ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

ذاكرة الأشياء: شاي عراقي

 

  

في أحد مساءات الشتاء الباردة زارنا المراسل الصحفي الذي رافقته إلى بغداد التي أحبَّ أهلها وشايها. وطلب مني ضاحكاً أن أعمل له شاياً عراقياً جلبته معي من العراق. أخرجت نصف كيلو الشاي من خزانة المواد الغذائية، فتحت الكيس وامتلأ انفي بعبقه الذي أعادني إلى....

 

منتصف ليلة صيف عام 1981.

حيث وضعت القلم جانبا، قبل أن يسقط بطل أول قصة قصيرة ترجمتها في البئر، بعد أن شعرت بإعياء أطبق على رأسي فجأة. همدت في سريري وغبت في نوم عميق. بعد ساعات لم أكن أعلم أنني كنت  في حلم أم يقظة، صحوت على صوت اعتقدته نابعا من أعماق البئر، لكنه اقترب أكثر فأكثر وصار يدنو من سريري. طرق على باب غرفتي المقفلة، وصوت رجل ينادي :

ـ افتحي الباب آني جاي من بغداد !

نهضت فزعة، ماذا أسمع، هل احترقت بغداد؟ هل ماتت أمي؟ هل حل الخراب بأرض الوطن؟ وووو...رحت اتخبط باحثة عن شيء لائق أرتديه لأستقبل صاحب الصوت البغدادي. رتبت سريري فاتحة الباب وإذا بي أمام رجل أسمر في خريف العمرأنهكه السفر يرتدي كوفية بلا عقال، وقميصا أبيض ذا خطوط سوداء وبنطالا أسود. وقف الى جانبه صاحب البيت فاغرا فاه وابنه الصغير يختبىء خلفه مرتعبا يكاد يبكي، وعيناه جاحظتان من شدة هلعه. لم يبدُ المشهد حقيقيا للوهلة الأولى وكأنه لقطة من أحد الأفلام العربية ولا ينقصها سوى عبارة يوسف وهبي الشهيرة " يا للهول ".

ـ آني أبو أحمد جيت من طرف أختك وجبتلك چاي(شاي). گالت تگدرين  تساعديني.

ـ بأي شي؟

قبل أن يجيب، سألني صاحب البيت اذا كانت لديه رغبة في تناول القهوة. كنت في حيرة من أمري هل أدخله غرفتي التي لا تتجاوز مسافتها سبعة أمتار مربعة، والتي تحتوي على سرير، خزانة ملابس، مائدة للكتابة وكرسي وتلفون ؟ 

استقبل الدعوة بكل رحابة صدر، شغل مكانه على الكرسي اليتيم، وجلست أنا على سريري الذي ما زال دافئاً.

شربنا الشاي، ودخل الحمام ليغسل وجهه ويخفف من أعباء السفر، ثم استعجل الأمر بقوله:

ـ اتصلي بالخطوط الجوية البولندية لأن أريد أسافر اليوم لهناك! في الحقيقة آني كذبت عليهم بقصة سفرتي إلى هنغاريا.                  

ـ وين أغراضك؟

ـ بمحطة القطار.. بقسم الودائع، جيت عن طريق تركيا.

واتصلت بالخطوط الجوية البولندية، ووقع الخبر على رأسينا كالصاعقة:

" لا توجد اليوم رحلة إلى هناك"

ورحت أقنعه بالبقاء ليوم واحد كي يستريح بعض الشيء ويكمل الرحلة، لكني لم أعرف بعد لماذا العجلة وما هي المهمة التي جاء من أجلها. وأخيراً اقتنع مؤكداً على أنه بالفعل يجب عليه أن يكون بأحسن حال وكفء لأداء المهمة التي تنتظره.

اصطحبته إلى مكتب السياحة لتأجيرغرفة سعيت أن تكون على مقربة من مكان سكني. وأخيراً وافق على غرفة صغيرة لم تكلفه ثمناً غالياً. وبينما هو يدفع الحساب في مكتب السياحة لمحتُ في محفظته صورةً لشاب بزي التخرج من الجامعة. وقبل أن أسأل سبقني قائلا:

ـ هذا إبني أحمد بهذي السنة تخرج من الجامعة ناوي أخطب له بنت أختِك. وعندي غيره خمسة.

ـ الله يخليهم.

