|

وصلتني
دعوة متأخرة عبر البريد الالكتروني لحضور افتتاح معرض الفنانة
الفرنسية ياسمينه ديباش (
Yasmina
Debeche
) في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ،اغتنمت الفرصة وذهبت
لزيارة المعرض وكان في يومه الأخير !؟ حيث أدركت الفنانة وهي
تستعد لإنزال أعمالها ، وبحكم معرفتي المسبقة بالفنانة فأنها
تركتنني مشكورة أتمتع بمشاهدة عالمها الفني ، تصفحت بشغف كتلوك
المعرض ، وقد كتب على الصفحة الأولى العبارة التالية ( كلما
اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ) للنفري .
هذه الفنانة
القادمة من مدينة سان كتروبي الفرنسية ، والتي اشتهرت بأسم
الفنان بول سينياك (signac
1836-1935
Paul)
أحد ابرز
رواد الفن الانطباعي ، حيث ولد فيها. . وأصبحت مزارا يرتاده
السياح وعشاق الفن . و يبدو أن الفنانة ياسمينه ديباش قد
نهلت من ذلك المنبع ، فوجدت في نفسها رغبة جامحة في تعلم الرسم
والتلوين ، وبإصرار وحب ، دربت نفسها بنفسها لتكتشف مواهبها
لوحدها ، ولكي تسير على منهجية علمية ، تتلمذت على يد الفنان
فيليب ردون (
Philippe Redon
) في باريس عاصمة الفن الأوربي الحديث ، حيث درست عدة سنوات ،
تعلمت فيها الكثير، كما أنها تابعت دروس مهمة في مشغل الفنانة
كريستيان مانجين (
Christian Mangin
) في تقنية اللون والمواد .
تواصلت مسيرتها
في تطور مستمر ، وتنقلت في بلدان كثيرة من العالم بحكم
مرافقتها لزوجها السيد مارك باريتي (
Marc Barety
) سفير جمهورية فرنسا ،
فلم
تفارقها الألوان و أدوات الرسم فضلا عن الهاجس الدائم بالفن ،
لقد أبصرت عن كثب نفائس الفن الشرقي الدفينة في عمق التاريخ
،
فاختزنت في ذاكرتها المفعمة بحب الطبيعة صورا عبرت عنها فيما
بعد في معرضها هذا ، تجلت على شكل نوافذ وأبواب تأخذ طابع
الحلم وأطيافه الملونة الجميلة ، وهي المحور الأساسي
لمواضيعها
في سبع وعشرين لوحة غصت بهم قاعة الجمعية العمانية للفنون
التشكيلية ، وملاحظة مهمة جلبت انتباهي
، أن
أغلب اللوحات قد وضعت عليها العلامة الحمراء ..!!؟ ، دلالة
على حجزها أو بيعها ، و هذا ما يعزز أعجاب الجمهور المتذوق
لأسلوب الفنانة ، الذي يرتكز على الواقعية ويميل إلى التعبيرية
كأسلوب من خلال التقنية كمنجز فني حديث ، ومن هنا جاءت قدرة
هذه الأعمال على نيل رضا وتقدير المتلقي المتذوق والعادي
المتابع .
هكذا قادتني
أعمال الفنانة ديباش للوهلة الأولى ، فهي تنقل لنا عالما
انفعاليا بلغة بصرية ثلاثية الأبعاد تبنى على شكل أطار أو
نافذة ، تتكون عناصرها من خلال ملامس الجدران وأشكال الخطوط
المستقيمة والأفقية في هرمونية واضحة في كثافة الألوان ، توحي
بالكتلة والحجم والحركة ، وكذلك العمق
الذي بين
المساحات من خلال التركيز على الضوء ومساقطه الظلية ، الذي خلق
عالما يجسد واقعية المكان.
تلك التقنية
وفرت لها نمطا تشكيليا متفردا ، ووحدت أعمالها من حيث أمكانية
رصفها ضمن علاقة تجاور عمودي أو أفقي أو الاثنين معا دون
إحساس بخلل أو افتعال وهذا بالتالي أتاح لها إمكانية مطاوعة
الهندسة الخارجية للمكان والتناغم في توزيع الفراغ والمساحات
اللونية في دينامكية إبداعية لا يحكمها التكرار الذي أعتاد
علية بعض الفنانين اليوم .
هكذا برزت
تدريجاً على لوحاتها تلك التأملات الماضية ، شبابيك وأبواب
مليئة بحيوية الزخرفة الإسلامية وهي تحمل عبق التاريخ العماني
، وتجسد العالم الداخلي الحميم للبيوت والقلاع
من خلال نوافذها الخالية من الزجاج ، و الجدران بطلائاتها
الملونة وألوانها الترابية القديمة ، بتجريد مبسط وحيادية
صامتة ، حتى أضحت لوحاتها شبيهة بواجهات ألأبواب والشبابيك
العمانية بنكهتها التراثية الأصيلة .
نوافذ وأبواب
واختزال واضح في المضمون بواقعية تعبيرية ، تعني تقشفا في وحدة
الخطاب ، تحيلنا إلى مدركات جديدة للمعنى الكلي لفهم آخر ،
ولعل سر
الجمال
يكمن هنا في عشق هذه الفنانة ، للبوح عن ذلك اللغز الكامن وراء
الأبواب الموصدة
والشبابيك
المغلقة
و المنتشرة في العديد من لوحاتها ، بحيث تحولت لوحاتها إلى
مدينة مسكونة بالتاريخ والحضارة ، من خلال البيئة الدلالية
العميقة للزخرفة دون اللجوء إلى الإيهام بالأبعاد المخالفة
للمنظور التقليدي للمنظر الطبيعي المبسط الخالي من التعقيد ،
والبعيد عن مجانية التكرار
بأفكارها الإبداعية ، حين استلهمت المورث والتراث الذي يزين
البنايات في الحارات العمانية القديمة وأسواقها التراثية
.

