|

الفصل الأول
رحلة لأقاصي الجنوب
لم يكن إبْن عمي مراد
أبلهاً كأخيه الأصغر ولا غريب الأطوار كأخيه الأكبر، لكن عندما
يحّل الصيف ويصبح النهر مسكنه, يعجز الماء عن إختراق طبقة
القذارة السميكة التي بنتها السنون فوق جسمه ، فتح مراد فمه فرأيت
إبتسامته المعتمة و الفخورة جداً, بأسْنان مفضضة بطبقة من (الزنجار)*
، تصورت إنه هو الأخر كان يخاطب نفسه بعبارة مثل ( من أين جاء
هذا الصبي المضحك بحق الجحيم !!)، كنّا (أنا وهو) من عالمين
متباينين, ولكننا كنا متشابهين, ربما بسبب صلة الدم الوثيقة,
فكلينا دون أن يدرك يظن نفسه مفكراً أو فيلسوفاً, و يجهد نفسه
لاستكشاف الحقيقة و تطبيِق أفكاره على نفسه. فأنا مثلا كنت ولا
زلت أؤمن بأن الإنسان خلق ليعيش سعيداً, وأن العقل وما يُحشى به,
هو ما يحّول الحياة الى جنة أو نار. أما مراد فلا علاقة لفلسفته
بالعقل أو بالعذاب, إنما تتلخص بفكرة النظافة ولا جدواها, وخاصة لشخص
مثله, يسعى لأن يكون جزء من الطبيعة ومن عالم المخلوقات التي
يحبها ويعيش معها, وأعني بذلك: الطيور والكلاب والقطط والعقارب
والعناكب والحيّات والقنافذ والخنافس والنمل وكل تلك المخلوقات
التي تأز وتصر وتنق داخل غرفته.
لحظة التعارف بيننا كانت
مربكة حقاً, لأنني وأقولها صراحةً, شعرت بالخجل من أن يكون لي
إبن عم بكل تلك القذارة والاهمال, ولقد أدركت بأن رؤيته لي كانت
أسوء وقعاً على نفسه بكثير.
كان أبي قد اصطحبني معه
لزيارة اقاربه الذين يعيشون بعيداً في أقاصي الجنوب, ولم أكن
أعرف قبل تلك السفرة أن لي أقارب يسكنون بذلك البعد حياة أقرب
الى البدائية والفاقة داخل أكواخ بنيت من طين وجريد. وكانت
التجربة كُلهاّ بالنسبة لي غرائبية فكنت أحس طوال الوقت بقلق
وانزعاج سببه التغيير المفاجئ في حياتي عكس أبي الذي كان ظاهر
السعادة سريع الإبتسام. لمحته يمسك بكف أخيه الأكبر طويلا كمن
يقبض على جوهرة ثمينة, وينظر إلى وجهه كمن ينظر عبر هالة تحيط
اله معبود.. ويذرف الدموع ويكثر من كلمات الإمتنان .وبعد ثلاثة
أيام نسى أبي وجودي ولم نكن نلتقي الا عند وجبة العشاء, يصطحبني
بعدها عبر درجات السطح المظلمة الى فراشين باردين على الأرض.
كلانا ينظر الى بريق
النجوم و يصخي إلى نباح الكلاب وخطوات العابرين بمحاذاة المنزل. كان
أبي أول من يستسلم للنوم بعد أن يسحب الغطاء فوق جسمي وتختلج
شفتاه بأدعية صامتة. أما أنا فكنت أنسج حكايات اليوم فأكتشف مع
بريق النجوم أسراراً طالما بقيت خفية على الكثيرين لسنوات.
بدأ مراد الحديث محطماً
جدار الصمت الذي بنته لحظات المفاجأة الباردة بيننا, معرفّّاً
صديقه (شيبوب) الذي يشبهه كثيراً بضخامة الجسم و القذارة, ولكنه
كان أعمق حزناً و صمتاً وأشد قبحاً منه. وعرفت أن إسم شيبوب مجرد
اقتباس من إسم ربيب البطل عنترة*. وحسبته قالَ شيئأ وهو يمد كفه
التي تعادل كفي أربع مرات للترحيب بي, ولكن صوته الأبح ولهجته
الريفية الممطوطة ضيعت المعاني فبدت مثل أصوات بدائية.
في غرفته الطينية, التي
كان يسميها (القبو) , فوجئت بالسكاكين الكثيرة المعلقة على
الجدار فوق مربعات ومستطيلات من قماش ملوّن. أخذ مراد يعدد لي
أسماءها ومواصفاتها وطريقة حصوله عليها, وحينما أكتشف ضجرى, وعدم
اكتراثي بهوايتة, توقف لبرهة عن الحديث, نظر ناحية شيبوب كما لو
كان يستشيره في أمر خطير ثم استدار بهيبة نحو ثلاث سكاكين كبيرة
الحجم معلقة فوق خامة حمراء وهتف: (أما هذه.. فواحدة مدماة بدم
أسد والثانية بدم طنطل والثالثة) وركز مباشرة في عيني لكي يدرس
تأثير كلماته (وهذه بدم أمرأة).
***
زوجة عمي لم تكن تخلو من
أثار جمال قديم غارب,غير أن عينيها وكفيها خلتا من وشم وزينة
نساء الجنوب مما يؤكد أصلها الأجنبي. صحيح أنها كانت تتكلم
الفيلية والعربية بطلاقة, غير أنها كانت تخاطب بناتها المحببات
حينما تجتمع بهن في الليل بعبارات غريبة لم أكن أفهمها. قالَ أبي
أن زوجة عمي توركمانية الأصل.
بعد أيام من إقامتي معهم,
تجمعت عندي خيوط قصة حب غامضة قديمة. قصة اختطاف أو هروب أضطرت
العاشقين الى التخفي عن العيون لسنين طويلة. وعلى الرغم من أن
زوجة عمي كانت تنفي تلك القصة, لكنها كانت تؤكد زواجها بعمر مبكر
وتقول أنها كانت تلعب بالدمى والخرق حينما رزقت بإبنها البكر
وتتشكى: (كان مهري سرير ودولاب خشبي للملابس وطشت لغسل الثياب
وﻠﮔن وأبريق واربعة صحون واربع ملاعق و (تنكة) وقدران للطبخ
وبريمز ولمبة وبساط من الصوف وحصيرة وفراش وأغطية. ومن حولي
كانت تحثني النساء على الفرح بتلك الأشياء التي لم اكن اعرف
فوائدها وطريقة استخدامها, ولكنهم أخيراً علموني قيمتها,
فالدولاب مخصص لحفظ ملابس زوجي, والطشت لغسل ملابسه, والسرير لكي
أنام قربه, والقدر والأواني لطبخ الأغذية التي يحبها, والأبريق
واﻠﻠﮔن لغسل يديه بعد وجبة الطعام واحياناً قدميه حينما يعود
متهالكا من الخارج, وبإختصار كان مهري سلاسل عبوديتي التي
جرجرتها طيلة حياتي.. لكنني مع ذلك, لم أكف عن حب هذا المعبود
لحظة واحدة). ثم تستطرد ( كنت كلما نظرت إلى وجهه, يخشع قلبي,
وأفقد إرادتي, فتطفر مني قطرات بول). قالت:
( أتذكر اني حينما مرضت
بعد زواجنا بقليل, وضعني في حظنه, وأخذ يهزني ويواسيني طيلة
ثلاثة أيام وثلاث ليال, لم نأكل أو نشرب قط, حتى شفيت. وحينما
كنت أتأوه من الحمى كان يزرع فوق شفتي قبلة حارقة, لا زال مذاقها
في فمي بعد كل تلك السنين).
زوجة عمي كانت تجيد القبل
أيضاً, فهي تأخذ بالأحضان كل من يقترب منها من أولادها وبناتها,
والغريب انها كانت تَحرم مراد من ذلك وكان مراد يتجنبها بل
نادراً ما يتحدث اليها, ويخاطب اخواته بعبارة قولي لأمك ولا يقول
كلمة (أمّي) مطلقاً.
قص علي ذات مساء قصة
غريبة, وأخذ يدوّرها في فمه كما لوكان يختلقها ويحاول أن يصدقها
هو نفسه. قال ان والدته عثرت عليه رضيعا يبكي فوق تل من القمامة
فأشفقت عليه وأرضعته ثم تبنته ولذلك هو يختلف عن الجميع. ثم نهض
ونظر إلى وجهه في مرآة مشروخة على الجدار, وشد شفتيه لكي يتبين
أسنانه وقال: أنظر.. إلا ترى انها مدببة كأسنان السعالى. ابتسمت
أنا لكي أحبط مساعيه للعبث بي. فجلس قربي, ووضع كفه فوق ركبتي
وأتخذ وجهه طابع الجد الصارم, خفض صوته وقال: إسمع.. أنت لا زلت
صغيراً, وحينما تكبر, ستفهم ان هذه الأمور تحدث بحق وحقيقة. ولقد
واجهت أمي بها, ولذلك فهي تكرهني وأنا أكرهها. نحن جميعاً, أنا
وأخوتي وأخواتي, نختلف بالخلقة لإننا جميعا, من آباء مختلفين.
وعمك الذي هو أبي هو شخص غير قادر على انجاب الأولاد, وهو يحب
زوجته بجنون ويتغاضى عن خياناتها. كانت تخونه مع كل اصدقاءه وحتى
مع الطناطل والشياطين والوحوش, كانت تخرج بعد أن ينام
الجميع, حتى في الشتاء القارس, تصعد إلى السطح وتقابل شبحاً
مقروراً ينتظرها. تنام بين ذراعيه وتبقى طوال الليل تصدر
تأوهات كتأوهات القطة. فنحن الأبناء كما ترى مختلفون بالخلقة
لأننا من آباء عدة. وفي ليلة شتائية قارسة أضطرت أمي إلى
دفئ الشيطان فأختارت من بين ذريته وحش أسود, بجسم حصان ووجه كلب,
وكانت أمي بمفاتنها قد خدعته وقيدته بالحبال. لا تسرحه إلا حينما
تأتيها الرغبه فتفك عنه الحبال ليعتليها. وهذي هي نقطة ضعفها,
أستغلها ذلك الوحش ليلوذ بالفرار وينعم بحريته, حينما حلت قيده
ذات ليلة. وهكذا ولدت أنا نصفي إنسان ونصفي وحش. ومع مرور
الزمن تبينت سلوكها الغريب فاختبأت وفاجأتها مع عشيقها, ومن
حينها صرتُ أكرهها وهي تكرهني.
