|
كنت فرحة بانتقالي إلى شقة صغيرة تحوي على غرفة واسعة
نسبيا وحمام ومطبخ بركن إضافي لتناول الوجبات. الغرفة
جنينة صغيرة امتلأت بنباتات الظل، حتى أنني ربطت النبات
المتسلق والموضوع في أصيص فخاري جميل على رف الكتب بخيط
ليمتد فوق سريري حتى الجدار معيدا بي إلى تعريشة العنب في
بيتنا بالحلة. لتلك الغرفة نافذة تطل على باحة مدرسة كلما
جلتُ بنظري فيها، يأخذني الترحال بعيدا عبرها خارج حدود
الزمان والمكان. فهؤلاء الصغار ليسوا هم أولئك الذين
تسلقوا الأشجار وهي ليست شجرة التين التي كنا نلعب عليها
في مدرستنا. شيطنتهم وصراخهم والكلام البذيء الذي يرددونه
أمام المعلم غير آبهين بهيبته. ليسوا كما كنا نرتعد خوفا
من معلماتنا.
كان التفرج عليهم متعة لا مثيل لها في نهارات بعد الظهيرة
عقب عمل متعب في كتابة الأطروحة. كنت دائمة المقارنة بين
عالمهم وعالمنا، أندهشُ حينما أرى المعلم يلعب مع تلميذته
الصغيرة رافعا بها في الهواء وهي تكركر. ومثلتْ أمام عيني
صورة مديرتنا البدينة وثقل يدها وهي تضرب كفي الصغيرة
النحيفة، أو صفعة المعلمة لي بسبب تسلق شجرة التين.
وتذكرت الشاعر الفلسطيني يوم ألقى قصائده أمامنا في بغداد
فحلقتْ عصافير الجليل فارة من بين أصابعه، وأراد رسمَ
الوطن، فاحترف الذكرى، وارتشف قهوة سرحان في الكافيتيريا،
مستنشقا عبق رائحة الوطن فيها...
أكثر من عشر سنوات خَلَتْ على رؤيته. اليوم في هذه المدينة
الباردة، وبلا موعد انتشلني من باحة المدرسة طرق على
الباب، فتحته، وجه أسمر، إنه جاري الفلسطيني. ابتسامة
حميمة عريضة ارتسمت على وجهه الداكن اللون. فاجأني بقوله:
ـ اغمضي عينيك وافتحي يدك!
وفعلت.
وضعها في كفي، ورحت أتحسسها شادة بأصابعي عليها. أشرتُ
إليه بالدخول، وجلسنا في المطبخ. وبالرغم من أنني أغمضت
عيني، لكني رحت أحدق في الجدار الذي انشطر ثم انفلق،
فدخلتُ عبر فجوته حديقة دارنا في الحلة، مادة يدي كمن يسير
في الحلم لأقطفها من الشجرة المتدلية أغصانها الفتيّة على
نافذة غرفة أبي حيث كان يرتدي ملابس بيضاء وكوفية، لقد
احتفظتْ زرقة عينيه بصفائها، خشيت منه، لست أدري لماذا..
لم أكلّمه، علّه غاضب مني لأنني هجرتهم بلا إذنٍ أو وداع.
ركضتُ باحثة عن أشجار التين والليمون وأخوتي.. ناديتهم،
وكأن صوتي يتهادى من قاع بئر عميقة. لا صوت ولا حركة. عدت
إلى شجرة الرمان أعدُّ فاكهتها ثمرة.. ثمرة، استهوتني
إحداها فقطفتها، وبينما كنت أتأمل جمالها، سمعت صوت أخواتي
يرددن:
ـ دحرج الرمان، نبّع الريحان..
خالتي تصفق على إيقاع اللحن، ومن دحرج وتكوّر رمّانها تركض
وراءهن لتضربهن متوردة الوجنتين حياءً من تدفق أنوثتها.
تسلل صوته رويدا ـ رويدا إلى مسامعي:
ـ هل عدتِ ؟
وراح يردد اسمي.. لم أعِ وجوده إلا بعدما شدّ على يدي..
تطلعت إلى وجهه الداكن السمرة وعينيه السوداوين، ابتسم
وسألني:
ـ أين كنتِ؟
لم أبح له بسر المكان، شعرت بالحياء لسهوي وتجاهل ضيفي،
وضعتُ الرمانة على المائدة، شكرته لأخفي مرارتي. وقلت:
ـ أدركتُ للتو وشعرتُ من الأعماق الآن وفهمتُ معنى بيت
شعره: "ورائحة البُن جغرافية" ...
ضحك الصديق الفلسطيني قائلا: آه! ملعون هذا الدرويش ..
محمود!
اعتقال الطائي
بودابست 1985
|