ـ في الحقيقة اضطرّيت أجي لهنغاريا لأن أختك الله يخليهه بعد ما كذبتْ على أم أحمد وأولادي طلبت مني أوصلّك نص كيلو چاي عراقي. وبالنتيجة جيت لهنغاريا، وبعدين صارت فكرة زينة وما راح يعرفون آني رايح لبولونيا.

رافقته إلى غرفته وقدمته إلى أصحاب البيت، واتفقت معه على موعد في ظهر اليوم التالي كي نذهب إلى محطة القطار لاستلام حقائبه والتوجه نحو المطار.

كان أبو أحمد دقيقاً في موعده، وقف عند بوابة البناية التي بات فيها. كان يبدو بأفضل حال، لقد خلع كوفيته التي خبأ تحتها شعراً مصبوغاً فاحم اللون، كان وجهه يلمع وكأنه حلقه لثلاث مرات متتالية، مرتدياً قميصاً ناصع البياض لا تزال بصمات يد أم أحمد عليه حينما كوته باعتناء. سبقني بالتحية مضيفاً:

ـ والله يابة صحيح، نمت 12 ساعة، وشوفيني شلون صرت أحسن!

طلبت منه أن يحث الخطى كي نلحق بالترام الذي سيقلنا مباشرة إلى محطة القطار، ركضت لأصعد الترام قبل أن ينطلق وأبو أحمد يركض خلفي، ركبت الترام وأغلق السائق الأبواب وبقي أبو أحمد على الرصيف. نزلت في المحطة المقبلة وعدت لأجده واقفاً كالطفل الخائب.

وأخيراً وصلنا المحطة لنبحث عن مكان الودائع، سلّمهم الرقم واستلم البضاعة، كانت بالفعل بضاعة نادرة..فتح الحقائب الكبيرة وكانت تحوي على كل ما لذ وطاب، من رز وعدس، سكر وشاي، الفستق الأخضر والبندق، الفاكهة المجففة من تين وتمر وما لم تره عيناي من قبل.. الرزمة الثانية: مساحيق الغسيل والصابون، ثم ملابس نسائية كقميص نوم مخصص للإثارة. ومن بين كل تلك الأشياء رفع كيساً صغيراً وضعه في يدي:

ـ أخذي يابه، هذا الچاي العراقي.

بقيت في حيرة من أمر هذا الرجل، ماذا يعمل؟ ربما في منظمة إنسانية؟

كان عليه أن يقدم جواز سفره ليستلم حقائبه، وبينما هو منشغل بترتيب البضاعة استلمت جوازه، لم أفتحه ومع ذلك سقطت منه صورة له وهو بملابسه العسكرية. "إنه إذن من حماة الوطن" ـ فكرت ـ.

طلبت منه أن يسرع وإلا تركته الطائرة. كانت يداه ترتعشان من شدة الإنفعال وهو يحزم حقائبه مردداً:

ـ خطية ماعدهم أكل ، جواعة، هسة تفرح من تشوف الهدايا.

غادرنا المحطة، وركب أبو أحمد الحافلة المتجهة إلى المطار..

وصل إلى العاصمة البولونية والغبطة تملأ قلبه، لم يصدق أن وجوده هناك حقيقة ساطعة، لقد قطع آلاف الأمتار براً وجواً، وكذب ولفق القصص كي ينال مراده. أخرج العنوان الذي احتفظ به إلى جانب صورة ابنه بيد مرتجفة، وبدأ يستعيد بعض الكلمات البولندية التي تعلمها قبل سنين هناك. وهو على يقين بأنها الآن على بعد عشرات الكيلومترات.. لقد استغرقه التفكير في حل مشكلة الوصول إليها خاصة وأن الشمس قاربت على المغيب. استجمع قواه مشيراً إلى سيارة أجرة، خذله لسانه فمد يده مناولاً العنوان للسائق. ابتسم السائق محاولا إفهامه بأن المكان خارج العاصمة. فانفكت فجأة عقدة لسان أبي أحمد ليُعلمَ السائق بأنه على دراية بكل شيء مؤكداً له بحركة خفيفة لوح بها المائة دولار أمام عيني السائق الذي سُرَّ للمشهد غير المتوقع. وانطلقت السيارة، وبعد مسافة قصيرة داهمتهما ريح عاصفة وأمطار كادت تحجب الرؤية، ارتعش قلب أبي أحمد لأن السائق كان يسوق سيارته بسرعة غير معقولة حتى دخلا حدود القرية التي خلت شوارعها من البشر. أبطأ السرعة وراح يبحث عن العنوان ويحملق في شوارعها الضيقة، وكمن يرى حورية في حلمه صاح أبو أحمد بلغته البولندية الفقيرة:

ـ قف.. قف ..هذه .. هذه المرأة أختها!

