|
فؤاد ميرزا
النبوءة
نجوم
الصباح الذاوية تنطفئ واحدة اثر
اخرى, وينكشف بالضوء المحمر شاطئ الطين وبيوت
الشناشيل المنكفئة الى الضفة , وابعد
قليل . . الأزقة المتشعبة, الحواجز
والسطوح التي التمعت فيها اسلاك الغسيل
واندلعت من بعضها السنة اللهيب.
كان
الجريح الملقى الى الضفة في غيبوبة
وقد انغرست رأسه وذراعاه في الطين,
اما جذعه السفلي فقد
غمرته المياه , واخذ
الدم ينزف من جروحه العميقة , من ذراعيه
وعنقه وظهره بشدة. وكان يهتز ويكاد
ينفلت من مكانه, يطوف وينسحب الى النهر,
الذي بدا طينيا تلك اللحظة. واخذت
الأمواج التي تضرب الجرف, تلقي باحشائها
الطافية.. مئات من ا لأشياء المحمولة
الخفيفة, تصطدم بجسمه, وتبتعد مكونة نصف
حلقة من حوله باتساع ذراعيه.
كانت
حشوة النهر ذات
اشكال داكنة وبراقة, اعشاب وقطع اخشاب
سمراء, حجارة واصداف وحصى, مخلفات معدنية
وحيوانية وكسار صخور وخرق وحطام جذور.
بذور او رموز انبعث فيها النبض الحيّ وهي
تنساب من طرف الموجة التي ابتعدت مبتلعة
معها طبقة جديدة من الرمال.
يفلت
الرأس من الطين, ويختلج الجسد اختلاجات
سريعة, ثم يفتح الجريح عينيه, وبوهن, بوهن
شديد, يتعرف على موضعه,
وينصت لأقدام المطاردين المتنقلين
في الأزقة القريبة.
كانت
المدينة سوداء قاتمة تنيرها السنة
النيران ويتوجها عش كبير من الدخان .
لم
يكن قادرا على مواصلة الهرب , ورغبة
عظيمة للاستسلام او النوم كانت تملأ
جسده بخدر مضن
وعينيه بدموع ليس فيهما ايما شفقة على
النفس . وتتعثر
انظاره الهائمة بحدود المياه, الظلمة,
واجهات بيوت الشناشيل,
القبب, ثم الجرف.. هذا المكان الأليف,
ويلتقي بمقذوفات النهر المحيرة امامه .. ذلك القوس العجيب
من الأشياء , كما لو نشرتها كف عراف للتو..
حاضرة, ثقيلة, مقلقة, تمتلئ بالايماء:
علامات وطلاسم وانعكاسات.. وجوه بغدادية
قديمة وجديدة .. وجوه لسلاطين ولصوص, وصور
لحرائق ونكسات وفيضانات وكوارث واوبئة,
مخطوطة اشكالها
وتواريخها على الحصى وظهور وبشرة
الأصداف والجذوروالحجارة .. ارواح هلامية,
واسرار واحلام ودموع.. كسار سيوف, ونتاف
كتب وفُتات عظام. التاريخ المأساوي
للمدينة,ماضيها المروع, احتفظ النهر بها
حتى الآن.
(
القى المدافعون عن المدينة بدروعهم
وخوذهم ورماحهم وسيوفهم والتجأوا الى
الظلال والجدران, بعد ان استبد بهم العطش
واحرقت شمس تموز اجسامهم تحت معدات
الحديد . اما تيمورلنك المتوجه نحو
المدينة فقد امر جيشه المؤلف من عشرة
الاف مقاتل, ان يرفع امامه رأسا مقطوعة من
روؤس البغدادين كي ينجوا بجلده, ولقد
بنيت من تلك الروؤس ثلاث ابراج عالية
آمام مداخل المدينة
علامة للنصر والظفر).
حوّل
الجريح عينيه النصف مغمضتين النصف
ميتتين باعياء شديد الى مجموعة اخرى من
الأصداف والحجرات
في محاولة للتخلص من طوفان المشاهد التي
كانت ترهقه بشدة.
(
اسقط الطاعون في يوم واحد سبعة الاف,
واخذت الوفيات تزداد حتى تقلص عدد سكان
المدينة الىالنصف ,
وطاف الأحياء والأموات حينما فاض النهر.
اختلطت الحيوانات والأثاث بالمطعونين
والأصحاء. مات الدفانون والحرس
والمؤذنون والحطابون والباعة والبلامون
ومات الرضيع جوعا بعد ان قضى
الوباءعلى الأمهات والأباء. وخلت
الطرقات من المارة, وانقطع الناس عن
زيارة اهاليهم واقاربهم. غير ان الجرذان,
كانت تقفز من سطح الى سطح ومن دار الى دار,
ناقلة الوباء الى الجميع).
كانت
ا لسنة اللهيب في المدينة تتصاعد..تسمع اصوات
انفجارات هائلة ورشقات رصاص. صافرات حرس
ليلي, تجمعات جنود وقطعات
عسكرية كلها كانت تقترب من الجرف .
موجة
اثر موجة
موجة
اثر موجة
(
جثث القتلى والجرحى تسري منتفخة فوق
المياه..اجزاء بشرية مقطعة أو مبتورة أو
متعفنة. بقايا اثاث مجروقة ورماد ملابس
وافرشة اشتعلت فيها النيران).
جابت
الشاطئ مجاميع كبيرة من الجنود والحرس
وفتشوا المكان بعيونهم وفوهات بنادقهم
لكنهم لم يعثروا على شئ.
كان
الجريح البغدادي قد نزف كل دمه وفقد
الأمل. تأمل المجموعة السحرية التى امامه
’ اغمض عينيه
وبكل ما تبقى فيه من قوة, رفع يده ,
وكانما بحركة تحد اراد بها ان يغير كل شئ,
عبث برموز وطلاسم النبؤة النهرية, ثم سكن
وقد تخلص من لألم.
انزلقت
الجثة بكاملها الى المياه. وهبطت الموجة
الأخيرة ’ لتغسل عن الشاطئ, تلك التجربة
القصيرة المثيرة وتغطيها بالزبد. انسحبت
الجثة مع المياه , وهبطت ببطء, ببطء شديد
مع أحشاء النهر , الأصداف والأحجار
واستقرت في اعماق النهر الذي سرعان ما
اشرقت فوقه شمس كبيرة من مكان ما.
روما 1980
مهاجر
كان ينقل حقائبه الأربع بصعوبة. سينتهي عاجلآ
بالموظف الذي سيؤشر له تذكرة السفر. كان
ينقل حقيبتين خطوة إلى الأمام, ويدفع الأخريين
بقدميه حيث كانتا ثقيلتين وكأنهما حشيتا (
بالصخر). وكان يضطر بعض الأحيان إلى رفعهما عن الأرض.
فيتفصد العرق من جبينه.. لقد حذره أصدقاؤه
من البرد والجليد وزودوه بمعاطف وبطاطين إضافية. أما
الحقيبتان الثقيلتان فقد
حشاهما بالكتب.. مكتبته الصغيرة التي
جمعها بصعوبة وأستودعها غرفة أحد الأصدقاء.. مختارات شعر
وروايات عالمية وأوراقه الكثيرة ورسائله
الخاصة.
بعد خمس دقائق سيتخلص من كل شيء,
سيدفع بالحقائب للموظف كي تنقل إلى
الطائرة ويرتاح لأكثر من عشر ساعات.. مكان
دافئ, طعام, مضيفة جميلة.. عشر ساعات من
الحياة الحقيقية. لقد
خبر تجربة السفر أيام شبابه الأول, حينما
كان يتغرب نزقاً وترفآ. غير أن
هذه المرة كانت تختلف. لم يودعه أحد. من اسطنبول إلى
أثينا,
ثم البندقية. فرنسا, روما, باليرمو, نابولي,
روما, تريست, جنيف وهاهو مهاجراً إلى
أمريكا.
ـ مهاجر؟ كشر الموظف الإيطالي.
ـ نعم.
لم يكن معه جواز سفر, بل أوراق
زودته بها الشرطة, حينما وجدته نائماً في إحدى
حدائق روما العامة يرتعش من البرد. وضع الموظف
ختمه على الأوراق,
ثم أشار إليه
أن ينقل الحقائب إلى
الميزان.
ـ أكل هذه الحقائب لك؟
ـ نعم.
ـ هل ستدفع إجرة الوزن الإضافي؟
ـ بلع ريقه ( أيّ وزن إضافي ! ). لم يخبره أحد. لماذا لم يفكر بذلك!
ـ مسموح لك أن تصطحب حقيبتين..
وسأتغاضى عن وزنهما
الإضافي ـ لا أستطيع
التخلي عن هذه الحقائب.. إنها كل أمتعتي.
صمت الموظف الإيطالي ناظراً في
عينيه وكأنه لم يفهم تمتمته الركيكة. كان
هو يفكر محمومآ.
مرت لحظات طوال.
المسافرون ينظرون إليه.
يحمر وجهه!
ثم هتف:
ـ حقيبتان فقط ولا يهم الوزن.
ـ حقيبتان فقط ولا يهم الوزن.
أجاب الموظف الإيطالي.
