فنان الشهر

راكان دبدوب

Rakan Dabdoub

الرجاء انقر على اللوحة

لكي تصل الى موقع الفنان

 

عبدالوهاب النعيمي

 

راكان دبدوب يعد اليوم من ابرز فناني جيل الرواد لما تركه من اثر كبير في اعماله التي لاتعد ولاتحصى طوال فترة الاربعين سنة الماضية ابتداءا من تاريخ عودته الى مدينة (الموصل) بعد اتمام دراسته الجامعية في اكاديمية روما عام 1965 .

 

عند هذه السنة (1965) سنتوقف مع راكان دبدوب تحديدا باعتبارها واحدة من اهم المحطات التي توقف بها لينطلق بعد ذلك الى افاق المستقبل الفني مبدعا في ساحة التشكيل العراقي

 

ولكن قبل ان نتحدث عن خصوصية راكان دبدوب في عامه الاول بمدينة الموصل، لابد ان نتعرف على بعض مفردات حياته الفنية.

 

فقد ولد في التاسع والعشرين من ايار عام 1941 بمدينة الموصل وابتدأ مع الفن التشكيلي هاويا وهو ذلك التلميذ الصغير في الصف الثالث الابتدائي عام 1951 وتلك البداية انطلقت به ليحتل مقعده المتميز طالبا في معهد الفنون الجميلة ببغداد ، وبعد اكمال دراسته الفنية في المعهد عام 1961انطلق الى رحاب اوسع حيث التحق باكاديمية الفنون الجميلة في روما حال تخرجه من معهد الفنون الجميلة ببغداد، تخصص في نحت الخشب لمدة سنة واحدة في اكاديمية سان جاكومو في روما ، ليتواصل بعد ذلك بدراسة عامة للفنون التشكيلية تحقيقا لامنية بان يعيش فنه ويشترك في خضم الحركة الفنية مع الفنانين لرفع المستوى الفني في العراق على الرغم من انعدام الجو الفني وقلة متذوقي الفن في المدينـة.

 

خلال السنوات الاربع وهي سنوات دراسته الاكاديمية في اكاديمية الفنون الجميلة في روما وجد نفسه في اجواء خصبة لم يجدها في معهد الفنون الجميلة الذي فرض عزلة فنية بين الدارسين واساتذتهم ـ فالطالب في المعهد كما روى لي راكان لايعرف أي شيء عن اساتذته ولا عن نتاجاتهم بينما وجد الانفتاح كبيرا في روما، من خلال المتاحف الزاخرة باللوحات ومن كل عصر وجيل ،صالات العرض تزدحم باعمال فنية متنوعة ومن جميع المدارس الفنية الحديثة ، الى جانب العدد الكثير من التماثيل المنتشرة في الساحات العامة والزخارف التي تزين واجهات الابنية والكنائس.

 

يقول راكان دبدوب وهو يصف عامه الاول في روما: كدت اضيع في ذلك الجو الفني ذو التشعبات المختلفة المتضاربة، فبقيت مذهولا لا اعرف أي الطرق اسلك ومن اية حركة فنية ابدأ فامضيت ايامي متفرجا واعيا حتى احتويت الساحة الفنية واستوعبت الحركة لأبدا الدرس، ومن ثم العمــل بهدوء و رويـة  وكانت اولى خطواتي مع الفنان (سيروني) قمت بدراسة شاملة لاسلوبه وطريقته في تنفيذ افكاره، فكان لي بمثابة الاساس في تطوير اسلوبي و الانطلاق نحو المدارس الفنية الحديثة التي تميزت من خلال مشاركاتي في عدة معارض فنية في روما منها (معرض الجريدة الايطالية) وهو معرض عالمي عرضت فيه لسنتين متتاليتين حصلت خلالهما على ميدالية فضية ودبلوم شرف، الى جانب مشاركتي في معرض الفنانين العرب في روما والتي حصلت من خلالها على جائزة باسم الشاعر المشهور دانتي والى جانب تلك المشاركات عرضت في معرض (فياماركونة) في شارع الفنانين الذي يقام سنويا بمشاركة واسعة من فنانين تشكيليين من انحاء العالم، كما واني خلال سنوات الدراسة في روما كنت حريصا على المشاركة في المعارض الجوالة للطلبة الاكاديمين والذى عرض احدها في مدينة نيويورك.

