
ترجمة: اعتقال الطائي
البنات
تذهب البنات إلى المدرسة الواقعة في شارع فاداس:
غالباَ ما نلتقي بهن، يخرجن إلى الشارع الرئيسي جماعة
بألوانهن الزاهية، يوشوشن بعضهن البعض و يقهقهن. تتدلى
الشرائط الحمر والزرق المربوطة بضفائرهن، ثلاث ـ أربع منهن
يتجمعن متأبطات بأذرع بعضهن البعض، تهمس إحداهن شيئا ما،
لتبدأ الأخريات بالضحك.
أنظر إليهن بعدائية وحسد وعدم الفهم، تُرى على أي نوع
من الغباء أو الحماقة يضحكن دائماً؟ و بماذا يوشوشن؟ إذا
اجتمعت بنتان، تبدآن في الفور الوشوشة ـ تضحكان على أشياء
مبهمة. أصبحُ جاداً، يساورني الشك وبإحساس سيئ أرفع حاجبَي
ـ
لابد من أن هناك شيئا دنيئاً، وقحا، وقذراً في هذا
العالم، لا يعلم به آخر غيرهن ، يتحدثن دائماً عنه، ينظرن
إلي بخبث وسخرية ثم يهربن. تُرى ما الذي يمكن أن يكون ذلك؟
إنهن يعرفن شيئا أجهله أنا. في الحقيقة أنهن غبيات وغير
موهوبات، لا يجمعن حشرات ولا نباتات، ولا حتى طوابع. لا
يصنعن قنينة ليدن. حدث ذات يوم كسوف الشمس، ومر ظل القمر
أمام قرص الشمس. لأيام عديدة وأنا أستعد له، طليت الزجاجة
بالسخام، وانتظرت بقلب خافق الوقت المحدد الذي أعلن عنه
الفلكيون.
وعندما عض الأسود المُثلم بالصحن اللامع، صرخت مأخوذا
مهلِِّلا ـ وبيدي الزجاجة السوداء أبحث عن أحد لأقول له ما
يحدث هناك في الأعالي على بعد ملياركيلومتر. لم يكن هناك
سوى ابنتين من معارفنا في الغرفة الثانية، ركضتُ أدعوهن
بحماس كي يأتين بسرعة، لأن لعبة الألوان الرائعة ستظل
لدقائق فقط. كان من المستحيل التأثير على أية واحدة منهن
كي تأتي إلى الغرفة المطلة على الشارع ـ كن يضحكن على شيء
تافه، سخرن مني قائلات: دعنا وشأننا. شرحتُ لهن بغضب
مشوّراً بيدي، بأن الموضوع يخص ظاهرة عظيمة نادرة ستنتهي
في الحال، لم أطلب منهن سوى أن يأتين إلى الغرفة المطلة
على الشارع، صرختُ بمرارة. رددن على شيء سخيف، على كلمة
ذات مفهومين، وبدأن النحيب، لم يأتين، ولم يرين الحدث
الكبير.
ولكن ما الذي يمكن أن يكون ذلك يا تُرى ـ لأن بهن شيئا
ما. شيء يعرفه الجميع إلا أنا، لأنهم بسببه يعاملون البنات
وكأنهن مميزات، وهن يدركن ذلك جيدا. كنت طفلا عندما قال لي
أقربائي:
ـ هكذا تترك الآنسة واقفة وتجلس أنت؟ ألا تخجل؟ أي فارس
ستصبح في المستقبل؟
كان عليّ أن أقف لأترك الكرسي المريح، كي تجلس عليه القردة
الصغيرة التي تلبس ثوب الدانتيل. لقد اتّقد وجهي من الخجل
والغضب، ـ لماذا؟ ما هذه الأفضلية الحمقاء الغير عادلة
والمنافية للشرع؟ لو صفعتها ستسقط من على الكرسي. ولكن
بإمكانها أن تصفعني وتذلني، لأنها أضعف لا غير، وعلى هذا
الأساس لا يجب أن أرد الصفعة لأنه لا يناسب شهامتي؟ ألا
ترون أنها تعلم ذلك وتضحك علينا، وتسترخي عليه بارتياح؟
لماذا؟ لماذا. ما الذي يمكن أن يكون هذا؟
لا أحد يؤذي البنات. وهن طفلات في الصف الثاني، لا
يخاطبهن المعلمون بلغة الأنتِ، ولا يضربونهن على رؤوسهن،
يكلمونهن بأدب. وفي المرحلة العليا من الدراسة الابتدائية
ينادونهن بالآنسات. المعلمون الشباب يسبقونهن بتأدية
التحية في الشارع ـ إنهن محاطات برقة ونعومة لا مثيل لها!