ارتعب السائق ولم يصدق أذنه حتى اعتقده معتوهاً. ومع ذلك ضغط على المكبح متوقفاً. نزل أبو أحمد من السيارة كالمجنون راكضاً نحو المرأة التي كانت بالفعل أخت من يبحث عنها. جفلتْ، وكاد يغمى عليها في ذلك الليل المخيف، لكنه كان ودوداً وحاول بهدوء أن يستفسر عن بيت اختها. فهمتْ الوضع وعادتْ بها ذاكرتها إلى سنوات مضت حيث صاحبت اختها هذا الرجل الغريب الذي عكر صفو حياة عائلتها القروية. ركبتْ معه السيارة واصطحبته إلى بيت اختها.

اعتراه شعور غريب لم يفهم كنهه في البدء، أهي اللهفة أم الخوف من أن تصده أو ربما تنكر معرفتها له... أم .. أم ؟

فتحت الباب وتسمرت في مكانها، لم تصدق عينيها. تلعثم الغريب المبلول بالمطر ككلب عجوز يحاول بابتسامته وتودده لها أن تأويه في بيتها.. التفتَ نحو السائق كي ينزل البضاعة، وراح لاهثاً يأخذها من يده ليضعها أمام قدميها. كادت تطير من فرحها لرؤية الهدايا، لكن الحبور لم يدم لأكثر من بضع دقائق، فها هو الزوج يترك عشاءه ليرى ماذا يدور في بيته. لم تتغير ملامح وجهه في البداية، لكنه فجأة أحس بالإهانة خاصة أنه لم يتعرف على الرجل الذي يقف أمامه، لذا لم يستطع كبح جماحه صائحاً:

ـ من هذا الرجل... وما هذه الأشياء؟!

كانت فرحة زوجته بالهدايا تفوق وجود الزوج وسؤاله، فلم تبال به، واشتد غيض الزوج مهددا بقتلهما واصفاً إياها بالعاهرة. لكنها في خضم غبطتها وتخيلها للدولار الأخضر راحت تُري زوجها الهدايا مرددة دون وعي منها:

ـ أنظر.. أنظر ماذا جلب لنا، هل كنت تستطيع توفير كل هذا؟

رفع الزوج يده ليسدد لها الصفعة وللكلب العجوز، ولكن لحسن حظهما مازال السائق واقفاً يتفرج خافياً ابتسامته بين الحين والآخر حاسباً لحساب العودة بعد أن يُطرد الغريبُ ويحصل على مائة دولار جديدة. وهذا ما حصل بالفعل لقد رماهما الزوج في الشارع:

ـ اذهبي أيتها العاهرة مع هذا الكلب العجوز الغني!!     

بعد شد وجذب حاولتْ جمع بعض حاجياتها لتلتحق بالزائر الذي استأجر لها غرفة في فندق راقٍ في العاصمة وهاهو يفوز برفقة الشابة الشقراء ويحقق حلمه الذي طالما رافقه طوال سنين الفراق، هذه الشقراء التي جعلت منه إلهاً تعبده وتقبله من رأسه حتى أخمص قدميه، حتى قضت على مئات الدولارات، مما أثار غضب فراشات الليل اللاتي يعملن في الفندق. وعلى حد قول أبي أحمد:

" عبالهن هي وحدة مثلهن "

بعد ثلاثة أيام حمراء، أفقتُ على صوت جرس الهاتف.. ياإلهي الساعة الثالثة صباحاً.. رفعت السماعة وقلبي كاد يقفز من مكانه. صوت نسائي ناعم:

ـ ألو... ألو.. ههههه.. إتكال؟

كنت أعتقد أن أحداً ما يلعب أو يمزح معي، وقبل أن أضع السماعة وإذا بصوت رجالي:

ـ مرحبة اعتقال، آني أبو أحمد هاي تريد تتكلم وياچ. وآني بعد يومين أرجع لبودابست.

ـ أهلا وسهلا.. بس خبرني شوَكِتْ توصل.