ارتعشت
يداه. كان عليه أن يختار. فكر بالبرد. شعر
بالصقيع يلامس عظامه, أسنانه تصطك.. نعم.
عليه أن
يختار حقيبتي الثياب والبطاطين, سحقآ
للكتب.. الكتب لا ترد عنه الصقيع والتجمد!!
في بلد غريب ومدينة قاسية كنيويورك, ثم بإمكانه لو حالفه
الحظ.. أن يجد كتباً هناك!! كان عليه أن يتخذ قرارآ
حاسمآ.. لحظة واحدة.. الطابور ينتظر خلفه..
وجه الموظف يجلده.. تقدم خطوة, رفع حقيبتين ووضعهما في الميزان.
أنتفض مؤشر الميزان بعنف.. كانت الحقيبتان
ثقيلتين وكأنهما حشيتا ( بالصخر)!!.
روما 1988
النافذة
لم يقطن أعدائي حول بيتي ولم يفكروا بالسكن
في هذه المدينة. وأنا
لا أعرف أحداً , ولا يعرفني أحد .
هناك نافذة يخرج منها
رأسان عجوزان, يراقبانني
حينما أدخل المنزل . العجوزان
يسمعان خطواتي في الصباح
الباكر فيستيقظان
ويفتحان النافذة. يتكئان
الى الحاجز وينظران مباشرة إلى أسفل .. إلى الحديقة .
ينقطع العجوزان عن الحديث حين أخرج .يتظاهران
بالنظر إلى جهة أخرى, ثم
يعودان ليواصلا الحديث بهياج حين ابتعد. العجوزان وحيدان, وهما لا يخرجان أبدا, ولا يعرضان جسديهما
لأشعة الشمس إلا في اللحظات القليلة التي
تصاحب خروجي أو دخولي,
ثم يعودان إلى الداخل. النافذة تغلق
بعد ذلك, ثم تفتح من
جديد مساءً , قبل دقائق قليلة من موعد خروجي
.
تلتصق صورتي على
الواجهات الزجاجية لمخازن
المدينة. أترك رائحة
معطفي الجلدي على أرصفة الميناء, وبين أجنحة نوارس رمادية
شرهة. أشرب فنجان
قهوة في المقهى المقابل . أجلس واضعاً يدي على المنضدة
متطلعاً إلى الفتاة ذات الشعر الأحمر التي
تتحدث في الزاوية. تتحدث الفتاة بعصبية, وتنفخ في شعرها الذي
يضايق عينيها. بين
شفتيها سيجارة تحترق, وهي تتحدث باضطراد
ولكن بشكل غير مسموع.
أعود بخطوات بطيئة
مودعاً السفن الصغيرة, وأشرعة القوارب
الملونة .
فوق ثيابي حين أعود, رائحة ماء البحر
ورائحة الصيادين والعقب
المحترق لسيجارة الفتاة .
أؤوب كعادتي مبكراً
إلى البيت فأرى العجوزين يصبان قدح ماء في سندانة فوق نبتة
غير مرئية. حينما أدخل أتوقف برهة في
الردهة المظلمة وأشعل سيجارة.
خلال النافذة العلوية
المتربة للباب, ألمح العجوزين يتشاجران
وهما يناقشان موضعي الشائك المحير.
كانت سيارة مستشفيات
بيضاء طويلة قد توقفت ليلاً وأنارت مصابيحها زجاج
نافذتي . أحد العجوزين ينقل بنقالة.
النافذة مغلقة منذ
أسبوعين, ولا أثر
لوجود العجوزين .
أخرج إلى ردهة الدار
وأتطلع إلي فوق .. إلى النافذة المغلقة. لا يعرفني في هذه
المدينة غير العجوزين.
أتنهد بعمق, وأمضي بخطوات ذات وقع باتجاه رصيف
الميناء والسفن
الراسية. أفكر بأعدائي
وأتمنى أن أرى العجوزين من جديد .
باليرمو
- 1984
عودة
مضى ينهب رصيف المحطة التي دخلها قبل
ساعتين ذهابا وإياباً وكانت باردة برودة الموتى جلس على حقيبته لكي
يستريح, أو ينفخ بين كفيه ليدفئ أصابعه.
ولكثرة مروره بالواجهات الزجاجية
المغلقة حفظ تفاصيل معروضاتها الكابية الألوان والمغطاة بالغبار والتي
أثقلته بالكآبة, وكان بعد كل عشر دورات يرفع رأسه, ويحدق في عقارب ساعة
البرج المقابل فيلفاها لا زالت متوقفة في نفس مكانها لحظة دخوله
المحطة. وربما بسبب عدم معرفته للوقت أو بسبب مكوثه الطويل وذاكرته
الحزينه بدت له معالم المحطة بكل تفاصيلها: (القاطرات الصامتة ,السكك
الموحشة, الأبنية الصفراء, الأدغال الكثة, الرصيف الساكن, غرفة الناظر
الخالية, خزان الماء, كشك الهدايا, غرفة الانتظار وباب المرافق
العامة) وكأنها قد حفرت في عقله بشكل لا يمكن التخلص منه أو تحريك
الحياة فيه أبدا.
كانت ترى من واجهة كشك الهدايا
الزجاجية المغلق, دمى صغيرة واقفة بملابس فلكلورية إيطالية تتميز
بينها واحدة لها وجه مصبوغ باللون الأسود. وتذكر أنه سلخ الأسبوعين
الماضيين وهو ينتزع الحصران الطويلة التي تظلل أرض مخيم ( خليج
الجنوب) ويؤدي أعمالا شاقة وسط تقلب الطقس وبرودته مع حفنة من الشغيلة
الأجانب من أجل تهيئة المخيم لفصل الشتاء.. كان أحد العمال الزنوج لامس
عامودا كهربائيا مبتلا بالمطر. بقى جسم الزنجي المتفحم نصف نهار وسط
بركة الماء ويده موصولة بعمود الكهرباء حتى غطت جسمه النفايات واوراق
الأشجار المتطايرة المبلولة. حينما فتشوه لم يعثروا بين أسماله
وحاجياته على أوراق أو عناوين تدلهم على اهله. وبعد حوار طويل بين مدير
المخيم وموظفي البلدية رخصوا اوراق الدفن. ولقد تم دفنه فعلا في مقبرة
صغيرة بمحاذاة جبل يطل مباشرة على البحر تحت شاهدة خشبية كتب عليها (
هنا مات زنجي غريب يوم 18/8/1984) و سمحوا للعمال بالتوقف عن العمل
نصف نهار لمرافقة الجثمان غير أن عددا منهم تلكأ ليستغل الوقت للراحة
بدل حضور المراسيم.. وعند سفح الجبل كانت الأمواج صاخبة على الرغم من
ان الطقس كان هادءاً تماما, وخيل للعمال وهم يحدقون بعيدا عبر البحر,
رؤية الشاطئ الأفريقي خلف بركان (سترونبلي). وقال أحدهم: (ستنتظره
حبيبته أو أمه على ذلك الساحل لأعوام طويلة قبل أن تيئسا من عودته).
وشوهدت الأمواج تطوق القبر وتضرب وجوه المشيعين برذاذ مالح.
موت الزنجي كان مثاراً لسخط العمال
فتململوا و توجسوا سوء الطالع أما هو فلم يصبه الاستياء بقدر ما عصر
قلبه الحزن واجتاحته رغبة عارمة للكف عن العمل والهروب الى مكان ما
اليف إلى نفسه. ولكي يحقق ذلك تعلل بفقدانه لنظاراته الطبيه لكي يعجل
بأمر تسريحه من العمل.
من خلف الأبنية المقابلة سمع صوت
عامل أجش الصوت يتحدث الى طفلة صغيرة ثم سمع الطفلة تجهش ببكاء متقطع.
بعد ذلك ظهر عمال المحطة من البيوت المحجوبة واجتازوا حاجز الأعشاب
البرية الطويلة وتوقفوا قرب الرصيف يهيئون بعض المعدات لقدوم القطار
الذي تصاعدت نفثات بعيدة من بخاره فوق صفوف الأشجار القاتمة. وأخيراً
وصل القطار ومضت نوافذه المضاءة الخالية من المسافرين تمرق حتى توقف
بعربته الأخيرة أمامه. تسربت الى اصابعه من المقاعد والقضبان قشعريرة
فسارع الى اغلاق النوافذ في الممر وداخل الكابينة. رفع حقيبته الى الرف
فوق المقعد المقابل لمقعده ثم جلس غاطسأ بعنقه بين جناحي ياقه
معطفه وهو يسمع جلبة وضوضاء عالية لسلاسل تسحب و مفاصل ترفع، وخمن
ان عمال السكك الذين كانت تصله اصواتهم بوضوح بدأوا يهمَون بربط
القاطرات أو فصل اسياخ السكك الحديدية عن بعضها البعض. سمع ضحكة قصيرة
ثم لمح وجهاً ذئبيا يمرق لصق زجاج نافذته ويرمقه بنظرة لسعته
كالسوط وتركت مذاقاً ثقيلاً مراً في فمه وروحه. حدث ذلك بسرعة خاطفة
ولم يعرف هل كان ذلك الشخص أحد العمال, وساورته الأفكار والشكوك. أرتج
جسمه بقوة بفعل ارتطام عدة عربات بعربته ثم انطلق القطار خارجاَ من
المحطة.