توقف مراد عن الحديث
متقطع الأنفاس وقد أدهشته اظافره القذرة الطويلة وكان ينظر اليها
وكأنه يراها لأول مرة. ضحك بهستيرية ثم انطلق مثل السهم خارجاً
من الغرفة. وحينما طالت غيبته قررت الخروج للبحث عنه. فعثرت عليه
متكورآ وملطخآ بالطين قرب النخلة المبلولة الجذور وسط الظلام.
وضعت كفي على كتفه
لإواسيه.
أحس بوجودي.
سمعته يقول: أمي لا
تحبني. أمي لم تحبني أبدا.
***
قرب متحف الأثار, كانت
هناك نُسخة مُطابِقة للنصب الأصلي لأسد بابل الذي يصور أسدا بجثه
هائلة يجثم على شخص مسجى بلا ملامح. هذا الأسد كان موضع إهتمامي
أنا إبْن الخامسة, فتخلصت من كف امّي وخطوت لأقف أمامه. مشاعري
وأفكاري البسيطة كانت تتعاطف مع الجسم الإنساني المأكول
والمشوه.. أمي قدمت تفسيرأ محيراً للمشهد رسخ كصورة التمثال في
ذهني بعد ذلك: ( أخ زنى باخته فمسخهما الله حجراً على هذه
الشاكلة وغدت خطيئتهما التي لا تغتفر عبرة لكل من لا يعتبر ).
صنعت أمي دون أن تدري داخل عقلي مرآة ذات أبعاد جديدة لم تكن
موجودة قط. ومثلما تنسحب المعاني عن الكلمات وتتركها جثة هامدة,
تتناسل الرموز وتبتعد مهرولة بعيداً عن صورها الأصلية, غادرتني
قناعاتي وثقتي بعقلي تلك اللحظة. وأمست المرئيات والأحداث
كُلهاّ, رموزاً في دائرة مغلقه, قيض على عقلي إكتشاف أسرارها
والعثور على حلتها الخالدة. وهذا ما جعلني أشك بما كان يقوله
مراد عن نفسه وعن أمه, وأطبق على وهم أنه كان يتلصلص عليها,
ويحرك رأسه بشكل شبه آلي كلما انشغلت عنه الى حيث تجلس. حلمت تلك
الليلة بأسد بابل له وجه مراد, وقد انسحب عن جثة أمرأة مأكولة
الرأس وتوقف على مبعدة منها ينظر اليها بعيون محتقنة. هذه الرؤيا
ظلت راسخة في ذهني مخضبة بضوء وردي يشبه بدء الخليقة. تختلط
الصور بالرموز بالأحلام, فأجدني أتساءل: هل كنت واهماً؟ هل كنت
أحلم؟
***
قالَ إبن عمي عيسى
الأبله: أن أخته عنّة تحبني وتريدني أن (أعرس) عليها. و قهقه
بقوة. يضحك لكي ينبه كُلّ من حوله الى الفضيحة التي أعلنها للتو.
وكلما كان وقع الفضيحة كبيراً, كان سروره باعلانها أكبر. يشد
قبضتية ويعصب جسمه, ويغرق في ضحكة وحشية لا قرار لها, حتى يحمّر
وجهه, ويكاد الدم ينفجر من اذنيه ومن جلدة رأسه الحليقة ومن
عروتي أنفه المنكمش. ومن أجل الحصول على أكبر عدد من
الأسرار, كان يختبئ في الدواليب, وتحت الأسّرة, وخلف الأشجار,
وفي اي مكان يتسع لحجب جسمه البدين القصير. يختبئ لساعات حتى
تفتقده أمه وتطلب من الجميع البحث عنه. فتتطوع البنات, وهو يسمع
أسمه يتردد في كُلّ الغرف, وحين تصل احداهن الى مكان
اختباءه, يقفز مقلدا وحشاً مروعا مزمجراً بأعلى صوته. كانت تلك
اللعبة كافية أحياناً أن تملأ روحه بالسرور. كان مجلس البنات
مليئا دائماً بالمشاغل التي لا يرغبن بافشاء أسرارها لأحد.
وحينما يعجز عيسى عن الحصول على اسرار جديدة, يضطر للتودد اليهن,
فيحطنه ويلبسنه ملابس البنات. يضعن الأقراط في أذنيه, و خطوط
من الكحل عريضة ومضطربة حول عينيه, لأنه يتلفت ولا يصبر على
السكون. ومع ذلك يمد بوزه ويدوّر شفتيه, ويلمض بلسانه بين لحظة
وأخرى, مستسيغاً طعم الديرم على شفتيه. البنات يكركرن
ويقايضنه باسرار وفضائح لا يكترث لوقعها أحد.
لم نكن قد عزمنا على
اصطحابه معنا, ولكنه تبعنا و فوجئنا بوجوده بعد أن قطعنا شوطاً
طويلأ وغدا من المتعذر العودة به الى البيت.
***
في حكاية الأب, ينصّب غضب
السماء على عمي, الذي عشق وأختطف صبية دون موافقة أهلها, وعوقب
على ذلك بحرمانه من الجاه والولاء والثراء الذي كانت ترفل به
عائلته ليعيش حياة تشرد وفاقة مضنية. أما أبنه البكر خليل فعقابه
كان أشد وأقسى , لأنه هو أيضاً كان قد أحب صبية لكنها اصيبت بداء
الجذام بعد عام, فتبعها إلى جزيرة (الفطر الأحمر) حيث حجرتها
السلطات الصحية المحلية مع المصابين بهذا المرض . وتلك الجزيرة
التي يتسع حولها نهر دجلة, مكان رهيب محاط بالإشاعات والغموض.
يقال أن الحكومة أرسلت
إلى ضفافها أنواع الحيوانات الضارية والكواسر, ولم يعد يقربها
الا من اضطر الى التخلص من قريب مجذوم أو يطمح إلى صيد الخنازير
البرية والأسود والنمور. لم يستطع خليل الحياة بعيداً عن حبيبته
التي كانت تتعذب وتتفسخ مع مئات المرضى المحجورين على
الجزيرة فعبر اليها وتزوجها غير آبه بخطر اصابته هو نفسه بالداء
المخيف أو أن يصبح نهبا للحيوانات المفترسة. وتحت جنح الظلام كان
يتسلل (بمشحوف) ليرى أّمه التي وعد أن يزورها مرة كُلّ شهر.
استيقضتُ على صوت الباب
يطرق, رفعت رأسي فرأيت أبي يغط في نوم عميق وقد فتح فمه وغارت
عيناه المغمضتان في محجريهما فسرت في جسدي قشعريرة وكأني أحلم من
جديد بالكابوس نفسه .. كابوس رؤية أبي ميتاً و جثته ممزقة و
ملقاة بين النجوم. والنجوم ببرودتها وسط عتمة الليل بدت مثل
اصداف بيضاء على رمل سواحل جزيرة نائية.
حولي كان الجميع نيام في
أفرشة على الأرض بعضها محجوب بناموسيات وستائر بيضاء . وكان وجود
فراشي قرب حافة السطح غير المسّور قد مكنني من رؤية معالم الظلام
وما يجري تحتي داخل البيت. أنقلبت على بطني وأخذت أرصد الحركة
والسكون وأرهف السمع. كان الدق على الباب خافتاً ولكنه متناغم و
بوتيرة واحدة. رأيت قامة أمرأة تهبط درجات السلم الطينية الضيقة
بحذر شديد، قصدت المرأة أحدى الغرف ثم خرجت وبيدها فانوس فتبينت
وجه زوجة عمي المميز. فتحت الباب ببطء شديد ورفعت بحذر العارضة
الخشبية الثقيلة المثبته خلفه. تنحت جانبا لكي تتيح للزائر الضخم
والمحني الظهر أن يدخل الدار ثم قادته إلى نفس الغرفة التي أخرجت
منها الفانوس. أعياني الترقب وأنا أنصت لحديثهما المتواصل الذي
كان يصلني أشبه بالغمغمة, فأستسلمت للنوم. وحينما أستيقظت عرفت
بأن إبن عمي خليل كان قد زار أمه غير أنه غادر البيت قبل أن تشرق
الشمس.
***
لم اتصور بأن مراد كان
جاداً بشأن رحلة صيد الإسود تلك, لأنه قال أشياءً متضاربة
ومبالغات لولا وجه ربيبه الرصين شيبوب الذي كان يصغي معي بحواس
يقظة أشبه بحواس حيوان, لأنفجرتُ ضاحكا. ولم أفعل أيضاً بسبب
هيبة وسطوة قبحهما وضخامتهما وسذاجتهما. أيقظني مراد بخشونة
واضعاً اصبعاً تفوح منه رائحة السكائر, على شفتيه مشيراً أن أصمت
وبإشارة أخرى أن أتبعه. رأيت شيبوب يقعي فوق رأسي أيضآ وأنتبهت
إلى غدارة قديمة معلقة قرب حزامه. كان أبي نائما و السماء
تتلألأ بالنجوم مثل غطاء بارد. فأطبقت جفنيّ بقوة علَّ النعاس
يقودني إلى النوم ثانية وأتخلص من هذا الكابوس. ولكن كف مراد
أطبقت على كتفي وأخذت تهزني بقوة وكانت الفاصل الحاسم بين النوم
واليقظة. دفعت الغطاء عن جسمي وتبعتهما بخطى متأرجحة متمسكاً
بالجدار لأن السلم من (اللبن) الهش و بزواية حادة تصل السطح بأرض
البيت بأقل عدد من الدرجات. كانت تجربة النزول ليلا نصف نعسان
تشبه إلى حد ما تجربة السير على الحبل. أتذكر أننا تناولنا عشاءً
مكوناً من فاكهة الرقي مع الخبز والجبنة فأضطررت أن أيقظ أبي
ليصطحبني إلى دورة المياه. نصحني أبي بالبول من حافة السطح إلى
الشارع. وهكذا كونتُ قوس قزح من الألوان ينثال مع
الرذاذ المتطاير في مهب الريح. قادنا مراد إلى مخزن الحبوب, حيث
كانت تنتظرنا صينية من القيمر وثلاث طاسات من اللبن وأرغفة شعير
ساخنة واناء مليء بالدهن الحر وقوري شاي كبير فوق منقلة مليئة
بالجمر والرماد. كان هناك من أستيقظ مبكراً جداً واعد لنا الفطور
ولكنه نسى أن يجلب السّكر. أكلنا قليلا بعدها قادنا مراد إلى
غرفته وأخرج صندوقاً مدفوناً مغطى بحصير, و مسدسين كبيرين من نوع
الكولت, دس واحد في حزامه وناولني الأخر. رفضت اخذ المسدس الذي
كان بارداً وثقيلا وخشيت أن ينفجر بين يدي. قالَ مراد : ولكنها
رحلة مليئة بالمخاطر لصيد الأسود وليس العصافير, وعليك أن تتزود
بسلاح. وضع شيبوب كفه الضخمة فوق مقبض غدارته معلناً أنه على أتم
الأستعدد.
