مدار النقد

 

د.فاضل سوداني 

fasoudani6@hotmail.com

يحدث التناقض بين ثقافة الفنان وثقافة المنفى عندما يعيش الاغتراب المفروض عليه بعيدا عن منبت الوعي التأسيس . وبعيدا عن تلك الظروف التي شكلت وعيه الفني والجمالي .ولكن بالرغم من هذا فان المنفى يفرض حالة من دمج الثقافات وديناميكية تفاعلها فتكون نتائجها إجابية للفنان . وبالتأكيد فان هذا يعتمد على وعيه في إعطاء مهمته الفنية بعدا تعويضيا يؤدي إلى تحويل غربته إلى تاريخ إبداعي في مكان وزمان جديدين. وهذا هو جوهر مهمة الفنان في منفاه .

إن ضرورة هذا الوعي تحتمه طبيعة المجتمع الأوربي التجريدية ، لأنها تفرض على الفنان قيما جديدة لاتشكل ذات الاهتمامات الفنية التي يحاول الفنان من خلالها معايشة الوجود والالتحام المصيري ، فتنشأ فوضى التناقض ، ويبدأ التصادم بين القيم الثقافية والحضارية التي تشكل وعيه الفني وبين تلك التي تميز ثقافة المنفى ، وعليه أن يحافظ على خلفيته الثقافية حتى يستطيع أن يتوصل إلى التفرد والأصالة .

وهذه قضية جوهرية لها أهميتها في مواجهة حالته الاغترابية في المجتمع الأوربي الذي اضطر إلى العيش فيه .

إن مشكلة التكيف الايجابي لأغتراب الفنان تكمن في أهمية مقاومتة للضياع الفني الذي يحتمه المجتمع الاستهلاكي الجديد . و تكتسب الحصانة الداخلية الواعية أهمية كبيرة هنا ، ليس في إبداع الفنان وانما في حياته الجديدة أيضا ، لأنها تساعده على إنقاذ فنه من "استهلاكية الثقافة و الوعي " . و عكس هذا فان جذوة الروح تخبو و تنطفئ شعلة النار التي اختزنها الفنان في روحه ، ليفقد مصباح النور القدسي الذي عثر عليه في أحد دروب هذه الدنيا المليئة بالأسى ، فيتحول الوعي الفني إلى وعي استهلاكي ، يُخضع الفن الحقيقي للهامشية. ان طبيعة نظام الحياة في المنفى وضغط المؤسسات العنصرية التي تتحكم بالثقافة والمجتمع المعاصر تغري الفنان المنبهر على التخلى عن جوهر وجوده (الابداع ) ليتحول الى بائع لوحات تزّينية تعلق في أماكن غير مجدية ، عندها يمتلك معرفة في كيفية فبركة فنه الذي كان غذاء للروح في يوم ما ، او يجبره لمعان الذهب على التحول الى تاجر كما حدث للكثير من المبدعين في منفانا .

وهذه قضية أساسية ، لأن معايشة المنفى الأوربي الجديد في سنوات اللجوء الأولى تخلق حالة من الانبهار والاندهاش التي تصيب الفنان ، فينجذب الى الحياة الاستهلاكية ، فيخضع فنه لمتطلبات تجارة السوق في مجتمع المنفى الاستهلاكي ، ويصبح تأثيره كالذي يعزف على طبل مثقوب . إذن ماهي الموضوعات التي تشكل اهتمام الفنان في المنفى وخاصة الفنان العراقي .

تدهشنا منذ الوهلة الأولى لوحات الفنان العراقي علي جبار لكونها استمرارا لتلك الموضوعة التي حاول دائما التنويع عليها في الكثير من الأحيان وهي " الإنسان وأشياؤه" أو "تحولات الأشياء " ، بمفهومها الفلسفي. فمن خلال التكنيك الخاص الذي استخدمه في لوحاته الأخيرة ، امتلكت الأشياء وجودها في فضاء اللوحة وامتداد معناها خارج هذا الفضاء أحيانا .ولكن هذه الأشياء لايمكن أن تتكامل او تمتلك كيانها ومعناها في فضاء اللوحة إلا وهي بجانب الانسان ،الفيكر ، ومن خلاله فقط ، فتبدو علاقتهما أزلية بالرغم من أن الإنسان لايمكن ان يتخلى عن أشياؤه ولايمكن للأشياء ان تتخلىعن إنسانها إلا بالانفصال الوجودي النهائي.

