ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل في زاوية ثقافة وأدب مواد منشورة أو سبق نشرها على النت. الكاتب الذي ينشرفي موقعنا لأول مرة  عليه إرسال صورة شخصية وسيرة ذاتية قصيرة.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

                                                                                                                         إلى مارغريت

                                                               

لا أستطيع وصف شعوري يوم وقفتُ في الدور لأسجل اسمي في سجل الصف الأول الابتدائي لابنتي في أول اجتماع لأولياء الأمور. كنت أخفي فرحي واضطرابي بابتسامتي لمعلّمتها أو لمن أعرف من بين الأمهات أو الآباء. إنها هديتي الوحيدة، التي رزقتُ بها في سن متأخر على الإنجاب.

أصغيت لكل ما قيل في الاجتماع من صغيرة وكبيرة ودونت كل شيء، حتى أنني سعيت قبل ذلك أن أجلس في أول رحلة في الصف، وكأنني بذلك سأكتسب معرفة أكبر.

انتهى الاجتماع.

كتبت اسمي كاملا ووقّعت. وقبل أن أضع القلم سمعت صوت امرأة نابع من الفؤاد واقفة ورائي، رددت مرتين:

" علي.. علي "

التفتُ، فالتقتْ عيناي بعينين خضراوين وسحنة سمراء لامرأة ممشوقة القامة مرتبكة، رمشتْ بسرعة، أدارت وجهها هاربة من نظرتي التي رسمتْ ألف علامة استفهام. ناولتها القلم شاعرة برجفة يدها من فوضى حروفها وهي تكتب اسمها. غادرتُ الصف ومن ثم المدرسة. وفي طريقي إلى البيت، راودني إحساس غريب لم أستطع التغلب على سطوته، وصوت تلك السيدة وهي تردد اسم "علي " بطريقة سمعتها آخر مرة في بيت يقع في أحد أزقة مدينة الحلة حيث كانت النساء تلطم صدورها مرددات بإيقاع واحد بعد القارئة الندابة التي كانت تقف على دكة في واجهة الحوش الذي صُفتْ أرضيته بالطابوق الأصفر والذي مازالت رائحته الرطبة تملأ أنفي، وما أثار مخيلتي هو تخلي الصبايا عن ثيابهن الفوقانية وكن يلطمن  نصف عاريات بالثياب التحتانية، ناثرات شعورهن وهن يتحركن في دائرة وأرجلهن تكاد تحملهن بخفة في الأعالي، يلطمن جباههن تارة، وتارة أخرى صدورهن نصف العارية.

لم أفهم معنى الأبيات أو نطق الكلمات التي رددتها القارئة وقتذاك.

فمع هذا المقطع تلطم النساء ضاربات صدورهن بقوة:

" يا بو طبگ ريش "

ترد اللاطمات:

" علي "

" حمامة درويش "

" علي "

تجمدتْ نظراتي على شابة ذات بشرة قمحية اللون وعينين خضراوين. جسد فتي بض، ونهدان نافران، خصر نحيل، وكفل مكوّر، سيقان طويلة غاية في الرشاقة. كانت ترتدي ثوبا تحتانيا أسودَ شفيفا كاد ينصهر فيه لون شعرها الفاحم الطويل المنثور والمنسدل حتى منتصف فخذيها . راحت عيناي تلاحقانها وكدت أدوخ من الدوران المستمر دون هوادة. كنت أعجب وأنا الطفلة كيف لهذا الجمال أن يؤذي نفسه ولأجل من؟ وبعد الدراسة والمعرفة صرت أتساءل: هل هو نوع من التطهير أم المازوشية وتعذيب النفس؟ أم على الجسد أن يلفظ الحزن والأسى الدفينين كي يتطهر منهما، وتتحرر الروح من قيودها؟

أي عليّ كانت تندب الشابة التي فقدت طاقتها وتهاوت على أرضية الحوش تحت شعاع شمس رفيع شق طريقه عبر السقف المفتوح إلى دمعتين تندت بهما وجنتاها؟