***
حينما خرجنا من بين
البيوت والصرائف الطينية الواطئة لم يبق لنا شاهدة للعودة غير
مصباح شاحب الضوء معلق فوق محل للعطارة مبني من الصفيح (الـﭽينكو)
واجهته مخرمة بعشرات الثقوب. وكانت ريح الصباح الخفيفة تطوح ذلك
المصباح بضوئه الفضي, فيبدو من بعيد وكانه متدل من يد حانية بقت
هناك لترشدنا إلى طريق العودة. كنت دائب التلفت كي لا تضيع عني
تلك اليد وذلك المصباح. وبعد أن عبرنا خط أشجار البساتين
وأنحدرنا الى أرض أشبه بالوادي وحل ضوء النهار, لم يبق عبر الأفق
المترامي, أثر لضوء مصباح أو قرية. وهنا نبهت ابن عمي مراد إلى
إننا ضللنا طريق العودة. كنا قد مضينا ساعة وكان المسدس في حزامي
ثقيلا, والشوك أكل ساقيَّ فأدماهما. قالَ إبن عمي مراد بحزم: نحن
لم نبدأ الرحلة بعد.
ومثل القائد الذي يسيطر
عليه احساس الواجب بمواساة الإتباع وتخفيف الحمل والآلام عن
كواهلهم, سرد علينا مراد كُلّ ما يعرفه وسمعه من حكايات صيد
الأسود. اغلبها قصص أخيه خليل الذي يقطن جزيرة (الفطر الأحمر)
والبعض الأخر كان وليد مخيلته المتدفقة, أختلقها ليشغلنا
بالحديث.
حين توسطت الشمس كبد
السماء, كان العطش قد استبد بي والقيظ سخن رأسي فطلبت وقتاً
للراحة. دخلنا بستاناً للفاكهة وجلسنا فوق جدار منهار قرب ساقية
للري. قصدت الساقية وبللت بمائها الطيني البارد وجهي ورأسي وغسلت
الدم المتخثر عن ساقي. كان معنا شيء من ارغفة الشعير والماء
الصافي, فأقتصدنا بها, وأكلنا من تمر وفاكهة البستان المتساقطة
حول الأشجار في كُلّ مكان. سمعنا صوتاً قريباً منا يصدر من خلف
شجيرة عند فتحة في السور, فأذا به حيوان رمادي غير واضح المعالم.
صرخ مراد وهو يشهر مسدسه: ( إنه خنزير بري متوحش, لا تدعوه يقترب
فسيقتلنا جميعا.. صوبوا نحوه). شهر شيبوب غدارته ذات الخرطوشتين,
وصوبت أنا مسدسي الكولت تجاه الحيوان الذي تحرك مضطرباً. زمجر
مراد بصوت كالرعد (الآن). بعد لحظات انطلقت اربع عشرة اطلاقة من
أسلحتنا المذعورة وخلفت سحابة غبار وشظايا خشب متطاير ونتف من
لحم مدمى. لم يكن ذلك الحيوان سيئ الحظ غير أرنب قاده القيظ
مثلنا إلى ساقية الماء. أنا الوحيد لم أكن أضحك على الأرنب الذي
لم يبق من جسمه وجلده شيء. وبينما كان مراد وشيبوب يعيدان تعبئة
سلاحيهما بالذخيرة لمحت ثلاثة أشخاص يتقدمون بحذر و يقفون
بمحاذاة الجدار. صوّب الثلاثة بنادقهم إلى ظهورنا وأمرونا برمي
الأسلحة, وهكذا تحولنا في لحظة من صيادين إلى طرائد.
كان خزعل الناطور هو
وأبنه ومساعده الشاب في جولة في البستان حينما سمعوا الإطلاقات
النارية, فبحثوا عن مصدر الصوت, وعثروا علينا, ولم تنفعنا كُلّ
حججنا لأنهم قبضوا علينا بالجرم المشهود. فأوثقوا أيدينا بالحبال
وقادونا إلى زريبة الحمير حيث عثرنا على عيسى الأبله موثق اليدين
مغطى بالروث يبكي بلا انقطاع. كان عيسى قد
تبعنا دون أن نعلم, ووقع في قبضة الحراس قبلنا. وضعونا نحن
الأربعة في عربة لنقل الفاكهة مسطحة يجرها حصان حزين لم يكن يرغب
مثلنا بتلك الرحلة, ثم قادونا عبر أرض متعرجة حتى وصلنا
مكان أشبه بالقلعة, محاط بسور عال وبوابة خشبية
هائلة منفرجة على مصراعيها. وخارج القلعة كانت هناك قدور هائلة
للطبخ تتأجج تحتها النار, وأربع شياه حمراء تُحمص على عمود
دوّار. كان هناك من يعد الطعام بينما إكتظ المكان بفلاحين
وفلاحات بملابس نظيفة في حركة دائبة داخل القلعة وخارجها. كان
حارسنا الذي يقود العربة يتبادل التحيات مع أقاربه ويشرح للجميع
كيف أنه وفّق أخيراً للقبض على اللصوص, ثم يلتفت الينا ليقول: (
قد يحالفكم الحظ اليوم, فالمالك شيخ العشيرة, مبتهج الفؤاد بزواج
إبنه. واليوم يوم رقص وغناء وسرور, وقد يخفف عنكم ويكتفي بالجلد
بدل قطع أيديكم كما يفعل عادة مع اللصوص الذين يتطاولون على
خيراته وممتلكاته).
ساروا بنا إلى داخل
القلعة التي ضمّت ايضآ عشرات البيوت والمخازن والأبنية المعقدة,
شيدت خصيصاً لشيخ العشيرة وآل بيته وحاشيته وحراسه، أجلوسنا قرب
صف طويل من التنانير بينما عشرات النساء يتناوبن على الفوهات
الساخنة, يعجن, أو يخرجن أرغفة الخبز الأبيض, كبيرة
الحجم, وينقلنها فوق أطباق عريضة من الخوص. كانت رائحة شواء
الخراف والرز المطبوخ والخبز الناضج منتشرة في الهواء, فزادتنا
نحن الأربعة المقيدين مشقة فوق مشقة القيد. ولم يصبر عيسى الأبله
الا أن يصرخ في سجانيه ويطلب بعض الخبز، إستمر صراخه حتى سمعته
إحدى الفتيات, شابة بثوب أحمر, ووجه متورد بفعل حرارة التنور
والشمس. كانت قد لفت كفيها وذراعيها بلفائف من القماش وكانت
مهمتها أن تدفع بذراعها حتى الكتف, لتخرج الأرغفة البعيدة أو
صعبة الإلتقاط. كانت المرأة قربها, ربما كانت أمها, تناديها
بإسّمها بصوت متناغم, وتطلب منها عشرات الطلبات في وقت واحد (
هدية.. ضعي قليلا من الطحين فوق العجين, أو التقطي هذا الرغيف
فقد نضج, أو ساعديني بنشر هذه الأرغفة) و من النساء من ينادينها
بإسمها أيضا ، بدت بحركتها الدائبة وبشرتها الحمراء المتعرقة,
وإسّمها الذي يتردد بلا انقطاع, سحر ذلك المكان وسر حيويته.
أقتربت منا وبيدها أربعة أرغفة و هي تلقي علينا نظرات الشفقة ،
هنا إنتبهت إلى الرقة غير المتوقعة التي ظهرت على وجه حارسنا
المدجج بالسلاح الذي فك أربطة أيدينا فجلسنا على الأرض والأرغفة
الساخنة العريضة في احضاننا, وعيوننا جميعاً معلقة بالفتاة
الشابة وهي تعود إلى مركز مجموعة النساء اللواتي كن قد تعطلن عن
العمل, يراقبنها بدورهن ماذا تفعل. بقينا هناك قرب مجموعة النساء
حتى حلّ الظلام و خمدت التنانير, وأخذت كوكبة من رجال على خيول
أو راجلة, تقبل بصحبة غلمان بعمر الزواج. كانوا قد صفوا مئات
الأرائك الخشبية, ورفعوا زينة من المصابيح حول خيمة كبيرة مفروشة
ببذخ. وبدأت مجموعة من الخدم بملامح العبيد بدق البن واعداد
القهوة المرّة, فغطت رائحتها القوية على كُلّ الروائح الأخرى.
أختفت حشود النساء خلف الحواجز, وجاء دور الرجال لكي يحتلوا
المكان فأخذوا يجلسون خارج الخيمة أو داخلها, كلًّ حسب مكانته.
وسمعنا من النساء إشاعة بأن العريس غير راغب بالزواج, وأنه قرر
الهرب قبل أن يدخل على عروسه. وبسبب هذا, ملأ الشيخ القلعة
بالحرس وأمر بمراقبة غرفة العرس طوال الليل. دخل شيخ العشيرة وهو
رجل متقدم في العمر, قصير القامة, يرتدي صاية وعباءة من الحرير
اللماع, وكوفية مطرزة بزخارف سوداء وعقالاً غليضاً, هو وحاشيته
إحتلوا الخيمة على أرائك مبسوطة فوق الأرض. وبعد الإحتفال
والرقص, أقبل موكب العروس وتعالت زغاريد النساء وأصوات إطلاق
النار حتى أُدخِل العروس إلى غرفة العروسة وأحكم إغلاق
الباب. بقى الشيخ ورفاقه يتسامرون ثم سمع دقٌ قويٌ على باب غرفة
الزفاف, وفهم من التقاليد المتبعة عند القوم أن أم العريس تطالب
إبنها بدم البكارة. بعد الدقة الرابعة إنفرجت الباب قليلا وتسلمت
أم العريس من إبنها شرشفآ ملوثاً بالدم, دليل ذكورته واثبات
عذرية العروس. رفعت أم العروس الشرشف بين النساء, فالتقطه بعضهن
وأخذن يدرسنه بعناية بينما تعالت الزغاريد, وهب المقربون
والقريبون من مجلس الشيخ لتهنئته وتقبيل يديه. كانت أسارير الشيخ
قد تشربت بالفرح, امر فجيئ بالطعام (بصواني) عملاقة, وضعت على
الأرض فوق حصران من الخوص. تلقى الحارس إشارة من شخص ما فحّلَ
وثاق أقدامنا و دعانا إلى الطعام, فجلسنا أمام تلال من
الرز الساخن مغطاة بعشر شياه محمصة وأبراج من الأرغفة. حوصر
الطعام من كُلّ جانب وتبارت الأصابع تنقل الطعام إلى الأفواه
التي إزدردته بشراهة واضحة. إستمر الإحتفال حتى منتصف الليل ثم
بدأ الضيوف بمغادرة القلعة ولم يبق قرب الشيخ غير حفنة من
الصحبة المقربين أو الأقارب. وحتى هولاء غادروا الخيمة بعد حين.
