها الا أن تبتسم له ..
لكنها أحست فجأة بالدم يصعد الى رأسها من الخجل فتمتمت بصوت خافت دون
أن تسمعها أختها: ( للساحر بالتأكيد.. أقصد ذلك الشاب..وسامة شيطانية).
***
صعدت الفتاة الصغيرة درجات السلم حتى توسطت
عتمته, اتكأت بكتفيها على الجدار. فكرت بكذبتها تلك:(اني متعبة.. أشعر
بحاجة للنوم). إن هذه الساعات التي ستقضيها في غرفتها دون أن تنام,
جعلتها تحس بماء بارد يتجمع في مفاصل قدميها, و كتفيها, وفقرات ظهرها.
فتحت باب غرفتها, و امتدت يدها ببطء الى مفتاح الضوء, بينما راحت
عيناها الخائفتان, تتسللان داخل أحشاء الظلام, وكأنها ستفاجأ بمسخ بشع
يقفز عليها لحظة إنارتها الغرفة. اندفع الضوء من المصباح بسرعة هائلة
لينسكب فوق أثاث الغرفة وحاجياتها, وتساءلت بخوف, إذا كانت هذه الغرفة
هي غرفتها حقاً: هذه الألوان السحرية المتوثبة, والتي تشبه ألوان
الجلود البشرية. إن غرفتها مملوءة بمئات الناس, يختبئون تحت السرير,
وخلف الدولاب والستائر, وداخل الجدران, يتحدثون ويضحكون بأصوات خافتة,
وان أثاث
الغرفة قد صنع من لحوم أكفهم الحساسة المتهيجة.
ستلامسها لمسات شيقة, وهي تمر, أو تستلقي فوق السرير, وستمسح لها جسدها
البارد..
تقدمت نحو الدولاب, فالتهبت صورتها في المرآة.
خلعت ثيابها, كانت نظراتها تتسلل الى تفاحتيها المثمرتين بزهرتي
(الجهنمي). خاضت في دقائق ضوء الغرفة التي تطايرت من مكان تحرك قدميها
على شكل فقاعات ونجوم ماسية كثيرة.. استلقت فوق فراشها, سحبت الشرشف
على جسدها, وواجهت الحائط. .كانت بين الحلم واليقظة وهؤلاء الناس الذين
يتحدثون في غرفتها يمدون أيديهم بشوق ويغرزون في جسدها من خلف الغطاء
آلاف الابر الدقيقة الباردة. ( نساء عاريات يشبهن نساء لوحات الإعلانات
في مدينة الألعاب, يسقطن على الأرض الخالية من الأرض المنقذة.. يسقطن
على الأرض ويمتن.. رجال بأذرع قوية مفتولة العضلات، كثيفو الشعر,
تجمعوا داخل حلقة السيرك دون حراك. . حبال.. شبكات قفز.. كرات.. خيول..
فيلة.. أكشاك مرطبات.. مهرجون..حركات..مئات الحركات السخيفة المنفرة.
هتفت: ـ (لا.. لا أريد الذهاب الى الساحـ..). عبر ثقوب الحائط الصغيرة
وفتحاته الخفية, كان ساحر السيرك يتسرب كالدخان, ينتصب واقفاً وسط
غرفتها المغلقة.. شاب رشيق تقدم منها وبصوت شيق معبّر خيل إليها أنها
تعرفه، ناداها:(سميرة.. سأقرأ أفكارك, لكنني لن أفشي بسرك أبدا) . لم
تعد تحس بجسدها, هبت نسمة باردة من النافذة, فطارت الستائر الحمراء في
أرجاء الغرفة.. كان أهلها جميعا يقفون خلف النوافذ و يحدجونها بعيون
جاحظة. تقدم منها الساحر وجلس قربها على السرير.. اقتربت منه, مسّت
أصابعه جسدها. رددت:( لا.. أرجوك لا تفعل ذلك). سقط رأسها إلى الخلف
وامتلأت عيناها بالدموع.
وداع 1
ليلى.. هتف
بإسمها ثم طبع على شامة شفتها العليا قبلة حيية.
