ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:10

Detroit Michigan U.S

 

العربي المعذب المسكين

وليم سارويان

نقلها إلى العربية فؤاد ميرزا

 

    خالي كورسوف رجل له نشاط مخيف وحزن غير عادي, كان لديه فيما مضى صديق من المهاجرين ضئيل الجسم جامد مثل صخرة صامتة، يعبّر عن حزنه دائماً بمسح بقعة من الغبار على ركبته, ولم يكن يتكلم على الاطلاق. هذا الرجل كان عربيا اسمه خليل. وكان خليل بحجم لا يتجاوز حجم طفل في الثامنة, غير أنه مثل خالي كورسوف كان يمتلك شارباً كثاً، كان في بداية عقده السادس، وبالرغم من شاربه الا انه كان يترك انطباعا انه أقرب الى الطفل بعواطفه منه الى رجل.عيناه كانتا عينا طفل, ولكنهما تبدوان وكانهما ممتلئتان بأعوام من الذكريات,اعوام واعوام من الشعور بالانفصال عن الأشياء التي كان يحبها بقوة, ربما كانت تلك الأشياء وطنه, والده, والدته,أخوه, حصانه,أو شيء آخر. شعره فوق رأسه كان ناعماً وكثيفاً وأسوداً سواد لا يوجد أقتم منه, مفروق من جهته اليسرى بنفس الطريقة التي يتعلم بها الأولاد الصغار حديثوا الوصول الى أمريكا من ذويهم تفرّيق شعورهم. رأسه, عدا شاربه, كان بحق رأس طالب صغير, وعدا كتفيه العريضتين كذلك، جسمه كان جسم طفل. لم يكن يتكلم الانكليزية, بل قليل من التركية و الكوردية وقليل من الكلمات الأرمنية, ولكنه نادراً ما كان يتكلم على أية حال. وحينما يفعل, كان يخرج صوتاً يوحي بأنه لا يخرج من دواخله بل يأتي من وطنه البعيد. يتكلم وكأنما بمزيج من الندم بسبب الضرورة التي استدعته لذلك, كما لو انه من المحزن حقاً للإنسان ان يحاول الإعراب عن شيء لا يمكن الاعراب عنه, وكل ما سيقوله لن يفلح الا باضافة المزيد من الثقل فوق الحزن المتوطن في اعماقه.

     كيف فاز العربي باحترام خالي كورسوف, هذا الرجل الذي لم يكن يصبر الا أن يقول شيئآ؟ أمرٌ لم يستطع أحد منا معرفة كنهه! قليلة تلك الأشياء التي يمكن تعلمها من اناس يتكلمون دائما, فما بالك باناس لا يتكلمون على الإطلاق, عدا الحالة التي يشتم  فيها خالي كورسوف أو يطلب من شخص آخر الكف عن الكلام.

من المحتمل ان خالي كورسوف كان قد تعرف بالعربي في مقهى أركس. خالي كورسوف يختار أصدقاءه وأعداءه من الطريقة التي يلعبون بها الطاولة والتي تدعى في هذا البلد(باكمّون). 

    أيّ لعبة هي في حقيقتها اختبار لسلوك الإنسان تحت وطأة الضغوط. من المحتمل أن خالي كورسوف هو اكثر من يسيء التصرف حينما يخسر في لعبة الطاولة غير انه كان يحتقر أي رجل يخسربلا روح رياضية. ويصرخ بوجه شخص من هذا النوع: لماذا تحزن؟ انها لعبة اليست كذلك؟هل ستخسر حياتك من أجلها؟

هو نفسه كان يبدو وكأنه سيفقد حياته إثر أية خسارة, لأنه لم يكن يؤمن بوجود شخص يفهم اللعبة وحساباتها مثله. كان يرى أن على الأخرين أن يعتبروها مجرد لعبة, أما اللعب بالنسبة له فهو حظه العاثر الذي جره الى خشبة الطاولة على منضدة مع رجل ضئيل يجلس بمواجهته يخض مكعبات النّرد ويشاورها ويلاطفها بالتركية, يهمس لها, يصرخ فيها ويحط من قدر نفسه بكل ما اتسعت له الطرق. خالي كوسروف كان يحتقر مكعبات النّرد, يعتبرها خصماً شخصياً, ولذلك لم يكن يوشوش فيها مطلقاً. حينما يخسر, يرميها من النافذة أو عبر الغرفة ويقلب علبة الطاولة من على المنضدة صارخاً: الكلاب. ثم يشير الى غريمه صارخاً بغضب: وانت, يا إبن بلدي, ألا تخجل من نفسك, كنت تتوسل اليها, لقد حقّرّت نفسك أمامي, كم أشعر بالمهانة بسببك.أما أنا فابصق على الكلاب.

