|
إعتقال
الطائي
لم تعلم سر سحابة الحزن التي انسدلت على عيني زوجها. لم
يكن راغبا في الخروج من البيت، فراحت تترجاه أن يترك العمل
والكومبيوتر جانباً ولينعما بدفء الشمس النادرة التي تجعل
البهجة تزهر في قلبها، في شتاء تلك المدن النائية عن
الوطن.
ترك كل شيء متطلعاً إليها بنظرات مفعمة بالحب، ليس
له غيرها. غادرا البيت، لكنه كان ساهياً عنها في عالم
تجهله. تطلعتْ في عينيه الحزينتين، فقرأ عتابا في نظراتها،
كيف لا؟ وهي العارفة بكل صغيرة وكبيرة طوال حياتهما
المشتركة منذ ستة وعشرين عاما. طوّق خصرها هامسا بأذنها:
ـ ما بيّ شي، بس قريت قصة ذكرتني بطفولتي، أو بالأصح
بحادثة مؤلمة.
ـ غريبة! لهذا الحد؟
ـ مو مشكلة، خلينه نستمتع بالجو الجميل.
انصهرت حرارة الشمس بحرارة جسديهما المتلاصقين، فمنحتهما
طاقة جعلتهما يسيران حتى المدينة دون الشعور بالإعياء.
جلسا في ركن مقهى واجهته من الزجاج وراحا يحتسيان الشاي
الأخضر وهما يتطلعان إلى زوار المقهى الذين تعددت جنسياتهم
وألوانهم التي غلبت عليها سمرة البشرة والشعر الغامق.
تهادى في المقهى صوت موسيقى أغنية تركية، قفزت طفلة حين
سماعها لترقص على إيقاعها بشكل عفوي غريزي.
غادرا المقهى، متطلعَين إلى مركز المدينة الذي ازدحم
بالناس في نهاية أسبوع دافئة. اتجها نحو السوق الشرقي،
وحينما دخلاه وقع نظرها على الرمان الذي صفه البائع على
الرف بتناسق جميل. أخذت كيساً وراحت تنتقي من فاكهة زوجها
المفضلة، إلا أنه خاطبها ببرود:
ـ الأفضل ما نشتري اليوم رمان، بعدين إحنة راجعين مشي
للبيت وما أريد نشيل أي شي.
تجوّلا في الأسواق، ثم قررا العودة إلى القرية الهادئة
التي تبعد مسافة نصف ساعة سيراً على الأقدام. ولأن الوقت
لم يكن متأخراً على وجبة الغذاء، فقد تماهلا في الوصول إلى
البيت. جلسا على مقعد خشبي في حديقة كانت تضج بالصغار
والكبار من مختلف الأجناس. و بينما راحت زوجته
تراقب المارة الذين اصطحبوا كلابهم معهم، وتهز رأسها بين
الحين والآخر مبتسمة لفرط الرقة والنعومة التي يعاملونها
بها.. كانت عينا رضا تجولان بين الناس، لتتوقفا بين الحين
والآخر على مشهد لافت لنظره. رجل مسن يسير متمهلا وهو
يتأبط ذراع زوجته، أم تلبي رغبات طفليها بصبر دون تردد أو
تذمر منهما. زفر رضا بقوة حسرة أثقلت صدره، مقارِنا طفولته
بما يراه الآن حياً أمامه. أسند رأسه
على كتف زوجته مسدلا جفنيه. بينما هي غابت بين صفحات
كتاب....
ـ إبني رضا! گوم إلبس بالعجل.. راح نتأخر يمة.
كان صباح بغداد دافئاَ، وكانت أمه قد اتفقت مع أختها على
زيارتها في مدينة الحلة يوم الجمعة.
وكانت فرحة رضا بلا حدود، قفز من فراشه ليغتسل، وقبل أن
يرتدي قميصه وقف أمام المرآة ثانياً ذراعه ومقلصاً عضلات
زنده كمن يستعد للملاكمة. في انتظاره أولاد خالته، سيصلهم
بصورة البطل الذي لا يُقهر. طوال الطريق إلى الحلة كان
يخطط للمغامرة الجديدة والانتصار على أولاد الخالة الذين
يتطلعون إليه كأحد أبطال القصص المصورة أو أفلام
المغامرات. غاب في خياله حتى تناهى إلى مسمعه صوت أخته
الكبرى صائحة:
ـ شوفوا هنا آثار بابل، بعد شوية ونوصل للحلة!
استوقفته جملة آثار بابل، لأنه كان يطمح لأن يكون رساما،
لتصبح لوحاته خالدة كتماثيل بابل ونقوشها كما وصفها معلمه.
وأخيراً وصلوا محلة القاضية حيث تسكن الخالة. غمر الفرح
عينيه حينما لاحت صورة بيت خالته. ما أن وقفت السيارة حتى
نزل منها وما لبث أن انطلق راكضاً نحو باب البيت. استقبله
أولاد خالته بحرارة لكنهم تركوه بعد أن نادت عليهم والدتهم
ليسلموا على خالتهم وأولادها الآخرين. أما رضا فتسمّرت
قدماه عند أغصان شجرة رمان الجار التي تدلت على السور في
حديقة خالته. لم يستطع مقاومة إغواء أجمل رمانة، فقطفها
بلا تردد، وإذا بصوت أمه التي اجتاحها الغضب، راكضة نحوه
لتخطف الرمانة من يده وتصفعه بقوة مرددة بصوت مرتجف:
ـ شسويت رضا؟ تسرق رمانة الجيران؟
ـ لا يمة، لا.. لگيتهة واگعة.
وجهتْ له صفعة أخرى.
