|
تقديم وترجمة:جلال زنكَابادي
لاريب في أن عزيز سليم(1917؟-2003)في غنىً عن التعريف بوصفه فناناً تشكيليّاً رائداً،في سياق الحركة الفنية الكردية،إنّما يجهل حتى أغلب المتتبّعين كونه شاعراً مجيداً،ومن طراز الشعراء المناضلين،وكان قد ألّف ديواناً باللغات:الفارسية،الآذرية والكردية،يقع في أكثر من(400صفحة فولسكاب)،لكن للأسف الشديد؛حدث أن داهم زبانية العفلقية الأوغاد منزله ذات مرّة،في أواسط ثمنينيّات القرن الماضي،وحجزوا ديوانه المخطوط؛فبات في خبر(كان)!ولم يبق له من أثر سوى شذرات مترجمة إلى اللغة العربية من قبلي،نشرتها مجلة(الثقافةع11-12/ت2-ك1/1979وليتني ترجمت المزيد من شعره،لكن ماجدوى(ليت)بعد فوات الأوان.والآن إذْ أعيد نشر ترجمتي اليتيمة منقّحةً؛فتوخّياً للتذكير بإحدى جرائم العفالقة الشوفينيين-الفاشست،وماأكثرها،بحق مثقفينا الشرفاء الصامدين وثقافتنا المقاومة،بالإضافة إلى التذكير بجانب آخر من إبداع وعطاء فناننا القدير. ولئن كنت قد إطّلعت وقتها علىالديوان المخطوط؛فقد تكوّن لديّ الإنطباع الآتي: بدت لي موضوعات:الغربة،الوحدة،التشرّد،مقارعة الظلم،التحريض الثوري،الحب،والمواجيد الصوفية،مجسّدة في صور شعرية قوامها الترميز وتصعيد الواقع حتى التجريد أحياناً،هي الطّاغية على مجمل أشعاره،ويقيناً أنها قد عبّرت عن معاناته وآماله بصدق كقناة إضافية مؤازرة لفنه(الرسم)والغريب في الأمر والذي إستلفت نظري هو إيغاله في المنحى الصوفي والتجريد الذهني في أكثر شعره،بخلاف غلبة نزعته الواقعية على رسومه عموماً.وقد تأكّد لي تفوّق أشعاره الفارسية والآذرية على أشعاره الكردية بأشواط كبيرة؛وذلك يعني من بين مايعني أن الكردية لم تكن لغته الأم! ثمّ أن تأثره بالشعر الإيراني القديم والحديث واضح جدّاً للمطّلع،ويعد في نظري شاعراً إيرانياً لغة ورؤية؛فقد كانت مضامين أكثر قصائده وهمومه إيرانية... وأخيراً لابدّ من الإشارة إلى عون صديقنا المشترك الأديب والمترجم المبدع محمّد موكري(مشكوراً)في ترجمة قصيدتي(أيّها الجلاّد)و(من أجل خسرو روزبه)المنظومتين بالآذرية،أمّا بقيّة القصائد والرباعيّات فقد ترجمتها عن الفارسية،ولم يستوقفني من شعره الكردي ما يستحق الترجمة ...ولقد دعتني الضرورة إلى التصرّف في عناوين بعض القصائد؛من أجل تمييزها عن بعضها البعض،حيث طالعتني مجموعة قصائد بعناوين متشابهة(الذّرّة الضائعة...)وأخرى دونما عناوين.