هب بعض الحراس لإغلاق البوابات العملاقة, ثم توجهوا إلى أماكن
حراستهم المألوفة. أطفئت جميع الأنوار ولم يبق الا فانوس خافت
داخل الخيمة قرب منقلة خادم أسود ظل ساهراً على قهوة الشيخ
وخدمته.
خاطب الشيخ خادمه بصوت
غير مسموع, فهب الخادم ليبلغ الحارس الواقف خارج الخيمة بعينيه
اللماعتين في الظلمة كعيني ذئب، خاطب ذلك الحارس حارسنا فعرفنا
بإن ساعة القصاص قد حانت, وتخيلت نفسي عائدا إلى بغداد بكف
مقطوعة, فأخذت بالبكاء,
وتبعني عيسى بدموع أشدُ حرقة, غير أن مراد وشيبوب لم يتأثرا
وبقيا صامدين كالصخر ينظران بلا شفقة أو رثاء إلى دموعنا
وضعفنا. قادنا الحارس وأمرنا بالجلوس في موضع على البساط أمام
الشيخ عند مدخل الخيمة. كانت
الخيمة ساخنة كما لو أن الضيوف الذين شربوا القهوة ودخنوا
السجائر وتسامروا طوال الليل, خلفوا حرارة أجسامهم كعربون ولاء
دائم للشيخ, فهم يحيطونه بوجودهم حتى ولو غادروا المكان. وكانت
تلك الحرارة الأدمية في الهواء ممتزجة برائحة البن المطبوخ
ورائحة الخادم الأسود وحركاته الشفيفة الخانعة, تضفي على الأرائك
والبسط والأفرشة الوثيرة نعومة وثراء فريدين. طلب الشيخ منا ان
نحكي له قصتنا وسألنا عن سبب اسرنا ومن أيّ العرب نحن وهل نحن
لصوص أم جواسيس.
شرح مراد فبانت أسنانه
المسوسة, ببلاغة أننا لسنا من العربان, بل من الفيليين, ولم ندخل
هذه الأرض للسرقة أو لإيقاع الأذى بأحد. بل كنا في طريقنا إلى
جزيرة الفطر الأحمر من أجل صيد الأسود. ثم ذكر إسمه وإسم أبيه
وعرّف بنا جميعاً. وهنا انبسطت أسارير الشيخ وأمر بحل قيودنا
واحسن معاملتنا. سبب هذا التغير المفاجئ, هو أن عمي أبو مراد كان
قد قصد الشيخ قبل ثلاثة عقود طالباً الحماية لنفسه ولعائلته,
مقابل أن يتزوج الشيخ من بناته من يريد ومتى يشاء. وأخبرنا
الشيخ أنه هو نفسه كان قد قصد جزيرة الفطر الأحمر أيام شبابه في
طلب الأسود ولكن لم يحالفه الحظ. ثم أشاد بفحولتنا ورجاحة عقولنا
بإختيارنا طريق المغامرة والمخاطر وتفضيلها على المباهج والنساء
.وهكذا حصلنا نحن الذين كنا حفنة من المشردين الأسرى, خلال
دقائق, على أربعة أحصنة وأربع بنادق ودليل أسود أسمه حرمل.
لم يهرب العروس من عروسه
تلك الليله كما وعد, بل على العكس, فوجئ الشيخ حينما فتح الباب
عليهما, بجسدين عاريين في حالة عناق. روجت النساء هذه الحكاية في
الصباح الباكر, بينما كنا ننظر ناحية هدية التي كانت تنصت لبقية
التفاصيل بمتعة وذهول.
***
كان حرمل تجاوز الأربعن
بقليل, قاتم البشرة بشفاه غليظة كالوسائد, وكان يغمغم بصوت خفيض
وهو يتحدث فتضطر أن تقرب أذنك منه لتفهم ما يقول, ومع ذلك
صوته يتلاشى بالتدريج بعد الكلمة الأولى وتبقى حائراً تخمن ما
يريد. كان حرمل رفيقاً ومستشاراً للشيخ في ترحاله وصيده, ومدرباً
لصقوره. وتكليفه برفقتنا كدليل , كان تكريماً بليغاً لنا ومفاجأة
له لأنه لا يعرف لمَ أختير دون بقية الخدم الذين كانوا أقل شأنا
واصلح لرفقة أربعة مغفلين من الغلمان. وبعد أربع ساعات من العزوف
عن الكلام والعبوس, أنقلبت أساريره مع تلطف الهواء وأخذ يغني
بصوت رخيم. كنا نتبعه ونسمع صوت الحصى تحت حوافر الخيل مع دقات
قلوبنا حينما يتوقف عن الغناء. كانت السماء قد تبرجت بأبهة من
ثريا النجوم, وأطبق علينا حزن شفيف، غلمان في ريعان الشباب في
رحلة خيول وسط الليل يقودهم رجل أسود كما لو انها رحلة
ضياع خيالية بين الأرض والسماء, بين الأزمنة والأمكنة جميعا رحلة
كُلّ الرجال المزودين بجذوة الحلم قبلنا والذين سيأتون بعد حين.
سرنا دون أن نتوقف الليل
بطوله, خببا. وكان حزن حرمل قد أطبق علينا فلم نتبادل الكلام حتى
وصلنا الجزيرة. توقفنا وربطنا الخيول. نصحنا حرمل بالبحث عن قارب
يقلنا قبل بزوغ الفجر. أما هو فقد لف رأسه بكوفيته الحمراء ونام
متوسداً جذر نخلة.
عثرنا على عدة قوارب
وعرفنا أنها قوارب صيادين. طرقنا أبواب الأكواخ القريبة, فدلونا
على صياد عملاق في السبعين وافق على نقلنا إلى الجزيرة دون
مقابل. كان يقظاً ، أخبرنا بأنه لم يذق طعم النوم منذ أعوام, منذ
أن ماتت زوجته وهي نائمة, فقرر أن يرى الموت و يواجهه بعيون
مفتوحة.
قالَ نحن مجموعة من
الصبيان المجانين لأننا نُعرض حياتنا لخطر مؤكد, فكُلّ من يذهب
إلى تلك الجزيرة الملعونة يموت أو يمرض. حتى الأسماك تتحاشاها
وإذا أخطأت تنقلب على بطونها حين تصل الجرف. حذرَنا من النوم على
الأعشاب و أكل نباتات وفاكهة الجزيرة, وخاصة الفطر الأحمر لأنها
كلها مسمومة، دشداشته كانت خفيفة وكان جسمه العضلي الجبار يقود
القارب بكل حمولته وكأنه قارب من ورق.. وسط النهر توقف عن
التجديف لكي يرطن بكلمات غير مفهومة ويلامس باصابعه الماء, بدا
بملامحه الجنوبية المميزة وقامته العملاقة وقوته الجبارة كأنه
الإله السومري تموزي ظهر لنا من الغيب ليعيننا نحن أبناءه
الضالين.
حالما وضعنا أقدامنا على
الجزيرة, تفحصنا النهر والساحل المقابل, فلم نعثر على الصياد أو
حرمل أوالخيول , وكأنهم ذابوا في النهر كفص ملح.
***
تنقلنا حول
الجزيرة بحذر شديد كي لا نلفت لوجودنا إنتباه المرضى, لم نعثر
على أسود أو نمور أو اي من حيوانات الغاب. وخيل لنا بأن ما كان
يراه الصيادون حول الجزيرة لم يكن سوى أشباح المرضى السوداء وهي
تتحرك بين الأشجار، بدا هذا التفسير مقنعاً بسبب الطريقة غير
المألوفة التي كان المرضى يتحركون بها لتشوه أجسامهم. فمنهم من
كان محني الظهر تتدلى أمامه ذراعاه يسير متعثراً بخطى غير
مستقيمة. والذين فقدوا أقدامهم أو أذرعهم كانوا يقعون على أربع,
أو يزحفون على بطونهم. ينطلقون من صرائفهم عند انبجاس الفجر الى
بناء غريب الشكل يتوسط الجزيرة. كان ذلك البناء مطلي بطلاء بُنّي
اللون انحل مع مرور الزمن وبقت منه هنا وهناك بقع وأثار صفراء,
مشيد فوق مدرجات, وعلى واجهته ختم ملكي. على أغلب الظن أن
الحكومة الملكية بنته كدار للعناية بالمجذومين, ولكنه أُهمل
وشغله المرضى بعد ذلك.
حينما وصلنا
الجزيرة استحوذت على حواسنا رائحة عطرية جذابة لم نشم على
الأطلاق مثلها من قبل, تحتد قوتها بقربنا أو بعدنا من أماكن تجمع
الفطر الذي أستعمر الجزيرة وزحف فوق بعضه البعض فتسلق جذوع
الأشجار. غاصت أقدامنا حتى الكعبين بخميرة من الفطر المتفسخ,
والتي منها كان ينبعث ذلك العطر. سمعنا صوت انثوي شجي ينشد
تراتيلاً طقسية بلغة لم نكن نفهم منها الا بعض الكلمات. زحفنا
إلى البناء وأخذنا ننظر إلى ما كان يجري في الداخل عبر زجاج
النوافذ المغطى بغبار كثيف. كان المرضى قد جلسوا نصف عراة أمام
أمرأة عارية تنشد, جسمها البض الرشيق مغطى بشعر رأسها المنبسط
الفاحم. تقف المرأة أمام صخرة منحوتة, يحتلها تجويف مليئ بسائل
أحمر, كثيف أشبه بالزيت. مصدر ذلك السائل هو روؤس الفطر المشطورة
فوق الصخرة يسيل منها سائل لزج متعرج يشبه الدم إلى داخل التجويف. تنشد
المرأة وهي مطرقة الرأس ثم ترفع رأسها لتصغي للمرضى يرددون بصوت
واحد وبإيقاع واحد ( أمّنا الطاهرة.. أمّنا العذراء).