 

لقد كانت سنوات الدراسة في روما سنوات خصب فني وثقافي عام باعتبار ان الفنان الايطالي- كما يصفه راكان دبدوب- يعيش في اجواء فنية خصبة ونصيبه من الثقافة العالمية كبير، كما ان الفنان الايطالي على اتصال مباشر بالقطع الفنية العالمية (لوحات كانت او منحوتات) الموجودة داخل المتاحف المتعددة، وهذا ما يفتقده الفنان العراقي في بلاده، فلو قدر لشخص ما الذهاب الى اوروبا بجولة سياحية فسيشاهد التماثيل والنصب منتشرة في الشوارع والساحات والحدائق، بينما نفتقدها نحن في شوارعنا على مدار القرن الماضي، وحتى الان فان شوارعنا العامة وساحاتنا الكبيرة وحدائقنا الخضراء تفتقد الى تماثيل جمالية تنتصب بداخلها، الى جانب عدم وجود متاحف فنية متخصصة في عموم العراق، وهذا مما يؤسف له حقا، فالحياة تتطلب منا ان ننطلق الى ابعد مما نحن عليه الان بوجود هذا الكم الهائل من التشكيليين العراقيين الذين يملاؤون ساحة الابداع في عموم العراق ، وبامكانهم نشر الثقافة الفنية من خلال استمرارية اقامة المعارض او من خلال اقامة التماثيل في واجهات الشوارع والساحات العامة والحدائق، وهذه المسألة باعتقادى تتوقف بالدرجة الاساس على المسوؤل الاداري في المدينة واتمنى ان تتبنى المجالس البلدية هذه المسالة في قابل الايام

 

عودة الى عام 1965

 

قبل وصوله الى الموصل باكثر من شهر طلب الي صديقي المؤرخ الطبيب المرحوم الدكتور فيصل دبدوب ان اكون صديقا لابن شقيقه الذي سيعود الى الموصل بعد انهاء دراسته في روما 00 واخبرني الدكتور فيصل ببعض مواصفات الفنان العائد راكان دبدوب.

 

كان يوما مشهودا ذاك الذي التقيته فيه داخل عيادة عمه الدكتور فيصل دبدوب، وجدته منطويا على نفسه، قليل الكلام ، كثير التطلع الى الاشياء القديمة، يتنقل بين اثاث العيادة ويرد على بعض الاسئلة يبدي رايا بمسألة ما وهو منهمك في تفحص بعض القطع التراثية هنا وهناك ، لم يعجبني في اول لقاء، واخذت عليه انه شخص برجوازي ومن الصعوبة بمكان ان يندمج مع طبقة البسطاء من امثالي لذلك استأذنت الدكتور بالذهاب ولكن راكان فز من فوره وقال بنبرة استغراب : لحظة اين تذهب؟ لقد اخبرني عمي باننا سنقضي اليوم بكامله معا، اليس كذلك ؟ ووجه السؤال الى عمه النابه الذكي الذي استنتج المسألة بابعادها الحقيقية فاجاب باقتضاب:ولكنك كما ارى يا راكان تشاغلت بقطع الاثاث. من يومها لم يتشاغل باشياء مهما كانت مهمة بوجودي الا اذا شاركته بتلك الرغبة ، تكررت لقاءاتنا بل تحولت شبه عادة يومية اقترح علي ان تكون تلك اللقاءات في مشغله داخل منزل والده في منطقة الطيران، ووجدت ان المرسم او كما اطلق عليه (المشغل) هو الانسب لكلينا من اللقاءات في المقاهي او الشوارع ، كان شديد الاهتمام بتوفير اجواء جميلة ومناسبة في مشغله مثل (الكرامافون) والمسجل والراديو الى جانب الاوراق والاقلام والاحبار والالوان.. اتفقنا بشكل مبدئي ان يتشاغل كل منا باهتماماته، فصار هو ينحت القطع الصغيرة من مادة الخشب او يرسم، فيما انا اكتب او اقرأ، وكنت كثيرا ما الجأ الى صديقي لكي يرسم لي تخطيطا عن موضوع ثقافي اوقصة اقوم بكتابتها، ألخص له الحدث بكلمات لينطلق بالتخطيط بالقلم الاسود، وكان يرسم للموضوع الواحد اكثر من تخطيط ويترك حرية الاختيار لي.

 

مرة طلبت اليه ان يقوم برسم الشاعر السياب حيث كنت بصدد الكتابة عنه في الذكرى الثانية لرحيله، قال لي ان ملامح السياب تبدو لي مثل صورة مضببة, ولكنه مع ذلك اخرج لي وخلال جلسة واحدة اكثر من ست لوحات بالقلم الحبر، تناولت السياب باوضاع مختلفة، ارسلت اربعة نماذج منها الى صديقي الراحل عبدالجبار محمود العمر مدير تحرير مجلة بغداد لنشرها مع القصة، نشر القصة مع صورة واحدة فيما احتفظ الفنان الكبير نوري الراوي الذي كان عضو هيئة تحرير المجلة بالتخطيطات الثلاث الباقيات ،وجدتها بعد سنوات منشورة ضمن ملف عن السياب اصدره ماجد صالح السامرائي بمشاركة المرحوم جبرا ابراهيم جبرا .

