علي الطائي
هذه الكلمات مهداة الى الاصدقاء فيصل العيبي وصلاح جياد
ومحمد فرادي
ورضا حسن رضا
ومصدق الحبيب واعتقال الطائي وفؤاد ميرزا وكل
جيل السبعينات تحديدا والجيل الذي سبقه والجيل الذي بعده
ممن قاوموا السلطة البعثية الشمولية بألوانهم الجريئة
وتخطيطاتهم الواضحة واحيانا كثيرة بصدورهم وقاماتهم
الشامخة ومواقفهم الرائعة . لكل هؤلاء اهدي شجوني وربما
بعضا من دموع , احاول يائسا وبرباطة جأش ان احبسها كي
لاتتساقط وتفضح كبريائي .
طلبة اكاديمية الفنون الجميلة / اصدقاء الزمن الجميل
كم مضى من ذلك الزمن الجميل وهم في الطريق الى اكاديمية
الفنون الجميلة , باص المصلحة كان يقلهم من اماكن سكناهم
او من الاقسام الداخلية الى الاكاديمية حاملين ذكريات
جميلة وحكايات عذبة , هؤلاء هم طلبة الفنون في السبعينيات
ورثة ذلك الزمن الشامخ جيلا مفعما بالتميز والعطاء والسلوك
الفني الواضح الذي ترك بصمات مهمة في تاريخ الفن التشكيلي
العراقي , كم مضى من ذلك الزمن الجميل حين كان ذلك الصباح
ملونا مشرقا كلوحات طلابه ووجوههم المزدانة بالوهج والتألق
, وفي باحة الاكاديمية وفي صفوف الدرس كان الحلم طائرا
اخضر يحلق في سماء الامنيات وفي دروب العودة ونهاية يوم
دراسي لازال شارع الرشيد حاضرا وتكاد اعمدته تسابق السنين
لتقول من هنا مر الاصدقاء ورائحة الهيل المنبعث من شاي
العم ابو كاظم وشارع المتنبي بكتبه وقرطاسيته تحفر في
حناياها نظرات البحث عن كل جديد ومقهى ام كلثوم يداعب
اقداح الشاي مع اسكيشات ورسوم الطلبة الذين يأخذون زوايا
من المقهى تداعب اقلامهم والوانهم ترميمات اغاني هذه ليلتي
وفكروني وشارع السعدون الذي يرخي اجنحته لذلك المساء
العليل وابو نؤاس وهو يحتضن السمك المشوي وهدأة الليل على
ضفاف دجلة الخير , تلك الاماكن لم تكن صماء بليدة تحمل
اسماءها فقط بل كانت واحة للتلاقي والالفة ومساحة للعطاء
والمحبة , كم مضى من ذلك الزمن الجميل حين كانوا يأتون
حاملين اغاني الصيادين في شط العرب ووجوه بائعات القيمر في
العشار وانشودة المطر وهي تتسلل بهدوء من جيوب السياب ومن
الناصرية وعذوبة اللحن الشجي ومن الجنوب كله والفرات
الاوسط من الحلة مدينة الابداع وعطاء صفي الدين الحلي وطه
باقر واخرين ومن منطقته الغربية بامتداداتها الصحراوية
وسهولها الخلابة ومن الشمال واشجار الجوز وشموخ الجبال ومن
العراق كله كانت الطرق تلتقي في قدرية واحدة تحمل عنوان
الفطرة والموهبة والمقدرة على العطاء والسمو والتجلي , كم
مضى من ذلك الزمن الجميل ياترى وانا هنا بعيدا احتسي فنجان
قهوة في احدى مقاهي البلاد البعيدة امامي كراس الرسم وفي
رأسي المصاب بالصداع دائما هوسا للوحة جديدة وسيل من
ذكريات لايام مضت واصدقاء احاول عبثا اقتفاء اثار اقدامهم
وملامح وجوههم , اقاوم كثيرا وانا محاط بهذا الصقيع ان
انفث دخان سيكارتي عبر النافذة ليتسلل الدخان واليأس خارجا
باحثا عن نافذة اخرى تمنحني قدرا ضئيلا من رائحة النخيل
واصوات اخرى اعرفها كصوت الجداول في بساتين بلادي الرحبة ,
اصدقاء الماضي البعيد انني هنا لازلت احزم حقائبي في
انتظار سفر قادم ومحطة اخرى او ميناء استقر فيها تعيدني
اليكم ونعيد بها ذكريات المدن التي لازالت تقاوم الفناء
والالغاء .
علي الطائي
عضو رابطة التشكيليين العراقيين في اميركا