***
حينما فتح جفنيه المجهدين بعد أن نام
لبعض الوقت احس بقشعريرة وبرودة داخل الكابينة, خمن أن القطار توقف
وكالعادة فتح المسافرون النوافذ لإلقاء نظرة فضولية على الرصيف وعلى
المحطة مما جعل البرودة تتسرب الى داخل القطار. كما لو اصيب بالعدوى
رفع زجاج النافذه وادار رأسه في كل الاتجاهات لكنه لم ير أيّ ملمح من
الملامح المألوفة للمحطات واكتشف بأن عربته كانت منفصلة ومتوقفة
لوحدها في ذلك الخلاء. تكثفت الدهشة إلى حلم مشبع بألف سؤال: هل تعمد
عمال المحطة فك روابط العربة لكي تنفصل اثناء السير ؟ هل كان يحلم؟ هل
هو يقظ؟ أغلق النافذه وعاد الى موضعه متحسسا وجوداً بارداً كالجليد
يذوب ويرشح عبر مسامات جلده. خرج وسار بخط مستقيم فلم يعثر على إنسان
أو يرى قرية قريبة. وفجأة انزلقت أمامه حية صغيرة بخط متعرج واختفت بين
الأشواك,. مشى بخطوات حذرة بين نباتات طويلة متوغلاً كما لو إلى ما لا
نهاية. لسعته حشرات طائرة مركبة لم يرَ لأشكالها مثيلاَ من قبل. حلقت
فوقه غربان سوداء كانت خفقات أجنحتها تحرك السنابل واغصان نباتات عباد
الشمس السامقة التى ارتفعت فوق قامته.... واخيراً تندى الهواء وتحولت
الأرض هشة خضراء مغطاة بالجذور وهشيم السيقان الجافة التي كانت توحي
بموسم الحصاد.عبر قنطرة فوق جدول رقراق وناعور يجره حصان. ظهرت القرية
والجبل والحقول والقنطرة والحصان وكأنما من لا مكان. رؤية الحية
الصغيرة وعبور القنطرة فوق الماء الرقراق, ثم رؤية أهله المتجمعين بصف
واحد, كل هذا جعله يشك بأن ما يراه حقيقة تحدث في الحاضر. كان أهله قد
تجمعوا ليشيعوا ويدفعوا جثمان شخص ما ملفوف بكفن ابيض إلى حفرة معدة
مسبقاً. هل عاد في وقت غير مناسب؟ كان مسرورا لرؤية أهله الَّذينَ
فارقهم منذ عقود. كان يود أن يقترب منهم ويضمهم بشوق إلى حضنه ولكنهم
كانوا مشغولين بدفن الجثمان ولم يعيروه أي اهتمام. اقترب من الحفرة
ونظر الى وجه الميت ولشدة دهشته أنه رأى وجه الزنجي المتفحم المحروق
قد تمثلت ملامح وجهه هو بأدق التفاصيل. الآن فهم ما كان يدور حوله وما
يحدث له.. عرف بأن الجثة المحترقة في المخيم في ذلك المكان البعيد,
جنوب ايطاليا بمواجهة البحر كانت جثته وليست جثة الزنجى. أختلج للحظة
غير أن الأمان تسرب الى وجوده بسرعة. فتح عينيه ليتطلع الى وجوه أهله
فألفاها سوداء محترقة ملفوفة بالأكفان. متى حدث هذا؟ متى مات أهله دفعة
واحده. سمع ضحكة ساخرة كتلك التي سمعها داخل القطار, يتردد صداها
فتتهشم الأجسام وتتطاير الرفات والخرق وتتحول الى دوامة من غبار وسخام
تغطي الأرض على مدى البصر.
***
بعد نصف ساعة .. تحرك القطار خارجاً
من المحطة منحرفا الى جهة الشمال و أصبح بإمكانه الآن رؤية الرصيف
وغرفة الناظر والبرج والساعة العاطلة وقامات العمال الخمسة بملابسهم
البرتقالية السميكة وهي تبتعد وتصغر لتتلاشى خلف اشرطة الأعشاب البرية
ونباتات الحلفاء الطويلة. أغمض عينيه وحينما فتحهما كان الدفء قد سخن
الكابينة, فعدل من جلسته المتشنجة مادا ساقيه مسترخيا بكامل جسمه على
المقعد. من بعيد كانت تلوح بيوت متفرقة لفلاحين وغابة كثيفة خضراء
تحولت بسرعة الى حاجز داكن تحت زرقة الغروب. وعلى زجاج نافذة القطار
المضببة من الجهة الخارجية انزلقت قطرات ندى بتعرجات مضطربة على انعكاس
صورته وصورة الكابينة الداخلية, وتحول العالم مع إطباقة الليل الى نفق
داكن يجلجل داخل الأنفاق الكثيرة المفاجئة التي كان القطار يخترقها
في سيره الكليل.
1984كلابريا
ايطاليا
كل شئ أخضر
كان مصاباً بالصرع, حالة نادرة من
الصرع تجعل الجسم ينام, يسكن ويهمد, حتى ليخيل أنه ميت. لم يكن أحد
يعرف عن مرضه شيئاً. له صديق أو صديقان تعرّف بهما أثناء رحلاته
الطويلة بين الخانات. كان يبيع الجبن, ولقد أطلعته النسوة الساحرات,
على أنه (سيعيش عشرات المرات, ويموت مرة واحدة). كان يسقط فجأة,
ويبقى لساعات, وحتى أيام وهو على حاله ذاك, وكان يحلم ( بالرجل الأخضر
). حلم ذات يوم أن الرجل الأخضر قد ظهر. كان واقفاً في رقعة خضراء,
تمتد فوقه سماء خضراء, وتستحيل كل الأشياء التي يلمسها إلى اللون
الأخضر. كان عدد من الناس حوله قد تجمعوا غير مصدقين, وكان هو بينهم.
حينذاك اقترب الرجل الأخضر منه ومسّ ذراعه, فأطاعه, ورقد على الأرض.
رفع الرجل الأخضر سيفه وهوى به فشطره إلى شطرين دون أن تراق قطرة دم
واحدة. أعاده الرجل الأخضر بعد ذلك إلي الحياة وقال له: إنك ستصبح من
أعواني.
كان يوماً مطيراً, فيه برد ورعد حينما
وصل رجل الجبن إلى بغداد. دخل إحدى الخانات التي تؤوي مسافري الليل
والغرباء بأجور زهيدة. لم يكن أحد يعلم عن مرضه شيئاً, ولقد كان
متعباً فلم يخبر أحداً بذلك. سقط رجل الجبن واستحال على الأرض جثة
هامدة..
ـ هل تعرفونه؟
ـ لا.
ـ هل يملك أوراقاً أو هوية.
ـ أهذه أمتعته؟ سننقلها معنا الى (
المركز).
رُفعت الجثة وامتدت اكف تشبه الكلاليب
لرجال يرتدون بدلات الشرطة. مضت هذه الأيدي بالجثة إلى الشوارع والهواء
والليل والظلام, وانحرفت أخيراً لتدخل في رواق طويل أبيض فيه مصاطب من
الخشب بنيّة اللون. وضع الرجال الجثة, وكان الشرطي الذي جلس ينتظر حضور
طبيب الخفر, ويدخن سيجارة, تنبئ عيناه, أنه كان يتطلع إلى نجيمات ذاوية
كانت تذرّ في عينيه النعاس. كان طبيب الخفر على عجلة من أمره ومتعباً
دون شك. دوّن بسرعة في ورقة ترخيص الدفن ( وفاة طبيعية ). رفعت الجثة
من جديد, وحُملت على عربة تهتز. امتدت الأصابع, لترسم خطوطاً متشنجة
طويلة, انتهت فجأة عند أصابع مكتنزة هامدة. سُكب ماء بارد على الجثة,
حيث كانت مسجاة على حجارة المغتسل الرخامية.
وفي مكان ما كانت الحفرة قد هيئت وكوّم
التراب على الجانبين.
ظلام حالك يلّف المقبرة, حارس
المقبرة والشرطي ورجل المغتسل كانوا ثلاثتهم فقط متأهبين الآن, لدفع
الجثة المجهولة إلى مصيرها الأخير. فجأة اختلجت لفائف الكفن البيض
ودبّت فيها الحركة, كانت الجثة قد نهضت وانتصبت واقفة, وفي عينيها
ارتسمت صورة الرجل الأخضر, فابتسمت بحب.
رجل المغتسل وحارس المقبرة والشرطي
ذعروا. غير أن أصابع الشرطي كانت قد تحركت بشكل غريزي وامتدت إلى
المسدس..
أزّت ثلاث طلقات نارية, فسقطت الجثة من
جديد, وقد تلوثت لفائف الكفن بدماء, بدت في ظلام الليل الموحش , خضراء
اللون.
بغداد 1978
الكابوس
ممدداً بكل جسمي في سريري يقظآ وحالمآ
في الوقت نفسه . أسمع صوت مؤذن جامع الكيلاني له بحة غامضة وحزينة.
