ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:20

Detroit Michigan U.S

 

 

 

ذاكرة الأشياء: جميلة

 

  

 

كنت جالسة أراقب وجه زوجي الذي ملأه الفخر والإعجاب وهو يصفُّ العدد الكبير من الكتب على الرفوف، وكنت أحسده على مهارته في ترتيبها بشكل جميل حسب تصنيف موضوعاتها. وعندما رآني أتتبع حركة يده وهو يرفع ويحط ويغير، توقف للحظة قائلا:

ـ وحتى قبل أن ينهار الاتحاد السوفييتي، كنت أفصلها عن بعضها البعض كل ّ حسب البلد التي انحدَرَ منه الكاتب وكِتابه. لم أخلط قط بين الأدب الروسي و القرغيزي مثلا.

وقفتُ بدافع الفضول لأقرأ عنوان الكتاب الصغير الذي يحمله بيده قبل أن يدسه بين الكتب القرغيزية، وكان "جميلة " للكاتب القرغيزي جنكيز آيتماتوف. اختطفته من يده، فتحته باحثة عن جملة وُضِعتْ في ترجمة النسخة العربية على الصفحة الأولى " أجمل قصة حب ".

لم أجدها، لكني وجدت نفسي في بيت أختي الكبرى وجرس الهاتف يرن، رفعتْ أختي السماعة، شاحبة الوجه وهي تلوّح بيدها قائلة:

ـ تعالي بسرعة هذا واحد اسمه " دكتور فاضل البراك يريد يحچي وياچ.

ـ مرحبه اعتقال، آني فاضل البراك مدير المخابرات، إذا ممكن تتفضلين عدنه.

ـ ما أجي.

ـ اعتقال! صدقيني آني دكتور فاضل البراك.

ـ أي وشنو يعني؟ ما أجي. كافي تجرجرون بيه.

وبينما كان يقنعني بالذهاب إليهم، كانت أختي تلطم خدودها وتردد بصوت مكتوم.

ـ لا تجاوبيه بهذا الأسلوب، راح يقتلوچ  ويقتلونه!.

وحسب الاتفاق على الموعد، وقفتُ قبل ظهر اليوم التالي على الرصيف الموارب لمدخل مبنى الإذاعة والتلفزيون انتظر السيارة الخضراء التي تحمل علامة الصيدلي أو الطبيب.. نزل منها رجل ذو عينين خضراوين ولون شعره قريب إلى الشقرة منه إلى البني الفاتح ناطقاً كلمة السر:

ـ أرسلني الدكتور.

خطوتُ نحو السيارة لأجلس في المقعد الخلفي، لكنه سبقني بفتح الباب الأمامي لأجلس إلى جانبه. وقبل أن ينطلق دفع شريط الكاسيت فارتفعت منه موسيقى كلاسيكية جميلة جدا امتزجت برائحة العطر الرجالي الذي فاح في هواء السيارة.

بدأ الشك يوسوس في صدري عندما راح يلف ويدور في فروع شوارع عديدة، بينما كنت أعلم أن مديرية الأمن تقع قرب شارع النضال في منطقة العلوية كما أتذكر. لكني انتظرت لفترة ثم سألته:

ـ وين رايحين؟

نظر إلي بطرف عينه وابتسامة غريبة، وبلهجة معاتبة قال:

ـ حتى لا يشوفوچ الناس وبعدين تگولين يومية مجرجريني للأمن والمخابرات!

وبعد كل اللف والدوران، لم أجد نفسي إلا أمام باب صغيرة في باحة لبناية لم أعلم ما هي. نزل مسرعا فاتحا الباب مشيرا إلي بالدخول.

لم أتوقع أن أرى خلف هذه الباب حجرة صغيرة جدا، صُممتْ بذوق راقٍ، غُلفتْ جدرانها بنوع من الورق المجسم بلون البيج، أثاث قليل لم يتعد بضع خزانات ومنضدة كبيرة، أمامها كرسي يجلس عليه ( الضيف) المستدعى. وخلفها جلس رجل أسمر وسيم، مهذب في كلامه، يرتدي ملابس تتدرج ألوانها بين البيج والبني والتي  كادت تتلاشى في ألوان الغرفة. ابتسم مستقبِلا إياي بسؤاله:

ـ والله يا اعتقال أنتِ ينرادلچ اعتقال!  ليش سمّوچ اعتقال؟

ـ لأن ينراد لي اعتقال ـ قلتُ مبتسمة ولم أرد على سؤاله.