الذّرّة الضّائعة لكمْ كنت وحيداً مستوحشاً في عزلتي ذرّةً متناهية الصغر تتفتّتُ عزلاء تحت قدميِّ أيّما عابر ورغم ذا ترفع رأسها إلى السّماء كطيف تمثال مارد بكلّ غرورٍ وكبرياء! وراح ظلّي يمطُّ قامته الفرعاء في الأفق الضّيّق كهيكل ماردٍ مجهول. ورحت أبتعد الهوينى عن الأفق المضاع حتّى لمْ يبق أثرٌ لهيكل ظلّي إذْ تلاشى فجأةً في حضرة الضّياء! ذلكمْ هو(أنا) تفتّتُ وتواريتُ في خضمّ جوهرالحقيقة الكبرى وتلاشيتُ في مملكة الشّمسِ كقطرة ندى فلن أعود أبدا ذلك المارد الذي كنتُ ولا ذاك الطيف الرهيب المكابر بقوامه العملاقِ في الأفق الضّيّق! ك2/1979 مستشفى الكرخ/بغداد
مدينة الصّمت إنْ مررتِ ياريحَ الصّبا بمدينة الصّمتِ أيقظي تلك الوسنى واخبريها: -لمْ أنسَــها بعدُ بلْ محالٌ أنْ أنسى حتّى لو إحترقت أحلامي وعظامي! إنْ مررتِ بمدينة الصّمتِ يا أنسام الصّبا أخبريها أنَّ هذا الميّتَ هو أنا المحترقُ بلهيب الهوى فلْـترفعي رأسك أيّتها الغافية ولْتشهدي نظراتي الواهية وأنت يا أنجمَ سماءِ مدينة الصّمتِ تلألئي وامرحي عاكسةً نظراتي؛ كي تشهدَ معشوقتي النّـائية لوعتي،آلامي وآهاتي؛ علَّـها تبثُّ الرّوحَ في روحي! أيّتها الوردة الغافية في مدينة الصّمتِ ماذا دهاكِ؛لتشيحي بمحيّاكِ الوضّاحِ عنّـي ويختفي نبعك الرقراق عن مهجتي الصّادية؟ حتّـى مَ تتغافلين عن دمعي الهتون؟ قونيه/تركيا 25/5/1975
من أكون،حيث لاأوجد؟
لحياتي.. لاخبر، لوجودي.. لاأثر! أنا الكائنُ هذا...من أكون؟ فلْــتجيبوني أوَلمْ أكن ذلكم المارد؟ والآن حيث لاأوجد؛ من أكون؟! إيـــــــه لست سوى نثار ذرّةٍ صغرى، مثقال غبارٍ بلاجدوى تحت قدميك اللتين لاأثرى منهما في الكونِ ولاأبهى! وتلكم قامتي المستغولة -أينما كانت-في كفّ عشقك ماثلة أنعم من ذرّات الثّـرى بين أناملك الراضية،الغضبى بل أخفّ من زغبة وأضـــأل من ذرّة! فمنذا أكون؛حيث لاأوجد؟! 1979
لســـتُ منْ كــنت
أشرقتِ عليَّ حبّـاً ثمّ رحتِ تطاردينني أنا الضائعُ في رضاك وغضبك وتذيقينني لظى النارالحامية في محرقةِ ذاتك العاتية حتّى استحال جوهري ماءً ثمّ مزجتِ جوهري الخسيس بجوهرك النفيس كي تمنحيه البهاء غــيرأنّـي تبدّدت وتلاشيتُ ولمْ أعد من كنتُ! فكيف تتمادين ياظلومة وتقهقهين على كينونتي المعدومة؟! 1979
أنْ تملك،أو لاتملك
لقد بات وجودي في براثن الغربةِ والجوع والكروب أنا الرسّام المنكوب مهدور الكدّ أنا الشاعر الجوّال خاوي الجيوب وحيدٌ بلاأحد ثريٌّ بالمنافي والأسفار صارت لي الأرزاء أهلاً وأقارب وأصدقاء حتى مَ ينعتونني: -ضليل -غريب الأطوار ـمجنون...................؟! حتى مَ أشحذ الأختامَ لباسبورتي المزوّر؟! حتى مَ ألتقطُ فتات الخبز اليابس؟! -لأنّك بائس فهم يلاحقونك زاعقين: -(مشبوه،مجنون،غريب الأطوار...) حتى لو كنت نبيّاً ذامعجزات! أمّا إذا كنت تملك؛ فهم يتدافعون على لعق نعلك: -(يا لأياديه البيضاء،يا لعقله الجبّار!!) حتى لولمْ يفلت من قبضتك فلس! حتى لو كنتَ حمار ابن حمار! *** هكذا إذنْ يالهول البؤس!! -لكن لاتيأس؛ فلابدّ أن يتغيّر العالم وتنقلب الموازين فطوبى حينئذ لرفاتك في قبرٍ حزين!!
من أجل خسرو روزبه
يجب أن نثأر لدماء روزبه المسفوكة وننسف قلاع الشاه المارق قسماً بدماء العمّال المراقة في مداميك القصور العملاقة قسماً بالمشنوقين في الأقبية الظلماء سنحيل المقابر الكئيبة حدائق لأبناء الشهداء قسماً بتاريخنا السّامق سنظلّ نقبّل أعواد المشانق من أجل الشعب ولانركع إلاّ لقرابين الحرّية وعشّاقها قسماً بآذربايجان قسماً بكردسـتان قسماً ببلوجستان قسماً بطبرستان قسماً بخراســان قسماً بعربسـتان ستتحد دماؤنا المسفوحة وتصبح شمساً عظيمة تضيء مستقبل شعوبنا الحبيبة من آذريين،فرس،كرد،بلوج،كَيلك،عرب وأرمن وتجبل قاموساً للنضال المستميت حروفه الشهداء من أمثال روزبه...