حين أنتهت
المراسيم, زحف المرضى إلى حيث تقف المرأة, بصف واحد, فأخذت تضع
في افواههم كسرات من الفطر, وقطرات من الزيت الأحمر وهي تتمتم (
تناولوا هذا الجسد وأشربوا هذا الدم, فهو لحم ودم إبن الرب
المنذور لشفائكم). ثم أخذوا بالخروج واحد يتبع الأخر بإتجاه
النهر, الذي كان هادئاً ، القادرون منهم غمروا أجسامهم حتى
المناكب بالماء, الباقون اكتفوا بترطيب وجوههم واعناقهم وصدورهم
ثم عادوا إلى البناء الذي لم تغادره المرأة قط. كنا قد ابتعدنا
واختفينا خلف الأشجار من جديد. وهنا أحسسنا جميعا بوهن وجوع
قاتل. كان العطر قد خدّر حواسنا وعقولنا, فلم نعد نتذكر من نحن
أو أيّ نوع من المخلوقات كنا, فتحولنا إلى الفطر الأحمر
نلتهمه دون تفكير.
رأينا جنة بهية
الألوان، رأينا اسوداً ونموراً وضباعاً وزرافات وفيلة، كانت
الوحوش وأجناس مختلفة من بني آدم يعيشون سوية بأمان. رأينا أمرأة
تجلس على عرش وعلى رأسها تاج مغطى بالأحجار الكريمة. كان وجه
المرأة يتغير كُلّ لحظة ولا يستقر على حال. أرتسمت في وجهها
ملامح كُلّ النساء اللواتي عرفتهن في حياتي, وكن جميعاً يهتفن
باسمي ويطلبن مني أن لا أفارقهن.
هذا ما رأيته
أنا ولم أسأل عما رآه الأخرون. حينما استيقظنا من حلمنا المخدر
ذاك رأينا صياد السمك العملاق الذي يشبه الاله تموزي ينتظرنا
وينادينا من الجرف: (اللعنة.. لم تسمعوا كلامي وأكلتم من الفطر.
مضى على وجودكم هنا شهر كامل. وكنت أناديكم كل يوم ولكنكم كنتم
صمٌّ بكمٌّ لا تفقهون. تعالوا لأعود بكم قبل أن تضيع عقولكم إلى
الأبد وتموتون فقد أصابكم الهزال).
الوحيد الذي رفض
العودة معنا هو شيبوب, لأننا كنا في غاية الوهن فلم نقدر على رفع
جسمه الثقيل عن الأرض وأجباره على العودة معنا.
حينما عدت إلى
بغداد وأستعدت وعيي وصحتي الكاملة, طمر النسيان بطريقة غامضة
كُلّ الأحلام والخيالات التي رأيتها وأنا مستسلم للنوم مخدر فوق
تلك الجزيرة. ولكن بين الحين والأخر, أرى نفسي حالماً و لكن بعين
واحدة, فأعثر على تلك الجنة من جديد, يجلس بين ذراعي بأستسلام
كامل أسد له وجه إبن عمي مراد.
سمعت بأن إبن
عمي مراد كان قد عاد إلى الجزيرة بعد عام للبحث عن صديقه شيبوب.
آه.. ولكن تلك
حكاية أخرى سأدخرها لوقت أخر.
الفصل الثاني
فؤاد ميرزا/ 1976
بعد أن فقد صديقه شيبوب,
مضى مراد ينصب الفخاخ, يقتات على الصيد وينام في البراري ولا يعود إلى
البيت الا ليتخلص من لحوم الحيوانات والطيور التي اصطادها. يستيقظ
صباحا فلا يطيق البيت الممتلئ برائحة الأناث واصواتهن وظل أمه وروحها
الملتبسة بكل المرئيات. فيجد نفسه حانقاَ دون سبب واضح, يزداد غضبه
كُلّ لحظة, تقبض على صدره كف من حديد, فتضطرب انفاسه, ولا يتخلص من أسر
تلك الحالة الا بالعدو, مودعا بيته الكئيب وبيوت القرية التي لم يعد
يأتمنها على افكاره المشتتة وخطاه الضالة.
ذات صباح, وهو نائم في العراء,
اخترق
عينيه شعاع فضي, فخيل له أنه رأى طيراً كتلك الطيور التى حلم بها وهو
مصاب بالخدر فوق جزيرة الفطر, ملون الريش, فإحتضن الجذع وتسلقه بسهولة
كما لو كان جذع قنطرة مرمي على الأرض. وقبل أن يمسك بذلك الطائر تغلغت
اليقظة في كيانه وأنتشر نور الشمس مثل نافورة مع كُلّ سعفة. تبخر
المشهد غير أن جسمه ظل محمولاً فوق موجات دافئة سرعان ما نقلته الى
الأرض بأمان. فتح عينيه فسمع فتاة صبية تنشد ( ياليت عمري سبع عشرة)
وسط أربعة نساء مسربلات بالسواد سائرات وعلى رؤوسهن آنية طويلة تنسكب
منها حبات لماعة من الماء فتبلل رؤوسهن وأرديتهن السوداء. خمْن مراد أن
النهر غير بعيد, وبعكس إتجاههن سار حتى سمع صوت جريان المياه وأحس
بالتراب طينياً مائعاً تحت قدميه. القى بندقيته وكيس الصيد وغطاهما
بدشداشته ثم قفز إِلى النهر الذي كان صافياً لا تسمع عبره إلا فقاعات
قرب الجرف وحلقات متناغمة خلقتها سمكة صغيرة قفزت وسطه فجأة.. بعد فترة
ليست قصيرة ظهر رأس مراد قاتما وسط النهر. سَبح بمهارة دائراً عدة
دورات قبل أن يعود إِلى الجرف ويجلس فوق صخرة وأسنانه تصطك وجسده
يرتعش. شذبت برودة الماء إحساسه باليقظة وبكثافة الوجود فأخذ يسمع ويحس
بحشود الحيوات المتدفقة من حوله. رائحة الأسماك قوية تنبعث من النهر
يتشبع بها الهواء، أخذت روحه المضطرمة تستعيد ماضيه وذكرياته كلها,
وأحس على نحو غامض أنه عاش حتى الآن بعذوبة, ولكن ببطر, وتمنى أن يتوسل
طالباً الصفح من شخص ما. إضطرب الماء وأنبثق من العتمة قارب سماك فخيل
له بسبب العتمة ومشاعر الحنين التي كان يضطرم بها فؤاده أن السماك الذي
يشبه الإله تموزي يشق النهر بقاربه متجهاً اليه.
فارتدى دشداشته وأخذ يَلوح و
ينادي بأعلى صوته ولكن حينما أقترب القارب منه وتبْين ملامح
السماك, خاب أمله. كان حائراً ومتردداً ماذا يقول ثم تجرأ وسأل عن
جزيرة الفطر الأحمر, كم تبعد, وهل بالإمكان نقله الى هناك وأقترح
مكافأة لمن ينقله اليها, كيس صيده المليء بطيور الدراج والزرازير
والأرانب. أخبره السماك أنه لايسكن بعيداً عن جزيرة الفطر الأحمر, وان
قريته تحاذي معسكر الجنود قريباً من الجادة التي تقود الى المدينة. ولو
اصطحبه الى هناك فلا يبقى له من موضع القرية الا مسيرة ساعتين على
الأقدام وربما لو حالفه الحظ فسيعثر على عربة تنقله الى المكان بأقل من
ذلك. وافق مراد فانطلق به السماك عائداً الى وسط النهر. طبطبة المجداف
الرتيبة, ووجه السماك المحايد الخالي من التعابير, جعلته مع مرور الوقت
يحس بأنه ينزلق مسلوب الإرادة الى عالم مجهول بلا معالم, وإن ما خلفه
على الضفة الأخرى ليس أهله و ماضيه و ذكرياته فحسب بل عالم أبيض لن
يتمكن من إستعادته ما عاش ، على الإطلاق.
***
كان السماك يعرف بأن مراد مثله,
لا ينتمي إِلى فئة الرعاة أو الى الزراع, ويقارنه بإبنه الضال (عبودي)
فيرى ضخامته وهيئته الوحشية أكثر وسامة. وما أن وصلا الجرف عند حافة
القرية, بحدود العاشرة صباحاً حتى أستقبلهما عبودي وسدارته العسكرية
بيده وقميصه الكاكي مفتوح حتى أخر زر, هتف مهللاً: حدثت ثورة ولقد
قتلنا جميع الضباط ونهبنا المعكسر.
***
كانت الأخبار تنتقل بين المدن
والقرى مثل النار في الهشيم: نقيب في الجيش يدعى عبد الستارالعبوسي دخل
قصر الرحاب الملكي في بغداد ورشاشته بيده وكان قد سمع خبر الثورة مع
تباشير الفجر الاولى, وما هي الا دقائق, حتى لمح الأميرات الشابات
بالمحارم وبلباس النوم, يتقدمهن الملك برفقة خاله عبد الإله,
فرأهم صفاً واحداً وحصاداَ سهلاً, فأمطر ظهورهم ورؤوسهم بوابل من
الرصاص. قالَ أصابني هوس وسقطت فوق عيني غشاوة, بسبب سهولة الصيد ومن
اجل أن
أحشر إسمي مع الثوار وعلى صفحات التاريخ, فضغطت على الزناد وأنا لا
أفقه ما يجري حولي وما يدور. بارك الضباط الَّذينَ إستلموا
سدّة الحكم
بأزيز الرصاص هذا العمل بالصمت المطبق, ووصلت الحبال إِلى جثة عبد الإله ثم
إِلى جثة نوري السعيد الذي انتحر بعد ذلك بأيَّام, لتسحلها وتمثل بها
وتعلقها على أعمدة الكهرباء, ثم تحرقها فتحيل بغداد إلى مبخرة لرائحة
اللحم الأدمي المحترق. وانتشرت قصص جرائم الإنتقام والويلات التي لحقت
بأعوان النظام المنهار, نسجت معها ولونتها المخيلة الشعبية الفكاهية
بألاف التفاصيل المختلقة ذات النكهة اللاذعة .
***
كنت صغيراً, أرى ولا أفهم.
أتقافز مع الناس, وأهب إلى الشارع, فتهرول أمّي خلفي. تسحبني من يدي
وتخفيني تحت عباءتها لكي لا أرى المشهد. ولكني كنت أتملص من أصابعها
كالشيطان, افتش في العباءة السوداء عن ثقب أو فجوة, وحينما ترتخي
اصابعها ويتدلى فكها لهول ماترى, ينط رأسى كالجني من تحت العباءة.