طبعاً لم يلعب أحد الطاولة مع خالي كورسوف مرتين.

       كان لهذا المقهى أيام من النجومية والشهرة, أما الآن فلم يتغير الكثير عدا أن رواده الذين كان يقصدونه قبل عشرين عاماً لم يبق منهم العديد على قيد الحياة. كان أغلب من يرتادوه من الأرمن, ولكن الأخرين كانوا يأتون ايضاً.. يقصده , كُلّ من كان يتذكر وطنه ويعشقه, كُلّ من كان يحب لعب الطاولة والورق ويستمتع بالطعام والنبيذ وكأس (العرق) وفنجان القهوة وقت العصر كما في وطنه. كُلّ من أحب الأغاني والقصص وكل من رغب بمكان له رائحة مألوفة, على بعد آلاف الأميال من وطنه.

     يصل خالي كورسوف أغلب الأحيان هذا المكان في الثالثة بعد الظهر. يتوقف للحظة ليلقي نظرة فوق الرؤوس, ثم يجلس لوحده في الزاوية. عادة يجلس لمدة ساعة دون أن يتحرك, بعدها يخرج غاضباً دون سبب واضح و من دون أن يزعجه أحد بكلمة. هناك أحتمال وارد أن خالي لاحظ العربي يلعب ذات يوم في المقهى بكتفيه العريضتين تغطيان الطاولة ووجهه الطفولي يكتأب للخسارة ولكنه يمتلىء بالتفهم والأسف, فأعجبه ذلك فيه وأحترمه. أو وربما كان خالي كوروسوف قد لاحظ بأن العربي حينما وقف بعد انتهاء اللعبة, لم يكن أطول من طفل صغير. ولربما التقى العربي خالي كورسوف ولعب معه وخسر ولكنه لم يتذمر, بل فهم شخصية خالي كورسوف فعلاً دون أن يخبره أحد, أو لعله لعب دون أن يتوسل بالحجر ويحط من شأن نفسه كالآخرين. 

مهما كانت أسباب صداقتهما أو تفاهمهما أو وصالهما فأنهما نادرا ما كانا يلتقيان في بيتنا. أول مرة جاء بها خالي كورسف بالعربي, نسى أن يقدمه لنا. اعتقدت أمي أن العربي من أبناء البلد وربما أقارب من بعيد, على الرغم من أن العربي كان أشد سمرة وأصغر حجماً من أغلب أفراد القوم. طبعاً هذا ليس بالامر المهم, أو أكثر أهمية من تنوع الناس وسحرهم المميز الذي جعلهم بشر يستحقون البقاء والتكاثر والإنتشار عبرالزمن.

      لم يجلس العربي الا بعد أن طلبت منه أمي نصف دزينة من المرات أن يعتبر نفسه في بيته. ( هل هو أصم؟) فكرت أمي..كلا.. من البديهي أنه كان يسمع, و يريد أن يفهم. ربما لم يفهم لهجتنا . سألت أمّي من أيّ مدينة جاء؟ لم يجب بغير مسح الغبار من كمّ معطفه. قالت أمّي بالتركية (هل أنت أرمنى؟). فهم العربي هذه الجملة, وبالتركية أجاب بأنه عربي.

همس عمي: يتيم صغير, مسكين ومتألم.

للحظة, تخيلت أمي بأن العربي كان يود الكلام, ولكنها مثل خالي كورسوف تبينت بسرعة بأن لاشيء يكربه أكثر من ذلك. كان بإمكانه أن يتحدث, ولكن ببساطة وصدق لم يكن هناك شيء يقال.

جلبت أمي تبغ الرجلين وقهوتهما وأشارت لي بالإنصراف. 

قالت أمي: يريدون أن يتحدثوا.

قلت: أن يتحدثوا؟

قالت: يريدون البقاء لوحدهم.