أيّها الجلاّد
ألا تكفّ عن سفك الدماء أيّها الجلاّد الطائش؟! أيّها الطاووس المختال لايغرّنّـك العرشُ يا شاهانشاه فلابدّ أن يلقّنك التاريخ درساً لن تنساه إذ الحياة تمضي قُدُماً ولاتتقهقرُ ما أجوف مجدك،وعهدك ما أقصره! فكلّ ما تستمطره من عسفٍ سوف لن يظلّ له أثرُ حين تنهض صديقتنا الشمسُ ستعود الدماء إلى عروق الحياة وتعود الأرواح إلى الورود المصلوبة فليست الحياة مستنقعاً إنما نهرٌ جيّاشٌ هادر يروّي ربيعنا الزّاهي المنتظر لمّا سترعد الغيوم وينهمرالمطر وتذوب ثلوجُ(ألبرز)و(دالاهو)و(زاكَروز) وسيول شعوبنا تنحدر جارفةً عرشك العائم على الدماء إذْ ينبلج في حقول الجائعين نوروز وتحاكمك أجداث الضحايا وتطلق قبضة الشعوب المتحدة شرارة مزمجرة تحرق عرشك العاجيّ مهما توغّلت قوائمه في دماء القرابين يا ضحاك القرن العشرين! 1975 كينونتي البائدة
وأظلّ أتساءل: -منْ أنا؟ هل سأكون ماكنت؟ كلاّ،لست ذلك المارد ولا الطيف الرهيب؛ مادام بقائي رهن وجودك! فأنا الآن لاأحسّ بأيّ أثر لوجودي أيّ خبر لذاتي الراحلة أيّ جوهر لجوهري المذاب؛ فهل أكون ذرّة من وجودك؟! هذا أنا مجرّد ذرّة ضائعة،بلاجدوى في عباب الذرّات المطلق أجل؛لست ذاتاً ولا كينونة ولا حتى عنصراً من ذاتي أو جوهراً لعنصر، بل تلك الذرّة المتوحّدة مع ذاتك التي تمنح الصّيرورة لكينونتي البائدة! 1979
هوذا أنا
هوذا أنا لاوجود،ولاعدم إنّما ذرّة لامرئيّة لامجدية في خضمّ الذرّات الموطوءة بقدميك في معمعة الفوتونات المشعّة هوذا أنا أقتفيك،أجاورك وأسبقك ظلاّ في حضرة نورك الفيّاض ذرّة من ذرّات ظلّك؛ فهل تحسّين بقشعريرة وجدي؟! 1979
ألست البحر؟!
مضاعٌ لكنّي موجودٌ في عدمي، في عباب بحرٍ بلا سواحل يهتاج آناً وآناً يستكين فتارةً تمنح أمواجه الواهنة أملاً للربابنة وتارة أخرى تصفعهم أمواجه الغضبى أوَلست أنت ذاك البحر يا معشوقتي الفاتنة؟!
فيض طلوعك
حين تضحكين وحين تبكين تتجلّين كغيمة ربيعيّة تنهمر غيثاً تارة وتمنحني الشمس تارة أخرى فيا من منحت نرجسة روحي مهداً وأمّاً وهدهدات زاهية كيف لاأستحيل ذرّة من فيض طلوعك المليح؟!
أناجيك
أيتها الجوهرة المجبولة من الإباء والحبّ من العصمة والقناعة إنّي لأناجيك وأتضرّع: -لماذا تقطبين جبينك السّاطع في وجهي أنا الذرّة المتوارية في ظلّك الناصع؟!
مادمت عاشقا
يا قلباً طافحاً بإشراق العشق يا عشقاً يحرق ويحيي روحي يا شمعة تجتذب فراشة كياني يا جوهرة ينثال في سويدائها ذوب ذاتي يا كل الخلائق والموجودات التي يوحّدها إسم(شيرين) لابدّ أن أكون؛ مادمت عاشقاً كـ(فرهاد)الولهان.
3 رباعيّات أنا سلطان العالم من دون تاج كلّ جيوشي حســرات وهياج وكلّ أســــلحتي الفتّاكة أنيني وحاجباك قوسا كمانٍ يرميني *** ليست الرســـــوم والأشــــــعار منّي فمن كرمك الـفيـــــّاضِ كلّ ما عندي فارحميني من عسف جفوتك الماحقة وترنّمي بغزليّــات روحي المحترقة *** ذات يوم محتوم،كلّ ســـــرّائي أن أودّع هــــــذه الـدنيا الفــانية إذْ ســــــتزورمعشوقتي الحانية قبري التعيس ذا الشاهدة الباكية! |