مدار النقد

بهجت صبرى 

 

 

"الفنان دائما هو مفكر اجتماعى والحرية امر طبيعى بالنسبة للانسان، بيد ان النضال فى سبيلها يستمر الى الابد ويغدو الشعب بطلا ". هذا مايقولة الفنان الرائد محمود صبرى. ان مايشغل فكر محمود صبرى على مدى 60 عاما او اكثرمن حياتة الابداعية هو البحث الدائم عن اعماق جديدة، واشكال جديدة، والدراسة الفنية لقوانين المجتمع والطبيعة.

 محمود صبرى يرسم عشرات الرسوم والتصاميم للوحاتة محاولا تكوين قانون عام فى الفن. كان محمود فى طليعة من صور الناس البسطاء وكفاحهم والامهم وفى صراعاتهم السياسية فى الفن العربى المعاصر.

فى لوحة "جنازة شهيد" التى استلهم محمود صبرى موضوعها اثر تشييع جنازة السجين السياسى نعمان محمد صالح فى بغداد عام 1951 والتى استغرقت منة حوالى 12 عاما من الجهد والتامل. رسم محمود عشرات النماذج التى تبدو وكانها اعمال فنية قائمة بذاتها. انها كموضوع واحد ذو متغيرات داخلية، يبرز بجلاء اكبر فاكبر موضوع " الحن الجنائزى" بصفتة موضوعا للنضال والتضحية، الموضوع الشعبى العام واصمود فى وجة الموت من اجل الحياة.

 

بعد سفر محمود صبرى الى الاتحاد السوفيتى عام 1960 بدأ باعداد التخطيطات والدراسات للوحة جدارية باسم " وطنى " ، كان محمود يامل ان ينفذ هذة الجدارية فى مكان ما فى بغداد بعد انجاز التخطيطات النهائية لها. ولكن الانقلاب الفاشى فى العراق عام 1963 حال دون تنفيذها.

لوحة " وطنى " مقسمة الى عدة مشاهد، الشخوص فيها رمزية، وكل مشهد يمثل احدى مراحل الثورة فى العراق:

 - النضال الثورى عبر التاريخ

- اندلاع ثورة الرابع عشر من تموز

 - ثم انتكاسة الثورة

 

 

ان اهمية الفن الجدارى السوفيتى كبيرة بالنسبة الى محمود صبرى وبالاخص الايقونات والاعمال الجدارية للرسامين اندرية روبلوف وديونيسس.

صور المراة التى رسمها محمود اثناء تواجدة فى موسكو اتسمت بالرقة والرهافة، انها الرمز الابدى للامومة والنقاء والتضحية، فالتراكيب والتوزيع اللونى والصورة الفنية والشى الاساسى لالهام الداخلى، هى جميعا امور قريبة الى روح الفنان محمود صبرى.

 

فى هذة الاثناء انتقل محمود صبرى الى براغ ليواصل عملة، وهناك وفى القسم الشرقى للمتحف الوطنى الجيكى تعرض بعض لوحاتة منها لوحة " شهيد معاصر" التى بدأ العمل فيها عام 1964 وانجزها عام 1967. ولو تمعنا فى هذة الوحة سنجد انها مغايرة تماما فى الاسلوب الفنى عن الاعمال التى سبقتها، انها تدشن مرحلة جديدة يغلب عليها اللون الازرق والبنفسجى وتتميز باشكال الية تنعدم فيها الحياة.

يدور الصراع فى اتجاة اخر، صراع الانسان الحى والمعذب، وكذلك مع الانسان الالى الخالى من الروح والدم والطاقة الحيوية. وهناك سمةاخرى واضحة فى هذة الصورة وهى الشكل الفنى المستمد من التراث العراقى القديم. الجسد مقطوع الراس رمزا للارهاب واللاضطهاد واستعباد الانسان للانسان.

ان محمود صبرى يقرا التاريخ كتجربة ازلية، فقد عبر الفن العراقى القديم منذ الاف السنيين عن الصراع الطبقى- الاجتماعى مجسدا تشكيليا فى سطوة الحاكم وتسلطة على العبد:

_ فى تفوق الانسان على الحيوان

_ وفى افتراس الحيوان الاقوى للحيوان الاضعف

_ او ملوك منتصرون فى عجلاتهم الحربية ويحملون الاقواس

ان الانسان المسحوق وقد دق عنقة او الرووس المقطوعة وانعدام الراس، انها تجسد الموت او ماهو افضع من الموت.

ان محمود صبرى الان بمثابة الممرالذى تسلم عبرة الاجيال وصاياها الثقافية، ولكنة فى الوقت ذاتة انسان يجسد الالم الاجتماعى.

 

" حامل الصليب " فى هذة الوحة يعود محمود صبرى الى تراث اوربى اخريعكس فية ايضا الاضطهاد والقهر. التراث الذى تجسد فى استشهاد المسيح دفاعا عن قضية معينة. هذة الاعمال هى استمرارية للمرحلة الجديدة فى ابداع الفنان محمود صبرى، من الاشكال التاريخية- الاجتماعية الى الاشكال التاريخية التكنلوجية، اى التعبير عن الاضطهاد من زاوية ابراز ادوات القمع، ابراز الجهة المضطهدة( بكسر الهاء).

محمود صبرى حاول ابراز البربرية الجديدة التى تسخر العلم والتكنلوجية ليس للخير والتقدم وانما للشر والدمار.

 

فى وقت اخر ساتناول محمود صبرى كمؤسس النظرية الجديدة فى الفن " واقعية الكم " ومعرضة الاول الذى اقيم فى براغ مابين 26 اكتوبر(تشرين الاول) 1971 وحتى 14 نوفمبر(تشرين الثانى)  1971

ولكنى اود ان اختتم هذة المقالة بكلمات محمود صبرى نفسة بعد سؤالى عن واقعية الكم واهمية مثل هذا الفن:

" التجارب الاخيرة التى اعمل عليها الان على واقعية الكم او ماأسمية المرحلة الثانية  تستند على الافكار التى جاء بها اينشتاين النسبية من ان الزمن متغير وان كل جسيمة فى الطبيعة لها زمنها الخاص بها.

لهذا فان الاتجاة الذى اعمل بة الان هو اعطاء كل كم زمنة الخاص المرتبط بة. وهذة العملية لاازال اشتغل عليها الان.

طبعا السؤال الذى يواجهنا هنا هو ، مافائدة مثل هذا الفن؟ اجيب ببساطة كفائدة الفن الماضى ، العالم العميق الجديد الذرى يحتوى على طاقات هائلة يمكن للانسان اذا استغلها بشكل صحيح ان يغير نمط حياتة على هذا الكوكب. الفن يمكن هنا ان يسهم مع العلم فى تمكين الانسان من فهم هذا العالم الجديد وتسخيرة لحاجاتة ".

 

      كاتب المقال مخرج سينمائى ، مقيم ويعمل فى الدنمارك

bahjat@forum.dk