فنان الشهر

سليم مهدي عبد اللة الهاشمي    

 Selim Abdullah

irene.botta@ticino.com

 

انقر على الصورة كي تصل الى صفحة الفنان

 

دفتر الزائرين

 

الفنان سليم مهدي

رحلة اكتشاف دائمة في الجسد الانساني

  موسى الخميسي

 

على الدوام حاول الفنان سليم مهدي ان يجعل من اعماله النحتية فنا مكرس لبلوغ جوهر الانسان في عرائه الكامل والدائم،كما هو ، نحيل ووديع وبريء، تسكنه الحكمة والانشداد واللباقة والحدة والجرأة والثورة، وبداخله يعيش زلزالا لعنف في ايقاع مزاجي متستر، كانه معقود فيه على جذع غرائزي صلب، يمل الرتابة، مشدود الى امال بعيدة ومضغوط كوتر،  تفرحه ان تكون اعماله جرحا في عيون الاخرين، والوانه تذوب كالرغبات في الذاكرة. انه  يوجه الكثير من الحقائق الغامضة والمجهولة التي تحيطه اينما وضع قدميه، فهو يوحي بالحركة الدائمة، في كل تفصيل من بنية الجسد الذي يبنيه في كل مرة بالطين بيديه النحيلتين،  ليسبغ على بنائه  التباينات الصارخة على اجزاء يختارها بحذق ومهارة ودراية، مثل السيقان الطويلة والاكتاف العريضة.  

تميز سليم على الدوام بان يجعل من هذه الحركة غير مكتملة، ليس لها علاقة محددة بالمكان ومفهوم الزمان الذي يكمن خلف مفهوم الحركة المتوثبة في تعبيريتها التي تتجلى بانفعال يبدو احيانا مبالغ فيه، ذلك انه يدرك بان الحركة هي افضل وسيلة تكشف عن الشخصية المقهورة الدفينة التي يبحث عنها منذ سنوات طويلة، لانها هي التي تبث في ملامح الجسد اسرار تعبيره.

اجساد نحيلة تبدو وكانها مهيأة للانفجار والغضب تتقاسمها التقاطيع وينهشها القلق الداخلي والاسئلة الكثيرة، فهو يؤثر تسجيل اللحظة التي توشك فيها هذه الاجساد  لمس نبض الحياة في المعدن الساكن، حتى انه احيانا كثيرة يفجر سكون التمثال باعطائه ومضة واقعية.

وعلى غرار كل انجازاته الفنية منذ الفترة البغدادية مرورا بالفترة الطويلة التي عاشها في مدينة فلورنسا الايطالية ،وحتى ابعاد تجربته الاخيرة في سويسرا ، فان اعماله لا زالت تنبض بتلميحاته الرمزية المثخنة بخطوط وكتل صغيرة متصلبة درامية  تبدو محتدمة على الدوام، فهي منهكة مع انها تبدو للمتلقي بانها متوثبة ، تتميز بسمتين ترهصان بما سيطرأ عليها من تطور واضح في مسيرتها الممتدة الى اكثر من ثلاثين عاما: الاولى حرصه الكبير على حدة التوازن بين الاجزاء في بنية الجسد وارتباط احدها بالاخر ارتباطا قائما على مقاييس محددة يراعي حلول توفير  قانون نسب التوازن  وتحديد هذه النسب التي ينشغل اولا بتكوين بنية الجذع الجسدي الانساني لها، مدركا انها هي التي ستحقق الوحدة النحتية بمقعراتها ومحدباتها التي يسبغ عليها الفنان التناغم والاتساق من خلال التنويع تارة وابراز جزء على حساب غيره تاره اخرى. اما السمة الثانية فتتمثل  بتركيزه على معمار بناء عضلات الجسد المتصلبة المنفلتة خارج حدود النمطية المعروفة التي استخدمها العديد من النحاتين العراقيين، فهو يهتم في هذه البناء بتوزيع تشكيلي ليكون بمثابة درع جمالي للبناء ككل، يشد اليه ذوق المشاهد بتركيزه على الرشاقة والمبالغة بالطول، والنبض، والحيوية، ولهذا تبدو اعماله مصاغة بشكل متوازن وتحمل ثقة مفرطة تغطي على القلق والتوتر، لاتعوزها تعبيرية  شفافة وحسية ما دامت تشكل مزيجا من العنف والعذوبة يوفرهما التصميم الانسيابي من ناحية ورقة التنفيذ التي تصل احيانا الى حد الحساسية المرهفة من ناحية اخرى.