ـ وهالمرة تكذب؟ مو آني شفتك بعيني وانت تگطعهة. يعني مو
بس تريد تصير حرامي .. وكذاب ها؟.
ذرف رضا دموعاً لم يذرفها طوال أعوامه الثمانية. ليس بسبب
الصفعتين على خديه، بل الإهانة وكسر عزيمته وتشويه صورة
البطل أمام أولاد الخالة الذين ربما شمتوا به.
بقي رضا طوال اليوم منكِّساً رأسه حزيناً، لم يجرؤ على
إعادة الرمانة للجيران كما طلبت منه أمه التي كان يعزّ
عليه إيذاؤها أو عصيان أوامرها. لقد حز في نفس خالته وضعه
المأساوي، لذا ارتدت عباءتها وخرجت لتعود بكيس من الرمان .
ـ تعال عيني رضاوي، لا تنقهر شوف شلون اشتريت لك أحسن
وأطيب رمان.
لكن رضا لم يمد يده نحو الرمان ولم يتذوق طعمه بعد الرمانة
الجميلة التي تحمّل من أجلها الذل والألم.
ورانت السكينة لبعض الوقت، وتجهمتْ الوجوه. كان أولاد
خالته عاجزين عن مؤاساته خشية من أن يظل صامتاً طوال
النهار حتى يفترقوا دونما كلمة.
دلفت خالته إلى المطبخ تتبعها أمه. ثم حدقت الخالة في وجه
أختها وبنبرة معاتبة قالت:
ـ آني ما أريد أتدخل بتربية أولادك، بس أختي ما يصير
تضربين الولد گدام ولد خالته على مود رمانة، وتكسرين
خاطره.
ـ المشكلة مو الرمانة، أخاف يتعلم يمد إيده على شي أكبر
ويروح الولد من إيدي.
كان الغذاء جاهزاً إلا أنهن بقين في المطبخ يوشوشن بعضهن
البعض بأسرارهن وهمومهن اليومية ومتاعب الرجال والأولاد،
وترتفع حرارة الكلمات وتتأجج المشاعر مع الأكلات الشهية
الساخنة. حل صمت مريب للحظات حينما دخلت الفتيات المطبخ،
وبهذا أنهت الأمهات كلامهن طالبات من البنات أن يحملن
الأكل إلى الحديقة ليتغذوا هناك.
كان رضا يجلس قبالة أغصان شجرة الرمان التي اتكأت على
السور. فكلّما وضع لقمة في فمه، شعر بغصة. كانت خالته
تختلس النظر إليه بين الحين والآخر فتحثه على الأكل:
ـ أكل عيني رضاوي اليوم كثّرت الكشمش بالتمن لخاطرك!
ـ شكراً خالة، دا آكل. ـ رد بصوت كاد يكون همسا ًـ.
في ذلك اليوم لم ينم أحد القيلولة احتفاءً بالضيوف الذين
شربوا شاي العصر، تسامرت البنتان مع بنات خالتهن. وفضل رضا
الرسم على اللعب، عله في ذلك يريهم موهبته.
مرّ اليوم ثقيلاً، مؤلماً لرضا. ودّع مضيفيه بابتسامة
مشوبة بالحزن الدفين. ضمّته خالته إلى صدرها وقبّلتْ رأسه.
ركبت أمه السيارة مادة له يدها. جلس أخوه الأكبر في المقعد
الأمامي، وأختاه إلى جانبه. انطلقت السيارة نحو بغداد،
كانت عيناه تراقبان الطريق والنخيل حتى غامت الرؤية، فوضع
رأسه في حضن أمه ونام. فراحت أمه تمسد على رأسه بحنو.
رأى رضا يد امرأة عجوز، تمسك بخناقه وتقوده نحو شجرة رمان
وتزعق:
" تگطع الرمانة؟ حرامي، تعرف شنو مصير السارق؟ جهنم وبئس
المصير. تعال أكل كل الرمان!"
كان رضا يرتعش مرعوباً يتوسل إليها بصوت متهدج:
" التتتتوبة.. التوووبة.. ما ريد رمان"
لقد انفلقت ثمار الرمان وسال منها سائل ليس
أحمر، بل هو قريب إلى السواد، وضعت رأسه تحت الشجرة ليشرب
منه، وكان مراً كالعلقم، حاول جاهداً زم شفتيه كيلا يشرب
منه، لكن السماء أنقذته بقطرات مطرها. جفل فاتحاً عينيه
ليتحسس دمعة أمه على خده وهي تولول:
ـ شسوي يا إبني؟ يعني إنت عبالك آني أفرح من أضربك؟ لازم
أربّيكم زين حتى لو صرت قاسية وياكم.. وأنت ..أنت عمرك سنة
ومات أبوك الله يرحمه، مات شاب عمره اثنين وتلاثين سنة
وخلاكم برگبتي، لازم تصيرون رياجيل ونسوان أفتخر بيكم يا
وليدي!.
وقبل أن تنساب دمعته من عينيه، تناهى إلى مسمعه صوت طفلة
تركية تنادي أمها باللغة الألمانية:
ـ ماما ..ماما .. أخي أخذ رمانتي!
وضعت زوجته يدها على رأسه وراحت تداعب شعره الذي خطه الشيب
برقة وبصوت ناعم عاتبته:
ـ شايف ما خليتنه نشتري رمان!
رفع رأسه من على كتفها معتذرا لها بلطف.
ـ ما يخالف حبيبتي، إنشاء الله بالأسبوع القادم. وبعدين
هذا مو طيب مثل رمان العراق!
اعتقال الطائي
نيسان 2007 |