فتتعوذ امي من وساوس الشر , وتحرس رأسي بالتعاويذ, تقرأ سورة الخناس
ثلاثاٌ, و تتمتم: ( لا رأت عيناك طعم الهموم, لا رأت عيناك طعم الهموم
يا ولدي) وهي لا تعرف, بأني رأيت, بأني سمعت, بأني شممت, وكما يقول
العامة في الأمثال, سقط الفأس في الرأس فلا خلاص. رأيت جثة هامدة,
سوداء من لحم, ممزقة, يسيل من جوانبها دم أسود مختلط بالتراب. وعلى
الأسفلت تركت شريطاً من شحم آدمي لم يفقد رائحته ولونه اللماع على طول
الشارع لأيام عديدة من أثر السحل. إنحنيت فوقه , ومررت بسبابتي عليه,
وقربته من عيني, ووضعته على لساني. ها أنا أرى الموت لأول مرة, أتحسس
سره, وأستكتشف غوره, يتأبط ذاتي فابقى ساهراً وأنا أرى الجثة المحروقة
المشوهة, تسحل في الشوارع والأزقة. ولكن المخلوق الحي يأبى أن يموت.
فأمنحه كُلّ مشاعري وأحاسيس روحي وجسدي الصغير وهو يستقبل الرصاص,
ويسحل بالحبال خلف سيارة, أو من أيدي الصبيان, أو من عجلة نارية, وأرى
البانزين وهو يسكب, وألسنة اللهيب وهي تتصاعد, والسكين وهي تبتر,
وتنغرز عميقاً فتهشم العظم وتشطر الأحشاء.
لم أستيقظ من حمى مارأيت, الا
بعد أن إنتفخت عيناي وإمتلأتا بالماء والصديد. قالت أمي التي كانت
تحترم الملوك وتسمي أولادها بأسمائهم (أية وحشية لهؤلاء الهمج, وكأنها
قوى الغاب الملجومة, إنطلقت تهشم وتخرب وتسرق وترتكب الشرور باسم
الثورة. هل نسى الناس أديانهم ومذاهبهم ؟.
أي شيطان هذا الذي يسمي نفسه
جندي.. نأتمنه على أرواحنا, ليحمينا من العدوان, وحينما يستكلب بالسلاح
ويستقوي بضعف الناس, يهجم ويقتل ويرهب!. الثورة ليست مهمة العساكر!..
بل حراسة الحدود).
تفزع أمي أيضاً, لانتفاخ عيني
فتأخذني إلى حضرة الكاظمين من أجل الإستجارة بالإمامين. جربت في عيني
مراهم الطبيب و (خريّط الحِب) وماء الورد البارد وقطرات من عصير الرمان
فما نفع كل ذلك عيني, بل زادهما حرقة, وكأن رمل وتراب شوارع بغداد
المتجمع تحت الجثة المسحولة القي فيهما كله, فتصببت من عيني دموع
متواصلة لها لون أحمر. وضعت أمي كفيها عبر مشّبك المرقد, أطبقت بكل
أصابعها على فضة القضبان, هزتها, أستنجدت ( هذا فلذة فؤادي بين يديك
وهو من أتباعك, على العهد باق عيناه تورمتا, فما عرف شفاءه طبيب و لا
حكيم, اتيتك به وهو المنذور لآل البيت دمه.. بحرقة دموع زينب وسُكينه
أستنجدك يا وكيلي ويا إمامي). أمي كانت امرأة من حديد, لا تضعف ولا
تبكي, بل تقطب جبينها وتغرق عيناها بعتمة حمراء قانية. ذلك النهار, من
أجلي ذرفت الدموع, سقطت من عينيها دمعات ثقيلات على فوطتها وكفيها
الموشومتين بالنجوم. داخل المحراب رفعت أنا رأسي إلى سقف الضريح والى
الجدران فأنعكست صورتي صغيرة ملايين المرات في تجريد المرايا
والثريات, تقطر في عيني ماء كالزئبق بارد كالزلال, فأحسست بالارتياح
وهدأت روحي, ورويداً رويداً اختفت حرقة الرمل الجارح تحت جفني.
أخي الكبير فيصل استبشر بالثورة
وكذلك أخواي غازي ورضا ولكن كلّ على طريقته. أخي فيصل عاد مبحوح الصوت
آخر النهار لكثرة ترديده (الله أكبر, والموت للخونة) جاب طرقات بغداد
متتبعاً الجثة مساهماٌ بطقوس وشعائر الإحتفاء بالموت, وكان متحمساً
ومؤمناً بفكرة الثورة وسيطرة الشعب على السلطة. أما غازي فقصد سوق
الشورجة مصطحباً عمي إبراهيم تاجر الشاي ووالدي وربضوا أمام متاجر
ومخازن العائلة مع ثمانية حمالين مفتولي العضل من الفيليين, ووزعوا
كؤوس ماء الورد المبرد على العطشى اللاهثين وأحتفلوا مع المحتفلين،
رضا مكث في البيت يهدئ أمي وأخواتي اللواتي روعهن خبر مقتل الملك الشاب
والأميرات, فلم ينقطعن عن البكاء حتى تورمت عيونهن. أخي رضا كان إبن
مدارس وكتاب, متخرج للتو طبيباً بيطرياً, استبشر, غير أنه تمسك بعواطفه
قائلاً ( لنرى ما تحمله هذه الثورة لنا وللبلد من تغيير). بعد أن اختفى
الورم من عيني, وعاد لوجهي صفاؤه, أهدتني صبية بصرية انتقلت عائلتها
حديثا إلى (باب الشيخ), إبْتِسامَة عريضة ووضعت في كفي وردة بيضاء.
***
كانت هناك ثلاث سمكات كل واحدة
منهن بطول ذراع من نوع الـﮔطان مرميات في القارب, وبعد أن أخبره إبنه
عبودي بخبر الثورة ونهب المعسكر وتفرق الجنود, وجد حمزة السماك نفسه
أمام مشكلة حقيقة. فالصيد كان من نصيب المعسكر, مخصص للضباط من الرتب
العالية الذين لا تخلو وجبات غذائهم من السمك المقلي المتبل بالبهار
يحتسونه مع الرز العنبر. يأخذ الصيد منه رئيس عرفاء جابر وهو أخ له غير
شقيق, كان مسؤولاً للذخيرة والأرزاق يأخذه منه كل صباح للمعسكر مقابل
السمكات الصغيرات التي يستحوذ عليها لعائلته. حمزة السماك يعرف بان
ساعتين تحت حرارة شمس تموز اللاهبة كافية لطهي الأسماك و طيور وأرانب
مراد, ولذلك فكر ببيعها في المدينة على عجل. وضع إبنه عبودي ومراد
الأسماك في أكياس من القنفاص وتزودوا بدلو ماء يرطبون به الأكياس كي لا
تجف.
قبل أن يصلوا الى بيت رئيس
العرفاء جابر والذي كان يمتلك عربة وحصاناً, لمحوه من بعيد وقد أبدل
ملابسه الخاكية بكوفية وعقال ودشاشة لا يرتديها عادة الا في الأعياد
والأعراس. أكد جابر لأخيه خبر الثورة وموت الملك وتفرق العساكر, ونصحه
بتجنب الذهاب الى المدينة لأن أبواب المحلات في السوق مغلقة والمدينة
مليئة بحشود من الناس لا يعرف أحد من أين أتوا أو أصولهم و فصولهم،
يتظاهرون ويطلقون النار في الهواء وهناك أعمال سلب وشغب و قاتل ومقتول.
وقال إن الناس لا تفكر اليوم بالبيع والشراء, فأما فرح وأما هلع,
والواجب هو طبخ الأسماك والطيور ودعوة الأقارب للإحتفاء بالمناسبة.
حمزة السماك كان يفكر بإبنه الضال عبودي والمشاكل التي سيخلقها بوجوده
الدائم في البيت, الى جانب استياءه من فقدان ثمن سمكاته. ومثل مراد لم
يكن يفهم حقيقة ماكان يجري في العاصمة البعيدة وكان يصغي كما لو الى
أحاجي وألغاز. قال لأخيه ( ها أنك تتبرع بسمكاتي من جديد... ولو كنت
أعرف في المدينة أو في القرية شخص واحد أبيعها له, لما تفاخرت أنت
بكرمك). قهقه رئيس عرفاء جابر ثم قال ليطيب خاطره ( الى جانب البنادق
والعتاد, في البيت لدينا من الرز عشرة أكياس غنمتها من إغلاق المعكسر,
ستقوم بناتي بمساعدة إبنتك (عَليّة) بسلخ الأرانب وطيور الدراج, والطهي
في بيت الوالد). أنتبه حمزة السماك لذكر إسم إبنته عَليّة والتي لم
تبلغ الرابعة عشرة بعد وتذكر رغبة أخيه في خطبتها لإبنه الأخرس. فقال
بنوع من الحدة ( تفكر بإبنتي كما تفكر بغنيمة, هي ليست سمكة ولا خراطيش
بندقية كما تعرف).
سار حمزة الصياد ومراد وسط موكب
كان يتسع بإنضمام الأقارب والأطفال كلما تقدموا بين صرائف القرية حتى
وصلوا بناءاً غريباً لم ير مراد مثله من قبل, مسّور بجدار عال من
الطين, يزين كل زاوية منه قرن هائل من قرون الثيران. وكان الباب من
الخشب القديم المتآكل ، لم تزل بادية عليه زخارف بارزة, وفوق مطرقته
الحديدية رسوم تمثل مناظر من الهور ورؤوس حيوانات الجاموس والأبقار.
حينما دخلوا الدار لاحظ مراد أن
الغرف المبنية من الحصران والطين كانت بلا نوافذ أو أبواب, بينما
النساء يخرجن و يدخلن من تلك الفتحات الواطئة أو يبرزن وجوههن من الكوى
المدورة وقد أثارتهن الحركة الغامضة داخل الدار فركزن أنظارهن على وجه
الزائر الغريب. وسط الدار المكشوفة بني مضيف من القصب والبردي المجدول
بطريقة معقدة وجميلة. في داخله جلس رجل ضرير تجاوز المئة, له جديدلتان
طويلتان مخضبتان بالحناء. جفناه موشومان برسم يشبه جسم سمكة, وعلى
حاجبيه وصدغيه وانفه وحنكه وكفيه نجوم من الوشم الأزرق. رفع العجوز
رأسه وحملق طويلا في وجوه أولاده وأحفاده وكأنه لا يعرف أحداً منهم ثم
طلب من مراد الإقتراب وأخذ يتفحصه ويشمه ثم أشار بإصابعه الطويلة
المعروقة المرتعشة والتي تشبه إصابع كاهن إِلى أولاده وقال بامتعاض (
أنت أقرب الي من هولاء). كان منزعجاً وعدم الرضى باد على صوته. تململ
رئيس عرفاء جابر (هاهو يهذي من جديد) ثم بصوت عال ( أبي.. قامت ثورة
وقتلوا الملك).