وهذه السيدة المجرية، لماذا رددت اسم علي وبنفس اللهفة والألم؟

كنت أرافق ابنتي كل صباح إلى المدرسة، وهي أيضا. وكنا نتنقل في نفس الترام، وبين الحين والآخر أنظر إليها خلسة، فألمحها تراقبني أحيانا أو تتفحصني وتحاول إسكات وَلَدَيْها عندما أتحدث مع ابنتي. بقينا على هذه الحال حتى وجدتها في عصر أحد الأيام  واقفة عند باب المدرسة تحمل ابنها الأصغر على صدرها في كيس من القماش يُربطُ بالرقبة ويُشد إلى الظهر حتى بدت كالكنغر. ارتبكتْ كعادتها محاولة الفرار أمام نظراتي، لذا بادرتُ بتحيتها، ارتسمتْ على شفتيها ابتسامة خجلى،  لكنها ردت التحية بلهفة وكأنها انتظرت المبادرة منذ دهر. كان همها الأول أن تعرف من أين أتيتُ فقلت:

ـ من العراق

حملقتْ بوجهي، وارتسم تعبير على وجهها موحياً ببلادة غريبة جهلتُ تفسيره. كنت اعتقد أن فيها عيبا ما جعلها تخشى الكلام بعد أن تمتمتْ مكررة بنبرة اختلطت بين السؤال والجواب:

ـ إ..إرراك.. إراك؟

ـ نعم.

ـ لقد لفتِ انتباهي في أول اجتماعٍ لأولياء الأمور، وسألتُ عنكِ ؟ وحينما قرأتُ اسم أبيك فكرتُ لابد أن تكوني عربية.

ـ وها أنتِ تعرفين الآن أنني من العراق.

ـ من بغداد؟

ـ من الحلة، من بابل.

باغتنا الأولاد بخروجهم من المدرسة فانشغلنا بهم وذهب كل منا في سبيله.

في صباح اليوم التالي كانت بمفردها، تحمل سلة وسألتني إن كنت أود الذهاب إلى السوق مشيا. رافقتها، لأن هاجسا ما جعلني أشعر بأنها تود إكمال الحديث وربما لديها رغبة في قول شيء ما أو معرفة شيء تجهله.

ـ شعرتُ بأنك ذُهلتِ بعض الشيء عندما عرفتِ أنني عراقية.

ـ لا أسميه ذهولا بقدر ما هو مفاجأة. لأنني بعد كل هذه السنين لم أتوقع أن ألتقي بعراقي.

سكتُ. ما أردت أن أظهر أمامها بمظهر المتطفلة أو الفضولية. فواصلتْ حديثها.

ـ في عام 1979 تعرفتُ على شاب عراقي، أمضى فترة قصيرة هنا، ثم عاد إلى بلده، استلمتُ منه بعض الرسائل ثم بدأت الحرب العراقية الإيرانية، كتب لي من الجبهة أيضا، ثم اختفى أثره.

طأطأت رأسها وكأنها تخشى من أن أتطلع إلى وجهها، ثم نظرتْ إلي فرأيتُ سحابة من الدموع قد ضببت زمرّدتي عينيها. اضطربتُ بعض الشيء و سألتها:

ـ كان اسمه " علي " ؟

ـ نعم. وتلك هي المفارقة. أنتِ أيضا عراقية وتحملين اسم علي ـ تنهدتْ، ثم استرسلتْ في كلامها ـ لعلي بشرة سمراء داكنة، وعينان زرقاوان كزرقة البحر، وقامة نحيفة شاهقة كنخلة عراقية. وما أجمل أصابع يديه النحيفة الطويلة. له أنف كبير.

توردتْ وجنتاها وهي تصفه، وعندما لمحتْ ابتسامتي، سكتتْ وارتسمَ على وجهها حياء أنثوي مضيفة:

ـ بالطبع يجب أن يكون للرجل أنف ضخم.

جاء المهندس علي مع صديقه في سياحة إلى هنغاريا، وسكنا عند سيدة مجرية. ودعتْ الصدفة أن تدعو حفيدة السيدة صاحبة البيت صديقتها مارغريت لزيارة جدتها التي استقبلتهن بمرح قائلة:

ـ استأجر هاتين الغرفتين شابان عراقيان ظريفان.