اعترفت لها
أمها على فراش الموت بأن الاسم (ليلى) هو ليس اسمها بل اسم أختها التي
تشبهها تماما والتي ولدت مشوهة بعاهة : شفتها العليا مكان شامتها هذه،
كانت مخرومة وفمها ينزف من شق في لثتها. القابلة المأذونة إقترحت قتل
الوليدة لأنها كما قالت: لو خلقت ذكراً لاختلف الأمر ولكنها انثى وبسبب
العاهة ستعيش حياة مليئة بالآلام والقهر، ولن يتزوجها أحد. وهكذا تم
التخلص من الرضيعة بسقيها الزرنيخ قبل حليب الرضاعة. وفي العام الذي
أعقب موت أختها الرضيعة ولدت هي و حصلت على شهادة ميلادها و اسمها.
أما أمها فالموت الذي تمنته طويلاً جاء متأخراَ ليرحمها من جحيم تأنيب
الضمير .
قبلها من
شامة شفتها االعليا بجرأة هذه المرة.. هبت نسمة باردة و امتزجت رائحة
الأشجار برائحة عفونة كرائحة القبور فهتفت له: هنالك شيء أكثر أهمية
من المباهج . ثم ودعته.
بغداد 1975
وداع 2
داعبت الفتاة
قطة فاحمة الفرو.
على نحو ما
بدا لها ذلك حلماً غريباً، وانها تحولت الى قطة فاحمة الفرو مطمإنة
الى دفء حجر فتاة، والأنامل التي تلامس فروتها برقة تعود لشخص آخر لا
تعرفه.
ناولها الشاب
الذي وقف قربها واضعا قدمه اليسرى على المصطبة الخشبية حيث تجلس،
سجارة، راسماً فوق محياه إبتسامة معلقآ على الطقس وعلى جمال وجهها
ونظارتها. أخذت منه السجارة بأصابع متردده محاولة بجهد منع إفشاء
عواطفها المضطرمة نحوه. وحينما ملأت صدرها بالدخان، زادها إحساسها
بالرغبة بحضور جسدها، فأحست بألم حاد بسبب الحزام الذي ضاق على
بطنها. كانت بطنها قد انتفخت بسرعة. ويا للغرابة، ساور القطة التي كانت
في حجرها نفس شعور الفتاة وامتلأ وجودها بنشوة قديمة متوهجة ودافئة.
قفزت القطة من حجر الفتاة واستقامت على شكل ظل قاتم ارتسم على الجدار
القريب. إتحد الظل بقامة الفتاة التي وقفت بدورها وغادرت المكان مودعة
الشاب، من دون أن تلتفت خلفها أو تنبس بكلمة أخرى.
بغداد 1975
الطلسم
على بوابة الخان: مسامير ثقيلة صدئة,
تكّون فيما بينها حلقات ومثلثات, تحتل القسم الوسطي والسفلي من
البوابة. والمطرقة الحديدية ( رأس الأسد المتوثب) كانت معطلة عن العمل.
ثمة جملة بسيطة كانت قد خطت بيد واهنة وبالدهان الأخضر, تآكل بفعل
الشمس. كان الخبير الأجنبي والمختص بالانتيكات الشرقية, قد أبدى
إعجابه, وكانت عيناه وهما تتفحصان البوابة, تمّران بالجملة المكتوبة في
الأعلى وتتخطيانها, فأن ما يهمه هو عمر هذا الخشب وهذه الصناعة, وكل
تلك الشقوق التي يموت فيها ظلام بغدادي قديم.
داخل الخان, ثمة بضائع من كل صنف:
أطوال أقمشة, براميل فيها مواد كيمياوية, عطور, أقداح وأوانٍ خزفية,
لعب أطفال..الخ. كانت محفوظة في صناديق مكدسة على الأرض ومهملة, لأن
العمل قد توقف, والرجل الذي نقل كل هذه الأشياء, موجود في إحدى غرف
الخان لا يقوى على الحركة. خمسون عاما والرجل هنا. جاء منذ كان صبياً
مع عائلته الفارسية إلى الكاظمية من أجل ( الزيارة) .
وفي زحام ( الزيارة) , الآف الرؤوس,
آلاف البشر المحتشدين يتدافعون, يشدونه ويجرفونه بينهم ويملأون رأسه
بكلام وصياح مدوخ. لقد فقد عائلته, غير أنه لم يذرف دمعة واحدة من أجل
ذلك. جاء بالضبط في الوقت الذي جاءت فيه البوابة. كان قد عمل سقّاء
للماء في الكاظمية, غير أنه قرر في النهاية أن ينتقل إلى ( الشورجة) ,
حيث أمضى حياته هنا في زقاق الخانات بهدوء.