وفي الكثير من الاحيان فان الاشياء التي يستخدمها الانسان في حياته تصبح جزءا منها ، بل تحتل مكانه خاصة فيها ، كالملابس والأقنعة والأحذية والاماكن التي تترك تأثيرها في وعي الإنسان . إضافة الى الموجودات والأشياء الأخرى التي تحيطه دائما ، وتثقل عليه ولا يستطيع التخلي عنها لأنها جزءا من خصوصياته الحميمية ، و مشاعره وأفكاره وتاريخه الشخصي ،وتصبح أحيانا كأنها قدره . فإذا كانت هذه الأشياء خاضعة أساسا للتشوه والتلف بفعل الزمن ، فبالتأكيد ستعدي الكائن الذي يمتلكها .

وحاول الفنان علي جبار أن يتناول الواقع بهذا المفهوم ، ففي لوحاته يبدو الإنسان مأخوذا و في حالة من التشوه والانسحاق بالرغم من انه يوحي بتماسكه الخارجي . وهذا متأت من أن الأشياء غير المجدية تفرض وجودا غير مجديا يمتد الى إنسان اللوحة ، فيغمرها الفنان بلون وإيقاع يوحيان بالاحساس بالخراب الوجودي . إن الأشياء في لوحات الفنان تعطيك التصور الكامل بان الإنسان كان هنا ورحل للتو ، انه غادر هذه الدنيا لكن أشياءه تحتل مكانه وكأنها خالدة ، بالرغم من إن هذا يبدو وهماً لان كل الأشياء زائلة .

ومن اجل التعبير عن هذه العلاقة فان الفنان علي جبار نفذ لوحاته بحيث تبدو الأشياء (الملابس والاقنعة والادوات وغيرها ) وكأنها أجزاء مقتطعة من الإنسان ومركبة من جديدفي حياته دون أن يشعر . إن وجودها بهذا التركيب المشوه يدفعنا الى الإحساس بعبثية الحياة .

الحرب وتشيؤ الإنسان

بالقدر الذي تصبح فيه المعالجة الفنية لموضوعة الحرب ضرورة قصوى ، فان الحياة والحب السري والمرأة القلقة على ديمومة الخصب في واقع الحرب الملتبس ، هي موضوعات تدخل ضمن وعي الفنان واهتمامه. فإذا كان الإنسان في الحرب وعلى ارض الواقع يتحول إلى شــئ أو مادة إشعاعية قابلة للانفجار في أية لحظة ، فان الإنسان " الفيــكر " في اللوحة هو شــئ مشوه أيضا لكنه يمتلك أبعاده الفنية والجمالية في ذات الوقت . من هنا فان علي جبار يؤكد في لوحاته دائما ، على العلاقة المتنافرة بين تشيؤ الإنسان في الحرب ،وهي قضية لاإنسانية ، وبين جمال الحب وشفافيته ، الذي تشكل المرأة قطبه الأساسي ، وهي قضية إنسانية . فيتعامل مع الحب على اعتباره موضوعا للجمال الحُلمي المثالي الذي ليس له وجود في زمن الحرب وإنما هو موجود في لاوعيه . فيعمد إلى تشويه ذلك الجمال لأنه لا يتناسب مع واقع القبح في هذا الزمن.وكان هذا واضحا في لوحات الفنان الأخيرة بشكل مكثف بحيث تتحول المرأة فيها إلى حوار هذياني غير مفهوم لكائن حالم يهمس في ليالي السحر ليكمل ذاته وقرينه الرجل ، وقوة الاخصاب في الطبيعة ، هذا الثلاثي يحول الموضوع الى وجود متنام . لهذا فان فضاءات اللوحة اصبحت اكثر اتساعا من السابق ، وامتلأت بمواد و أشياء بعيدة عن الالتزام بدقة التفاصيل الواقعية والمفهوم الاكاديمي في بناءها مما يمنحها بعدا ديناميكيا وفعالية مؤثرة في وعي المشاهد المتمعن .

تحولات الإنسان وأشياؤه 

لا يمكن اعتبار موضوعة " أشياء الإنسان" التي يمكن ملاحظتها في أعمال الفنان علي جبار ، بديلا عن " الإنسان " كموضوع أزلي في الفن بشكل عام والفن التشكيلي تحديدا .إلا أن استخدام هذه الأشياء بهذا الوعي للتعبيرعن تشيؤ الإنسان ، يعتبر موضوعا متميزا وغريبا في طبيعة معالجته ،وبالتالي فان هذه الثيمة متفردة. 

