|
مدار النقد |
|
يتأملها : يوسف البادي *
![]() عند الفجر تتهيأ الألوان ليستيقظ زهوها ، وتخرج مستقبلةً أعيادها مع الشمس .. لتلتقي بالدفء والحصاد الجديد ، وتبدأ أبتسامات الرؤيا وحزن الأحلام واقعها ... ليشرق بعدها فجر جديد . و " فجر جديد " ... لوحة للدكتور الفنان العراقي / صبيح كلش ( أستاذ الفن بجامعة السلطان قابوس ) ، وهي بلا شك ليست المثال الوحيد في جمال لوحاته وروعتها .. لكنها تعطي نموذج يحمل معه مميزات الروح اللونية التي تنفرد بها الكثير من لوحات الدكتور / صبيح ، التي تتوزع حسب رؤيتي الشخصية من ناحية الأستخدام اللوني إلى قسمين : * الأول : يتسم بالحدة والثبات والإهتمام بموضوع اللوحة وأحاديته ، خاصة في أعمال الفنان الأولى . * الثاني : يكون استخدام اللون فيها متحركاً مشرقاً ذا شفــافية ليوجد الحياة اللونية وإستخدامه في الموضوع ، ويشبه هذا الأمر الأسلوب والتوزيع اللــوني النمطي التي تُستخدم في عملية التلوين في السجاد الفارسي ذي الرسوم التجريدية . والفنان في لوحاته لا يتقيد بموضوع اللوحة وحدثها في التلوين ، بحيث لا ينتج عن ذلك ترجمات لونية لمعان باتت معروفه عن دلالات اللون بل يخلق عالماً جديدا من المعاني والإيحائات الفنية . حيث تجذب لوحات الدكتور / صبيح ، المتفرج للون والحدث في آن واحد دون أن يمس ذلك المعنى الداخلي في اللوحة . * * * * و " فجر جديد " .. يمكن إدراجها ضمن التصنيف الثاني ، والذي كانت عليه أكثر لوحات الفنان ، والتي كثيرا ما تهتم بجمالية وأشراق اللون ورونقه . هذا العمل الجميل بخلفيته الرمادية ، أستطاع الفنان فيه المزاوجة بين أمري الظهور والإختفاء اللذين هما من واقعية شكل الفجر ووجوده ، وكان لإستخدام الشفافية اللونية هدف إيجابي خدم في توظيفه الإظهار الزماني لوقت الفجر وروحانيته في آن واحد ، وكانت المربعات والتي تظهر في أعلى اللوحة قد قام الفنان بتوظيفها بإسلوبين : * الأول : للإظهار الجمالي على شكل زخرفة وإيقاع لوني جميل ، وميزة تجميل اللوحة بالألوان لم تكن حاضرة هذه اللوحة فقط .. بل أنها ميزة تحملها جل لوحات الفنان ، حتى عندما يكون حدث اللوحة حزيناً ومضطرباً فإن هذا التززين اللوني لا يخلو منها ، ومن ذلك لوحة ( الغدر ) .