ارتعش العجوز وتضببت سحنته
بسحابة من الحزن فسحب ذراعه ووضعها من جديد مرتخية في حجرة. بعد صمت
طويل أحس الجميع بأن والدهم العجوز غادرهم كعادته هارباً الى ذكرياته
القصية.
***
يحدق العجوز فلا يرى الا جراداً
أصفر امتلأت الدنيا به, يطير بسرعة عمياء, يصطدم بالناس وبجدران البيوت
فيسقط بأكوام على الأرض. وكان الناس يحشونه في أكياس فارغة
والأولاد بأطراف دشادشيهم, يأخذونه ويلقونه داخل قدور مليئة بالزيت
الحامي, يحمصونه و يسلخون عنه رأسه وأطرافه ويستسيغون طعمه الذي يشبه
طعم زلال البيض. عاصفة الجراد أستمرت ست ليال وستة أيام, فتح الناس
أبواب بيوتهم بصعوبة بسبب اكوام الجراد الميت المرتفعة خلفها وعلى
الطرقات، و مرض الجميع ،أصيبوا بالإسهال وتقيأ البعض سائلاً أصفر مخضر
وشعروا بالضعف فاستسلموا للنوم على البسط و الحصران لعجزهم عن الوصول
الى أسرتهم. ( علامة شؤم هذه.. علامة شؤم) يولول العجوز لدى هجوم
الجراد الذي أعقبته عاصفة رملية هوجاء, من أحشائها خرج قطيع من البشر
صفر الوجوه بلا شفاه أجفانهم جفت في محاجرها وعظمة أنوفهم ظاهرة من تحت
اللحم الناشف المسود , بدشاديش قصيرة تكشف عن سيقان كسيقان الجراد.
قصار نحاف يشهرون سيوف مثلمة معقوفة, يقطعون الرؤوس ولا يميزون بين رجل
أو شيخ أوطفل أو امرأة حامل. يبقرون البطون, ويضربون الناس الهاربة
المرعوبة من أمامهم بلا رحمة، أتوا من الصحراء, مع الجراد, تستروا
بعاصفة الرمل, وهدموا المدن الواقعة الى الجنوب جميعها. قطعوا أعناق
النخيل ولم يبق حجر فوق حجر , وأصطبغ النهر بدماء المقتولين, والجدران
بدماء رؤوس الرضع المهشمة عليها. تمتمم العجوز ( علامة شؤم قلت لهم..
سيعودون ليقتطعوا نخيلنا ويقتلوا اسماكنا.. جراد الصحراء, أبناء العطش,
أعداء الماء والحياة).
أخذ يتنفس بصعوبة وبلمح البصر
انقلبت مشاهد الموت والألم القديمة التي حدثت في طفولته ولا يتذكرها
أحد من أولاده, الى مشاهد من ذكريات شبابه وزواجه من الصبية صبيحة ذات
الشعر الاحمر.
يسمع صوتها كما لو أنها تحدثه
الآن، تترجاه أن يكف عن مداعبة سرتها, وقد فقدت أنفاسها من الضحك. كان
قد دخل معها الحمّام وأخذ مايكفي من الطعام والحلوى والفاكهة, يداعبها
ويضحك معها ونساؤه الأخريات وأولادهن يمرون قرب الباب ويسمعون صوته
وضحكاته: ( جلدك شهي مثل جلد بطة حمراء محمصة أين تريديني أن اعضّك
فأنا لا أشبع منك أبداً). كان يعرف بأن زوجاته الأخريات يحرضن عليه
أولادهن لينغصوا عليه خلوته فكانوا ينقرون على الباب يرمونه بالحصى
ويختبئون. يخرج نصف عار من الحمام ويتناول خيزرانة ليلقن من يمسك به
درساً لن ينساه.
بعد وجبة العشاء يهدأ, يجمع
أولاده ويقص عليهم قصة الطوفان التي مر بها جده الغابر, وكيف نصحه الله
بالإكثار من الزوجات من أجل نشر البذر وإعادة انتاج الحياة . ويعطف على
زوجاته العجائز ويطلب منهن تدليك كفيه أو قدميه بالماء الفاتر ويحكي
لهن قصصاً مماثلة ويذكرهن بالأيام الخوالي ويعدهن بليلة حمراء.
***
انتبه حمزة السماك الى إبنته
عَلية بين صفوف النساء المحتشدات, تخبرهن بصوت متقطع الأنفاس:
(رأيت حفنة من الجنود يدخلون القرية. حاولو إستيقافي بالصراخ, ولكني
هربت بسرعة منهم). وافقت إحدى النساء:( لهم سحن غريبة, يضربون القطط
والكلاب والطيور بالحجارة, ويغازلون البنات الصغيرات). اعترض عبودي
الذي كان قريباً وسمع حديث النساء:( لاتقلقوا.. الجنود تبعثروا وتاهوا,
يبحثون عن الطعام و الماء ولا ينوون خلق المتاعب لأحد).
انطلقت زغاريد نسائية من
الشارع المواجه للدار.
ضحك أحد الأولاد: ( هذه سعدية
المعيدية, تزغرد فرحة لأن بقرتها التي عسرت ولدت الآن. كانت تجلس قرب
رأسها تقبلها تبكي وتردد ليس لي أحد غيرك).
صححت إمرأة متغضنة دخلت للتو
الدار وانضمت الى مجموعة النساء: (تقصد سعدي المخنث, تعالوا وانظروا
ماذا فعل بنفسه هذا المعتوه ارتدى ثوب للبنات وتعطر وصبغ وجهه ونشر
شعره الطويل كبنات الغجر . فهو امرأة بجسم رجل كما تعرفون).
سمع الأطفال الزغاريد فهبوا
يجمعون (الوهلية)* التي نشرها سعدي المعيدي وسط الشارع مبتهجاً يدور
على البيوت يدق على صفيحة يغني ويرقص. صرخ حمزة السماك بإبنته عَليّة
أن تتوقف ولا تتبع الأولاد, وأرسلها لمساعدة النساء اللواتي
هممن بإعداد الطعام. لم تكن َعليّة تجاوزت الرابعة عشرة بعد, سمراء
نحيلة, تخجل من مظهرها ومن البثور التي إنتشرت فوق وجهها. ومنذ اليوم
الذي عرفت فيه رغبة إبن عمها الأخرس بالزواج منها صارت تتجنبه وتكره
وجوده معها في مكان واحد.
حينما كانت تشق بطن السمكة
وتغسلها بماء في الطشت, أحست بعينيه تراقبانها بتمعن من بعيد، دارت
برأسها بين النساء فرأتهن يدرسن حركاتها وسكناتها أيضاً، وسط بطن
السمكة مكان القلب سقطت من عينيها دمعتان وجلتان.
قال رئيس عرفاء جابر (
عَليّة بنية طيبة نضجت وتفتحت بسرعة). وافقته زوجته وهي تنظر ناحية
إبنها الأخرس الذي كان يعرف بأن الحديث سيدور سريعاً عن موضوع زواجه
منها ( تفتحت مثل زهرة يانعة, أعرف ذلك, بنيتي الحبابة, كم سيسعدني ذلك
اليوم الذي أراها بثياب العروس) قالت ذلك بسرور واضح.
شوت النساء السمك على طريقة
المسقوف وقلين الطيور بالزيت وحمصنها, وصنعن من لحم الأرانب مرقاً
فشاعت رائحة الرز العنبر والخبز في الهواء.
قصد بعض الجنود الذين ضلوا
الطريق الدار وقد تتبعوا الرائحة وأخبارها، جلسوا مع مراد على الأرض
وأكلوا معه بأكفهم من إناء واحد.
***
حينما عرف الجنود بامتلاك رئيس
عرفاء جابر للعربة والحصان, توسلوا به أن ينقلهم الى المدينة لقاء كل
ما في جيوبهم من النقود. ولكنه طمع بما في حقائبهم من مسدسات الضباط
والذخيرة التي سلبوها من المعسكر. أخذها منهم وأرسلهم مع إبن أخيه
عبودي الذي قاد العربة بصحبة مراد الذي تطوع لصحبتهم لأنه لم ير مدينة
من قبل. حينما وصلت العربة بهم الى الطريق الزراعية الضيقة المؤدية الى
المدينة أخذ الجنود الثلاثة يغنون, بينما عبودي وجد متعة بالغة بسلخ
ظهر الحصان بسوطه دون أن تكون له حاجة بذلك. أخذ الحصان يتذمر, يلوي
عنقه, يتطاير الشرر من عينيه الحمراوين الغاضبتين ومنخريه
المتأججين كما لو ينبه عبودي بأنه حصان للنقل وليس للسباق.
انزلق قرص الشمس البرتقالي
بسرعة خلف خط الأفق وترك مكانه زرقة وبرودة مثلجة. عثروا على يافطة
المعسكر المعدنية المكتوبة بالحروف الأنكليزية منتزعة من مكانها, بعد
أن داسها الجنود ببساطيلهم وملأوها بثقوب العيارات النارية. طلب أحد
الجنود الإنحراف الى الطريق الجانبية من أجل توديع شخص ما. عندما عرف
الجنديان الآخران بأن الشخص الذي يريد توديعه ليس إلا فوزية التي
يعشقها كل الجنود, فذكراه بأنها مجرد طفلة غير ناضجة تبيح
مداعبة ثدييها لكل من تجرأ ومر قرب نافذتها في الليل. اعترض الجندي على
هذه الأقاويل وأصر على أن ما يربطه بها هو حب نقي وهي لا تعبث به بل
تخلص له وتترقب لقاءه. وبما أن عبودي يعرف طريق المعسكر الجانبية التي
توصله الى بيوت المستخدمين من المدنيين, وهي جادة ترابية قصيرة بهيجة
محاطة من الجانبين بأشجار الحمضيات فقد سلكها لأن ذلك لن يؤخرهم الا
دقائق. حينما وصلوا الى المجمع وجدوا البيوت مغلقة بلا إضاءة و شبه
مهجورة, وأمامها ثلاثة أعمدة عليها ثلاثة رؤوس مقطوعة يبدو أنها وضعت
هناك لإفزاع المدنيين. اشتدت دهشة الجنود حينما عرفوا بأن الرؤوس
المقطوعة كانت لضباط من البصرة خمنوا إنها عملية إنتقام معاكسة فعلها
جنود يعادون أهل الجنوب. هبط الجندي العاشق من العربة انحنى والتقط
حصاة صغيرة وصوب باتجاه إحدى النوافذ. بعد لحظات, لمح ضوءاً شحيحاً
يتسرب من أطراف النافذة التي فتحت بحذر وأطلت فتاة صغيرة بملابس النوم
لها عنق نحيل وكتفين ضيقين وصدر ضامر وملامح كلها تشير الى انثى غير
مكتملة التكوين. لمحت الجندي فرفعت يدها الى شعرها
بإشارة تحية وتشجيع فرد عليها الجندي بنفس الإيماءة وأقترب من النافذة
حيث كانت الفتاة تقف منثورة الشعر تحيطها هالة من ضوء الفانوس الخافت
خلفها في الغرفة. تلك الهالة جعلته يحس بطهر فتاته وبراءتها أمام
الظلمة القاتمة التي رفعت فيها الرؤوس المقطوعة.
