كانت وحيدة، فاستغلت سفر زوجها وغياب ابنها
وراحت ترتّب أوراقها ودفتر تلفونها، تتغير ملامح وجهها بين
الفينة والأخرى عندما ترتاح عيناها على أحد الأرقام أو
الأسماء، وتسرح في ذكرياتها، تتوهج عند رقم يوحي لها
بالكلام المعسول الذي داعب أذنها ذات يوم، وتنقبض أساريرها
ويختلجها حزن عميق لرؤية أرقام من رحلوا إلى اللحد البارد
ومن غابوا دونما عودة.
رقم يتيم بلا إسم يحتل الورقة الأخيرة،
تُرى من صاحب الرقم، ومن كتبه ؟ شكل الرقم لا يدلل على
كتابتها، وضعت رأسها بين يديها واستغرقت في تفكير طويل غير
مجدٍ. عطشت، الكأس على المنضدة، وبحركة مضطربة مدت يدها
لتناولِه، انسكب الماء، ساح على الأوراق
والهاتف. أسرعت لتجففه، تضبّبَ الرقم وسماعة الهاتف تحولت
إلى دوش، وظلت بين ضاحكة وغاضبة، جلست
وسماعة الهاتف في يدها وكأن صوتاً آتياً من
بعيد يحث يدها الأخرى كي تدير الرقم.
ـ نعم، تفضل .
يا إلهي! إنه صوت رجل لم تألفه من قبل، وفي
هذا الليل، ما الحل ؟ لو وضعت السماعة سيظهر الرقم عنده،
وعلى أية حال لابد من الرد. كانت كمراهقة خجلى تتورد
وجنتاها ويخفق قلبها حينما تخطط لأول لقاء مع الآخر.
ـ أرجو المعذرة، اتصلتُ بدافع الفضول لا
غير.
ـ هل أستطيع معرفة الاسم ؟ ( قالها بكل
حيادية )
تلعثمت متأتئة اسمها .. حل صمت مريب في
الجانب الآخر، اعتقدت أنه تركها لحالها، فرددت اسمها
ثانية.
ـ أسمعكِ. نعم نحن نعرف بعضنا منذ زمن
طويل. إن صديقنا المشترك ترك رقم هاتفي عندكِ.
ـ ووو لكني ....
خشي من أن تعتذر وتضع السماعة فاستبقها في
الفور.
ـ أين تسكنين ؟
ترددت، ارتعشت أوصالها لاتقوى على الخروج
من هذه الورطة فذكرت اسم الشارع. رنّ صوته مهللاً.
ـ إذاً نحن في مدينة واحدة، تفصل بيننا
خمسة شوارع. ( كان حذراً من أن يكون فجّاً ومباشراً) إن
لم أكن متطفلاً، هل لي بطلب صغير ؟
ـ ماهو ؟ ( همست )
ـ أن تنزلي إلى الشارع ، تأخذي المترو
باتجاه الجسر و تنزلي في المحطة الثانية عند المقهى حيث
أكون بانتظارك.
ـ أسميتَه طلباً صغيراً، وفي هذا الوقت
المتأخر والبرد ؟ ! أأأنا ..
عليه أن يقرر الآن، يجب أن يكون حازماً
وإلا ضاعت عليه آخر فرصة في العمر فباغتها بشجاعة.
ـ ألم تقولي بدافع الفضول ؟ إذاً إرضي
فضولكِ !
لم يترك لها مجالاً للخيار. سعلت، ابتلعت
ريقها، أحست بالظمأ وبالرغم من دفء البيت ارتجفت قائلة:
ـ حسناً، أنا قادمة.
أي معطف ترتدي في تلك المدينة التي اكتست
بمعطف الثلج ؟ كسرت اللون الأبيض بالأزرق الغامق، وكيلا
تذوب في العتمة وضعت شالاً حريرياً مورّداً. لم تنسَ أحمر
الشفاه والعطر كعادتها. أكملت لباسها، ومن شدة توترها نسيت
قفازيها وخرجت.
لم يكن الوقت كافياً كي تفكر بما تقوله
لزوجها الذي
يعشقها، إنه الآن في بلد بعيد وابنها الذي
يرشف بهجته في حضن حبيبته.
