|

انقر على الصورة كي تصل الى صفحة الفنان
دفتر الزائرين

( بالنسبة
اليّ فان الاعمال التشكيلية التي قمت بانجازها والتي افكر
بانجازها ستكون ناقصة ان لم تتوافر فيها العناصر التالية:
1-
المضمون: العالم
الموضوعي المعاصر وما يقدمه من جديد في العنف من حروب قائمة
بين الشعوب في اكثر من اربعين بلدا، تعقيدات الغربة القاسية،
البحث عن الهوية، الهجرة المتزايدة من جنوب العالم الى شماله،
ذبح الابرياء على ايدي الاصوليين، التزايد المفرط لعدد سكان
الارض وما يلحقه من كوارث طبيعية واجتماعية، واخيرا فان هناك
اكثر من ثلاثين مليون نسمة في العالم مصابون بمرض الايدز وهكذا
القائمة تطول.
2-
الحرية في اختيار الواسطة
البصرية: في اعمالي عادة اختار واحدة من الوسائط او اكثر، بشرط
ان تتلاءم مع المضمون المطروح. فهناك مثلا: اعمال مركبة،
فوتوغراف، كتابات، فن اداء، رسم وغيرها. ولكل واسطة من هذه
الوسائط تتوافر مولد متباينة لتنفيذ اي عمل. ومنها ايضا اختار
ما يتناسب مضموني وبالاسلوب الانسب لتحقيق هذه الوسائط.
3-
عرض الفكرة التشكيلية في مكانها
المناسب: ان المكان( اي مكان) واعتمادا على مواصفاته الهندسية
المعمارية، وامكانات العرض التي يوفرها، له الدور الحاسم في
تقرير اسلوب العرض. وفي احيان كثيرة يكون المكان بمثابة حجر
الاساس، والمحفز لمخيلتي وذاكرتي، لبناء مشروعي التشكيلي.
4-
حضور البعد الرابع( الحركة/ الزمن
في العمل التشكيلي): ليس المقصود هنا ما عمله المستقبليون
وبيكاسو ومذهب الفن البصري، وانما ما قام به فنانون من تياري
الفن الفقير والفن المفاهيمي وقبلهما مصورو مدينة سيينا
الايطاليون في القرن الرابع عشر وما عمله جواد سليم في نصبه"
الحرية" في بغداد.
5-
التتابع والترابط: فالعمل
التشكيلي الواحد عندي يتكون من اجزاء وكل جزء له شخصيته
واستقلاليته، كاللقطات في الشريط السينمائي الواحد. وكل عمل
تشكيلي جديد هو جزء وتتابع للاعمال التي سبقته كالرواية
الطويلة ذات الفصول المتعددة.
ان الاسباب
التي دفعتني لانتهاج هذا المسلك جاءت من:
1-
انتباهي واكتشافي
لثراء الذوق الشعبي، العفوي، اللامنطقي وغي المنظم، الفردي منه
والجماعي، لشعوب الشرق الاوسط في خلق عوالم مرئية واعمال فنية
وتركيبات تشكيلية تنتمي لاتجاه ( فن ما بعد الحداثة) قبل ان
يبدىء منظروه وممثلوه من الفنانين الغربيين بالتفكير به بعقود
من السنين. عوالم يمكن مشاهدتها في اضرحة الائمة والمساجد
والبيوت والدكاكين والمقاهي والاسواق وسيارات الاجرة وغيرها،
والمترسبة في اعماق اللاوعي عندي وفي ذاكرتي.
2-
مشاهدتي لنصب" الحرية" لجواد سليم
في زيارتي الاولى لبغداد العام 1967 وللمرة الاولى في حياتي
اشاهد تماثيل ونحتا معاصرا، وعملا في المكان، وفي الهواء
الطلق، ومادتين متنافرتين وضعتا باتقان وانسجام( المرمر
والبرونز) والتناغم بين النتحت والمعمار والبيئة المحيطة بهما،
وعملا فنيا مكانيا وزمانيا.