* الثاني : زماني وهو الأهم وقت الغبش ، عندما أدرك الفنان مرحلة طلوع الفجر أو وقت ذهابه ، فقام بتوزيع الألوان بين الأزرق والرمادي بدرجاتهما بالإضافة إلى مربع برتقالي وحيد وهذا كله يمثل تلاشي الليل ليأذن بطلوع الفجر . وفي الجانب الآخر وفي مكان وجود ( الديك ) أشتغل الفنان بالشفافية اللونية مرة أخرى ليوازن بوجودها الجانب الأخر الأيسر من فضاء اللوحة المشبع بالضباب. وعندما ينشغل المتلقي في سماء منظر اللوحة بتجريديته الجميلة ، يدرك تماما المعنى الذي كان تقسيمه هنا الى مربعات ذات دلالة زمانية ، أستخدم الفنان هذه المرة الحروفيات والكتابة بأستهلالات أسلامية لتعطي أنطباعاً بإسلامية المكان ، وأن أحرف مرتلي القرآن الكريم مازالت قائمة وهي لا تموت حتى بعد طلوع الفجر .. وقد أستخدم للوصول لهذا المعنى أسلوب شفافية اللون في الخط ومع خلفية السماء لإظهار ذلك ، ووزع لون الكتابة بين درجات الرمادي وصولاً للون الأبيض . غير أن الظهور الواضح لـ ( البسملة ) في الكتابة يعطي أنطباعاً آخر يعكس بدء الحياة في القرية والنهوظ للعمل والبدء ببسم الله الرحمن الرحيم . ثمة أمر جميل كان في أختيار الدكتور / صبيح كلش لنوعية الخط ، فهو أختار الخط الفارسي للكتابة . وقد وفق في ذلك كثيراً ، حيث أن هذا النوع يتسم بالرقة والوداعة واللين .. وهذا كله يتماشا وطلوع الفجر بكل ما يحويه من جماليات روحية وشاعرية رقيقة . كما أن هذا الأختيار ساعد في تخفيف الحدة في المربعات المكونة لشكل السماء . و ساعد أيضاً في الوحدة والربط بين شكل السماء والمربعات المكونة لشكل الحائط الذي يحوي في مربعاته على رسومات بدائية متنوعة . * * * * الموضوع الذي يسيطر على مساحة غير قليلة في اللوحة ، تم ملئه هنا بأسلوب وشكل مدروس بدأ بالتواصل مع المربعات التي كونت السماء وأنتهاء بالتدرج من ضبابية اللون وشفافيته الى شكله الصريح الذي أنتهى بالأزرق . لا يتضح في مكان وجود الديك ووقوفه فوق ( البيت ) مجتمعاً مع شكل السماء أي فواصل واضحة وحادة ، فتواصل اللون الأزرق مع جدار البيت يعطي شعوراً بالإلتصاق الفطري بين البيوت الطينية القروية وبين الطبيعة التي حولها ، وكأسلوب لوني يُغيب الحدود والخطوط المزعجة بين الأشياء والموجودات في اللوحة ، وهذا يتماشى كثيراً وطبيعة الفجر التي تتسلل برقة بين الأشياء لتبدو كأنها واحدة . يبدو أن حائط البيت الذي أمامنا سيذهب أبعد من ذلك ، من كونه مفردة لأسم ( بيت ) .. فتكوين هذا الحائط يبتعد عن ذلك ويكتسب صبغة الأنتشار الأوسع ليكون البيوت بمفهوما المادي كبيت له جدار وما يلزم لتكوينه ، ثم يتحول إلى البيت المعنوي الأكثر إتساعاً للقرية بكل ما فيها من أحاديث وصمت وإلتقاء وعمل وغيره من شؤون الحياة ، وكل ذلك يجمله تنظيم وتنسيق يجمعه الفنان في تجميعه للآشكال المربعة المكونه لهذا البيت المتسع . * * * * ثم يبدأ الباب الأزرق في اللون بكل إتساعاته ليكون مصدراً للرزق الذي ينتشر من أجله الناس ، والأزرق والذي يمثل للقرويين اللون الأهم في حياتهم وهو لون الماء ، الذي يكون مصدراً في ري المزروعات والبساتين التي تكون مصدر دخلهم الأول ، كما أنه اللون الذي يؤمنون به كطارد للأرواح الشريرة وواقياً من الحسد سواء للأشخاص أو ما هو حولهم من أشياء حياتية كالرزق الذي يأتيهم من حيث لا يعلمون . * * * * ترك الدكتور / صبيح كلش ، فراغات جميلة كان لها خصوصية بصرية تتفاعل مع أكتمال اللوحة ، بحيث أنها تظهر الأشياء أكثر وتقوي وجودها ، وذلك بدلاً من الأستخدام الكثيف لإظهار المواضيع والمستخدمات في العمل . كما أن التوازن اللوني أعطى تناظراً وموازنة جميلة أستحقت أن تكون عنصراً مميزا في اللوحة . ولأن الدكتور / صبيح ، كانت فرشاته قد أسرت اللون في محطات الجمال ، وأعطت للتكوين فسحة للأنتشار الواسع في جداول اللوحة .. ولأنه يعرف أن الفجر أجمل الأوقات .. فأنه قد أسرنا في جميلة فرشاته ليذهب بنا دوماً ونظل بصحبته مع " فجر جديد " .
* كاتب وفنان تشكيلي عماني alsafnat@hotmail.com
|