في أوقات الظهيرة, كان هذا الرجل,
والذي تغطي وجهه لحية كثة عريضة, يجلس بجثته الضخمة قريباً من بوابة
الخان, يلامس أكتاف الأطفال ورؤوسهم, يدفع بحبات الهيل إلى جيوبهم,
ويرسلهم حاثا إياهم على أن يدخلوا البيوت خوفاً عليهم حتى من أشعة
الشمس! وفي المساء, يطوف في الزقاق, يسأل الناس إذا كانوا في حاجة
لخدمة يقضيها لهم.
هذا الحمّال الذي لم يكن له أحد, ويربح
أرباحاً جيدة, كان يفرق نقوده بين الأطفال, كما كان يفرق أكياس الهيل
على عوائل الزقاق جميعاً, مما كان يكفيهم من هذه المادة الكمالية
تماماً. لا أحد يعرف سر ولعه بالهيل على الرغم من أن أحداً لم يشاهده
يلوك واحدة منها. إئتمنه الجميع, وزاره أولاد الحي في غرفته المنعزلة
في الخان , ولقد أطلقوا عليه لقب الأصفهانى.
في حيّ من أحياء لندن الآن , متحف
مغمور للأنتيكات الشرقية, فيه بوابة ضخمة, كتب عليها طلسم غامض, كان قد
خطّ, بيد واهنة وبدهان أخضر تآكل بفعل الشمس (مات الأصفهاني يرجى عدم
المراجعة بشأنه).
بغداد 1976
ستارة
اختفى الطفلان خلف ستارة (المجاز).
قال الأول والذي كان يتحرك بخشية تامة,
كحركات رجل:
ـ سأريك الجنيّة التى تسكن غرفة
أخي.. جنيّة زرقاء قذرة.
خاضا في
ظلال النخلة والجدران الواطئة وحاشية
السطح العريضة, حيث يقع عليها قن الدجاج.
ـ سترى
أخي وهو عار يشبه أحد الأبطال, سيقاتل
الجنية الزرقاء, قتالاً شرسآ, وسينتصر
فينسحب عنها تاركآ إياها جثة هامدة. إن
الجنيات لا يمتن بسهولة, وسترى أن الحياة
ستعود لهذه الجنية بعد قليل, فتنسل من خلل
الباب مثل الهواء. لقد رأيتهما يتقاتلان
مرتين قبل الآن. لن تستطيع أن تجابه عضلات
أخي الكاسحة. أما الآن فعلينا أن نمضي إلى
عرين الجنية. سندع نعلينا هنا ونتسلل
زاحفين كما تفعل الثعابين الشرسة. عند
الثقب, أفتح عينيك مثل فنجان وأحذر أن
يفوتك المشهد. كانت الغرفة واسعة, يصل
إليها النور من نافذة دائرية مفتوحة قرب
السقف, أما النافذتان الأخريتان فقد كانتا
مغلقتين, وبدت الغرفة لسعتها وللأثاث
القليل, عارية تمامآ. تغرق في ذلك الضوء
الأصفر الشاحب. سرير ضيق يلتصق بالجدار,
مكتبة صغيرة, منضدة, كتب مبعثرة, حذاء, جورب,
منفضة سجائر, ساعة منضدية, صورة رجل عجوز في
إطارها على الحائط. وكانت كل هذه الأشياء
قد أكتست بطبقة خفيفة من الغبار, كان ينهال
ببطء شديد ويزداد سرعة مع حركة الكتلتين
على السرير...
ـ لقد بدآ
يتقاتلان.
(
الدجاجات في السطح بلعت ألسنتها, فجحظت
عيونها وتيبست أعضاؤها ورقابها. الجدران
تحركت فيها الحفر وخربشات الحروف الدقيقة
ولطخات الأقذار وبقع الطلاء المتآكل
واستحالت إلى حشرات وحيوانات فقرية. آلاف
الحشرات الفقرية السوداء والملونة قد غطت
الجدران. الستارة الممزقة الساكنة بدت مثل
رجل عجوز إتكأ على الباب بكل جسمه خشية أن
ينفتح فجأة. ما من حركة. الناس في الأسواق
توقفوا بأوضاع مختلفة مثل تماثيل من الشمع..