لم يتحدث ذاك الرجل عن سبب استدعائي إليهم وظل يسترسل في كلامه عن البرنامج الذي أقدمه وإعجابه به، وبدأ يروي لي عن الأستاذة القرغيزية التي أشرفت على كتابة أطروحته عندما حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية في الاتحاد السوفييتي، معبّراً بفخر عن إعجابه بانتمائها إلى قوميتها وتمسكها بها وكيف كانت تصاحبه إلى منطقة "بانوراما" حيث سقط الآلاف من الجنود في سبيل الوطن. ثم استدرجني إلى الحديث عن البرنامج وإن توفرت أفلام قرغيزية، لماذا لا نقدمها؟ فَرِحتُ لسؤاله، ورحتُ أحدثه عن فلم "جميلة " الذي مُنعَ عرضُه في التلفزيون لأنه يقدم الخيانة الزوجية. وفجأة دق ناقوس ملحٌّ في رأسي فقطعتُ الحديث لأسأله عن سبب استدعائه لي فقال معاتبا:

ـ بسبب شكوتك ضدنا، اتصل السيد النائب بي حتى يعرف التفاصيل.

لم أعلّق على ذلك وسألت عن إمكانية  المغادرة. اندهشت عندما رد على الفور:

ـ طبعاً.. طبعاً تگدرين تروحين.

خرجت بدون مرافَقةِ أحد باحثة عن أقرب باب للخروج. وصرتُ أتلفت في جميع الاتجاهات، مستنشقة هواء الشارع وزافرة بقوة هواء الغرفة الأنيقة. ورحت أفكر:

" يا للغرابة! لماذا لم يسألني عن سبب شكواي ضدهم؟ ربما لأنه كان على علم بما يدور حوله، أليس كذلك؟"

في تلك اللحظة، لا جدوى من تحليل الأمور أو الموقف الذي يوضع فيه الإنسان البريء والذي يظل يتساءل دائماً: ما الذي فعلتُه، وما هو الذنب الذي اقترفته كي يفعلوا بي كل هذا؟ ربما كان فرانس كافكا محقا في كتابه " المحاكمة " عندما أراد القول: " يولد الإنسان متهماً "؟ آه .. لأترك كل هذه الأفكار جانباً، المهم أنني أسير الآن طليقة باتجاه مبنى التلفزيون لأن عملاً في انتظاري عليَّ إنجازه. 

لم أخبر أحدا بما حدث. عدت إلى مكان عملي وكأن شيئا لم يكن. والغريب في الأمر لم يسألني أحد في العمل أيضا عن سبب غيابي خاصة وأنهم كانوا دائمي البحث عن مكان تواجدي، كي يسجلوا كل صغيرة وكبيرة.

بعد مضي نصف ساعة كان وقت الدوام قد أشرف على نهايته. لملمت عدة عملي في المنحت. حملت حقيبتي عائدة إلى البيت.

مرت أيام الأسبوع بسلام بين النحت والتحضير لحلقة جديدة من البرنامج، وقبل أن نبدأ باستدعاء ضيف للبرنامج، فوجئنا باستلام أمر من "ناس كبار" ـ على حد قولهم ـ لعرض فلم قرغيزي اسمه " جميلة " .. اندهشتُ للخبر، كيف يمكن عرض فلم وُضع على قائمة الممنوعات؟ كان عليَّ أن أحتفظ بسؤالي لنفسي لأنه أمر يجب تنفيذه. لكن البهجة رفرفت في صدري.. وأخيرا سيرى الناس فلم أجمل قصة حب.

كان نهارا ربيعياً دافئاً، يبعث االغبطة في الروح محفزاً على العمل، كنت في قاعة قسم النحت " مكان عملي " أصب الجبس في قوالب لرؤوس دمى ستستخدم في عمل تلفزيوني، وإذا برئيس قسم الديكور الذي لا يطيق رؤيتي يركض منادياً على أحد الموظفين ليبحث عني وبسرعة قائلا:

ـ أركض شوف وين اعتقال اتصلوا بينة يريدونها!