ـ وأنا بالأمس حصلت على لكمة خلال العراك، لم أستطع التنفس
طوال النهار. لو أقلها، سيأتيني الجواب: تستحق ذلك، لماذا
لا تصفعه، ألا تخجل؟ فأجيب: ولكن هو البادئ يا حضرة
المعلم.
ـ وأنا لا أحد يدافع عني؟
ـ ألا تخجل؟ أ يجب الدفاع عن ولد بالغ، أي جندي ستصبح؟
ـ حسنا ـ هذه هي الجندية! نستعد لها في درس الرياضة في
التمارين الحرة، وفي المسيرة. ستكون مهمة صعبة، أعرف، سمعت
عنها الكثير. سرير بارد، حقيبة على ظهري، نسير حتى تخور
قوانا، بندقية و حربة. حسنا، إنه شيء جميل وحماسي، أجل
أعرفه، وأتوق إليه.
ـ ولكن لماذا نحن فقط؟ يجب علينا حماية الوطن. من لا يجازف
بحياته من أجل الوطن، جبان و رديء السمعة. حسناً! وهنّ؟
لماذا لسن جبانات ولا سيئات السمعة؟ لا يخطر في بالهن
التضحية بحياتهن من أجل الوطن ـ لا يعرفن سوى الضحك
والتغنج: ومع ذلك لا أحد يقول عنهن جبانات ورديئات السمعة،
إضافة إلى أنهم يقدمونهن لنا كمثل أعلى. يجب حماية النساء،
الجنس اللطيف! يجب التضحية من أجل الملك والوطن والنساء!
البنات ملوك إذن؟
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا وفي كل مكان، دائما هذا الاستثناء، هذا التسامح،
هذا التعظيم، لماذا، لماذا؟
يجب علينا الوقوف لهن في الترام ـ يجب أن تُقدَم لهن أشهى
لقمة، وإذا سقط من أيديهن شيء ما، يقفْن بتكاسل وارتياح،
وكأن ذلك قانوناً طبيعياً وهو علي أن أنحني بدلاعنهن.
وعندما يطرقن باب الثامنة عشر، يبدؤون بتقبيل أياديهن
كأيادي الأساقفة المسنين الذين كرسوا حياتهم وجهدهم في
العمل والتبرّك. في الشارع يجب أن نفسح لهن المجال على جهة
اليمين. إذن لماذا؟ وهنّ ماذا يفعلن، ماذا يمنحن الآخرين،
ولماذا يجب احترامهن؟
إنهن غير مثقفات، حمقاوات، كسولات و بلا عمل. يكبرن في ظل
التسلية، يتزوجن ـ وابتداءً من تلك اللحظة، يعمل الأزواج
عوضا عنهن كي يقوموا بإعالتهن. ولادتهن هي بمثابة شراءهن
الحياة ببطاقة مجانية ـ بينما علينا نحن أن نصارع بجهد كي
نثبت في كل لحظة مراراً وتكراراً بأن لنا الحق في الحياة.
ولكن لماذا، لماذا، لماذا؟
يثرثر الأولاد في المدرسة عن شيء مخجل وسخيف. لا، هذه
استحالة، تفاهة، غير ممكن. هناك سر يحوم، هذا مؤكد ـ لكن
هذا جنونا، مستحيل أن يكون هذا السر. بكل تأكيد هذه نكتة
غبية، وشيء تافه ـ وهل فراغ توريتشللي، أو عنصر لكلانشيه
فقط أكثر إثارة من ذلك الشيء؟
لماذا ؟ لماذا؟
أشعر بأنني ذات يوم سأفهم سرهنَّ. أخاف من ذلك اليوم ـ
في ذلك اليوم سأغيب في الحشد الرمادي: وفي ذلك اليوم
سأتوصل إلى أنني أيضا سأصبح واحدا من هؤلاء القادمين
باتجاهي هنا في الشارع، أجل، في ذلك اليوم سوف أنسى الصف،
وعنصر لكلانشيه، وجمع النباتات، وسأنسى نفسي.
