مدار النقد

خالد خضير الصالحي

Khkh1956@yahoo.com

 

كتب المحرر الثقافي لكاليري   (De Twee Pauwen)  في هولندا عن المعرض التشكيلي الرابع للرسامة المغتربة عفيفة لعيبي الذي أفتتح  يوم السبت المصادف 18 شباط : :"ظهرت تجربة عفيفة لعيبي  Afifa Aleiby  من التيارات اللا أدرية الإنسانية التي عاشت في العراق آلاف السنوات، وهي نفس التيار الذي جعل ارض ما بين نهري الفرات ودجلة، مهد الحضارة المتعددة. لكنّه كرس نفس الإحساس بالحريّة الذي جعل عفيفة لعيبي  تهرب من بلادها بعد أن أنهت دراستها الأكاديمية في بغداد في عامها الثاني والعشرين، لتذهب للدراسة في معهد Surikov في موسكو حيث درست مع Ivan Loubennikov، من بين آخرين. كانت السنوات ألثمان التي قضتها في موسكو ثم تلك التي  تلتها في فلورنسا و عدّة سنوات قصيرة أخرى امتهنت التعليم فيها في اليمن ، بينما تعيش عفيفة لعيبي  الآن في هولندا.

 كان عملها مغرقا بالعقلية التي أفرزتها حياتها، ووعيها الذاتي كامرأة، مارست كفاحا، لتحقيق  أحلامها وإيمانها الثابت بمستقبل أفضل مستعيرة  نماذج من البورتريهات التذكارية النسائية. بالإضافة إلى الجذور العربية الواضحة للأسلوب، انه أمر ساحر أن  ترى أعمال عفيفة لعيبي متأثّرة بإقامتها في روسيا وإيطاليا وهولندا. وبشكل مميّز في المجموعة الجديدة ، إن الحقيقة التي تؤكدها تلك الأعمال: أنّ عيون الشخوص التي صورتها تتجّه نظرتها إلى الخارج، بينما كانت تغمض عيونها في المعارض السابقة، يبدو المسعى الداخلي واضحا، بان العالم يمكن أن يواجه بالبصيرة المجدّدة"، وكانت تلك تشخيصات صائبة لتجربة الرسامة عفيفة لعيبي، وهو الأمر ذاته الذي سبق لنا أن شخصناه كبعد سيكولوجي لنظرة شخوصها حينما كتبنا إن "اللقطة عند فيصل لعيبي لقطة مفتوحة يمكن أن تتسع إلى عناصر مكملة قام الرسام بحذفها باعتبارها نمطاً من ( المحذوف ) أو ربما ( المسكوت عنه) ! ؛بينما هي عند عفيفة لعيبي لقطة مغلقة تكرس بعدها الإنساني بقوة , لقطة مقربة تخلق , كما يعرف السينمائيون , جواً من المشاركة الإنسانية والوجدانية بين المتلقي والبطل المعزل في محنته الأبدية , في فراغ غير مؤسس من الناحية المكانية , فلا حوادث تجري لكي يضمها ذلك المكان , إنها لقطة بلا تاريخ لأنها , بلا حوادث وشهود , كما ولا فعل ولا بطولات , فقد هجر الجميع ذلك الكائن المعزول في مكان ضيق هو أبعاد اللوحة ذاتها , ليعاني الوحدة , والوحشة , والكآبة المستديمة , إنها الأنثى التي مازالت الرسامة عفيفة لعيبي تعيد رسمها في كل مرة بشكل (آخر) , امرأة وحيدة معزولة , هي الأنثى الكامنة في داخل الرسامة ذاتها : شفيفة , ووديعة , ومكتنـزة وبضة دائماً , تطل  كل مرة علينا رغم أنها تشيح بوجهها , ربما مكابرة , أو ربما لسبب آخر غامض , إنها مغمضة العينين دائماً"   

لم تكن الرسامة عفيفة لعيبي لتعير، طوال تجربتها الماضية، أي جهد لإجراء تغييرات في قوانين التشريح، والمنظور الكلاسيكية إلا نادرا، تلك القوانين التي كرس أخوها الرسام فيصل لعيبي جهده لها من خلال ما اقترحه من تحويرات واعية وجريئة كان يجريها على أشكال شخوصه، وكذلك كان يغير بها قوانين المنظور التي يعالج بها مشخصاته الأخرى ويعالج بها الفضاء ووجهة نظر المتلقي تجاه كل جزء من أجزاء اللوحة، بينما لم تكن عفيفة لعيبي لتعير كل ذلك أدنى اهتمام، فهي ببساطة كرست جهدها، متتبعة خطى رمبراند، في سبر أغوار شخوصها مع استراتيجية تقليلية لا تبقي إلا القليل من عناصر اللوحة التي تحيط بالشاخص الرئيسي، ولهذا كان الظلام الأسود حلا تقنيا يلف أجواء اللقطة فيفرض منطقه ألتقليلي، فتبدو نساؤها وهن يغرقن في عالم موحل من الظلام والمياه الضحلة.

لكن ما الجديد في معرض عفيفة لعيبي هذا؟

هنالك برأينا تغييران أساسيان هما: نظرة الشاخص المتجهة إلى الخارج (=نحو المتلقي) والتي تعني، محاولة لردم الهوة مع الخارج(=خارج اللوحة وخارج النفس)والتي قد تكون تعبيرا سيكولوجيا لبداية مرحلة جديدة من (التصالح) مع العالم الخارجي من قبل هذا الشاخص (امرأة غالبا)، وهو يحتل صدارة المشهد وربما هو محاولة من الرسامة ذاتها للتصالح مع الواقع. وكان الأمر الآخر المهم هو انحسار الظلام من اللقطة واكتساح الضوء لها مما كشف عن الموجودات التي ظلت، طوال المدة الماضية، خبيئة، فبدأت بالظهور في المشهد الخلفي للقطة مدنا كانت غارقة في ظلام أطلنطي قبل ذاك، فظهرت معالمها الآن، وهو ما فرض علاقات جديدة بين موجودات اللوحة، علاقات ذات طابع نفسي وشكلي معا فبدأت اللقطة تأخذ طابع المكان المؤسس وفق ذات الأسس التي تحكم اللقطة الفوتوغرافية ذاتها.

انه، باختصار، معرض يسير بذات البطء الذي تسير به تحولات منجز عفيفة لعيبي ولكنه يفتح نافذتين: واحدة مع المتلقي، وأخرى مع الضوء وتفاصيل اللقطة التي كانت خبيئة في خطوطها الخلفية في المعارض السابقة.

 نشر في المنارة العدد 275 في 18 شباط 2006