     جلست في غرفة الطعام وبدأت أقلب صفحات نسخة عمرها عام من جريدة ( بريد مساء السبت) والتي أعرفها على الغيب وخاصة صور الدعاية: كؤوس من الجلي بأشكال معمارية, سيارات محاطة بأناس متأنقين, بطاريات يدوية تلقي بحزم من أضوائها على أماكن مظلمة, طاولة وضع عليها صحن يتصاعد منه البخار, شباب ببدلات ومعاطف أنيقة جاهزة, وكل أنواع الصور الأخرى. 

يبدو أنني كنت قد قلبت الصفحة بشيء من العجلة. هتف خالي كورسوف: هدوء يا ولد هدوء. نظرت عبر الردهة في الوقت المناسب لألمح العربي يمسح الغبار عن ركبته.

جلس الرجلان في الردهة بحدود ساعة, ثم تنفس العربي بعمق من أنفه وغادر البيت من غير أن ينبس ببنت شفة. ذهبت إلى الردهة وجلست حيث كان يجلس.

قالَ خالي كورسوف: هدوء ياولد هدوء.

قلت: حسناً, وما هو إسمه؟

خالي كورسوف كان في غاية الهيجان, لم يكن يعرف ماذا يفعل. كما لو أني أصبت منه مقتلاً, نادى صارخاً في طلب أمي: مريم .. مريم.

هرولت أمي إلى الردهة، قالت: ما الذي حدث؟

قالَ خالي : أبعديه عني.. أبعديه عني رجاءً.

قالت: ما القضيّة؟

ـ يريد أن يعرف إسم العربي.

قالت أمّي: حسناً.. هو طفل، فضولي. يريد أن يعرف..أخبره.

خالي كورسوف همهم بإستنكار: حتى أنت.. شقيقتي.. شقيقتي الصغيرة المتألمة المسكينة.

قالت أمي: حسناً.. ما إسم العربي؟

قالَ خالي كورسوف: ـ لن اصرح به, هذا كُلّ مافي الأمر, لن أقول.

نهض وخرج من الدار.

فسّرت أمي لي: هو لا يعرف إسم الرجل. ثم استطردت: وأنت ليس من شأنك أن تزعجه.

     بعد ثلاثة أيام حينما جاء خالي والعربي إلى البيت, كنت أنا في الردهة. خالي كورسوف توجه مباشرة نحوي وقال: إسمه خليل.. والآن أغرب عن وجهي.

خرجت إلى خارج البيت, وإنتظرت في الفناء الخارجي وصول أحد أقاربي. بعد عشرة دقائق, لم يصل أحد, فقررت أن أذهب إلى إبن عمي مراد وقضيت معه ساعة وأنا أتجادل عمن سيكون الأقوى بعد خمس سنوات. تصارعنا ثلاث مرات, خسرتها جميعا, ولكن في إحداهن كنت على وشك أن أغلب. حينما وصلت البيت كان الرجلان قد غادرا. دخلت من باحة البيت الخلفية مباشرة إلى الردهة, ولكنهما لم يكونا هناك، خلفا في الغرفة فقط, رائحتهما ورائحة دخان السجائر.

سألت أمّي: عن ماذا تحدثا؟

قالت أمي: لم أتنصت على حديثهما.

قلت: لم يتحدثا بالمرة؟

قالت أمّي: لا أعرف.

قلت: لم يتحدثا!

قالت أمّي: بعض الناس يتحدثون حينما يكون عندهم شيء ليقولوه, البعض الآخر لا يتحدثون بالمرة.

قلت: كيف تتحدثين و لا تقولين شيئاً؟

ـ بدون كلمات, نحن دائماً نتحدث بدون كلمات.

ـ حسناً, وما نفع الكلمات أذن.

ـ لا خير منها, أغلب الأحيان هي نافعة لكتم ماتريد حقاً أن تقوله أو شيء لا تريد أن يعرف به الأخرون.

قلت: حسناً.. هل هما يتكلمان؟

قالت أمّي: أعتقد أنهما يتكلمان, يجلسان فقط ويرشفان القهوة ويدخنان السجائر. لا ينبسان ببنت شفة ولكنهما يتخاطبان دائماً. يفهمان بعضيهما, ولا حاجة لأن يفتحا فمهما ليقولا شيئاً. ليس لديهما شيء لإخفائه. 

