استراحه تشكيلية

20

اللوحة صادق كريم

التعليق د. اعتقال الطائي

السحر الخفي

إن الوقوف أمام هذه اللوحة ، ليس استراحة  فحسب بل متعة متفردة للتمعن ببراعة التقنية

الحادة بخطوطها وألوانها لتجسد نظارة الجسد البض. لم نر المرأة فحسب وإنما نحسها، نكاد نسمع صوتها الداخلي. هذا الكونتراست العجيب بالألوان، في الظل والضوء الذي استخدمه بذكاء، جعله ينبعث من الشمعة، وحركة الجسد التي تركزت في الذراع والرقبة كثفت من حدة التعبير، وبالرغم من عدم رؤيتنا لتفاصيل العينين، إلا أننا نلمح الرقة في نظرتها وفي فتحة الشفتين. إنها تكوين متكامل متقن بعناصره المتضادة. إن لوحة صادق طعمة قطعة من اللهب المنبثق من سحر خفي.

21

 

 

سعيد فرحان: إشارات من الطين السومري

فؤاد ميرزا

 

اخترع الفنان السويسري (باول كلي) لغة اشارات تشكيلية محددة كان هدفه منها اختزال أفكاره الانتقادية اللاذعة و تحويلها الى صور و إشارات (ايكان) يفهمها ويتداولها الناس مثلما يتداولون الحروف الأبجدية في الكتابة كبديل عن الأصوات. 

قد تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى مشابهة لفكرة خلق قاموس اشارات وعلامات التشكيلي العراقي سعيد فرحان مواليد بغداد 1955, ولكن التشابه هنا هو في جذوة الفكرة المجردة فحسب. فسعيد الى جانب كونه رساماً و تشكيلياً كان قد بدأ حياته الثقافية كاتباً قصصياً تحملت قصصه و كتاباته الأولى اواسط السبعينات نفس الطقس النفسي الذي سيصاحبه طيلة حياته و يطبع بصماته بقوة على عالمه ونتاجه التشكيلي المتأخر. ابن مدينة الثورة, ابن الفقراء, سليل مسلة الطين التي رسمت عليها السطور الأولى لبدء التاريخ و تشييد حضارة الإنسان.. سليل صانع الأختام السومرية , حيث يلمس الطين الطري بالكف اليسرى، يدعك، يكوّر يتحول الى اسطوانة أو رغيف مشطور, و اليد اليمنى ترسم قصبة منتزعة من الهور لها نهاية مدببة مثلثة الشكل، أول إشارات الإنسان المحملة بأصواته وأفكاره و لغته التعبيرية محتفية بوجوده و بكرم الطبيعة والآلهة والحياة.

العالم كله كان مكتفياً بذاته, الآلهة تشبه البشر وهي قريبة من ملمسهم، تطل عليهم من سماء واطئة ذات فجوات, الأسماك تلبط بين القصب, تتصاعد رائحة الخبز الساخن من التنور, وجه السومرية المتغضن والموشوم بالجهد والحنان, هو وجه أمه، يتحلق الجميع في صريفة القصب حول السمكة (الكطان), ويتعرف سعيد الطفل على عشرات الأكف السمراء والوجوه المحمّرة بتأثير شمس تموز، أكف أهله واقربائه واعضاء عائلته الحميمة. من يصدق أن المحشور بين الطين والقصب و لأكثر من ثلاثة آلاف عام عليه أن يغادره عنوة!. 

صحيح أن صريفة الطين في مدينة الثورة تشبه كثيراً بيت القصب السومري, ولكن الطين هنا يختلف. طين آسن يعلق (بجصمة) البلاستيك ينقله معه ثقيلا الى المدرسة الابتدائية. يبحث سعيد حوله عن قصبة يزيل بواسطتها الطين من حول حذائه وبنطلونه الملطخ حتى ركبتيه.

الفقر يرسم اشاراته الخفية في لا وعي سعيد وفي ذاته وروحه الغضة، يحملها معه الى لوزان/ سويسرا كالخطيئة التي لا تغتفر مثلما حمل آدم تفاحته نصف المقضومة مطرودا من الجنة. الطين نصيبه وأقرب ألفة الى كفيه، كان عليه أن يخلق من مادة كثيفة كالطين  ومسمار يشبه القصبة اخاديداً عميقة يخبئ تحتها حشوة الزمن ونقيع الذكريات والأفكار, والأشواق, والآهات, وكل ما احترق وتعطب أو بقي طرياً في مدة الانتظار التي تجاوزت عقود ثلاثة. هذه هي اشارات سعيد, تثقل احيانا لتمتلئ بتاريخ مدن وانهار وبشر و تخف لتقص ذكريات زيارة قصيرة برفقة اطفاله الى المنتزه أو حديقة الحيوان. . 

اشارات تبسط صور قديمة لها عنفوان الذكريات وعبق العاطفة ، يرسم بها خرائط توضيحية للطرق الآمنة من أجل الدخول الى مدن الشرق المدورة كمدينة بغداد. اشارات يملأ بها سبورات سوداء بالطباشير كتلك التي كان يرسمها في اول ايامه في المدرسة قبل تعلم الكتابة. يطويها داخل حقائب و يضعها كلها متراكمة لكي ينقلها وهو الغجري الغريب من مكان الى مكان.. تهبط الاشارة طيعة سهلة أحياناً واحياناً أخرى بلا معالم واضحة, وتبقى مسؤليته كفنان وضعها في رداء تشكيلي منسوج بمخيلة حيّة ومتدفقة, فالاحساس بالفقر والاغتراب لا زال قوياً , وكل شكل له حقه واهميته ينبع من احساس صادق وجهد فني جاد. واذ لم تستسلم الإشارات للعابر الطارئ بسهولة, تبقى مرصوفة كسطور المسلة, تنتظر ان يفك رموزها وطلاسمها وقصصها مواطن سومري بسيط

 

22


24

 

 

 

 

 

. 

  <  

<