أخمن أنها الخامسة صباحا. لم أر نور الفجر بعد. ألتقط صوت حركة وسط
الدار. إنها أمي تعد الفطور. أسمع طرطشة ماء وصوت حركة ابريق, الصوت
يأتي من الحمّام. أجزم أن أمي تتوضأ من أجل صلاة الفجر. لا بد أنها
سمعت الطرق هي الأخرى فتوقفت عن الوضوء وتوجهت نحو الباب.
الزلاجة الحديدية ترفع. أسمع أصواتاً
رجالية خافتة.
من دون أن استيقظ أغادر فراشي وأسير
كالنائم. أرى أمي المسربلة بالسواد تتحرك ببطء زاحفة باتجاه السلم. لم
يوقظ النقر أخواتي الثلاث أو أخي الصغير. أحس بهم دون أن اراهم.
صدورهم ترتفع وتنخفض برتابة النوم. أهبط السلم وأمر بأمي دون أن أنظر
إلى وجهها. أحس ببرودة بلاطات الدار. أكتشف عري قدمي. أتقدم عبر المجاز
وأرفع الستارة. باب الدار نصف موصد . أرى ثلاثة أشخاص بملامح متشابهة
. لم تكن للوجوه عيون أو أنوف أو آذان. الوجوه كلها عبارة عن مستطيلات
داكنة يتوسطها مربع أسود وفم بلا شفاه. خمنت أنهم رجال الأمن أو أعضاء
الحزب. انتبهت إلى رشاشاتهم الموجهة مباشرة إلى صدري. لم يتحدثوا بل
أصدروا ضوضاء لا شبه لها بالكلمات. فهمت معنى أوامرهم. لمحت غضون وجه
أمي وقد امتلأت بالفزع. عدت ومعي الأوراق الثبوتية. طلبوا مزيدآ من
الأوراق. . كل الأوراق. جدي هو الذي بنى هذا الدار, وجيلان من الأبناء
والأحفاد ترعرعوا فيه. أكدوا لي معرفتهم بأدق التفاصيل. كنت أحاورهم
وهم يردون من دون كلمات. كان ذلك كافيا ليؤكد لي بأنني مازلت أحلم.
سحبوني من ذراعي ودفعوني هذه المرة
بخشونة . كنت أسير حافيآ ببجامة النوم. رأيت شاحنتين عسكريتين
متوقفتين عند فتحة الزقاق. قادوني باتجاه الشاحنة الأبعد وساعدوني على
الصعود في الشاحنة ، جلس عدة أشخاص في صمت بلا حراك وكأنهم فقدوا
الشعور. كانوا من أبناء الحي. جلست قرب شخص رمقني بنظرة مواسية.
انتبهت بسرعة إلى أن المسلحين كانوا
قد دخلوا البيت. مرت دقاق طويلة وعسيرة. خرج المسلحون أخيرآ بصحبة
أخواتي الثلاث وأمي وأخي الصغير. كانت لهم وجوه بلا تعبير, زرقاء بلا
انفعال وكأنهم ماتوا منذ أمد طويل. قاد المسلحون أفراد عائلتي
وأصعدوهم الشاحنة القريبة من الزقاق. رأيت وجوههم للمرة الأخيرة.
المسلحون طرقوا أبواباً أخرى. امتلأت
الشاحنة بالنساء والأطفال بسرعة.
تحركت الشاحنات واهتزت, فاهتزت معها كل
الأجسام والرؤوس. ضجيج المسلحين يختلط بأزيز محركات الشاحنات. الشاحنات
تتفرق إلى جهات متقاطعة ومجهولة.
الرائحة من حولي أمست نتنة. أجد نفسي
مستندأ بظهري إلى جدار غير سوي, رماديّ ولزج. لطخات بصاق, مخاط, بول
وحتى غائط ودم كانت تلوث الجدار. الرائحة لا تطاق وكان "الفيلية"
يتلاصقون بأجسامهم ويتحركون باستمرار. نتوء في الجدار كان يثقب ظهري
ويضطرني إلى التململ. كم مضى عليّ في هذا المكان؟ أحسست بأنني فقدت
القدرة على التذكر. هذه ليست المرة الأولى التي يرصّوننا في غرف قذرة,
يخرجوننا كي نرى النور للحظات, ثم يغطون عيوننا بقطع قماش نتنة. يطوقون
أيدينا خلف ظهورنا. يوقفوننا قرب حفر كبيرة مليئة بالدم والمعدومين
ويطلقون علينا الرصاص. تسقط أجسامنا فوق بعضها البعض. يواروننا التراب
ليوم أو يومين ثم يشقوا حفرنا من جديد ويعيدوننا بطابور إلى الغرف
القذرة. يدسون إبراً طويلة في أوردتنا ليتأكدوا من موتنا وخلو أوردتنا
من الدم. كرروا هذه العملية مئات المرات وسيكررونها الى ما لا نهاية.
كل مرة يطلقون النار, كانوا
يخطئونني. يطلقون على جسمي و يتجنبون رأسي عمدآ. ابقى متخشبآ. أنتظر
على مضض. يقترب شخص مني, أسمع قهقهته المعهودة. يقرب مسدسه من وسط
جبهتي ويطلق مرة واحدة. أحس بجسمي خفيفا, وأسقط داخل فجوة بسعة الفجوة
التي تركتها الرصاصة وسط جبهتي.
أسقط كما لو أني أسقط من عل, من سماء
وغيوم.
أترك فتحة واسعة بحجم جسمي في
الغيمات التي يخترقها سقوطي البطيء. بخدر,أوازن جسمي , وأسند رأسي
بكفي, كما لو كنت متكئاً على وسادة من ريش. أسقط أخيرآ بين الأجسام
الميتة واستيقظ. أسمع صوت مؤذن جامع الكيلاني له بحة غامضة وحزينة.
أسمع طرطشة ماء, وصوت حركة إبريق أمي وهي تتوضأ للصلاة
امريكا 1998
الوطواط
تسلمت المفتاح وقصدت غرفتي بخطى
متعبة. لقد قضيت صباحاً مرهِقاً جديداً بالتنقل بين الشركات والدوائر
من أجل الحصول على عمل, ومن نافذة غرفتي شاهدت سطوح المنازل تتلاحق
بشكل غريب, وكأنما البيوت نفسها متداخلة بعضها ببعض. جاءني عامل الفندق
بعد قليل, وهو رجل عجوز أشيب, وقف عند الباب وبقي صامتاً. عرفت فيه
عامل الفندق لأنني شاهدته في الأسفل. طلبت منه أن يغيّر الشراشف, فلم
يستجب. طلبت منه أن يأتيني بقدح شاي فتجاهل كلماتي كأصم. اقتربت منه
بلطف ووضعت يدي على كتفه وأعدت عليه طلبي الأخير. لم ينطق, بل ذهب
بسرعة وبنشاط لا يتناسب مع عمره ولبى طلبي , لا أعرف لماذا أحسست
تجاهه بالشفقة وهو يحاول تغيير شراشف السرير. كان عمره مقارباً لعمر
أبي.
ـ أنا آسف لإتعابك.
ـ .......
ـ هل تعمل هنا منذ زمن؟
ـ .......
.ـ يا عم ألا تسمعني؟
وهنا أدار وجهه إليّ, وبخطى رتيبة هذه
المرة وبعينين خائفتين مرق من أمامي, وانسلّ بهدوء إلى خارج الغرفة.
في اليومين الأولين تعرفت بشاب كان
يقيم في الغرفة التي تجاور غرفتي. وحينما كُنا مجتمعين ذات مساء نحتسي
في الشرفة أقداح البيرة, لمحت رأس العامل, وهو يعبر الزقاق ويختفي في
أحد البيوت الخربة.
ـ كلمت هذا العامل منذ يومين, لكنه لم
يرد عليّ , هل هو أصم؟
ـ بل إنه مجنون..
شرقت في البيرة, ودفعت بما تبقى منها
إلى خارج فمي.
ـ مجنون؟
ـ يبدو لي هكذا .. أو ربما هو بليد أو
متخلف عقلياً. أترى هذا البيت الذي دخله, إنه بيته, وهو يعيش مع زوجته
.. ولو رأيتها لما صدقت عينيك..شابة في غاية الجمال.
كانت البيرة قد فعلت فعلتها, فأخذ
يسرد لي هذه القصة . قال: زرت زوجته ذات مساء, دخلت الغرفة فوجدت عامل
الفندق( زوجها), وقد وضع رأسه في حجرها وأصابعها تداعب شعره كما لو كان
طفلاً. حينما رآني تزحزح إلى الخارج وتسمر عند البوابة يراقبني طوال
العملية. أصارحك أنني لم أحس بلذة كبيرة بسبب وجوده. ولقد عرفت فيما
بعد أنه حينما ينهي عمله في الفندق, حيث يبقى حابساً نفسه طوال
النهار, يهرول بسرعة ليختفي في بيته, ولا يخرج منه حتى ينتصف الليل
وتخلو الشوارع من المارة, ينطلق بعدها في جولة طويلة, لا يعود منها
حتى يخرج أول إنسان وتبدأ الحياة في الحركة. ثم يعود أدراجه سائراً لصق
الجدران ممزقاً قماش دشداشته لشدة احتكاكه بها. كان وجه الشاب قد احمر
بسبب ا البيرة وتحمسه للموضوع , فأخذت يداه ترسم الكلمات في الهواء وهو
يتحدث. قال: كان أمر هذا الرجل قد شغلني تماماً, فقررت أن أتبعه في مرة
من مرات تطوافه الليلي. أعددت لذلك عدتي, شربت كمية كبيرة من القهوة,
كي أبقى يقظاً, وعند منتصف الليل تقريباً, أطفأت نور غرفتي, وخرجت إلى
الشرفة, أرقب باب بيته.