جتمع الجمال والقوة والرشاقة والحيوية في اعمال الفنان التي تمثل الانسان تمثيلا لا يدانيه في الصدق تمثيل اخر، فهي تحررت بتقنيات جديدة ليمضي من خلالها شوطا بعيدا نحو النزعة التجريدية التعبيرية التي لاتعوزها سمات الحيوية، الا انها توهم بالتجديد الذي اعتمد على اقتباس مبتكراته في حقبات سابقة ليعيد تكوينها بمهارة في انماط جديدة بتخليها عن مراحلها الاكاديمية الاولى وحرارتها الشخصية الذاتية لتعود الى بؤرة الاهتمام بتماثل اعضائها وترابطها وتدرجات الحركة فيها ، ليشق لها طريقا جديدا بلمسات حسية واضحة كما ظفر باهمية بالغة خلال الفترة الفلورنسية.

يقول النحات الانكليزي هنري مور" ينبغي على النحت، في نظري، ان يتسم بالحيوية، عليه ان يقدم للمشاهد احساسا بكون ما يشاهده، يحمل في ذاته، طاقته الحيوية الخاصة" وكان هنري مور يهتم بالتفاعل بين منحوتاته والمؤثرات الضوئية، فيترك باب المرسم الكبير مفتوحا" . وهكذا نستقبل منحوتات سليم مهدي بالضوء والهواء، بفضل تلك الاجساد التي تبدو وكانها كتل مركبة في تماسكها وتوازنها ورسوخها في الارجل التي تبدو وكانها عند سليم مهدي ، قاعدة البناء نحو الانطلاق، كانها احيانا الغمد الذي يحتوي الشكل باجمعه، فالراس حتى وان اختفت احيانا، الا ان الساق الذي يعتمد عليه الجسد يشكل خطا جمعيا راسخا كانه رسوخ اعمدة معبد روماني قديم. الجسد عنده مكشوف  بلا حماية ليس فقط بعريه وانما كوضعية ظفرت بجانب كبير ثقل الايقاع الذي يمنح هذا الجذع الذي يرتفع تدريجيا اثناء صعوده الى اعلى حتى ينتهي الى الراس  ، صغيرا او مختفيا، او مشوه الملامح، الا انه منزوي بين الاكتاف العريضة كدليل للقوة، ليتفجر بامتداداته الفسيحة ليتشابك مع الاجساد الاخرى بالاذرع والصدور العريضة ،حتى تبدو هذه التجمعات البشرية وكانها كتلة واحدة متراصة، احد جوانبها مقبلة والاخرى مدبرة، وثالثة هاربة، الا انها تظل مجموعة متساوقة متشابكة متلاحمة. من العسير تحديد وجه دقة الحدث الذي اثارها، انها كتل لاجساد لا تحمل تجسيدا للجمال التقليدي الذي عرفناه في النحت الكلاسيكي القديم اوما انتجه عظام عصر النهضة وما بعدهم من فترات واقعية جسدتها فنون جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق والدول الشرقية المحيطة ، والتي اكدت على حزبية الفن التي تتلائم مع المنجزات الحقيقية الفنية السامية في حياة البشر، بل غدت عند سليم مهدي شيئا مزريا يحمل قهر الانسان وصلابته واثار الهوان الذي يعانيه، يحمل بين جوانحه رغبات الانطلاق من كبت طويل، وتلك هي سمة من سمات الفن الحديث وابداعاته وايحاءاته.

ثمة نزعة متزمتة تسري في اعمال الفنان سليم مهدي  تهدف الى ترويض الذائقة الفنية تتمثل في هذه الرصانة المفرطة لنحات واعي ومتحمس يكافح ضد قواعد الشكل المالوف، ليعيد صياغة جديدة لموضوعات تخص انساننا الحاضر، انسان العضلات المتوترة المتفجرة، والمعبرة عن تبرمه وانفعاله المحتدم، ولهذا جاءت اعماله مشدودة ومتوترة داخل الاطار الضيق الذي يحتويها احيانا وكانه يصارع ضد ضغوط خانقة تتجلى قوتها المعبرة بعدم اكتمالها، خشنة الملمس كانها مستيقظة من سبات طويل مؤججة ما نحمله من انطباع تحمل تعبيرا دراميا عن الصراعات الداخلية ، تشهد عليها هذه التفجرات التي ننتمي اليها بذات وشائج قربى ،وكانها انطلاقة لسجناء الجسد يحثها للخروج بواسطة قوة خلاقة تفوقها سموا ورفعة، نسافر معها بعيدا الى العمق لنواجه معا كثيرا من الاسئلة، المتعة، الغاية، المنفعة.