لم يعنِ لمارغريت أي شيء ذلك الخبر. وما علاقتها بالموضوع ـ فكرت بداخلها ـ وبينما هي ترشف قهوتها شخَصَ أمامها شاب نحيف، طويل القامة ذو وجه حاد التقاطيع إلى درجة مخيفة، تكاد تثير القلق والشك. لكنه حينما ابتسم مؤديا التحية، انبسطت ملامحه وصار شخصا آخر. لم تدرك مارغريت سر خفقة قلبها في تلك اللحظة. شارك السائحان النساء الثلاث باحتساء قليلا من الشراب. وردّا على أسئلة كثيرة إرضاءً لإشباع فضولهن في معرفة الكثير عن هذين الغريبين والبلد الذي قدما منه.

تطلعت مارغريت إلى ساعتها مشيرة إلى صديقتها بالعودة إلى بيوتهن. فهِمَ في الحال علي بأنهن سيغادرن فغمز صديقه ليستعدا للمغادرة هما أيضا. خرج الجميع وكان طريقهم واحدا.

كان علي يسير جنبا إلى جنب مع مارغريت ودون إرادة منه لامست يده أطراف أصابعها فشعرت بقشعريرة تسري في عروقها. التفتت نحوه وكان الغسق في دقائقه الأخيرة وقرص الشمس على وشك أن يغرق في نهر الدانوب، فانعكس لونه الدامي على البشرة السمراء، وتألقت زرقة عينيه برغبة عارمة قد تلتهمها في لحظات.

بدا ليل السهاد طويلا، مالذي حدث، وما سر هذا الجنون الذي يعصف بالقلب فينتفض بين الحين والآخر دون هوادة؟  هل هو الحب الذي يداهم دون سابق إنذار، فيجتث الفؤاد كما تقصم الصاعقة الشجرة إلى نصفين؟.

لا.. لن تستسلم له، لمن المستحيل أن يباغتها مثل هذا الإحساس الذي لا تعرف كنهه. إنه لا يتناسب مع شخصيتها وسلوكها المتحفظ حتى مع أبناء بلدها فكيف بغريب رأته لساعات؟

في مكان عملها، بقيت صامتة طوال النهار، كان وجه علي ملازماً لها أينما نظرت، لم تع ما يدور حولها، ولم يرتسم على شفتيها طيف ابتسامة لنكات وثرثرات زميلاتها وزملائها حتى قدم المهندس بيتر الذي تربطه بها علاقة صداقة حميمة منذ أربع سنوات. كان ودودا، دافئ المشاعر وهادئا.. شعر بأنها ليست معه فودعها مغادرا المكان .

خرجتْ هي الأخرى، وكان الربيع قبل أيام قد طرق الأبواب فاستحمت بودابست بنور وحرارة شمس كأنها فارقتها منذ دهر. لم تكن لديها الرغبة في العودة إلى البيت مباشرة، فراحت تتجول وتتطلع باحثة عن البراعم التي طال انتظارها في فروع الأشجار. ثم انحدرت نحو النهر وقت الغروب، أحست بلسعة برد فغيرت اتجاهها داخلة أحد المحلات للتسوق فغمرها دفؤه وشعرت بالارتياح والجوع معا. أكلتْ فطيرة بالكرز، ثم دفعت الحساب تاركة المكان.

استقبلتها أمها بلهفة، وارتسم القلق في عينيها حينما لمحت شحوب وجه ابنتها الكبرى التي لم تكن لديها رغبة في تناول العشاء مع العائلة. ترددت في الكلام ثم دلقت من قلبها الهم الذي اعتصره. أدركت الأم سبب بحث كلارا صديقة ابنتها لأكثر من ثلاث مرات عن مارغريت عبر الهاتف. إضافة إلى أن الابنة كانت ترفض الرد وتهش كل فكرة لها علاقة بلقاء علي من جديد.

