ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

عاشق الظلام مسرحية البطل الواحد وتشظي الذات لماجد الخطيب

 

إن من يفتح كتاب  مسرحية عاشق الظلام للكاتب ماجد الخطيب، يفاجأ بوجود بطل واحد للمسرحية ذات الفصل الواحد.

ليس بالضروري المقارنة بين الأعمال المسرحية التي من خلالها يجري تقييم العمل الأدبي، بل علينا تناولها كعمل قائم بحد ذاته.

يبدو للوهلة الأولى أن المسرحية تتناول موضوعاً ليس جديداً أو غريباً علينا ولا يزال قائما، وهو توظيف الأدب لخدمة الطاغية أو السلطة. لكن الموضوع هنا أعمق بكثير مما نتصور، ألا وهو الصراع المحتدم مع الذات والشعور بالذنب والدونية تجاه الشعر الذي كُرِّس من أجل الحاكم وتمجيد حروبه.

يحدد الكاتب عُمرَ الشاعر بالخمسين عاما كي يبرهن لنا أنه يمتلك خلفية ثقافية عالية من خلال المونولوج الطويل الذي يبدأ به بطل المسرحية ابتداءً من الإغريق ومرورا بالأدب الروسي  ويتكرر الاستشهاد بالأدب العالمي إلى درجة المبالغة مما سيجعل القارئ  ومن ثم المتفرج يتساءل: هل يستعرض الكاتب ثقافته، أم يريد تقديم مستوى الشخصية الثقافي، ليرينا كيفية مسخ شاعر يحمل موروثا ثقافيا عالياً لينحدر بمستواه إلى كتابة ما أسماه بالشعر الخريطي؟

س: نعم أنا بانتظار القصيدة أركع إجلالا لنزول الوحي، أسجد بحضرة أورفيوس على أنغام أفروديت الجميلة، أكرع من خابيات الخمرة الهلينية في غفلة من ديونيسوس....الخ

يلجأ الشاعر إلى شرب الكحول كي يستجمع شجاعته ويبدأ بتأليف الشعر على أنغام موسيقى باخ التي يستبدلها بأغنية لسعدي الحلي ثم يعيد باخ ثانية.

س: نحن قوم لا نحيد

    روح الشهيد انقسمت مجددا

    تلبست الأولى سيف قائدها،

    تبغي العدا،

    وثانية أعداء الشعب تبيد.

(مع نفسه)

لماذا قائدها؟ الأفضل أن نقول: سيف قعقاعها.. نعم:

سيف قعقاعها.

إن للمعالجة الفنية قيمة عالية في هذا العمل، وكيلا يكون مملا  لوجود بطل واحد، فقد وظف الكاتب عناصر كثيرة منها جهاز التلفزيون الذي يطل من خلاله المذيع ليقدم شاعراً مداحاً ينافس بطل المسرحية بمديحه للطاغية، الذي يستفز به شاعرنا حيث يقاطعه بين الحين والآخر مكيلا له السباب والنقد اللاذع. وبين وقت وآخر نسمع أصوات بناته وزوجته من خارج المسرح ليرد عليهن. إضافة إلى الهاتف ومخاطبته لنفسه أمام المرآة.

يستدرك الكاتب في أحد المشاهد طول المونولوج فيشرك شخصاً من بين المتفرجين بكونه ناقدا مسرحياً ليقاطع بطل المسرحية ( س) ويطلب منه أن يكف عن السرد وليكون أكثر فعالية.

يبدو لي أن الكاتب استخدم الديانة المسيحية للشاعر لتوظيفها من أجل الاعتراف أمام القس وغسل الخطيئة والتطهر أمام الذات والله. إلا أن القس كان هو الآخر مرعوبا من السلطة واعتراف الشاعر.( كان بالإمكان إيقاف البطل أما شباك ولي أيضا) ولكن هذا سيقود إلى حوار طويل فردي لن يشاركه به الولي الذي سيكون شخصية غيبية. 

س: أنا أريد أعترف لله القادر على كل شيء، ولكَ يا أبانا، لأني أثمت كثيراً بالفكر والقول والفعل، خطيتي عظيمة جدا..

القس: قل ما هي الآثام التي ارتكبتها من كل قلبك؟

س: أبونا القس، أنا كتبت قصائد مديح لا يرضى بها ضمير شاعر من أجل قائد أرعن وحرب رعناء لا تستحق غير الشتم.. ( نوبة سعال شديد تنتاب القس وتقطع اعتراف س.. صمت)

ويستمر الصراع بين س والقس الذي يطلب منه أن يعترف بشيء آخر أو ليذهب إلى قس آخر.