لم يكن لدي الوقت الكافي لتغيير ملابس العمل ولا حتى لأخذ حقيبتي اليدوية، ركبت السيارة التي انتظرتني أمام باب مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وانطلقت بي مباشرة  حتى وجدت نفسي أمام القصر الجمهوري.   

نزلت من السيارة، توجهت نحو باب البناية. كنت أعرف الطريق لأنني سبق وأن تشرفت بمعرفتها من قبل، فالاستقبال يبدأ عادة عند غرفة السكرتير الأول. وقفت عند الباب المفتوح وإذا به يسأل:

ـ نعم... ليش جاية؟

ـ ما أعرف.. إنتو طلبتوني.

ـ تفضلي گعدي.

قالها وكل مسامة من جلده تفرز احتقاراً للمقابل. لكنه فوجئ بترحيب الرجلين بي. كانا من الرجال المهمين في وزارة الإعلام، حتى أنني عندما رأيتهم فكرت:

ـ والله يمكن راح يكرّمونا.

جلست على الكرسي المجاور للسكرتير وقريب من الرجلين، وراحت عيناي تجيلان النظر في جدران الغرفة الكبيرة التي زينتها لوحات الرسامة سعاد العطار، فأينما ألتفت، رأيت كاميرات صغيرات جدا ثبتت في زوايا عديدة، وكنت أتخيلهم، كيف يتفرجون علينا في داخل القصر، فبدأت أنبش الجبس لأزيله من تحت أظافري ومن قطيفة بنطلوني. مرّت الدقائق بطيئة كالاحتضار. تطلعت إلى كومة الصحف على منضدة السكرتير فطلبت إحداها، ليس من أجل قراءتها، بل لأغطي وجهي بها أمام عدسات الكاميرات المبحلقات في وجوهنا والراصدات لكل حركة نقوم بها. وفجأة وصل رجل شارف على الستين من عمره (ربما) شاحب الوجه، محني القامة خوفاً أم هكذا كانت قامته أصلا، مرتجف الصوت:

ـ سلامٌ عليكم، يابه انتم طلبتوني.

لم يعرف السكرتير الأول غير جملة واحدة:

ـ إي تفضل أگعد.

صار عدد المتفوقين أربعة ـ فكرت ـ وقبل أن أتخيل لحظة التكريم، قدم شاب في العشرينات من عمره ببذلة سوداء رسمية، فتح فمه، لكن السكرتير سبقه بذكر اسم أول المتفوقين بيننا حسب وصوله، فرد ذو البذلة السوداء والوجه الغبي:

ـ لا .. هي .. هي أول وحدة.

اصطحبني عبر ممرات عديدة حتى توقف أمام باب فتحها دون طرق، وأشار إلي بالدخول. كانت أشبه بقاعات الاجتماعات لكبر حجمها، خطوتُ مباشرة نحو أربعة رجال كانوا يجلسون على أرائك مريحة ويخوضون في حوار لم أفهم منه كلمة واحدة في تلك اللحظة،  تفحصتني ثماني عيون حد التعرية، حتى قال أحدهم:

ـ هناك.. هناك روحي!! 

قاموا جميعا متجهين نحو منضدة كبيرة خصصت بالفعل للمناقشات. تَصدّرها رجل نحيف جدا وكأن جلده قد تيبس على عظمه، له شعر أحمر يثير القرف. جلست إلى جانبه، وبقربي جلس رجل قصير القامة، بدين بعض الشيء، وفي قبالتي اثنان ضخمان قياسا إلى الآخرَين. بدوتُ بينهم صغيرة ضئيلة الحجم. وبدأ الرجلُ اليابس مراسيم التكريم.

ـ الاسم، وشتشتغلين؟

ردّدتُ اسمي مضيفة:

ـ أعمل نحاتة في قسم الديكور في تلفزيون بغداد.

اندهش الرجال الأربعة ناظرين إلي باستغراب وصاح رئيسهم:

ـ شنوووو؟

بالطبع لقد تعمدت تجنب ذكر البرنامج كي أرى رد فعلهم، لكني أرحتهم أخيرا حينما قلت:

ـ وأقدم برنامج اسمه "السينما والناس".

ـ آها...تمام.. حسب التقارير اللي وصلتنا، تقول: إنتي قدمتي فلم شيوعية ماركسية في يوم المولود النبوي.