منذ زواجها عدلت عن الخروج في الليل وحدها،
تتلفت يميناً وشمالاً. دقائق وها هي تراه أمامها شاخصاً،
لا يشبه أهل المدينة الباردة بلونه الداكن. ابتسم لها، لم
تخرج يديها من جيبيها. فتح باب المقهى وأشار إليها بالدخول
واضعاً يده الأخرى على كتفها. ساعدها في خلع معطفها فشعر
بها ترتعش كسعفة في هبوب. جلسا في ركن قرب النافذة فرأى
وجهها في ضوء ينضح من زجاجها، بلون الثلج. التفتت فسقط نور
مصباح المقهى على عينيها، كان مسحوراً بها وبلعبة الأضواء،
يحدجها بنظرات ـ فكادت تذوب وتتلاشى ـ. شبك أصابعه واتكأ
بذقنه على يديه قائلاً:
ـ يا إلهي ! مازلتِ بتلك الروعة !! هل
عرفتني ؟
كانت تلوذ بالفرار من أمام عينيه، تفرك
يداً بيد، ثم رفعت يدها لتزيح خصلة شعر انسدلت على وجهها
فجأة .
ـ لا أدري، ليس بالضبط.
كان مأخوذاً بألق عينيها، غاضّاً الطرف عن
خط عميق بين حاجبيها يذكّره بساقية صغيرة في بستان نخيل
نضب ماؤها.
ـ لماذا تركتِ الرسم ؟ كنت صبياً أتفرج
عليك وأنت ترسمين في حديقة داركم.
تذكرته، ورويداً .. رويداً عادت إلى ذلك
الزمن فرأته صبياً ابن العاشرة وكانت هي في الخامسة عشر من
عمرها.
ـ بسبب قضية خاصة، كرهت الرسم.
ـ مساء الخير .. ماذا تشربان ؟ ( سألتهما
بلغة البلد )
صوت النادلة الشقراء رفع عن كاهلها عبء
الرد والكلام. فقالت :
ـ شيئاً ساخناً .
ـ لدينا نبيذ حار نقدمه في مثل هذه الليالي
الباردة. ( قالتها مبتسمة ) .
تذكرت أنها منذ اثنين وعشرين عاماً لم تشرب
مع رجل غريب.
ـ لا .. لا شكراً أنا لا أشرب النبيذ.
أراد أن يخفف من حدة اضطرابها فاختصر
الكلام قائلاً:
ـ يفقد الكحول عند الغليان ويحتفظ بطعمه
فقط.
ـ آه .. ليكن. ( قالتها مستسلمة )
اتّحدا فجأة تحت جلباب الصمت الذي كسرته
رنة الكأسين ورائحة النبيذ الحار المتبّل. رفع الكأس
شارباً بصحتها.
احتضنت الكأس بين يديها وكاد لون النبيذ
يخترق يدها الشفيفة المتناهية الرقة والنحافة، ذكّرها
بجمرات المنقلة التي كانت تتدفأ بها في طفولتها. رشفت من
النبيذ الحار، فرأى كتفيها يسترخيان وهي تحتوي الكأس بين
يديها.
ـ كان أبي معجباً برسومي. كان يرى فيّ
رسامة المستقبل. في ذلك السن تحلم الفتيات بالفارس وباليوم
الموعود. وأنا.... كانت الورقة ملاذي أصب فيه كل ألوان
رغباتي وطموحاتي وأحلامي. ذات يوم أرسلني إلى رسام يقربه
ليقول رأيه في موهبتي. أدخلني مرسمه، لم أتطلع إليه، كان
عبق الزيت يسري في عروقي. استلبتني رشات الألوان المائية
التي كنت مهووسة بها. أجلسني على أريكة وجلس قربي فوضعت
أوراقي بيننا، أليست هي المهمة ؟ صار يقلّبها، لم يكن في
عجلة من أمره، كنت شغوفة لسماع رأيه بعدما صار كالمارد
أمامي بلوحاته بالرغم من ضآلة جسده. وأخيراً نطق:
ـ رائعة .. أقولها جاداً.
أضحى قلبي طائرأ يخفق بين ضلوعي ليكسرها
ويطير في فضاء مرسمه. رفعتُ يدي لأبدأ الكلام، مسك بها
فشعر بنبض القلب، ركنها بكل حنان في حضني كما تضع الأم
وليدها في مهده .
ـ لا تتحركي!
رفع القلم وراحت يده ترافق انسيابية
الخطوط. وضع القلم جانباً، لامس يدي وقال يريد أن يحسها،
كانت يده باردة مثل هذا الثلج. صعد بها رويداً رويداً
...وأنا الطفلة أخذني الذهول، لم أصحُ منه إلا بعد أن شعرت
بأن يداً كالأخطبوط تشد على رقبتي وصوته المرتعش : ما
أرقّها !!!
