|
سبقاني إلى البيت بعد عودتنا إلى بودابست من الريف. وعندما وصلتُ كانت
ابنتي بانتظاري وقد غمر الحزن وجهها مما أثار قلقي وخوفي من أن شيئاً
ما قد حدث في غيابي، خوف الغرباء من سماع نبأ موت أحبتهم البعيدين.
ـ ماما.. ماما .. قطعوا أغصان الأشجار الكبيرة، ولو تشوفين الحمامات
شلون كانت خايفة ترجف، وما تعرف وين توكّر، بس تخفگ بجناحاتهة، خاصة
الحمامة البيضة، والله لو كان عندي مكان، كان خبيتهة بي.
حزنتُ لغياب أغصان أشجار الأقاسيا التي كانت تنيخ على نوافذ شقتنا
الصغيرة والتي كنا نسمع عبرها هديل الفاختة. لكن ابنتي كانت تندب حظ
الحمامة البيضاء التي فقدت عشها.
في عام 1959 عاد أحد أخوتي الكبار
إلى البيت، حاملا بيده قطعة من قماش القطيفة الأسود. فرشه أمام أخواتي،
ثم أخرج من جيبه قطعة طبشور وراح يرسم حمامة كبيرة بحجم قطعة القماش
التي تجاوزت المتر
المربع، طالباً منهن تطريزها بالترتر الذهبي وبالسرعة الممكنة لأن
الاحتفال الأول بعيد ثورة الرابع عشر من تموز على الأبواب.
أسرعت إحداهن لشراء لوازم التطريز وبدأ العمل ليل نهار، وكنت أراقب
بشغف كيفية صف الترتر الواحدة تلو
الأخرى كحبات الرمان المصفوفة بشكل متناسق أخّاذ منحته إياها يد
الطبيعة. وكان أخي يعد الأيام والساعات ويحثهن على العمل. لم يبق من
الحمامة سوى عينها التي أكملتها أختي في منتصف ليلة قبيل الاحتفال،
وكانت البهجة تعم البيت عندما مسكوا بأطراف القطيفة السوداء التي تألقت
وسطها حمامة السلام وخُطَّ تحتها بحروف من ذهب ( سلم وطيد ). كنت
أحسبها أجمل حمامة رآها البشر، وحين أحاول استرجاع ذكريات فرح تلك
الليلة، أقر بأن التأثير الكبير الذي تركته ورصعته صورة الحمامة في
ذاكرتي أكبر من تأثير اللوحات العالمية التي رأيتها في متاحف العالم.
كانت حمامة السلام الذهبية كالبيرق، وكان ألقها يتماوج في هبوب تموز.
انتهت مراسيم الاحتفال، وعادت الحمامة إلى عشها فقرروا تأطيرها خلف
الزجاج، ثم احتلت مكانها على أحد جدران غرفة الضيوف. وكنا نحن الصغار
ندخل الغرفة ليس لاستقبال الضيوف بل للتفرج على حمامة السلام. وعندما
تعلم أصغر إخوتي القراءة، قلب حرف الدال في جملة ( سلم وطيد) إلى
الزاء.
وانتقلنا إلى بيت آخر وكانت أمي تخاف عليها وكأنها أحد أبنائها. أو
ربما كانت تخشى من أن تهبََّ الحمامة فارةً من إطارها، فتوصي من ينقلها
بأن يعتني بها كي تصل البيت الجديد بالسلامة.
بعد سنوات اختفت الحمامة فجأة وبالتحديد في عام 1963 يوم داهم دارنا
زوار الليل. وبينما هم يفتشون البيت كانت أمي ترافقهم من غرفة إلى غرفة
والابتسامة المشوبة بالخوف مرسومة على وجهها مرددة بين الحين والآخر:
ـ والله يمة كلشي ماعدنه.
لم يجدوا شيئاً بالفعل لأن أمي بعد خروجهم زفرت بقوة وكنا نحسب آهتها
كمن زال الهم من قلبه، حتى بعد أن خلعت عباءتها لتنزع حمامة السلام
التي شدت بها وسطها. لن أنسى آلام ظهرها الذي حمل ستة عشر إبناً
وبنتاً وهاهي تحمل حمامة السلام بثقلها. بعدها لم تعد تعرف طعماً
للسلام.