3-
استماعي لمحاضرة محمود صبري عن
نظريته " واقعية الكم" التي اقيمت في مطلع السبعينات في جمعية
التشكيلين العراقيين في بغداد، وعبرها تعرفت على اهمية العلاقة
بين الفن والعلم والتكنولوجيا الحديثة ، والعقلانية في العمل
الفني، واهمية البحث في المجال التشكيلي، واثارة الاسئلة والشك
في تاريخ الفن وعلم الجمال والاراء الراسخة في ذهن النقاد
والفنانين وغيرهم عن الفن.
ومن هنا جاء
تحريري للوحة من قيودها التقليدية في الصنعة وكسلعة خاضعة
لقوانين السوق عبر قاعات العرض الخاصة التي لم اتعرف عليها ولم
ادرس آلياتها في مراحل تعليمي الاولى في العراق الذي لا توجد
فيه حتى الان قاعة عرض واحدة احترافية متخصصة وجادة بالفن
التشكيلي، خاصة كانت ام عامة، كما هو متعارف عليه في الغرب وفي
العديد من بلدان الشرق التي استطاعت ان تجد لها خلال العقود
الاخيرة حضورا مثيرا للانتباه في العالم.
تلك القيود
خلقتها الطبقات الحاكمة في عصر النهضة الايطالية في القرن
الخامس عشر وترسخت وانتشرت سريعا على ايدي البرجوازية، بعد
الثورة الصناعية، في انحاء اوربا، واستمر هذا "التابو" حتى
ظهور الحركة الدادائية العام 1916 ليتقوض على يدها. ومن حينها
بدأت مجموعة كبيرة من الفنانين، سواء في غرب اوربا او شرقها،
بالثورة على ما تبقى من هذه القيود والعمل على تقليص الهوة بين
الانتاج التشكيلي والمجتمع- كما فعل الفن السينمائي في وقتها-
متأثرين بالافكار الاشتراكية الاصيلة.
الا ان
النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا والستالينية في
الاتحاد السوفياتي السابق استطاعت احتواء عدد من هؤلاء
الفنانين وتوظيفهم للتعبير عن ايديولوجيتها وتشريد عدد اخر غير
قليل وقمع من تبقى منهم، غير انها لم تستطع القضاء نهائيا على
افكار تلك المجموعة الطليعية، تلك الافكار التي عادت الى
الوجود بعد اندحار الايديولوجيات السالفة الذكر. واتسعت رقعتها
الجغرافية بسرعة لتشمل قارات بعيدة جدا عن اوربا. وهكذا بدأت
اجيال شابة من الفنانين على النطاق العالمي، ومنذ الستينات
وحتى اليوم، باستلهام افكار الطليعيين، والتي اعتبر نفسي وبحثي
التشكيلي جزءا منتميا اليها، والعمل تحت مقولة " الجمال هو
الاخلاق والاخلاق هي الجمال" لخلق وسائل بديلة للاقتراب من
المتلقي والمجتمع بتقنيات جديدة في تنفيذ العمل الفني، ومن
اماكن جديدة للعرض حتى تصل الى ذروتها، بالاستفادة من تطور
التكنولوجيا المعاصرة في وسائل الاتصال، وباستخدام شبكة
الانترنيت اذ يستطيع اليوم، من خلال شاشاتها، ثمانون مليون
انسان في العالم الاطلاع على ما يريد الفنان قوله. وهذا العدد
هو الجمهور غير المرئي سواء ارادوا ذلك او لا. وهكذا يتسنى
لهذا النوع من الفنانين وللمرة الاولى في تاريخ الفن ولحسن
الحظ ليس فقط تجاوز حدود الجغرافيا للعالم وانما التخلص ايضا
من المحاولات المستمرة للمؤسسات الرسمية وغيرها وبكل انواعها
لعزل الفنان عن المجتمع وتهميش دوره وعمله كمشروع ثقافي ووصفه
بالمعتوه والشاذ وغير الاخلاقي وخنق حريته في التعبير بوعيه
الجمعي وابداء رايه بما يجري في العالم من احداث تمس مصير
الانسانية جمعاء.
|