أن ما
يمكن أن تثيره لوحات ياسمينه ديباش ، هو تمكنها على إبراز
الإتلاف اللوني بين التوافق والتضاد ، نتيجة خبرتها وإدراكها
للغة اللون وتأثيراته البصرية على المتلقي ، على اعتبار أن
تذوق العمل الفني ناتج بالمحصلة من ثقافة بصرية حررت الذهن
البشري وعودت العين لتلتقط المثير والجميل ، والتمييز بين ما
هو هامشي فوضوي مرفوض و حسي جمالي جذاب ينسجم مع عناصر تجربتها
البصرية ، ونتائجها المعروضة .. أنها لم تعمل بجاهزية عفوية
أبدا ، بل اشتغلت على سطوح لوحاتها بدراية وتفاعلت معها ،
وحاولت الابتعاد عن عالم التزيين ، إلى التأثير في المحيط
،المكان والأجواء والاستجابة في التلقي ، لا أن تعلق أعمالها
ضمن ديكور المكان ، مثل إيقونة ، بل تؤثر بالمتلقي وتتفاعل مع
عواطفه وتسحبه إلى سحرها الجميل ، لتفكيك مفرداتها وتحليل
محتواها وأسرارها .
لقد اقتربت
ديباش أكثر للمجتمع العماني ، حين قدمت أعمالا واقعية مثل جلسة
سمر لرجال من المنطقة الشرقية يشربون القهوة.. ولوحة مسجد
جعلان بني بوعلي ... تؤكد قدسية المكان : وهي دراسة معمارية
توثيقية للبناء الداخلي للمسجد والمصلى ، من خلال المنظور
الخطي الدراسي للأقواس والأعمدة وفراش أرضية المسجد و تأكيدها
واضح على الضوء والظل ومساقطه ،
وأختزلت الألوان المتضادة الأزرق والأحمر والبرتقالي .. بحيوية
تضافرت من خلالها الأشكال وربطت المنظومة البنائية لتشكل
التكوين العام ، و ليصبح عنصر جذب وعامل إثراء بصري وتعبيري في
العمل الفني .
كما تعاملت
الفنانة في أعمالها التشخيصية ( البورترية ) والطبيعة
الصامتة بحس تعبيري وألوان واقعية أخضعتها للمناخ والبيئة
والحياة ، لذا خرجت لوحاتها بهذا الإطار الحديث المجدد وهذا
الأسلوب المتميز .
د . صبيح كلش
أكاديمي
وفنان تشكيلي
جامعة
السلطان قابوس

|