أحب هذا الحيوان
للكاتب المجري: فريجش كارينتي
نال الأرنب الأليف
إعجابي في الحال، عندما وضعوه في المطبخ: برأسه الصغير
الغبي الوديع، عينيه المرعوبتين، وفروه الناعم. أشعر تجاهه
بتلك المحبة الرقيقة المميزة، التي يعرفها جيدا العاشقون
المبتدئون مع النساء الصغيرات العنيدات. لا أريد منك شيئا
أيها الأرنب الصغير الخائف، أريد فقط أن أداعب فروتك
البيضاء الناعمة بحذر إلى الخلف كي تُسَر، ليتني أضعك في
حضني وأمسّد على رأسك، كي تهدأ وتشعر بالراحة وبأنك في
أمان، ولتعلم بأن ليس هناك مبرر للهلع. لا يجب عليك أن
تخاف من أي شيء، سأرعاك وأحميك بنفسي.
أشعر تماما بحرارة المحبة المتفانية المجردة من
الأنانية، وأمد يدي لألمس الأرنب الأبيض الصغير، كي
أداعبه. لكن الحيوان الصغير الخائف، يسطح جسده ويركض فزعا
فارا من تحت كفي، مختبئا تحت خزانة المطبخ.
أنت أيها الجحش الأرنب الصغير، أقول له هازا رأسي،
أنظرْ! يالك من أرنب ظريف خائف أحمق، تعتقد الآن إذاً
بأنني أريد إيذاءك، أن أنقضَّ عليك بشراهة، أحطم رأسك، و
ألتهمك، لأنني أقوى منك. عليك أن تفهم، أن هذا غير وارد
قط، بالطبع أنا أقوى منك وباستطاعتي فعل ذلك، ولكن هذا هو
تماماً بيت القصيد، وهو لا أريد أن أفعل ذلك ألا تفهم؟ ثم
أنني أريد أن أكون رقيقا ولطيفا معك، أريد أن أداعبك، أريد
أن أنسى نفسي، أتخلى عن حقوقي الذاتية، رغباتي ومتعي
لأجلك أنت يا من أريد مداعبتك كي يهدأ قلبك الصغير النابض
بسرعة، وليشعر بالراحة كائنك الناعم الجذاب الهش.
بروح مثارة أفكر بأن أحث الأرنب الصغير بمِسعارٍٍ كي يخرج
من تحت الخزانة، وسيمكنني مداعبته. في البداية ينفر
ويتراجع أمام الِمسعار، أرنبة أنفه تتراقص بعصبية وهلع، ثم
يقفز غفلة، ويركض عبر المطبخ ليختبئ في أحد زواياه.
أتبعه وأجلس القرفصاء بحذر إلى جانبه. أقول له: يا للعار،
يالك من أحمق. ترتجف بشدة وتخاف أكثر من قبل. طبعا هذا
مفهوم من وجهة نظر عقلك الضيق المتحيز الذي يوحي لك بأن في
هذا العناد الذي أركض به وراءك، تتستّر فقط شراهة
الحيوانات المفترسة، هذا العقل الذي لا يريد أن يفهم
الشعور الأخلاقي للأقوى والأكثر تطورا منه وإيثاره. حسنا!
علي الآن بالفعل أن أمسك بك وأداعبك بهذا الإحساس الذي
تشعر به تجاهي، والذي تراني فيه كنمر متعطش للدماء، وبهذا
الشعور لن أدعك وشأنك. أريد أن أبرهن لك لكم كنت مخطئا،
وكم أنني لا أريد أن أمسك بك كي أعضّ عنقك، وإنما أريد بلا
أنانية أن أداعبك، وأجعل حياتك أكثر هناء، ولا أضع في
الحسبان اعترافك بالجميل وردِّه بالمقابل.
أمد يدي بحذر، وهاهي أصابعي على رقبته، لكنه ينتزع
جسده بقفزة مرتعباً، يئن مختنقا، ثم يفرد أقدامه لاهثا
فزعا ليختبئ تحت المدفأة.