ـ هل حقاً يفهمان ما كانا يتحدثان به؟

قالت أمّي: طبعاً.

قلت: حسنا.. و ما الموضوع؟

قالت أمي: لا أعرف, لأنه شيء لا ينطق بالكلمات, ولكنهما متفاهمان.

      بين حين وآخر وطيلة عام ظل خالي كورسوف والعربي يجيئان ويجلسان في الردهة، لساعة وأحيانا لساعتين. في إحدى المرات, صرخ خالي فجأة بالعربي ( لا عليك منه.. أقول لك) مع أنّ العربي لم يقل شيئاً. أغلب الأحيان لا يكون هناك أيما حديث حتى يحل وقت المغادرة. حينها يسرع خالي بالقول: ياله من يتيم معذب مسكين. فيبدأ العربي بمسح الغبار عن ركبته.

 

في أحد الأيام حينما جاء خالي كورسوف إلى البيت لوحده, تنبهت إلى أن العربي لم يكن قد زار بيتنا منذ شهور.

قلت: أين العربي؟

قالَ خالي كورسوف:أيّ عربي؟

قلت:ـ العربي المسكين المعذب الصغير الذي كان يأتي معك, ماذا حلّ به؟

صرخ خالي كورسوف: (مريم). كان واقفاً, مرعوباً.

فكرت: آه آآه, ما الخطأ الآن؟ ما الذي فعلته أنا الآن؟

يصرخ: مريم..مريم.

تسرع أمي إلى الردهة. تقول: ماذا حدث؟

خالي كورسوف: رجاءً. هو إبنك. أنت أختي الصغيرة. رجاء أبعديه عني. أحبه من كُلّ قلبي. هو أرمني. مولود هنا. سيصبح رجلاً عظيماً في يوم من الأيام. أنا لا أشك بذلك. ولكن رجاء ابعديه عني. قالت أمي: لماذا؟ ماذا حدث؟

ـ ماذا حدث؟ ماذا حدث؟ هو يلغو. يسأل أسئلة، أنا أحبه.

قالت أمي: تقصد آرام؟

كنت واقفاً أيضاً، وبدا عمي كورسوف غاضباً مني, غير أني كنت أكثر غضباً عليه.

قلت: أين العربي؟

خالي كورسوف, ميزني لأمي بإيمائة عبرت عن قنوطه ( انظري اليه).

ثم قالَ: إبنك. إبن أختي. دمي ولحمي. الا ترين؟ نحن جميعاً يتامى معذبين, كلنا جميعاً, عداه.

قالت أمي: آرام!

قلت: إن لم تتكلم. أنا لن أفهم . أين العربي؟

خالي كورسوف غادر البيت دون أن ينطق كلمة وأحدة.

قالت أمي: العربي مات.

قلت: متى أخبرك؟

قالت أمي: لم يخبرني.

قلت: حسناً. كيف عرفتِ بذلك؟

قالت أمّي: لا أعرف كيف. ولكنه مات.

      لعدة أيام لم يزر خالي كورسوف البيت. لبعض الوقت, إعتقدت أنه لن يعود. ولكنه حينما عاد أخيراً, توقف في الردهة وقبعته فوق رأسه وقال: مات العربي. مات يتيماً في بلد غريب. ستة الاف ميل بعيداً عن بيته. أراد أن يعود إلى الوطن ليموت. أراد أن يرى أولاده مرة أخرى. أراد أن يتكلم معهم مرة ثانية. أراد أن يشم رائحتهم. أراد أن يسمع أنفاسهم. لم يكن يملك نقوداً. كان يفكر بهم دائماً. الآن هو ميت. أغرب عن وجهي. أنا أحبك.

     كنت أود أن أسأل بعض الأسئلة, خاصة عن أولاد العربي, كم عددهم, كم مضى له بعيدا عنهم. وهكذا دواليك. ولكنني بدل ذلك قررت زيارة ابن عمي مراد لكي اعرف هل بأمكاني أن أصرعه هذه المرة. وهكذا غادرت دون أن أقول كلمة, وعلى الغالب اسعدت خالي كورسوف بذلك الفعل, وربما جعلته يشعر بان مازال هنالك بصيص أمل بي, رغم كُلّ شيء.