كان علي مع صديقه محمد كأي سائحين ينعمان بأوقات جميلة في البلد الغريب، لكنه لم يكف عن الاستفسار عن مارغريت لسبب يجهله هو الآخر. وبات يشغله غيابها واختفاءها لثلاثة أيام بالرغم من سؤاله الملح عنها عبر الجدة وحفيدتها.

في عصر يوم ماطر همّت مارغريت مسرعة للخروج من مكان عملها، تجمدت في مكانها حينما لمحت علياً يقف على الرصيف المقابل للبناية. ابتسم ملوحا لها بيده، فنسيت وتخلت عن وعودها لقلبها. ابتهجت وهي تشعر بكفه المضطربة تشد على كفها. كانت كلارا في انتظارهما مع محمد في مقهى قريب. جلس الأربعة ينعمون بدفء المكان وحرارة اللقاء غير المتوقع.  ومنذ تلك اللحظة لم يفترقا حتى عودة علي وصديقه إلى العراق.

" عزيزتي مارغريت!

أكتب لكِ من جبهة القتال، دعيت إلى الخدمة بعد اندلاع الحرب مباشرة، ولا أحد يعلم ماالذي سيجري لنا، أفكر بك دائما، أجد عزائي الوحيد في هذه الظروف الصعبة في  خضرة عينيك ولهفتك. دفء جسدك مازال يسري في عروقي منذ آخر لقاء لنا، كلي أمل أن ألقاك ثانية، واكتبي على هذا العنوان...."

علي

 لم يغمض لمارغريت جفن، شعرت بأن النهاية تقترب رويدا... رويدا خاصة وأن هذه الرسالة وصلت بعد انقطاع  مفض ٍإلى انتظار بلا أمل، مساره  طريق مسدود اسمه اليأس. وامتزج الحزن بالفرح، الأمل باليأس، السعادة بالتعاسة، والحياة بالموت. وبالرغم  من كل شيء كتبت له، وطال الانتظار.

" عزيزتي مارغريت!

أكتب لك من المستشفى، لقد جُرحت في الجبهة، سألتني عن أمل لقائنا مجددا.. الجواب لا يعرفه غير الله... لقد فهمتُ من بين حروفك أن هناك من يود الارتباط بك.. لا أعرف ما أقوله الآن بخصوص ذلك.. لكني أريد أن أقول شيئا ربما لن يسمح لي القدر بقوله مستقبلا وهو أنني كنت صادقا معك ولم أمس عذريتك ليس لعدم رغبتي بك، ولكني ما أردت فعل ذلك وتركك وحيدة سواي.."

علي

جلس بيتر قبالتها يرقب شلال دموعها الذي ضبب حروف الرسالة. كان عاجزا عن مؤاساتها.

وبعد أخر رسالة وضعت مارغريت عليّا في ركن سري في قلبها وأغلقته أبدا حتى اللحظة التي رن فيها جرس هاتفي داعية إياي مشاركتها في تناول القهوة في تشرين أول 2003. استقبلتني مضطربة وصوت أم كلثوم يعلو من المطبخ من شريط تركه لها علي كذكرى.

قبل أن أجلس في المطبخ رمت الصحيفة التي تحمل صورة بغداد وهي تحترق على المائدة أمامي قائلة بغضب:

ـ سأحتفظ بهذه الصورة للتاريخ حتى مماتي. كنا قد خططنا بأننا سنذهب إلى  العراق في الخمسين من عمرنا!

كنت أعتقد بأنها تتحدث عن زوجها، حتى عرفت بأنها تتكلم عن علي. ثم أردفت:

ـ لقد قُصفتْ بغداد في نفس اليوم الذي وصل فيه علي إلى بودابست قبل أربعة وعشرين عاماً. لقد تشتت الحلم وانتهى كل شيء. ونحن الآن في التاسعة والأربعين من عمرنا. ولا أدري هل مازال علي على قيد الحياة أم لا!

كانت المرأة ترتعش وهي تنفث دخان سيجارتها بعصبية، وتغالب دمعتها.