لم يطل انتظاري, فبعد نصف ساعة خرج
رأس صغير توهمت في البدء أنه ليس رأس بشري.. تلفّت العجوز يميناً
وشمالاً, وحينا تأكد من خلو الشارع تماماً, دفع بجسمه كلّه إلى الخارج
ومضى سائراً. نزلت بسرعة حتى أنني أيقظت بعض نزلاء الفندق بضجيجى. كان
الرجل قد وصل إلى نهاية منعطف واختفى هناك. فكرت أنها فرصة سانحة أن
اخرج الآن, حيث أستطيع أن أتبعه وأراقبه دون أن يشعر بوجودي. مضيت
أتبعه نصف ساعة, كان يتحرك بخطى ثابتة, ورياح الليل تداعب أردان
دشداشته. كان هو يسير وسط الشوارع, أما انا فمختفياً في كسرات الجدران
وخلف شجيرات الأرصفة. فجأة أحسست بدوار في رأسى , وحينما فتحت عينيّ.
وجدته قد اختفى.
خرجت من مخبأي , وعدوت علّي أعثر
عليه. كنت متيقناً بأن نزهته الليلة هذه تحمل سراً غامضاً كان فضولي
الشديد يدفعني لاكتشافه. ومن ثنية في الشارع, وأنا لا أزال أعدو, قفز
علي شخص له وجه انجلت منه وحشية مرعبة. لا أتذكر كيف عدت إلى الفندق
وأيقظت بعض النزلاء وأخبرتهم بالأمر. كانت الدماء قد سالت من وجهي
وبللت قميصي ببقع كثيرة. سرنا جميعاً إلى البيت المهدم, دفعنا الباب
فانفتح. كانت الزوجة تضمه إلى صدرها و تداعب شعره.
كان يردد : إني خائف. .
وكانت هي تبكي.
ضحك الشاب, فايقظني صوته على حقيقة
أنني قد تأخرت كثيراً.
ودعته على عجل, وعدت أدراجي إلى غرفتي
ولم انم تلك الليلة.
بغداد 1978
الجواد
الى
رياض
استطاع
بأعجوبة ان يهرب, ان يعدوا بكل ما في جسده
من قوة. وبما انه عبرجبالا وصحارى.
سهولا ووديان. قطع انهارا ومحيطات,
فقد اطلّ علينا بتلك الهيئة
التي لا يجد
امامها ايّ أنسان آمن الا ان يصرخ من
الرعب.
لقد
هرب من الموت, تسلل من الجحيم بأعجوبة,
كانت عيناه جاحظتين بارزتين وشعره تلون
بلون ا لطين والقار والدخان, وعلى وجهه
ارتسمت معالم وتضاريس الأرضي التى عبرها,
والأمطار والأعاصير. كانت انفاسه قد
تقطعت. وكان فمه الذي غدا كفجوة جافة,
يتلعثم بكلمات متنافرة غامضة, تترك
انطباعا واحدا, هو ان ذلك الشاب ا لمسكين
كان يرتعش من الخوف.
كنا
نحتل, انا واصدقائي الثلاثة غرفة صغيرة,
غرفة من أظلم غرف الأرض وارطبها. وكان من
ا لطبيعىجدا ان نفسح لذلك المخلوق
المرتعش مكانا على الأرض لينام فيه,
وشاطرناه طعامنا. وكنا طوال يام عديدة, وكلما جمّعنا
المقاطع الى بعضها, نعرف با لتخمين ولكن
دون يقين, ان الهارب من احشاء الجحيم هذا
يدعى جواد. اما وثائقه الصفراء الممزقة
والتي ضاعت وامحلت فيها الكلمات, فلم تكن
لتنفعنا او تساعدنا في الكشف عن اية
معلومات جديدة, سوى انه كان من اصل عراقي !
لم نكن نعرف بالتحديد من اين هو,
من الريف ام من المدينة؟ من الجنوب
ام من الشمال؟ غير ان ذلك لم يكن يهمنا
على الأطلاق, لأننا كنا نري فيه صورتنا
الحقيقية.. انعكاسا صادقا دون رتوش
لضمائرنا القلقة وارواحنا المرهقة
بالأشباح والموتي والظنون. فاذا كنا
نستيقظ اثر كابوس صارخين في الضلام, كنا
نجده قبلنا, يقظا بعينيه الجاحظتين وشعره
الطيني هناك , متشنجا متلفتا الى الزوايا
وموشكا على الأختناق. فكوابيسنا كانت
كوابيس نوم, اما كابوسه ففي اليقظة ودائم
ومستمر. وكنا نرعاه وننتبعه, نحرسه
ونمرضه كاخ حقيقي.
احيانا,
وفي اوقات متباعدة , كنا نحصل على عمل,
ايّ عمل, وكنا نقدم خدماتنا كمجموعة : صبغ
دور, توزيع اعلانات, تنظيف..الخ. نجمع
ونقتات على ما نحصل عليه
ببطء شديد وبحرص, دون التفكير
بالكماليات او بأي سفاسف اخرى, مشكلين
عائلة فقيرة حقيقية, كومونة صغيرة بمعنى
الكلمة. فكرنا ذات يوم اصطحاب جواد معنا,
علّ جو العمل يعيده للمحسوسات وينسيه
خوفه. غير اننا لم نصل باب العمارة, حتى
اعترضنا المدير المسؤل
ويديه عند خاصرته! لقد البسناه ملابس
نظيفة, لكن شعره بقى اشعثا خشنا متناثرا
في الهواء, على الرغم من اننا غسلناه
بالماء والصابون, وسكبنا فوقه وعالجناه
بكمية كبيرة من الدهون! عدنا ادراجنا
وتركناه في الغرفة وقررننا عدم اصطحابه
ابدا.
***
مرت
ستة شهور, انقطع جواد خلالها عن تناول
الطعام بشكل منظم, وكان يبدو اكثر تأزما
من أيّ وقت مضى, صامتا متطلعا الى المصباح
, ومشيرا بعينيه واصابعه
دائما الى الزوايا: مخلوقات عجيبة وهوام
غير مرئية تحاصره فيبدأ الصراخ. وكنا
نكمم فمه بايدينا, غير انه كان يعضنا
ويفلت منا. حتى فوجئنا
بصاحبة العمارة, وهي امرأة عجوز زنخة
قذرة بكل ما في الكلمة من معنى عند باب
الغرفة, وهددت بطردنا أذا ما
بدأنا خصامات جديدة. اقسمنا لها بعدم
وجود شجار, وان تلك الصيحات التي سمعها
الجميع ما هي الا صرخات الم صديقنا
المريض. لكنها حذرت بقبضها من
جديد , وبصقت على الأرض.
قررنا
اخذه الىطبيب, وبما اننا لم نكن نملك أىّ
نوع من الضمانات الطبية. فقد اكتفينا
بالحبوب المهدئة, نسحقها له مع الشاى
والطعام. وجدنا ذات مساء, وقد تركناه في
الغرفة بمصاحبة مسجل واغان عراقية, باب
الغرفة مفتوحا, والقفل منتزعا, وجواد
غائبا.
لقد
هرب جواد .. اختفى, عدا باقدام من ريح.
***
لا
اعرف فكرة من كانت تلك؟ غير ان احدنا توقع
على ما يبدو مثل هذه الخاتمة. كتبنا
عنواننا ووضعناه في جيب جلدي صغير,
وعلقناه بسلسلة في عنقه, كما تعلق
الأجراس باعناق الجياد الأصيلة. وبما
اننا لم نكن نملك هاتفا, لذا فأن رسلة من
احدى الدوائر الرسمية وصلتنا وطيها ما
يلي : وجدنا هذا
العنوان بصحبة مجهول الهوية , فرجاؤنا من
ايّ شخص له معرفة او علاقة بالمتوفي,
الأتصال على العنوان التالي. و بنهاية
الورقة العنوان’ اما التارخ فيعود
لأسبوع مضى.
لقد
مات جواد.. توقف عن العدو!
غير ان حضوره غير المرئي, لازمنا
لشهور بعد ذلك , كان ظله الغامض, يقترب منا,
نسمع حفيف خطاه, دوراته الخرساء في
الغرفة, ثم صرخته الموحشة المفاجئة,
يتردد صداها طويلا طويلا قبل ان
تتلاشى مع ضوضاء الضلام.
احتفظ
بجواد بعد التشريح, في ثلاجة مدة ثلاثة
ايام. وفي مثل هذه الحالات, واذا لم يتقدم
احد, فأن الجثة تعاد الى المختبر حيث
تنتظرها المشارط والمباضع. تجرى عليها
اختبارات وتحليلات, تقطع ثم يعاد تقطيعها
اسوة بجثث مجهولي الهوية الأخرى. تبقى
شهور وحتى اعوام, حتي اذا ما تم جمع
اكبر كمية من المخلفات والنفايات,
توضع في اكياس صفراء, وتدفن في قبر جماعي.