ويلجأ هذه المرة إلى طبيب نفساني ليعترف أمامه ولكن الكاتب يعالج المشهد بشكل ذكي وهو أن الشاعر س يخلع روبه ليقلبه على بطانته البيضاء ويرتديه كصدرية طبيب ليقوم نفسه بالدور أيضا. لكن س خشي من أن يطرح مشكلته الأولى  واعترف بحكايته مع الظلام. هذا المشهد طويل في شرح وتوضيح الحالة المرضية وعشق الظلام الذي يسمى في الطب ب السكوتوفيليا cotophiliaS.. والذي يصاب به المعتقل في الزنزانة  وعمال المناجم. لكن حالة شاعرنا مختلفة لأن عشقه للظلام ناجم عن حبه لحريته في التعبير. ثم مقارنته بسمكة الكهوف التي تخشى النور وتظل قابعة في مكانها ولا تحب الهجرة.هذا مشهد طويل تتعدد فيه أساليب المعرفة العلمية والتاريخية التي ربما ستربك المشاهد، ولكن هذا يعتمد بالطبع على طريقة الإخراج وتلافيها. . أما الحل فهو: عليه مواجهة نفسه أمام المرآة كالطفل الذي لا يستطيع النطق.

وأخيرا يواجه نفسه أمام المرآة ويتحول إلى شخصيتين وهنا يرتفع البناء الدرامي  من خلال الصراع بين س وص الذي يوجه له الصفعات الكلامية والاتهامات ليخبره من كان وما آل إليه. فيعترض ويصرخ: أنا حي .. أنا حي.. وهنا يكسر صوت الزوجة الأحداث:

:أبو نور شصارلك؟؟ صرت تغني الله حي .. الله حي .. تعال خلصني من مشاكل بناتك بدل ما كاعد تكتب هالخريطي!

س: ( يفور غضبا، ينهض) آنه شعري خريطي،(يلتقط المسدس) خوات الگحبة آنه شعري خريطي!؟( يتجه بغضب إلى ما وراء الستار ويفتح باب الغرفة بعنف)

صوت الأم من الخارج: انهزمن يا بنات إجانه بالمسدس!

تصرخ: يبوووووووي

صوت س: ولچ آني شعري خريطي؟

الطفلة الأولى: ( تبكي) عفية بابا لا تكتلني آني كلشي ما مسوية، إنت خوش شاعر!

الطفلة الثانية: ( بدهاء) والله بابا ماما ما تقصد.. إنت أحسن شاعر بالعراق.

الأم: ( بانتهازية بالغة) ولچ أحسن شاعر بالعالم.. بالعالم!

س: غصبن عليكم!

يعود إلى غرفته سكرانا ومنهارا، يضع المسدس على المنضدة، ويفاجأ بصورة الوزير في التلفزيون يطلب منه أن يكتب قصيدة تمجد الرئيس في احتفالية الغد بمناسبة الانتصار في الجبهة. ويذهل لأن حتى الظلام لم يعد آمنا. ( هنا ينتهي الكاتب من حيث بدأ باستخدام وسيلة التلفزيون) وبعد صورته البطولية التي رأيناها أمام عائلته يجبن أمام الوزير ويعترف بأنه سيكتب مجددا شعراً (خريطي). ينهار تماما وينخرط في البكاء. يضع المسدس جانبا ويخاطب الجمهور.

س: صدقوني هذا ما يحصل معي كل مساء تقريبا منذ عدة سنوات ( يبكي) أضع المسدس في فمي، لكن يدي تخذلني وتمتنع عن إطلاق رصاصة الرحمة. أشجع نفسي في اليوم الثاني وأعاهدها على أن أفعلها في المساء التالي، لكن أوامر الضغط على الزناد لا تصدر عن دماغي رغم الكحول الذي يشل خلاياه.. لكني سأفعلها يوما، إن اليد التي تجرؤ على كتابة الشعر الذي أكتبه، ستجرؤ يوما على إطلاق الرصاص، صدقوني.

إنها دراما تراجيكوميدي. المبكي ـ المضحك. امتزجت لغتها بين العامية العراقية والفصحى. لكني لم أسمع بعد عن شاعر في مثل حال شاعرنا  المسكون بالخوف قد أقدم على الانتحار.

إن لمسرحية عاشق الظلام الإمكانية في فتح آفاق أمام المخرج في اختيار أسلوب الإخراج.

د. اعتقال الطائي

د. اعتقال الطائي