***
انبهر مراد لمرأى المدينة، بدت
له بعض البيوت الحكومية الكبيرة نسبياً والمبنية بكليتها من الطابوق
أشبه بالقصور وخاصة بناية البلدية والمدرسة الإبتدائية والمستوصف
بجدرانه البيضاء. وفي إحدى الأحياء النظيفة كانت واجهات البيوت تتزين
بأشجار الحمضيات مزهرة وعابقة برائحة القداح، مر ببعض سكنة المدينة من
الأفندية الَّذينَ نظروا ناحيته بريبة واضحة. كانوا قد تركوا الجنود
الثلاثة في ساحة السوق حيث سيارات الأجرة تصطف كل صباح, ودعوهم بحرارة
صادقة ثم قصدوا بيت حداد ضخم الجسم يدعى عباس كوردي ليشترى عبودي لنفسه
فأسا لم يكن بحاجة لها, يهذي, ويختلس النظر لسمية التي كانت تروق له,
انتبه الحداد وابنته سمية لضخامة جسم مراد, واعجبا بصمته. وقبل أن
يغادر الزائران الدار سأل الحداد مراد فيما لو كان يبحث عن عمل, وعرض
عليه تعليمه الحدادة والعمل معه في الورشة لأنه لم يرزق بإبن ذكر. قلب
مراد بعض الأدوات التي صنعها الحداد, فراقت له السكاكين اللماعة وخاصة
مقابضها القوية المصنوعة بعناية, وتمنى لو استطاع حقاً تعلم مهنة
الحدادة وصناعة سكاكين مثلها, ولكنه اعتذر من الحداد, وأخبره بأنه لا
يطيق الأماكن الضيقة, ولأنه خلق للصيد ولحرية البراري والهواء الطلق,
وهو يقصد الآن جزيره الفطر الأحمر في طلب صديق فقده منذ عام.
عندما عادا الى القرية فوجئا
بذعر النساء وخبر مقتل سعدي المعيدي المفاجئ. قالت النساء (رأس سعدي
المعيدي المقطوع يقطر دماً يتدلى من اليد اليسرى وفي اليد
اليمنى سكين ضخمة والجندي الغريب يردد قتلته غسلاً للعار) والحقيقة أن
سعدي المعيدي لا يمتلك أي أقارب ولقد كان ضحية للذة الشاذة .
انفصل مراد عن عبودي, وعرف
الطريق الى السدة والى الجادة المؤدية الى جزيرة الفطر التي وصفها له
حمزة السماك سابقاً، سار الى الجنوب متتبعاً ضفة النهر المحاطة
بالأشجار واضواء النجوم المتلألئة على صفحة الماء. ولكنه ما أن عبر
السدة حتى عصفت رائحة تفسخ قوية تنبعث من وسط الدغل. أقترب من مصدر
الرائحة فهاله المشهد. رأى فتاة مذبوحة من الوريد إلى الوريد, عارية
تماما, وشعرها الأسود الطويل امتزج وتيبس مع بركة الدماء المتجمدة قرب
عنقها و تحت رأسها . مستلقية على ظهرها, منفرجة الفخذين, يميل وجهها
إلى جهة اليسار تنظر بعيون جامدة إلى سكين القاتل الملقاة غير بعيدة
عنها. لم يكن هناك ما يروع في المرأة المغتصبة المقتولة أكثر من رؤية
خيط النمل الأسود والدود الأبيض الذي اتخذ له مساراً فوق البشرة
السمراء من الفرج , حول السرة, بين النهدين إلى داخل الفم ليخرج بكثرة
من فتحة في العنق المذبوحة، تغلغل مشهد الجريمة إلى اعماق روحه, فأخذت
كُلّ خلية في جسده ترتعش. وعرف مراد الفرق بين الفكرة السوداء وثمنها
المكلف حينما تندفع طاقة الكراهية الباهضة, تسحق العظام, تمزق الجلد
وتلوغ في الدم، النهدان العاريان والحلمتان والفخذان المنفرجان كُلهاّ
مخضبة بدم أظافر, ودفاع الفتاة المستميت جلي من الكدمات الزرقاء على
الوجنتين وأصابع القاتل مطبوعة على الذراعين.
لم يعثر بين تضاريس روحه على
قسوة وكراهية من هذا النوع وبهذا الحجم فعرف بأنه غير قادر على فعل
القتل واصابته حمى وقشعريرة وغثيان. غير انه لم يجد ضيراً من أخذ
السكين بين كفيه ينظر اليها بعينين ثابتة النظرات وروح غائبة. تحررت من
السكين وتشظت صور مخلوقات معتمة الأرواح, هلامية تمددت أجسامها
واختلطت بنور القمر المتذبذب على صفحة النهر أمام ناظريه. تذكر مراد ما
كان يسمعه من فم أمه تفسر نوازع الخير و الشر وتصورها على أنها مقسومة
بالتساوي وموضوعة على كفتي قبان كونيّ بعروة كبيرة متدلية من يد
الخالق. فحينما يكثر الخير على الأرض يتحول بعض الأخيار إلى أشرار دون
إرادتهم وبخفية من أجل موازنة الكفة الأخرى. وهكذا دواليك فيختلط
الحابل بالنابل ولا تعرف لماذا يقوم الأخيار بفعل الشر, وتتلبس
الموبقات بلبوس العفة. أيام عصيبة لا محالة آتية يأكل الآدمي فيها أخاه
حياً وتعم المجاعة وترى أفئدة الناس وعقولهم كالصخر بل أقسى.
موجات ساخنة من مياه نهر من
الحنين جرفته الى الماضي واعادته الى ذكريات صديقه شيبوب وتمنى لو كان
معه تلك اللحظة.
ازداد تصميماً للمضي في الرحلة
لمعرفة ماحل به, العثور عليه, أو يصمت اليقين لهاث ذلك السؤال إلى
الأبد. وضع سكين القاتل في كيس الصيد وودع القتيلة بنظرات عذبها الأسف.
***
كان الفجر قد نشر حلة حمراء فوق
القرى والبساتين حينما وصل مراد مهدود القوى الى صف البيوت القريبة من
جزيرة الفطر الأحمر. سمع نشيجاً ونواح نساء. نظر عبر نافذة الكوخ فرأى
رجلاً مغطى بشرشف أبيض ممدداً في سريره و عيناه مفتوحتان لا ترمشان،
قرب رأسه فانوس يرسم على السقف دائرة من الضوء، قرب سريره أمرأتان
حزينتان تذرفان الدموع. هبت وفتحت له الباب المرأة الطويلة وكانت في
عقدها الثالث قالت إن أخاها قد مات قبل يومين وهذه أمها وهما ضعيفتان
لا تقويان على دفنه. وطلبت منه مساعدتها في حفر القبر لأن التفسخ بدأ
يدب فيه ولن يطيق الرائحة كثير من الجيران. رفعت المرأة الطويلة
الفانوس فوق رأسها فتبينت ملامح وجه مراد فدعته إلى الداخل وأجلسته على
الحصيرة قرب المنقلة المطفأة. كانت المرأة العجوز قد أطبقت بكفها
المعروقة على أصابع إبنها الميت فنوهت المرأة الشابة أن أمها عمياء
أصابها الصمم بسبب الشيخوخة وهي لا تعرف بوجوده الآن. أستعذب مراد دفء
البيت وأريج المرأة قربه فوضع رأسه على وسادة وأغمض عينيه في طلب
النوم. اضطجعت المرأة غير بعيدة عنه وأخذت تتأمل ذراعيه المفتولتين و
ساقيه بشعرهما الغزير. كان مراد على الرغم من نضوج جسمه المبكر لم يبلغ
السابعة عشر ولم يلمس امرأة بعد. أحس بلكزة قوية على كتفه. فتح عينيه
نصف حالم, فرأى المرأة قد تخلت عن منديل رأسها ورفعت طرف ردائها وأمسكت
بمعصمه. بعد لحظات وجد المرأة قد طوقته بألف ساق وذراع مثل عنكبوت تحت
أنظار وأسماع امرأة عمياء ورجل ميت.
***
شق مراد حفرة للميت ودفنه في
الصباح الباكر متجنباً النظر الى وجهه بينما جمعت المرأة ما عثرت عليه
في اكواخ صيادي السمك من حبال وصممت على أن لا تترك مراد يذهب الى
الجزيرة لوحده. استعارت مشحوفاً وجدفت ببراعة حتى وصلت شاطئ الجزيرة.
طوقته بنهاية الحبل وأحكمت العقدة حول وسطه وحذرته بأن لا يتخلص من
الحبل مهما حدث لأنها ستمسك بقوة بالطرف الأخر .
كان الحبل من الطول بحيث كان
بإمكان مراد الوصول الى أبعد نقطة في الجزيرة فيما أذا دارت معه المرأة
حول محيطها بالقارب. حينما وضع مراد قدميه على بساط الخضرة القاتمة
لجزيرة الفطر الأحمر تسربت الى كيانه رائحة الفطر القوية فميز
بوضوح أصوات حشرات الأعشاب ونقيق الضفادع وتقافز الأسماك المفاجئ وسط
النهر. تغلغلت القوة المخدرة الى كيانه فأضطربت أفكاره وتوهم أن الرجل
الذي دفنه ذلك الصباح كان صديقه شيبوب والمرأة الذبيحة هي نفسها
المرأة التي نام معها, وسعدي المعيدي المذبوح هو من قاد المشحوف ولا
زال يمسك بيده بالطرف الآخر للحبل. أحس مراد بأن الضفة التي قدم منها
هي العالم السفلي, ولقد عاش مع أمواته وأختلط بهم. عثر في كيسه على
السكين الكبيرة, وبعجالة قطع الحبل الذي يربطه مثل حبل السرة بذلك
العالم واحس بأنه تحرر.. وأنه حي من جديد.
يتبع
الفصل الثالث
وجها لوجه يأتي قريباَ |