 

ومرة اخرى رسم لي تخطيطات لفصول رواية كنت انوي نشرها ، استفدت من بعضها واحتفظت بالبعض الاخر ،ولم يكن ليسألني اين بقية التخطيطات؟ او اين نشرتها، ؟ انها بمجرد ان تخرج من بين يديه ينساها.. لانه كما قال لي ذات مرة، اعتقد انها تخرج من يدي اليمنى الى يدي اليسرى ويقصد بها (يدي) ،فضحكت.

 

يوم ذاك كنت اتولى مسؤولية تحرير جريدة الاديب الاسبوعية الثقافية العامة خلال الاعوام 64-1967 طلبت الى صديقى راكان دبدوب ان نفكر ببديل عن الزنكغراف الذي نفتقر الى وجوده في مطابع الموصل ومسالة ارسال خطوط العناوين والصور الى بغداد مسألة متعبة وتحتاج الى وقت، فابتكر طريقة فريدة من نوعها وهي الحفر على الكاوجوك (اللباد) وكان متوفر بمدينة الموصل بكثرة لاستعماله في صناعة الاحذية، ويباع يالامتار المربعة، وبالفعل كان يقوم بحفر اللوحات التي يرسمها للمواضيع التي سيتم نشرها بطريقة معكوسة كما هو حال كلايش الزنكغراف... فيما اسندت مسألة خط العناوين والمانشيت الرئيسي للخطاط الكبير الاستاذ يوسف ذنون اطال الله في عمره، فكان يخط العناوين بالطريقة المعكوسة اياها فوق اللباد لاخذها بدوري الى مشغل صديقي راكان حيث يقوم بحفرها بشفرات خاصة يملكها، وقد تالقت طريقتنا المستحدثة بين صحف الموصل انذاك ولم يتوصل ايا من الزملاء الى سر العناوين المخطوطة والصور المرسومة، والتي بلغ بنا الحال الى رسم الاشخاص وتنفيذ نشرها بالطريقة اياها .

 

خلال اشهر عام 1965 توليت التعريف بصديقي راكان دبدوب في اروقة بغداد ومحافلها الفنية ، اولى محطات التعريف به وبفنه كان من خلال صفحات مجلة بغداد، بموضوع مطول عن لوحاته وافكاره اما المحطة الثانية فكان متحف (كولبنكيان) الذي تغير اسمه الى المتحف الوطني وكانت الفنانة الكبيرة سعاد العطار الشقيقة الكبرى للفنانة ليلى العطار تتولى ادارته، طلبت الي اصطحاب راكان دبدوب الى بغداد مع مجموعة لوحات لغرض عرضها في معرض لمجموعة كبيرة من الفنانين امثال اسماعيل الشيخلي، خالد الشيخلي، نوري الراوي ،شاكر حسن ال سعيد، رافع الناصري ،محمد غني حكمت ،ميران السعدي، فرج عبو، جبرا ابراهيم جبرا، وغيرهم من رواد الحركة التشكيلية انذاك.

 

حين اخبرت راكان بذلك استحسن الفكرة، وبالفعل ذهبنا الى قاعة (كولبنكيان) في ساحة الطيران ببغداد ، وهناك التقى بعمالقة الفن العراقي ، واشترك في اول معرض اقيم لمجموعة الكبار من فناني عصرهم . وقد طلبت اليه الفنانة المغتربة حاليا سعاد العطار تهيئة مجموعة لوحات لاتقل عن الثلاثين لاقامة معرض شخصي منفرد له ، وتحقق ذلك ايضا بعد فترة قصيرة لتتوالى المعارض ويتلألأ فن راكان دبدوب في اروقة الفنون وقاعاتها الكثيرة في العاصمة بغداد وكذا الحال في مدينة الموصل الذي ظهر فيها من خلال مرسمه الخاص بكلية طب الموصل ومن ثم بيت الفن في رحاب جامعة الموصل بمشاركة الفنانين الكبار، نجيب يونس، والمرحوم ضرار القدو، وطلال صفاوي حيث تحول ذلك البيت الى متحف كبير للفن التشكيلي فيما بعد .