ـ لم يمر أسبوع دون أن أحلم به طوال هذه السنين، ماهذا الجنون يا إلهي؟! رأيته بالأمس يبتسم لي ملوحاً بيده في مطار بودابست، أفقت مرعوبة ولحسن الحظ كنت وحيدة.

راحت تردد رقم هاتف لأكثر من مرة.

ـ إنه رقم هاتفه في بغداد لقد حفرته في ذاكرتي.

ـ ما رأيك بالاتصال؟ لنجرب. ـ سألتهاـ

كانت كل ذرة وجزيئة من جسدها ترتعش في آن واحد، لم تقو على الكلام.

ذهبتُ نحو الهاتف وأدرتُ الرقم، وبعد المحاولة العشرين رن جرس الهاتف. حاولتُ جاهدة أن أتظاهر بالقوة أمامها وأمام نفسي. وجاء الصوت البعيد القريب.

ـ مرحباً هل هذا بيت علي؟

ـ نعم تفضلوا من يتكلم؟ لا أسمع جيدا.

ـ هل لي أن أعرف مع من أتكلم؟ نحن أصدقاء قدامى لعلي.

ـ أنا أخته لكن علي...علي رحمه الله...

وجاءني الجواب كنصل سكين عتيق يدخل إلى قلبي، يتألق بالدم. لم أصدق ما سمعت، فسألتها بصعوبة:

ـ في الحرب العراقية الإيرانية؟

صمتتْ، ورحتُ انصتُ بكل حواسي لها حتى سمعت حشرجة صوتها وهي تقول:

ـ قبل...قبل شهرين... في أحد التفجيرات.

كلمات ألقتها أخته وكأنها تحطم حشرة شريرة.

لم تفهم مارغريت اللغة، لكنها قرأت كل شيء في عيني. وضعتُ سماعة الهاتف. لم أرفع رأسي خوفا من أن تبوح عيني بالأسى الذي يعتري روحي، حاولتُ بكل ما أملك من طاقة حبس دمعتي وغضبي. لكنها سبقتني في طرح السؤال:

ـ هل مات علي؟

ـ نعم....مات.

قررت أن أتناول معطفي وأخرج، ستبدو المؤاساة في تلك اللحظة تافهة.. لم تحملها ركبتاها، أسندتُها حتى انهارتْ على أقرب كرسي. ارتديت معطفي تاركة إياها مع دموعها وصوت أم كلثوم يصاحبها بمقطع:

 " أولى بهذا القلب أن يخفقا "

ركضتُ على السلم أندبُ مليون ومليون علي.. أخذتُ الحافلة باتجاه جزيرة القديسة مارغريت حيث قضت صديقتي مارغريت نهارا جميلا مع علي قبل عودته إلى وطنه. وسرتُ بلا هدىً في الجزيرة التي تقسم نهر الدانوب، وكنت أنظر يميناً فأرى دجلة، وشمالاً فأرى الدانوب وصوت مرغريت وهي تقول:

ـ صحيح أننا لم نشرب من ماء نهر واحد، لكننا شربنا من نهر مشترك اسمه     "الحياة ".

لم تكل قدماي من السير حتى وصلت إلى آخر نقطة في الجزيرة حيث يتوحد النهر، وقفت أرقب الموج وارتطامه الناعم بالجرف، مما أثار انتباه الفتيان الذين كانوا يحملقون بوجهي بريبة. واندس قلبي في سريرة الذكرى، في قتامة الظل الذي يسترخي في نفسي، يهبط علي كنجم مطفَأ، فأجبتهم بصوت خفي:

" أنتم لا تعرفون ماهو النهر! إن النهر بالنسبة لي بلد السراب والأشباح، حيث نسمع ضجيجا لا نعرف من أين، وحيث نرتعش دون أن ندري لماذا "

عدت إلى بيتي ولكن دون وعي مني رحت أردد:

" يبو قبة وريش....علي

إمام ودرويش...... علي

جينه نزوره ......  علي

نحب صدوره.....  علي "

 

اعتقال الطائي

بودابست 2006

آب ـ تشرين ثاني