وعند الحفرة يرسم قس عجول اشارة الصليب.
اعيدت الجثة الينا اخيرا, وقام (
السيد) العراقي
الذي هب لمساعدتنا وتعهد بنفقات الدفن,
على اعادة غسله وتكفينه. وسط الغرفة وعلى
منضدة الطعام الطويلة المتاكلة الطلاء,
وامام اعيننا غسل ذلك الجسد, عطر
بالمسك وماء الورد, ووضعت بين اسنانه
اعشاب لها شذى غريب.
كانت
المقبرة بعيدة وكان الثلج
قد بدأ يتساقط. كانت مقبرة واسعة
باردة, بل غابة موحشة, مكتضة باشجار
الصنوبر العملاقة الباسقة, ولقد قسّمت
الي مقاطعات, وكنا نتوغل عميقا عميقا بين
الصلبان ونجمات داود, حتى وصلنا الى
مرتفعات جرداء , كان المغتربون المسلمون
يدفنون فيها موتاهم. قال السيد: قليل من
التراب .. التراب فوق ا لميت محبب.
كان
الطقس باردا, وكان جواد هادءا, نضيفا,
متلفعا ببياض كفنه, لا يظهر منه غير وجهه
العراقي.
اتفقنا
عندما انفصلنا بعد ذلك بعام, ان نبقى على
اتصال ببعضنا.. فلو مات احدنا فسيتكفل
الباقون بدفنه. علنا ومثل جواد وبعد ان
نتحول الى محض ظلال, ظلال لا يراها احد,
ولا تخاف احد, نعود ولكن احررا هذه المرة.
امريكا 1992
الأنين
ينبثق
الصوت مثل
طرطشة امواج ضعيفة فوق ساحل صخري منعزل..
وريدا رويدا تطبق صافرة ريح بعيدة, وتفتح
الأمواج كل حنجرتها, وتقسو الصخور,
وتتهشم الأمواج بضربات عالية, تزداد حدة
وسرعة مع نبضات قلبه. ينظر حوله.. ليس هناك
من مهرب. يدخل اصبعه في اذنيه, ويحشر حنكه
بين ركبتيه. تنفجر العاصفة فوقه,
يحس بالريح
تطوق مساماته... ثم يهدء كل شيء ..
لحظة
صمت.
اصبع
ما يتحرك بين الأرض والسماء.
الشفق
الأزوردي.
الأشارة
السرية, ثم يبتدئ العالم بالولادة:
الأصوات
الأولى للطبيعة’ صيحة ديك, انبثاق نبتة
من الأرض, خفقة جناحي طائر يحلق للمرة
الأولى. خطوات انسان اوحيوان. انجراف
مياه. تختلط الأصوات كلها من جديد, خفيفة
ولكن مسموعة, بايقاع واحد مظطرب متداخل
قوي, ولكن غير مفهوم, ثم تقفز من الوشوشة
الغامضة صيحة او صوت ناتئ لتكسر جذع, كلمة
عالية, صرخة, آهة, تمتمة, صفير, زئير.. قطرة
مسموعة في بئر يعقبها آنين طويل لنفس
واحد. قوي جدا, متألم, يشق اذنيه ويرعب
عقله.
***
لم
يكن هو مؤمنا بالخرافة, غير انه غيّر
غرفته. كان الصوت ياتيه حينما يدخل فراشه,
ويتذكر انه قضى يوما رتيبا شاقا, وان جسده
يستسلم الآن للراحة ولعذوبة بخار الحمام
الساخن الذي اخذه قبل لحظات.. سمع الصوت
فجأة هكذا وبلا مناسبة او سابق انذار.
فنهض من سريره, وطاف في
الغرفةوضرب علىالجدران. مفتشا عن
سبب لكل هذه الجلبة الغامضة ( لابد ان
هناك عطبا خطيرا في
احدى المواسير). فكر بادئ الأمر, ثم
تخلىعن الفكرة حالما تلاشى الصوت. لقد
امضى في هذه الغرفة اكثر من اربعة اعوام,
ولم يعهدله ان سمع شيئا كهذا.. لابد
انه التعب والأعياء, غير ان الصوت عاد في
الليلة الثانية, في اللحظة نفسهاالتى
اغمض فيها عينيه محاولا النوم.
الصوت
حقيقي وواضح, انه لايحلم. فتح النافذة
فرشقته ريح باردة من طرقات خالية, عاد
ووضع اذنه على الجدار( لابد ان شخصا ما قد
فتح ورشة صغيرة في احدى الغرف الأرضية!
كيف يمكن لاحد ان يقلق نوم الأخرين
المتعبين والمرضى على هذا النحو!) . انصت
بشكل اعمق.. انها ضجة من نوع اخر, كما لو ان
الريح قد وجدت
لها منفدا او نفقا فيها. بل ان االصوت
اكثر تعقيدا وتشعبا من ذلك. اصوات وانفاس
انسانية غامضة. عاد من جديد الى فراشه ,
اطبق جفنيه, ووضع حشوتين من القطن في
اذنيه وحاول ان ينام. كانت الوشوشة تتحول
رويدا رويدا, وبشكل لا يقبل الخطأ الى
انين.
***
يخترق
الأنين سداد اذنيه, بل ينبع من داخل
الحشوة, بل من اذنيه نفسيهما من جسمه, من
اطراف اصابعه. انه يسمع حركة مفاصله,
قرقرة معدته, نبض قلبه, سريان الدم في
اوردته, صمماته الضاربة, الحركة المشحونة
داخله, شئ لا ينقطع ولا يمكن تجنبه. انها
ضوضاؤه هو. ابعد حشوتي اذنيه بحركة عصبية.
فأبتعد الصوت وانسحب الى الجدران من جديد..
كلا.. ان تلك الأصوات لها قدرة غريبة
للتحول والوصول اليه. وفكر بالذبذبات غير
لمسموعة, غير ان الصوت لم ينقطع. بل اصبح
اكثر وضوحا وقوة هذه المرة.. ياتي من
ناحية واحدة, من ساعته المنضدية الموقوتة
قرب السرير. دق قلبه بعنف, وكان الصوت قد
تحول تلك اللحظة بشكل نهائي الى مخلوق
شرير. ضغط على الساعة التي ترن
معلنة السابعة صباحا فتوقف صوت
المنبه, وتوقف معه الأنين فجأة, ياله من
كابوس! ذهب الى المغسلة وفي المرآة
الصغيرة , اكتشف وجها لم يعرفه.. كانت بشرة
وجهه قد تجعدت واصفرت, وتلون جفناه بلون
يشبه لون السخام, وتبعثر شعره الدهني في
كل مكان. غسل وجهه بماء ساخن, وضرب وجنتيه
بيده عده مرات, كي يعيد الدم واليقظة الى
رأسه.
ابتلع
جرعات ساخنة من القهوة دون ان تكون له
شهية للأفطار. وجد احد مستخدمي الفندق في
الطابق الأرضيّ. وبكلمات سريعة غير
مبالية شرح له مشكلة المواسير المحطمة
داخل الجدران والأصوات التى تقلقه ليلا.
غير ان مخاوفه كلها كانت قدتبخرت مع
اضواء الصباح ومع الوجه البليد غير
المكترث للعامل الذي لم يفقه منه شيئا
على اية حال.
***
عند
خروجه من العمل, وجد نفسه ينعطف ويختار من
بين المجلات الكثيرة المعروضة في كشك
الصحف , مجلة طبية متخصصة. وفي الساعات
التالية, في المطعم الصغير, وفي المقهى
التى يقابل فيها بعض المعارف. عكف على
قراءة المقالات
التي تتحدث عن الأمراض العقلية, صور
باهرة التلوين لأجزاء من الجسم منتزعة
ومشرحة بكل الألوان: القلب الأحمر القاتم
وعروقه السوداء, الوان الدماغ, الخلايا
والأوردة والفصوص
والغدد والأفرازات.. البنكرياس, القولون,
العضام المحطمة, الخلايا الشوكية,
المكروبات المكبرة, البكتريا, الغدد
اللمفاوية.. السائل المنوي.. ترك المجلة
على طاولة المقهى, وخرج, وحرارة محرقة
تطوق حنجرته.
في
غرفته, وقد آب مبكرا, اكتشف انه احتفظ
بمجموعة من الصحف والمجلات والمنشورات
الدورية التي تصله مجانا في البريد.. صور
جديدة لجثث وقتلى وجنود وحرائق ونيران
وحروب. مقالات عن معارك, انتصارات. عناوين
بارزة عن مجازر انسانية, كوارث طبيعية,
ارقام محددة لموتى, كتل هائلة من اجسام
بشرية متراكمة فوق بعضها او مصفوفة بنسق
واحد. وجوه مشوهة, عيون جاحظة. افواه
مفغورة, رعب اخر اللحظات, وصرخة الموت
التي دفنت والى الأبد في الحناجر. تذكر انه سأل احد ساكني
الغرفة المجاورة عن الصوت غير ان ذلك نفض
كتفيه وغادر الرواق بعجل.