في ذلك اليوم فقط، عرفت أن الفلم مؤنث بلغة القصر الجمهوري. كل شيء خطر على بالي وأنا أزيل الجبس من أظافري إلا هذا الموضوع، فما كان علي إلا أن أرد بسؤال زاد الطين بلة.

ـ وهو شوَكِتْ كان المولود النبوي؟ لأن سجلت البرنامج قبل أسابيع.

فوجئ الرجل اليابس ووجدها ذريعة جديدة لاتهام جديد فصاح:

ـ ها!  شوفو ما تعرف شوكت عيد المولود النبوي.

قاطعته في الحال:

ـ لا..طبعاً أعرف، 12 ربيع الأول، بس آني أقصد شوكت صادف عرض الفلم  قبل كم أسبوع؟

ـ ما نعرف، قلت بيوم المولد النبوي.

ـ أصلا آني كنت بالحلة عند أهلي بيوم المولود النبوي وما أتذكر شوكت انعرض الفلم. ـ أجبته ـ

وفجأة هب أحد الرجلين اللذين يجلسان قبالتي قائلا بلهجة تذكر بشخصيات المسلسل التلفزيوني العراقي الشهير " گهوة عزاوي ":

ـ يابة هاي إنتي شلون طالعة بالتلفزيووون، وگاعدة بالحلة عند أهلچ بنفس الوقت؟

وقبل أن أفتح فمي لكزه جاره وبلهجة المعلم حين يوبخ تلميذه قائلا:

ـ مو گالتلك أسجل البرنامج.. ( كانت تنقص جملته من طريقة رده عليه كلمة "يا حمار")  ثم أردف سائلا:  إي شنو ردِك؟

ـ صح، هو المفروض كان لازم يعرضون فلم عربي مثلاً " وُلِد الهدى " أو أي فلم مشابه. أما فلم جميلة، فما عنده أي علاقة بالشيوعية أو الماركسية لأن أصلا هو قرغيزي وبعدين هم مسلمون مثلنا وحتى أنهم في الفلم كانوا يرددون عدداً من السور القرآنية. إضافة إلى أنه مأخوذ عن قصة كتبوا عنها أنها" أجمل قصة حب في العالم".

وانتفض ثانية شخصية " گهوة عزاوي " متسائلا:

ـ وليش هو بيوم المولد النبوي يطلعون قصص حووووووووووب؟

ـ وليش هو النبي محمد كان ضد الحوووب؟ ـ سألته ـ

وعلى حين غرة شعرت وكأن الغرفة ترتج من قهقهة الرجال الأربعة، فرحت أداري اضطرابي وقلقي كي أخفف من عبء تهمتي العظمى فواصلت شرحي:

ـ لا .. لا .. أقصد فعلا ... يعني ..كان النبي محمد ينادي بالمحبة والسلام والحوب..

سكتوا جميعا للحظات متطلعين إلى بعضهم البعض، ثم أنهى الجلسة المعلم الصارم قائلا:

ـ زين.. خلص.. گومي روحي.

وفي تلك اللحظة داهمت رأسي أمثال شعبية كانت أمي ترددها دائما، بنيتُ على أساسها قوتي، لذا لن أغادر قبل أن أقول ما يجول في رأسي.

ـ ممكن أسأل ؟

ـ ممكن ـ ردوا بصوت واحد ـ.

ـ هناك معد برنامج، ثم مدير تلفزيون، وقسم التنسيق إضافة إلى لجنة مراقبة تفحص البرامج قبل بثها، وبعدين مدير عام للمؤسسة يشغله الآن وزير الثقافة والإعلام الأستاذ سعد قاسم حمودي... ليش تستدعوني وحدي؟

لقد بدا السؤال مستفزا للمعلم الذي يجلس قبالتي فرد بعصبية:

ـ إحنه ما علينه باليشتغل برّة  الشاشة ... علينة باليطلع يحكي بالتلفزيون.

سكتُ أنا أيضاً. وقفت متجهة نحو الباب، وعيون الذكور الأربعة مصوبة نحوي كالسهام.