الشمس, الظلال, الثعبانان الجنيان
الصغيران قرب ثقب الباب.. كان كل شيء قد
توحد واستحال إلى حاسة حجرية واحدة فائقة
القدرة.. تنصت وتترقب..)
ـ آه آآآه..آه..آآآه.
كل شيء
يتحرك داخل الغرفة بتناسق: بطن الجنية
الزرقاء, ضفيرتاها, رأس
البطل, الأذرع, الأقدام, الأكف, الأصابع,الشفاه,
حركة واحدة.
ـ أترى واضحآ؟
ـ جداً..
ـ ألا تشبه شخصآ ما؟
ـ تعني الجنية؟
ـ نعم.
ـ هذه
الجنيّة الشريرة.. أتقصد أنها تشبه أمي؟
ـ بالضبط.
ـ لا أعتقد أنها تشبه أمي فكل
شيء فيها مختلف.
ـ وأنا كنت أقول لنفسي ذلك.
...................
...................
...................
ـ وأخوك...
ـ ما به؟
ـ لا يبدو طيبآ أيضآ.
ـ أتعلم.. أعتقد أن الجنيّة قد
سحرته.. كانت المرة الأولى.. بعد أن عدت من
المدرسة, طلب مني أخي أن أذهب إلى الفراش
على غير العادة. فدخلت فراشي لكنني لم أنم.
ـ وبعد.
ـ لم أتحرك.. بقيت ساكنآ في
فراشي.. سمعت خطوات أخي وهي تقترب من باب
غرفتي وأحسست به وهو يُدخل رأسه كي يتأكد
من نومي, ثم يغلق عليّ الباب من الخارج.. كنت
أرى ذلك بشكل واضح على الرغم من أنني أطبقت
جفنيّ وكتمت
أنفاسي.. أحسست حينها بأن روحآ شريرة قد
دخلت البيت.. في المرة الثانية وجدت باب
غرفة أخي مغلقآ, وحينما وضعت عيني على هذا
الثقب, اكتشفت الجنيّة الزرقاء..لقد فكرت
أنها ربما تشبه
أمك.. كرهت أمك.. هل تصدق ذلك.. أنت صديقي..
كرهتك أنت نفسك.
ـ هه!!
ـ غير
أنني قلت إنها لا يمكن ان تكون سوى الجنيّة..
ماذا يفعلان الآن؟
ـ إنه يعضها.
ـ دعني
ارى..
ـ أنتبه
لهذا الصوت.
ـ نعم.
ـ آآه آه
آه آه آآه.
تبعثرت
حشية الفراش وطارت قطع الأثاث الصغيرة في
فضاء الغرفة: صور الأب الميت, دفاتر جامعية,
المنضدة, الساعة المتوقفة عن العمل, قطع
النقود المعدنية, زجاجة الخمر, حبوب
التنويم, أعقاب السجائر ورمادها.
ـ ماذا ترى؟
ـ ما زال يعضها!!
ـ لم أكمل قصتي..وقلت لنفسي
لماذا لا يأتي صديقي بنفسه ويتعرف على
الجنيّة الزرقاء.
ـ ألا زلت تشك بأنها امي.
ـ... بقي شيء واحد, حينما نمت
في فراشي تلك الليلة, يوم رأيتهما لأول مرة,
أخذ المشهد يمر أمام عينيّ كما يحدث الآن,
حينها أحسست بشيء ما, شيء رطب في سروالي.
ـ حدث
مرة لي ذلك أيضآ.
انفجرت
الحاجيات وأشياء الغرفة
الصغيرة في الفضاء, علت ذراع الجنيّة
الزرقاء وانفتح
فمها, لقد خارت قواها أخيراً.
ـ ماذا يفعلان الآن؟
ـ لقد
سكنا ميتين!!
ـ
تعال للننسحب..انسحب بهدوء.. من هنا.. من هنا..تحركت
الحياة من جديد, علت قأقأة الدجاجات في
السطح, تحرك الهواء, تحركت سعفات النخلة
وعادت الحيوانات السوداء والملونة إلى
أشكالها السابقة, واختبأت في هيئتها
الكاذبة تلك على شكل بقع وخرابيش
على الجدران. وابتعدت الستارة عن الباب
لتخبئ ( الصبيين ) خلفها من جديد!
بغداد 1976
** اللوحة بعنوان
(بغداد) للفنان منير العبيدي. |