انها
مشكلته وحده اذن.. ان الصوت في غرفته
وحدها. وحينما سمع الصوت.. الوشوشة..
الأنين. اطبق جفنيه مؤمنا ان ليس هناك من
وسيلة لأيقافه. غير انه لم ينم وبقيت
عيناه معلقتين بشمسية صغيرة متدلية من
سقف الغرفة. كانت لطخات الأقذار تتخذ
شكلا: عينين, وجها بشريا, انفا وفما
مفغورا. وكان الأنين ياتي من تلك الفتحة,
من ذلك الفم.
هذه
ثالث غرفة يغيرها خلال اسبوع. حينما
انسل الى السرير تحت الشرشف ا لبارد انسل
اليه, وبنفس درجة
التوتر الدفين , ذلك الصوت, من لا مكان,
بالدرجة التي ايقن فيها بوجود خلل ما,
بوجود مخلوق ما ـ ان صح استسلامه اليائس
للوهم ـ يطارده ويدفع بموجات الأنين الى
اذنيه, بشفرات حلاقة الى اوصاله جميعا.
هل يقفز من الفراش ويضرب الهواء
بقبضته صائحا: انت. فيتوقف الأنين. هل
يحيل تلك الوسوسة الشيطانية الى حوار:
لماذا لا تحدث نتخاطب. مخلوق لمخلوق.
نتفاهم وننفض ايدينا من كل هذا لبؤس. انني
اعرف اقدار الناس وقدري الشخصي . اعرف
انني ساموت يوما بالتفاتة استثنائية من
الأقدار ولكن. توقف الانين فجأة. هل يقول
شكرا؟ لم يكترث
كثيرا, فأن موجة من العبث والسخرية من
النفس طوته بعيدا, وهو ينحشر بين الأغطية
, في بحر نوم عميق وثقيل. ولكن قبل ان يرن
صوت المنبه في غرفته خيل له انه سمع
الانين من جديد.
جمع
مجلاتا وصحفا وكتبا اخرى.. عن ماذا كان
يبحث؟ لم يكن يعرف بالتحديد, غير انه كان
يعتقد على نحو ما, غامض تماما, ان سرالصوت
يكمن هناك. فكرة من الأفكار الطائشة
معلقة في احدى الصحف او الاعمدة غير ا
لمثيرة.
انها
فكرة ما, حدث, او اعداد واحصائيات, تنبثق
منها الأشارة او التلويحة التي تجعله
يكتشف ا لسر. عاد بعد ان زار طبيبا متخصصا
بالأمرض النفسية والعقلية الى غرفته
والى سريره, والى الانين الذي لا يكف عن
ملاحقته. ادعى الطبيب ان لاسبب للخوف
والريبة, فهو مجهد لقلة النوم فقط.!
توقف
عند النافذة, كانت الساعة تشير الى
الواحدة بعد منتصف الليل. حدق في مربع
الظلام الذي هو المدينة كلها بوميضها
واضوائها الخافتة المنعزلة. كان الأنين
قد جعل يديه ترتعش . سدد انبوبة مسدس اسود
قديم مزيت بعناية وبعيار كبير
كاف ليوقف حياته دون خطأ. وحين مس َ
الحديد والفتحة الباردة عرق صدغه النابض
. انقطع الصوت وحل محله صوت طويل مكبوت,
وكان يسمع حشرجة رئتيه وانفاسه. كانت
اصابعه تتحسس النتوء
السفلي من الحديد الذي غدا ثقيلا في يده.
غير انه لم يكن قادرا على الحركة
او تغيير موضعه.. مشلولا تماما,
وكأنما منذ ساعات, شهور, قرون.
كان
الصمت يختنق, يبتدئ, يتوحد, ورويدا رويدا,
تاتي الريح..
الريح البعيدة المذهلة. تنبثق من شعب
وثقوب مجهولة المكان,
تندفع وكأنما من
الماضي, مختطفة معها ذرات رمل, قطرات
دمع, ابتسامات, وجوها, افواها, شفاها..
معالم مقبرة كاملة, متخلفة ومنسية في
مكان ما في رأسه. تندفع الريح عبر ماسورة
المسدس, تدخل نهاية الأسطوانة السوداء,
وتقطع المسافة بين الأصبع المرتعشة,
والأذن التى كان ينبض خلفها عصب قوي.
يتحرك الأصبع, ينكشف السر, ينقطع الأنين,
وينتهي المشهد.
امريكا 1992
الشبيه
انحنت
العجوز المسربلة بالسواد, واخذت تجمع قطع
الصحن المتناثرة, الذي تحطم عفوا
قبل لحظات. كانت تمسح الغبار عن
المواعين والقواري في الدولاب الزجاجي
ذي المرايا, حين تعثرت يدها بذلك الصحن
الثمين القديم, والذي توسطه رسم باللون
الأزرق البارز, لشخص ما.
ارتعشت
اصابعها فوق المنديل الكبير, وهى تجمع
القطع المتناثرة, ومن عينيها لاح شئ
أشبه بالدموع. لكن ملامح الوجه ابت ان
تتجمع الى بعضها.
دخل
مصلح (الفرفوري) الساحة حاملا معه كيس
الجوخ, وعجلته الدوارة, ووجهه وسره
الكبير. كان في الخمسين من العمر,
وكانت هيئته, تدعو الى الريبة كما لو
ان الرجل تنكر بتلك الحلة لغاية ما. كان
فيه لطف لا يناسب صنعته. وتوقف عند طرف
الساحة, قريبا من تخوت مقهى مكشوفة, يراقب
بعينين نصف مهمومتين الحركة, وردود افعال
الناس تجاهه.
أبو
جواد, صاحب المقهي, تمتم مع نفسه: أي وجه
غريب يملك ذلك الرجل, انه يذكرنى بشخص ما!
ثم كما لوخطرت للجميع الفكرة نفسها وفي
وقت واحد, نظر رواد المقهي, في عيون بعضهم
البعض, وكانهم لا يصدقون ما يرون! تجمهر
اشخاص في شرفات حول الساحة, فتحت نوافذ
ثم اغلقت. فتحت ابوب وانسل منها شيوخ
وعجائز صبيان تمشوا في الساحة, وتلكاوا
هنا وهناك ثم عادوا السير, تجمعت نساء
قليلات, وفي أيديهن اوان
محطمة وساكين ومقاص وفؤوس, وجلسن على
الأ رض, واخذن يثرثرن
باصوات خفيضة, وأيديهن تتحرك بانفعال
تحت فوطهن السوداء.
تشمم
أعمي بدين متفرد في أحد تخوت
المقهي, الهواء ثم تشمم يديه وعصاه,
وزفر متأوها: يا الهي ..
هل هذا معقول!
كان
مصلح الفرفرفوري الذي ترك حذاءه علي
الأرض, ودفع العجلة الدوارة,
يعمل بجد من دون ان يرفع راسه، مما
دعى الأخرين الى التقرب منه, اكثر
واكثر.
وتجرأت
عجوز داكنة
السمرة, محنية الظهر, على الوشوشة في اذنه,
وهي تنقده اجرته, فظهرت على وجهه
ابتسامة عريضة,
فبدا الشبه الآن عجيبا,
بل غير معقول. وتفوه صاحب سبحة (يسر)
طويلة, كان يطقطق خرزاتها بانفعال,
ويلمض بلسانه ماسحا شفتيه, انه هو.. انه هو
دون شك!
كان
الناس قد تجمهروا على شكل حلقة كبيرة حول
مصلح الفرفوري, مماجعله يحس بالأرتباك
والضيق, فجمع ادواته
في كيس الجوخ,
وعلق عجلته بكتفه تماما كما جاء, ومن
الجهة نفسها, سار تشيعه العيون, حتى اختفى
تماما.
تقلب الناس في اسرتهم الصيفية فوق السطوح
تلك الليلة ولم يناموا . كانت عيونهم
المسهدة قد تعلقت بتلك الصورة الغريبة
المرسومة على القمر, فبلبلتهم الأفكار
والأمنيات..
وضعت
العجوز المسربلة بالسواد, الصحن الذي
اعاد ه مصلح الفرفوري الى الحياة. في
مكانه بين صحون الخزف الصيني القديمة
المتربة.. فتوضحت ملامح الوجه المرسوم
باللون الأ زرق البارز وسط
الصحن, عكست المرأة الجانبية للدولاب,
السدارة والابتسامة العريضة, بل كل وجه
الزعيم.
روما 1980
ثلاث أفاع
هذه الأفاعي التي تسكن حدائقنا وجدران
بيوتنا أو التي تحيا معنا, داخلنا لكننا
لا نراها, علينا أن ننتظرها لنقابلها
ذات يوم.
أفعى رقم(1):
على إحدى البلاطات المرمرية الصقلية.
والتي تكّون في ما بينها سلماً صغيراً, وقفت الفتاة
تتطلع إلى الحديقة. إنها تلمح الآن أحد جوانب السور
المرتفع والذي حجب عنها كل ما يقع في الخارج.