حاولت الابتعاد، كان أقوى مني، انقض علي،
وكنت بين يديه عصفوراً ذبيحاً. في ذاك العمر كانت القبلة
تشكل بالنسبة لي اعتداءً جسدياً وروحياً. لملمت ألواني على
أوراقي. اتسخت ودخل الأسود بالأبيض والأحمر بالأصفر
والأخضر. صار لون السماء بنياً، ولون الأشجار رمادياً،
وابتسامة الفتاة الصغيرة في الصورة اختفت والدموع المنسابة
من عينيها غسلت الوردة من على ثوبها الأبيض. فركضت من
الغرفة إلى الباب إلى الشارع تحت مطر أيار. وجوار باب بيت
أهلي رفعت رأسي نحو السماء حزينة مخذولة ثم عبرت العتبة.
وضعت أوراقي التي غسلها المطر، نظرت في المرآة فرأيت كدمة
زرقاء على شفتي. رمت أوراقي ألوانها وظلت الكدمة الزرقاء
تكدر بياضها وبياض روحي.
صمتت، لم تنظر إليه، ارتشف جرعة من النبيذ
الحار وقال ليكسر صمتها :
ـ أسمعكِ .. أكملي !
أطلقت تنهيدة عميقة قبل أن تسترسل في
الكلام.
ـ لم يعرف أبي سر هجري الرسم أبداً. استلم
بطاقة دعوة لافتتاح معرض للرسم، لم يقل لي سوى : تعالي
معي.
دخلنا المعرض، كان يضج بالزوار، تركتُ يد
أبي وتسللتُ بين الحشد لأرى إحدى اللوحات تتصدر المعرض،
كان يبدو واضحاً تركيز الأضواء عليها، عنوانها "الصرخة "
ورأيتني يومها أمام نفسي التي كان وحده شاهداً عليها.
لجأت إلى الكتابة كي أعبر عن صرختي وعما
يعتري دواخلي من مباهج وأحزان .
ـ وهكذا دخلتِ كلية الآداب، كنت ُ في السنة
الأولى وأنتِ في الرابعة، أحاط بكِ الشباب، كنتِ مرحة
تشعين بالحيوية، وأنا الصغير لم أجرؤ على مخاطبتك.
حاولت التقرب منكِ ذات يوم في معرض للرسم
في الكلية، كنت أرى فيك كل شيء يتحرك، أوقفني صديقي، فعدلت
عن محاكاتك.
رفع الكأس بيده اليسرى ولمح نظرتها التي
تجمدت على أثر جرح نبتَ في يده.
ـ نعم في ذلك اليوم عدت إلى البيت مرهقاً،
شربت من بقايا النبيذ الأحمرالذي تركه الأصدقاء، ثم انكببت
على وجهي وغرقت في حلم.
رأيتك على قمة جبل أملس، حاولت ارتقاءه،
وكلما تسلقته ومددت يدي نحوكِ، سقطتُ .. سقطتُ في هوة .
استيقظت مذعوراً، أشعلت سيجارة وأطفأت جذوتها في يدي،
أراكِ فيها دائماً.
صمتا، لم ينظرا إلى بعضيهما، يحدقان
أمامهما في اللاشيء غير أن صوت المنظفة كان يرن كجرس
المنبّه.
ـ صباح الخير للجميع!
جفلا، استدركت حياءها فقالت ضاحكة :
" وأدرك شهرزاد الصباح "
فأكمل بصوت ودود :
" و سكتت عن الكلام المباح "
لاحت خيوط الفجر الفضية. ارتديا معطفيهما
وهمّا بالخروج.
وقفا عند باب المقهى، ابتسمت له، مد يده
ليلمسها، استدارت، خطت خطوتين، في الثالثة أحست أنها تسقط
في الفراغ. أعادت قدمها إلى موضعها والتفتت، وجدته على
وقفته مغموراً برذاذ الفجر منتظراً. عادت إليه، احتضن كفها
الحار، ارتجفا، سحبت يدها بعناء مرتبكة، وشعرت بتوحد لمسة
الروح والجسد. استدارا ذاهبين من حيث أتيا، لقد أحسّا بطعم
الحرية الحقيقي .
بودابست 20
ـ
2
ـ
2005