وقد استطاع الفنان التعبير عن هذا الخراب في الحياة وفي داخل الانسان من خلال تأكيده على التشيؤ ، ومنح هذا الأشياء استقلاليتها ووجودها المكثف في فضاء اللوحة ، فالأقنعة والوجوه الضبابية المشوهة والحيوانات الأسطورية والعلاقة الغريبة للأشياء فيما بينها والالتباس الذي يكتنف حياة مكونات اللوحة وغيرها لها علاقة واضحة بالخراب الذي ينخر في داخل الإنسان أو محيطه . ولكن هذه الأقنعة بالرغم من طابعها الجمودي ، إلا إنها تمتلك تلك النظرة الحيوية الغريبة التي تمدها بالحياة . إن التعبير عن الإنسان من خلال أشياؤه ، تعتبر هي المفردة الرئيسية المفضلة لدى الفنان للتعبير عن الحياة والوجود الإنساني .

لقد فرضت طبيعة مواضيع لوحاته خروجا واضحا على الأصول الأكاديمية ، كما في لوحة العربة الملكية

حيث اعتمد التركيز على الطابع النحتي لموضوع اللوحة . وقد استخدم الفنان في موضوع واحد تقنيات عديدة ومختلفة كالتخطيط بالقلم والألوان والكتلة وغيرها.وبالرغم من صعوبة المزج بين هذه التقنيات في لوحة واحدة ، إلا أن التعبير عن عالم الفنان القلِق ،هو الهدف الأساسي من التركيز على هذا التكنيك.

وفي لوحة عزلة هنالك مزج بين الدقة المكثفة والتفصيل في الكتلة واللون وهنالك إحساس بانسيابية الأشياء وكأنها تود الخروج من إطار اللوحة ، ولكن في ذات الوقت نلاحظ عدم وجود تفصيل تشريحي للشخصيات أو الأشياء فتتداخل في جو ضبابي يعبر عن خصوصيته وغرابته .

يمتلك الفنان علي جبار حساسيته الخاصة ليس في فنه فقط وانما في فجيعته العراقية ، لذا فانه يعبر عن هذا بشكل غير مباشر وخاصة في لوحة " عاشقان" . ففيها ينتصر الحب كحلم شفاف ومشاعر إنسانية على خراب الوجود . بالرغم من الشعور بغربة الحب الإنساني في زمن الحرب اللاإنساني .

لهذا فان الحوار الذي حاول الفنان أن يخلقه من خلال لوحاته وخاصة ـ الحوار بين الرجل والمرأة ، بين الإنسان والأشياء ـ يتحول إلى همس أزلي مشوب بالغرابة والخوف والالتباس مادام الإنسان يعيش في حياة غامضة في شموليتها .ومن اجل التعبير عن الإحساس ببرودة الحياة ومأساويتها فرض علينا مشهدا رماديا مشوبا بالأسى والألم لكي يخلق في داخلنا الشعور برمادية الرؤيا .

نلاحظ من خلال إحدى لوحات المتميزة واعني لوحة شارع المشي ، تركيز الفنان المكثف والهادف لخلق تلك الغرابة المتأتية من غرابة الأشياء وتلقائيتها وعفوية إيقاعها اللامرئي ، تلك الأشياء المعروضة في مخازن هذا الشارع .والميزة الأخرى لمجمل لوحاته ، وجود مسرحةً للحياة ، حيث يشبه فضاء اللوحة خشبة مسرح تبدو فيها الأشياء ، مثل الأقنعة والملابس والوجوه الحقيقية ورؤوس الحيوانات الأسطورية والهمس الغامض للواقع اللامرئي وغيرها ، وكأنها تتحرك في فضائها المسرحي . ومن اجل هذا فرض الفنان أن تكون كتله وأشياءه بمواجهة المشاهد مباشرة ، وهذا يعني مواجهة الأشياء للذات البشرية وبالعكس .

لقد تميزت لوحات الفنان بمناقشة موضوعات وهواجس معاصرة تخلق قلقا في داخل المشاهد الحاذق

وكانت حوارا وهمسا غامضا عن تلك الأشياء التي تثقل حياة الإنسان وتميزها ، وأحيانا كانت ضجيجا صاخبا يقلق المشاهد في منفى الفنان .

 

كوبنهاغن

شمال الكوكب