تَفَوَّقَ فائق في جَمعِ الرَطَبِ
"البَرْحِيِّ"..
من بُستان "الرجل العقرب" في رحلة
جلجامش..
لكن امرأة من نسوانِ "الشَطْرَةِ"
دخلت عرش الماء الرائق..
تحمل زَنبيلاً من خوصِ النَخل
المَيِّتِ..
قالت للملك الراقد في حضن "إنانا":
هذا ولدٌ لا يُحسِنُ إلاّ تبديد الزمن
الشائكِ من درب الكلمات..
هَبَّ الملكُ اليافعُ..
يحملُ لوحا طينياً تتراءى فيه ملامح
فائق..
حَدَّقَ مهموماً في وجه الأم " إنانا
"..
فاضت قطرةُ دمع ساخنةٍ من موق "
إنانا" للوح الطيني الـ يحمل صورة
فائق..
****
خفقت أسراب صبايا سمر من حارات الكسرة
في أنفاس الصبح البارد..
تسأل فائق:
عن سر السهم الـ يرسمه في أضلاع
الحيطان الصمّاء..
سبيلاً..
درباً..
من تحت جناحِ الثور الحجري بباب
المتحف..
لمشاغل "ابن مدينته"* بـ"المعهد"**..
يهمس فائق في أذن الطفلة ..
موسومُ وردٌ فوقَ الخدين و"نونه":
.................هذا استدلالٌ
للأُمِّ المكفوفة بين الطرقات..***
.................كَيْ تعرف دربي..
.................من أولِ دفترِ رسمٍ
في "ذي قار"..
.................إلى شاخص قبري في
قفراء الغربة!
******
حدثني فائق في منتصف الشهر الصائم إلا
من سفك دماء المعترضين..
كُنّا في وجلٍ بين الأكواخ المرصوفة
قُدّام الرشاشات الثرثارة:
حدثني...عن حُلمِ الرجل الخارج من
صلصال شواطئ نهر الغراف..
هذا القائم من طلع النخل..
يصنع من ضوء الفجر بلاداً من شوقٍ..
يهجرها الأهل ..
وتستوطنها الغربانُ..
****
كُنّا صبياناً نغسلُ كُلَّ صباحٍ
أقدامَ الأفكار العريانة في دجلة..
فائق يرسمُ غَسقاً فوق جباه الموج
الخابط..
يَرمقُ أحداقَ السمك النافق من فرط
الغربة عن دجلة..
يودعُها في الماءِ الراكد..
يلفظُها الموجُ..
تعودُ هشيماً للديدان البرية..
يأخذُ نَصلاً منها يُثري صفحاتَ
الرُقُمِ الطينيةِ..
يلمحهُ الملكُ اليافِعُ في عرشِ الماء
الرائق..
يدنو منهُ..
يُتمتمُ في أُذن "السِعْدِ" السابح
بالموج ..
تسري رعشات فِراقٍ يألفها الشهداءُ ..
وحراسُ سجونِ السلطة..
*****
يغفو فائق بعد عقودِ الغربةِ منفردً..
........................مُدَّثِراً
بعباءة أُمه..
يَهطلُ قَطَراً من جفن الغَيم إلى
أرجاءِ المَرسم..
يغدو سيلاً يَجرفُ أشياءَ الغربة..
...................فوضى الألوانِ..
وتبقى غدرانُ الليلِ..
ثَغيبُ الأقوامِ المفجوعةِ في سومر..
قَصصٌ تتململُ فوق وجوه اللوحاتِ
المهجورة..
بعد نضوبِ "فراتُ الماءِ" من الناقوط!
****
تَفيقُ عباءتها ذاتُ زمانٍ من غفوتها
في "دربِ العاشقِ"..
تبكي..
تبحثُ عن فائق..
...
فائق يدفنهُ الغرباءُ بدار الغُربةِ..
واللوحةُ مكفوفة..
وأنا احبسُ روحي في روحي..
* الفنان الكبير فائق حسن.
**معهد الفنون الجميلة بالكسرة.
*** دعا فائق والدته في الستينات
لزيارته من الناصرية إلى بغداد، ورفض
معاون العميد إعطاءه إجازة لاستقبال
أمه التي تجهل عنوان معهد الفنون
الجميلة، فاشترى عشية زيارتها علبة
أصباغ ناشيونال وراح يرسم أسهما على
الجدران من "كراج علاوي الحلة" إلى
"معهد الفنون الجميلة بالكسرة"مع
عبارة(إلى فائق)مع كل سهم لتهتدي به
أمه إلى عنوانه..ووصلت تلك المرأة
الصبورة!.. بدلالة سائق التكسي دون أن
تلحظ أي من أسهمه الزرقاء!