أزدرد ريقي وأشعر بأن الدم يصعد إلى رأسي. في الحقيقة
أنا منشغل بغباء ليس له مثيل. والآن ماذا علي أن أفعل؟ هل
أتركه؟ لكنه سيعتقد بأنه كان على حق، وبأنني أردت أكله أو
قتله، وسيفكر بأنني عدلت عن نيتي لأنني تعبت.
أنبطحُ أمام المدفأة لأنظر تحتها. يربض هناك منكمشا
مرتعداً، يلمع في عينيه السوداوين بريق الخوف الذي لا يوصف
عندما تلتقي نظراتنا. والآن أنا غاضب حقاً. أقول بمرارة:
أنت أيها الحمار! ألا تعتقد بأي شئ، جميل وحميم؟ ألا تعتقد
بالتخلي عن حب الذات والرقة، ولا تعتقد بالمحبة التي لا
تنتظر مقابلاً؟ كيف أستطيع أن أبرهن لك أيها التعس بأنك
تفكر بطريقة دنيئة تستحق الازدراء؟ بالطبع لا تتزاحم في
رأسك الصغير السيئ الغبي سوى تصورات لا أخلاقية حقيرة فظّة
عن العض والضرب، عن مكر الأقوى الذي يريد أن يقضي به على
الضعفاء...
أنت.. أنت أيها الدودة الكريهة! لا تريد إذاً أن تصدق، بأن
هناك تناغما، ومشاعر حميمة دامعة تسيطر على الروح حين ترى
الرقة، الفقر والبؤس؟ اللعنة على عقلك الصغير الغبي، لذلك
أبغي أن أبرهن لك، نعم توجد!
الآن، فجأة أحاول بغضب الإمساك به، أبذل جهدا، يحمر
وجهي، يتدلى لساني، أتعثر، أسقط، أجري وراءه على الأربع
تحت المنضدة وخلف الدلو الخشبي. أضرب رأسي بإطار الباب،
يتمزق معطفي، أصُرُّ بأسناني، و ها أنا أتشبث بأذنيه، لكنه
الآن ينتزعها من يدي لاهثا، متمتماً بصوت عالٍ، يعضني
ويختبئ في المخزن وراء ركام الخشب.
إنه الآن هناك ويجب علي أن أزيح كومة الخشب قطعة ـ
قطعة كي أجده. سأزيحها... سأزيحها أنا.. سأزيحها مادمت
حيا، وسأقبض عليه، وأمسك بأذنيه وأرفعه في الهواء ملوحاً
به وأضربه بالحائط وأهشم رأسه، رأس الحمار الأحمق العنيد
الذي لا يريد أن يفهم بأنني أبغي مداعبته فقط.
ترجمة: اعتقال الطائي
فريجش كارينتي
1887 ـ 1938
وُلد فريجش كارنتي لعائلة من الطبقة الوسطى في
بودابست في العام1887.
نشا في جو ثقافي، ويعود الفضل إلى والده المثقف المحاط
بالكتاب والفنانين بمختلف مجالاتهم من رسامين وموسيقيين
وفلاسفة.
لم يبلغ بعد سن السادسة عشر، عندما ظهرت لديه روح
الفكاهة والنقد من خلال يومياته التي نُشرتْ على شكل
رواية في مجلة أدبية تحت عنوان " شهر عسل حول مركز الأرض".
بالرغم من إنهائه الثانوية من الفرع الأدبي وثقافته
الأدبية العالية إلا أن علم الطبيعة أثاره وشغله، لذا دخل
الجامعة ليتخصص بالفيزياء والرياضيات، ثم ينتقل إلى كلية
الطب. لم ينهِ أيا منهما، لكنه حصل على معرفة عالية، بعد
مرور الزمن فاق بها معرفة أقرانه الكتاب حيث لم يفصل بين
ثقافته الأدبية ـ الفنية والتاريخية وبين معرفته للرياضيات
والعلوم الطبيعية ـ التي تداخلت مع أعماله الأدبية في شكل
فنطازيا لاحقا ـ.
وأخيرا فضل اختيار الأدب.
في العشرين من عمره كان شاعرا ناضجا كأصدقائه الشعراء مثل
دجو كوستولاني، وميلان فوشت، لكنه تأخر في نشر أشعاره.