ممر شبه مظلم، هل هي عتمة الروح أم أنهم تعمدوا تعتيم المكان؟ أين المُرافق ولماذا لا يقودني إلى من حيث أتى بي؟ يا إلهي! أين أولي وجهتي؟ لأجرب جهة الشمال، ممر آخر أفضى إلى عتمة جديدة. كنت كالفأر الأبيض أتخبط في متاهات صندوق التجارب، حتى وصلت إلى مكان تنتهي عنده تلك الدهاليز تتوسطه أعمدة ضخمة من الرخام، اختبأ خلفها مجموعة من المراهقين ببدلات سوداء وكأنهم يحتفلون بأحد الأعياد، كانوا بين لحظة وأخرى يخرجون رؤوسهم مشيرين إلي ضاحكين، حتى بدوا كأنهم يلعبون " الختّيلة ".

ـ شوفها... ههههه.. هاي هي ..إي هذي.. هههههه..

كان ذلك الكابوس قد أطبق على صدري، حتى حبس آخر ذرة هواء، وكان بودي أن أصرخ بأعلى صوتي:

ـ وين الباب يا سفلة؟!!!

بقيت أتخبط جاهدة للوصول إلى الباب، حتى أسعفني شعاع ضوء تسرب من الباب الرئيسي فسرت باتجاهه، وإذا بي أنفذ منه نحو الخارج. أغمضت عيني للوهلة الأولى لأنها لم تكن تحتمل حدة تلألؤ ماء دجلة في شمس آذار عام 1978، فتحتها ثانية لأنعم بجمال الزهور الأخاذ.. فرددت بداخلي : " إنّا أخرجناكم من الظلمات إلى النور".

لم تكن في انتظاري السيارة التي جلبتني إلى هذا المكان.. لابد من السير حتى الخروج من بوابة وُضعت بالقرب من وزارة التخطيط عند جسر الجمهورية، بعد أن سُدت كل الشوارع المؤدية إلى القصر. فكرت لأمشي على الرصيف، وإذا بصوت جهلتُ مصدره يصيح:

ـ انزلي عالشارع!!

نزلت من على الرصيف.

ـ لا تمشين بوسط الشارع.

كانت قدماي تضربان بعضهما البعض. كنت كالحيوان الأعزل الذي حوصر في فرجة غابة يدور حول نفسه. وبعد مسافة عشرين متراً عرفت سر تعالي الأصوات والخوف من امرأة لا تحمل حتى حقيبة يدوية. وصل السيد النائب بسيارة سوداء. نظر إلي وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء.

أسرعت بعض الشيء، وكنت أزفر بقوة، يجب أن أصل في الوقت المحدد لتسجيل البرنامج ويا للصدفة الغريبة كان اسم الفلم الأمريكي "أركض سايمون أركض" عن الهنود الحمر . وصلت البوابة، وكانت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر حيث خرج موظفو وزارة التخطيط، فسمعت لغطاً يتردد، كانت امرأة تقول لرجل:

ـ يا .. شوف هاي مو اعتقال، خطية شتسوّي هنا؟

وصوت رجل شكله أشبه بالداعر.

ـ شوف .. شوف جايبيهة هنا!!

ازدرت ريقي بصعوبة، حثثت الخطى داسة يدي في جيب بنطلون عملي ويا للغبطة، وجدت خمسة وعشرين فلساً فيه، وضعتها صباحاً كي أشرب الشاي بالحليب في الكافتيريا، لوحت بيدي لباص صغير ( نفرات ـ باب الشرجي ـ صالحية) توقف وجلست جنب السائق الذي فرح بوجودي ولم يقبل مني الأجرة.

استقبلني ضيف البرنامج وكان مصريا، شربت الشاي بالحليب ودخلنا الستوديو لتسجيل البرنامج ولأبدأ تحية المشاهدين ببنطلون العمل وابتسامة من القلب للشعب الطيب المسكين.

وأنا أسير على الجسر، مرّ شريط فلم " جميلة " أمام عيني وبالتحديد المشهد الذي تدخل فيه جميلة النهر عارية رافعة رأسها إلى السماء باكية والمطر يطهرها من الذنوب.

وها أنا أحاكَمُ من أجلها. لم أغمض عيني بالرغم من حدة بريق الماء، وتوغلتُ في عمق دجلة حتى القاع وقبل أن أغرق فيه أبدا، أنقذني صوت زوجي:

ـ عزيزتي! تحتاجين الكتاب، ممكن إرجاعه إلى مكانه؟

جفلت.

ـ ها.. لا.. نعم طبعاً .. طبعاً...

 

اعتقال الطائي

كانون الأول ـ ديسمبرـ 2006

بودابست