ركنت السماعة ولعنت الشقراء واليوم الذي وصل فيه العقيد المتقاعد أبو أحمد مع نصف كيلو شاي إلى بودابست.

لم يمر أكثر من يوم وإذا بأبي أحمد يشخص ثانية في الساعة السادسة صباحاً أمام باب غرفتي دون سابق إنذار. دخل الغرفة وكأنه يدخل غرفة أم أحمد. وضع حقائبه الفارغة من البضاعة وسط الغرفة ورما بجسده المنهك على الكرسي وراح يتطلع إلى وجهه في المرآة الصغيرة الموجودة على المنضدة. رفض تناول أي شيء لأنه فطر في الطائرة وكان همه أن يعود إلى العراق فوراً.. لكنه لايعرف كيف وظل يردد:

ـ لازم أرجع اليوم عن طريق تركيا، ماريد أبقى بهنغاريا، ما عندي فلوس كافية.

بدا لي أن هذا الرجل لا يعرف ماذا يفعل واستغربت سلوك رجل في هذه السن، وكيف يسمح لنفسه أن يفعل ذلك مع ابنة بلده، ورحت أتساءل في نفسي عن المُثل والقيم التي ينادي بها رجالنا الذين فقدوا عقولهم بين أفخاذ الشقراوات. لذا لم أبادر بمساعدته وتركته في غرفتي وبدأتُ نهاري مع العائلة المجرية وأخذتُ أوراقي وكتابي إلى المطبخ لأعمل هناك. لكني سمعت نشيجاً حاداً، سرت نحو مصدره، كان أبو أحمد يتحسس تجاعيد وجهه محدقاً في المرآة الصغيرة وينوح كامرأة ثكلى. جلست على سريري أرقب المأساة. توقف عن البكاء ولمح جهاز المسجل الصغير فأخرج شريط كاسيت وضعه فيه وكان لسعدي الحلي، وعندما تعالى صوت الأغنية التي كما أتذكر تقول كلماتها:

يا مدلولة ش بُگة بعمري

غير الألم والحسرة

جسمي عايش ببغداد

وروحي ساكنة البصرة

رافقه نحيبه قائلاً بحسرة:

ـ تحب هاي الأغنية... آخ.. يايابة.

مضى نهار بأكمله ونحن على هذه الحال حتى وصل صديقي الشاعر وزوجته التي جاءت من أجل أن تغسل شعرها عندي. استقبلتهما بابتسامة عريضة ودعوتهما للدخول، تاركة وجود الضيف مفاجأة لهما. نظر صديقي الشاعر في غرفتي وبطريقته العنجهية المعهودة سألني:

ـ هذا شنو؟

أخذتهما إلى المطبخ ورويت لهما الحكاية بشكل مقتضب، وكان رد فعل الشاعر.

ـ ما شاء الله وأنتِ تتفرجين عليه من الصبح لحد الآن؟

اقتحم الغرفة مؤدياً التحية وسائلاً منه عن وجهته، فكان الضيف مصراً على العودة إلى تركيا. وافقه الرأي وطلب منه أن يستعد لأننا سنأخذه إلى المحطة.

خرجنا بسرعة وكانت عينا الشاعر تقدحان شرراً.. وصلنا إلى محطة القطار فأخذه الشاعر وقطع له تذكرة ولم يهمه بأي اتجاه سينطلق القطار، وضعه فيه قائلاً:

ـ مع السلامة، هذا يوديك لتركيا.

وكان القطار ذاهباً إلى يوغسلافيا.

تألمت على أبي أحمد ولم أعرف لحد الآن ما حل به، ربما عاد العقيد المتقاعد إلى الخدمة بعد بدء الحرب العراقية الأيرانية بعد عودته بأسابيع إلى الوطن، وظل يحلم بشقرائه في الجبهة. أم غاب أبداً.

رحت أصب الشاي العراقي لضيفنا الصحفي، لقد تلاشى صوته لأن صدى صوت أختي ذاتها التي أرسلت لي الشاي مع أبي أحمد، طغى في أذني على كل الأصوات وهي تسأل في التلفون من أختي الأصغر التي سكنتُ عندها وقت عودتي إلى العراق بعد خمسة وعشرين عاماً:

ـ عدكم چاي؟ لأن ردت أنطيهة چاي عراقي..

 

اعتقال الطائي

بودابست 2007 شباط