في إحدى زياراتنا لأخي ـ رسام الحمامة ـ في سجن الحلة بعد نقله من
نقرة السلمان مع عدد كبير من المثقفين. زجت أمي بنا وسط جمعٍ هائل من
البشر فكنا نخضع للتفتيش وكنت أشعر أن لنا أجساداً قوية تشعّ كالسهام
لتخترق البشر وتصل الهدف حيث يجلس السجناء في ممرات طويلة عند أبواب
ردهاتهم فارشين البطانيات لاستقبال زوارهم بعد أن استحموا وحلقوا
ذقونهم مرتدين ملابس نظيفة. كنت ألمح يد أحدهم تحت البطانية وهي تتسلل
إلى فخذ الزوجة الذي بات حلماً صعب المنال. أمهات يبكين، وآباء يكابرون
بحبس دموعهم، ولهفة الخطيبة والتوق إلى قبلة في الخفاء، وأولاد وبنات
نسوا لمسة حنان الآباء، ونحن الأخوات افتقدنا محبتهم ومواعظهم وخوفهم
علينا من قسوة بني البشر والحياة.
فرشت أمي كل ما لذّ وطاب من المأكولات التي صنعتها بيدها. وبخفة ساحر
أخرجت يدها من تحت عباءتها وهي تمسك بطير أبيض ( إنه حمامة سلام حقيقية
بلحمها وريشها). اندهش الجميع للمشهد الغريب فصاح أحدهم:
ـ آخ !! هاي من وين طلعت الحمامة؟
ـ آني جبتهة يمة لإبني، هو راد طير. ( ردت بفخر)
ـ بس خالة شلون دخلتيهة، والتفتيش؟
ـ ما شافوهة، ضميتهة بمكان أمين. ( قالتها وتوردت وجنتاها كصبية خجلى
من أول لمسة حب ).
صارت قصة الحمامة مثار اهتمام الجميع فسأل طبيب سجين:
ـ ممكن نعرف المكان الأمين؟
ضحكت وتلعثمت ثم باحت بسر المكان متمتمة:
ـ يمة انت مثل إبني، هناك حطيته.
تعالت الضحكات وأرادوا معرفة المزيد عن (هناك)، فاضطرت للاعتراف به.
وقهقه الطبيب الذي يقرب لزوج أختي الكبرى مداعباً إياها بسؤاله:
ـ شلون خالة مو هذا ينگر؟!
كادت تذوب من حيائها، وكانت عيناها تشع بأمومة طافحة بالمحبة لهم
جميعاً.
ـ يمة انتو مثل ولدي وراح أگلكم شلون.. لبست اثنين واحد زغير وواحد
كبير وحطيت الطير بيناتهم.
عرفتُ وقتذاك لماذا أشعلت النور في غرفتها حتى الفجر، لقد سهرت لتخيط
مخبأ الحمامة إذن.
انحدرت من عينيها الدموع وهي تقبل ابنها قبل الوداع، وكان هذا حال
الجميع.
كادت عينا ابنتي تفيضان بالدموع وهي تسألني عن مصير حمامة السلام
الذهبية....
بعد أن عدت إلى العراق في عام 2004 وجدت الحمامة في حقيبة معدنية كانت
أمي قد حفظت بها أشيائي الصغيرة وبعض الرسائل والصور. طلبتُ من أختي
الحمامة فردت بلهجة متوسلة:
ـ لا.. لا .. هاذي خليهة تبقى عدنه بالعراق!!
كانت أمي قبل رحيلها الأبدي قد سلمتها لأختي لتكون أمانة في رقبتها.
وعلقت أختي ضاحكة:
ـ عبالي أمي سلمتني الورث.
ماتت أمي ولم تترك إرثاً غير عشرة من أبنائها وبناتها الذين بقوا على
قيد الحياة، وأحفاد قارب عددهم الأربعين وحمامة سلام مسجونة في حقيبة
من حديد.
ـ ماما .. ماما ! إنتِ حزينة على الحمامة؟ وشنو يعني سلم وطيد؟؟
ـ أنا حزينة يا ابنتي لأننا سجنا الحمامة و ضيعنا والسلام.
لكنني سرعان ما انفجرت بضحك كالبكاء وأنا أردد عبارة أخي الصغير
المحورة:
" سلم وطيد... سلم وطيز.. سلم وطيز"
اعتقال الطائي
بودابست 2007 . 14 تموز
|