قبل كل شئ يصبح صحفيا... ويبقى ذلك حتى مماته. ولكنه كان
يعد ببطء مخطوطة مجموعته القصصية الرائعة عن ذكريات
الدراسة "اسمح لي يا حضرة المعلم" (أُعدتْ إلى مسرحية ما
تزال تُعرض لحد الآن). ويلتفت إليه القراء وينال على
الشهرة في الفور من خلال كتاباته الساخرة الممتعة عن
الأدباء تحت عنوان "هكذا تكتبون أنتم". كان يحاكي الشعراء
بطريقة مضحكة من خلال تقليد وتحوير قصائدهم بطريقة
الكاريكاتير الأدبي. اعتبر معاصروه الأدباء هذا النوع من
الكتابة هو في حقيقته " نقد ـ شعري ". لقد صدرت هذه
الأشعار لأول مرة في كتاب عام 1912. لم يقتصر نقد وسخرية
كارينتي على الشعر فحسب، بل توسع في كتابة الأدب
الكاريكاتيري في أجزاء عديدة ضمن أنثولوجيا مجرية، فكتب
جزأها الثاني عن الرواية والقصة القصيرة المجرية. لم يتوقف
ضمن حدود المجر واستمر بنفس الأسلوب الساخر ليكتب الجزء
الثالث من الأنثولوجيا عن القدامى ومعاصريه في الأدب
العالمي أيضا. إن هذا الجزء ساهم في ازدياد شعبية كتاب
الغرب من شعراء وأدباء
بين القراء المجريين، وفي الوقت ذاته إلى زيادة الخصوم.
حتى أن الشاعر دجو كوستولاني كتب مدافعا عنه قائلا: " إن
فريجش كارينتي يحارب معنا وضدنا في كتاباته " الكاريكاتير
الأدبي " التي تبدو للقارئ وكأنها موجهة ضدنا ".
أما الجزء الرابع فكان تحت عنوان " المتفائلون " ـ
كتابات ساخرة ـ . لا يمكن إدراجها ضمن سلسلة الكاريكاتير
الأدبي الذي ذكرته، لأنها لا تحمل طابعا أدبياً. بالرغم من
أنه كان يعتبر هذا النوع من الكتابة ثانويا، لكنه استمر به
حتى وفاته. لذا أعتُبر من كتاب الفكاهة التي لا تقارن بأي
فكاهة أخرى والتي شكلت له مصدر رزقه طوال حياته، لكن حياته
العائلية المتقلبة المضطربة، وعدم معرفته بالتعامل مع
المال أدت إلى تبذير المبالغ الكبيرة التي حصل عليها من
كتاباته التي كان يكتبها في المقاهي.
كان مسرح الهزل بحاجة إلى كتابات ـparody
ـ مسلية وممتعة، فلم يكن من الصعب عليه أن يعد بسهولة
مشاهد هزلية و طرائف رائعة. كان إنسانا لاذعا، لكنه
استطاع إضحاك الآخرين ببراعة. له خيال خصب لا ينضب: يمتلك
كل وسائل الإضحاك ابتداءً من اللعب بالكلمات حتى موقف
المفارقة، وتقديم شخصيات غريبة الأطوار معبّراً عن أساها
بسخرية ليختمها بنهاية مفاجئة. عذبته مرارة حياته والأكثر
من ذلك خطايا الحياة العامة، لكنه عبر عن معاناته وسخطه
بشكل ساخر في كتاباته. وضحك الجمهور ومازال حينما يقرأ
أفكاره الغريبة.
في عام 1916 صدر كتابه (اسمح لي يا حضرة المعلم) الذي
أشرت إليه سابقا والذي يعتبر من أجمل ما كتب كارينتي وهو
عبارة عن مجموعة قصصية أشبه باليوميات عن شكوى طفل يعود
بالزمن إلى ذكريات وعالم الطفولة والحنين لهما، يعرض لنا
فيها رؤية الأطفال التي تختلف جذريا في موازين قيمها عن
ميزان القيم في مجتمع الكبار. تدور أحداث القصص عن عالم
سنين الدراسة السعيدة التي يعمها السلام. لقد جمّعها من
رؤيا أحلامٍ وخيال وحقيقة.