تملأ رئتيها رائحة جذور النباتات الرطبة
المسحوقة وتدعوها لأن تنقاد مستسلمة, فتخطو
ببطء, وببطء شديد, تتلفت برقة إلى البيت الضخم
الصامت! وكأنها تخشى أحداً
يراقبها. عبرت الفتاة ممراً ضيقاً بين نباتات كثيفة,
تكوّن سياجاً طويلاً, وكانت تتوغل داخل البستان.
كانت الفتاة ذلك المساء قد ارتدت
ثوباً عريضاً شفافاً, ذا لون أرجواني, توزعت عليه وريقات خضر زين
محيطها خيط فضي له بريق,
كانت تحس خشونته على طول ذراعها العارية. وحينما
مرت ببركة رائقة للمياه يتوسطها
تمثال (كيوبيد) شاداً قوسه ودافعاً بمياه الصبي من فمه,
مرت بانعكاس صورتها في الماء, وأحست بأن شيئاً ما
في داخلها قد تغير. هذا البيت اللعين
أما كان على والدها شراءه في مكان أفضل! لمحت
الفتاة عجوزاً خرباً يقف عند البوابة الجانبية للبستان, فتقدمت منه وراحت
تتأمله..
ـ البستان مليئة بحشائش
وحشية متشابكة قد تعرضين حياتك لخطر إحدى الحشرات أو الزواحف
إذا توغلت اكثر..
ـ أنت الحارس؟
ـ نعم.. لقد أعفاني والدك من
صيانة البستان ولقد بعثنا إلى القرية لجلب بستاني شاب. . مثل
هذا العمل لا تقوى عليه إلا عضلات مفتولة.
ـ ابق ولا تخشَ شيئاً.. سأجوب البستان
بمفردي.
كان ظل الفتاة يبتعد
رويداً رويداً, وقريباً من البوابة,
استسلم الحارس الشيخ لصمت وسكون محايد. كانت الفتاة تحس برائحة التربة تملأ خياشيمها,
وكانت الأرض تحتها قد استحالت هشة, وأخذت الأعشاب البرية التي
نمت في كل مكان تسد عليها طريقها,
وتخدش ساقيها غير أنها كانت تمضي, بخطى
عنيدة غير آبهة بشيء. حينما التفتت إلى الخلف
وجدت أن القصر أمسى بعيداً,
وفكرت أنها بستان كبيرة,
كما أن هذه الزهور التي تملأ المكان
رائعة. فكرت للحظة أنها بعيدة ووحيدة في هذا
المكان. هذه الفكرة جعلتها تقاوم شيئاً وحشياً
ملأ صدرها, فأخذ يرتفع وينخفض بسرعة فائقة.(
ترى ماذا لو فاجاءتها أفعى الآن!) .
وشكل الأفعى جعلها تحس برعدة
تسري في بدنها. لن تفاجئها الأفعى فانها ستقوم بعمل
فريد, ربما لم تسبقها إليه واحدة من بنات جنسها.. إنها
ذاهبة لتبحث عن جحور الأفاعي.. ستجد واحداً, جحراً
صغيراً يقع في جذع شجرة عجوز ,
وستمد يدها, لن ترتجف, وستلامس أصابعها
كرتين رقيقتين, وحينما ترفعهما إلى وجهها ستجد بيضتي الأفعى
تستقران وسط راحتها. حينها تُقبل الأفعى
وتقابلها وجها لوجه, ستخرج الأفعى لسانها المشطور وتتوثب للهجوم, وستكون الفتاة في وضع يتيح
لها كامل المجابهة. ستبدو قوية وجريئة إلى حد كبير, ستمد قبضتها إلى
أمام وبينما عينا الأفعى تلتمعان بوحشية, ستطبق هي
أصابعها على البيضتين فتسحقهما.
اضطربت الفتاة, ودون أن تشعر أخذت تقفز ببطء
بادئ الأمر فوق النباتات الشوكية, ثم
انطلقت راكضة ورغبة غامضة تفجر شرايينها.. قنفذ
صغير يتحرك ببطء, بقايا جذور محروقة,
طفل تدلى من شجرة يسرق ثماراً قريبة من السور, ثلاث علب من الصفيح
استحال طلاؤها إلى اللون الأسود, براز
حيوانات.. أعشاب برية. البستان استحالت حولها إلى دغل كثيف يعترضها
ويحاصرها من كل جانب,,,, لم تتذكر في النهاية
وهي تعود بخطى بطيئة, وأنفاسها قد هدأت تماما, كيف أنها قد
سقطت على الأرض, وهل أن هذا الجرح في إصبعها
والذي كان يسيل منه ببطء دم وردي
اللون .. قد سببته لها أفعى حقا.
أفعى رقم 2
تجلس المرأة التي هجرها زوجها
وحيدة على العتبة. اتخذت لها من بساط مربع الشكل ذي
خطوط طويلة عديدة الألوان, مقعدآ, ومن جدار غرفة نومها (
جدار الطين) متكأ. السماء وحدها
وجدار الطين يحاصرانها في بؤرة روحها
المتفجرة المتدفقة المتجددة الخامدة.
ليست تعيسة.
ليست سعيدة.
لكنها أمرأة مهجورة وتنتظر.
تنتشر فوقها خيوط النور اذا حركت رأسها الى السماء. كل
هذا النور مصدره نجمة واحدة, نجمتها التي رافقتها
منذ ولادتها, والتي ولدت حينما ولدت هي. حظها
الصغير وبؤسها الذي لا يحد.
ما الذي جعلها تنتظر,
لماذا لا تغادر هذا البيت الى الأبد, تغادر هذا الجدار
وهذه السماء الكاذبة التي لا ترحم؟ واذا هبطت
عيناها علي الجدار, فهناك عشب اخذ يخضّر من حول
الثقب, ثقب الأفعى!!
على الجدار نفسه أخذ العشب
ينمو. عام أو عامان.. من يعرف, ربما سيغدو هذا
الجدار حديقة, وستبقى هي جالسة ترقب الزهور وهي تتفتح,
زهرة بعد زهرة. تتفتح أوراقها الدقيقة واحدة تلو اخرى
وتصيح بأسمها. ستكون هناك حديقة ياسمين كاملة!!
انها تحس بالتعب. ما هذا العرق الذي أخذ
ينفد من جسمها ويبللها. الا تنهض؟ الا يمكنها ان تقف
على قدميها؟... لقد حان الموعد.. ها هي
ساعة غرفة الزفاف تدق الواحدة بعد منتصف الليل.
دقائق وستظهر الأفعى من الثقب. غرفة الزفاف التي
جلست عند عتبتها, نظيفة ومرّتبة كغرفة من البلور,
وكأنها مهيأة لأستقبالها لأول مرة.
أما الغبار فقد ازالته الأفعى بنفسها. السرير الواسع وشرشف الدخلة
نظيف لم يتسخ بعد, لم تسقط عليه قطرة دم واحدة. مرآة ( ميز التواليت ) الواسعة لم تر نفسها
فيها بعد. ثمة خط أحمر قد شوه المرآة, لقد
لمحته الأفعى وهي تمر فمسحته لها, كما لو
كانت امها هي التي فعلت ذلك.. أما تذكر أمها
الآن؟!
أحلام وأحلام, سماء وجدار وأفعى, مصيرها
المجهول, ها هو. ستة شهور وهي هنا لا تنام ولا
تغادر مكانها. ستة شهور طويلة وهي وحيدة ومرمية
في قعر هذا البيت, هذا التنور.
ـ وأخيرا عدت!
ـ عدت.
ـ متأخرا!
هبت المرأة من مكانها
والتصقت بزوجها الذي أخذ يضمها الى صدره.
ـ كل يوم كل ليلة.. وفي مثل هذا الوقت كنت
متأكدة من انك ستعود.
ـ لقد أصبحت نحيفة ولونك شاحب.
ـ انها هنا.. ستظهر بعد قليل.
ـ من؟
ـ ألأفعى.. أفعى طيبة تتحلى
بعدة أجراس, تدق وتدق حينما تتحرك.
ـ أين؟
ـ هنا في الجدار. بعد أن رحلت! كانت
تظهر لي كل يوم. شيء مثل حلم.. حينما رأيتها أول الأمر,
خفتُ لكنها تكلمت معى كلامآ طيبآ,
قالت انها ستصبح صديقتى.
ـ ماذا بعد؟
ـ كانت تحضر في مثل هذا
الوقت, تدور في أنحاء البيت, تنظفه وتعد لي السرير.
تنظف الغرفة وتنفض عنها الغبار. وحينما تنهي عملها في البيت,
تعود فتجلس قبالتى.. هنا..
في نفس المكان الذي تقف به الآن بالضبط, تحدق فيّ,
وأنا احدق فيها, وأشعر كل يوم, أن شيئا فيّ ينضب. ووجهي
يجف, وشفتاي تذبلان, كما لو أن الموت يدب الي. نبقى
صامتتين كل ليلة, وتبزغ نجمة الصبح, فتعود الأفعى بهدوء وسط
الجدار, وكأن شيئا لم يحدث.
ـ ها ان لونك بدأ يعود اليك.. ووجهك
يتورد, تعالي لأظمك الى أحضانى.
ـ أتعرف.. أشعر وكان كل ذلك
كان حلمآ.. حلمآ مزعجآ.
|