عبر في أعماله الأدبية بقوة عن الروح الشريرة المتأصلة
في داخل الإنسان، لكنه في الوقت ذاته كان يطالب بحدة
بإنسانيته، وقف إلى جانب السلام في الحرب العالمية الأولى
وأفكاره كانت وكأنها ضد الفاشية التي لم يعرفها بعد. وتحول
في ذلك الوقت إلى منادٍ بالعقلانية، وراح يعلن عن ضرورة
وجود موسوعة جديدة ليوضح فيها مفاهيم القرن النظرية
والتطبيقية لإنسان القرن التاسع عشر على غرار الموسوعة
الفرنسية في القرن الثامن عشر. حاول كتابة بعض العناوين
الرئيسية لموسوعة المستقبل الجديدة، لكنها ظهرت بشكل غير
متماسك، ربما لأن فلسفته كانت انتقائية.
وتتعمق الرؤية في رواياته وقصصه القصيرة، فنرى في
أغلبها الصراع المحتدم بين المرأة والرجل يشكل الموضوع
الرئيسي. برأيه أن الرجل مظلوم، مستَغل،ومهزّأ. لكن كارنتي
في حقيقة الحال لا يحمل حقدا ضد المرأة ، بل بالعكس ينحني
أمام الأنوثة بكاملها. يكمن في نثره حب عارم لشاعر غنائي.
في رواياته وقصصه تحوم الفنطازيا والفلسفة وعلوم
الطبيعة. في إحدى رواياته الأخيرة وفي تقرير سماوي يتخيل
سفر دانتي حوالي دار الآخرة. يغلف هذا العمل الفكاهة وتكمن
في رؤيته الحكمة والمطلب الإنساني وعلم النفس. أما قصصه
القصيرة المتعددة المواضيع ما هي إلا دليلا على أفق مخيلته
اللامحدود.
كان إنساني بمعنى الكلمة: يؤمن بالإنسان، بالعلم والثقافة،
عانى من القسوة وناضل من أجل الخير. عندما كتب أحيانا قصصا
مأساوية اندهش القراء متسائلين: هذا أيضا كارنتي؟
في التاسعة والأربعين من عمره، أي في العام 1936 أصيب بورم
في الدماغ. وأجرى له العملية طبيب سويدي، وكان يبدو أنه
أنقذه. بعدها وفي العام 1937 كتب كارنتي كتابا مميزا عن
مرضه وتجربة عمليته الجراحية، يعتبر من أشهر كتبه عنوانه "
رحلة حول جمجمتي". روى بشكل مثير ومدهش حقيقي، صادق وموثّق
في وصف سوابق المرض، الطريق، والعملية وتأثيرها عليه من
خلال فلسفة حياته، وببهجة عارمة لا مثيل لها. إن الانتصار
على الطبيعة في داخل الإنسان جعله يرتقي بإيمانه نحو
الديمومة والتفرد. تقع كتب كارنتي على رأس قمة كتب
الفكاهة المجرية المقروءة. له شعبية عالية جدا ككاتب فكاهة
في الوقت الذي يُعتبر فيه فيلسوف متحفز لكل تطور علمي في
العالم. كان الأكثر وعيا وثباتا كسليل وممثل حقيقي لعصر
التنوير في القرن الثامن عشر. بعد العملية بسنتين توفي
فجأة في العام 1938.
لم يكتب القصة والرواية والشعر فحسب ولكنه كان مترجما
أيضاً ويعود الفضل له في ترجمة العديد من كتب الأدب
العالمي إلى المجرية. كان رجلا متعدد المواهب توجد له بعض
التخطيطات والرسوم لبورتريت أبيه وبعض الكتاب. تُرجمتْ
كتبه إلى لغات عالمية كثيرة بينها الألمانية والإنجليزية
والفرنسية والسويدية والسلافية والرومانية و البلغارية
والإسبانية والإيطالية وغيرها العديد من اللغات.. أما أشهر
كتبه فهي :
هكذا تكتبون أنتم : 1917
المسيح وبارناباس : 1918
اسمح لي يا حضرة المعلم : 1916
لا يمكنني قوله لأي أحد : 1930 شعر
رحلة حول جمجمتي : 1938
رسالة في قنينة : 1938 شعر
ترجمة وإعداد:
اعتقال الطائي
|