مدار النقد

عناصر المغامرة الابداعية وتوظيف الحرف في بناء الخطاب التشكيلي

اعمال اياد الحسيني 1-2

عادل كامل / بغداد

 
1- يشترك الزمن ، كمسافة بين مسافتين ، في تحديد النص : داخله ومحيطه ؛ ما يكتمه وما يبثه ، عاداته وانبثاقاته ، زواله وشفراته الانتقالية ، باختصار : لايتكون النص خارج آليات الحد الفاصل بين وعينا له ، وبين كل الذي يمكث ـ فيه ـ قيد الانجاز . فثمة لا مرئيات مترابطة تبقي تعمل عمل الشفرات مكونة بنية النص وثوابته ومنطقه في نهاية المطاف . فالماضي لا يستعاد ، ولا يسترجع ، إلا بتدخل عمل مخيال محكوم بمكوناته . فالصيرورة ـ وكل حركة داخل المجموع المتحرك ـ لن تعرّف بالتحري بتفحص عوامل تكونها ، وهي لهذا تبقي تحمل استحالة وضعها بين قوسين ..أو إنهاء التعريف بنقطة. 
2- ومأزق التشكيل العربي ، قد يرجعنا الي أول تحد ٍ ، لنقل أول تصادم وقع بين منهجين وفلسفتين ، الي حملة نابليون ، ومن ثم ، لأتساع الإمبراطورية البريطانية ـ وتحديدا ً بعد ان ثبتت خارطتها [ الجغرافية ـ السياسية ف بعد الحرب العالمية الأولي ، ثم ، أخيرا ً ، امتداد عمل العولمة ـ الأمركة ـ نحو مساحة غير محددة . هذا المأزق جعل الذات تصطدم ـ بما هي عليه ـ في مرآة الغرب . هذه الإشارة ، تصح ان تكون مدخلا ً لدراسة التشكيل العربي ، وهو يمكن ان يكون عديم الفعالية . فالمخيال لا يتحقق مداه خارج ذاكرته . فالمرجعيات تبقي عاملة مع المحفزات ـ وتوينبي يطلق عليها بالتحدي والاستجابة ـ لأنها ستبقي مضمرّة بما لا تعلنه : الزمن الذي بين زمنين . بيد ان المعلن ، في التشكيل العربي ـ برغم قفزات الحرمان ـ وجعلها رمزيا ً ، منطقا ً مضادا ً للتابوات ، وسياقا ً اندماجيا ً لأعراف قيد البناء ، يدفع بالزمن الآخر ، الي ما وراء الحواس ، والمرئيات . إننا لا نعرف جيدا ً ما إذا كانت تحديات المنهج النقدي / وما بعده ـ وشاكر حسن أل سعيد ظاهرة عملت عليها كثيرا ً ـ قد حتمت ، أم عمقت ، ولع الذات العربية بالمؤجل ، أم إنها ، لأسبابها الموضوعية ، لا تمتلك إلا ان تغادر المتحرك ، بحثا ً عن مثالها ؟ وأيا ً كان القول ، فإن حداثة التشكيل العربي ، هي حداثة مأزق ، وإرباكات ، وعراك ، بين عادات راسخة وعادات بصرية قيد التشّكل . فالذات ـ الهوية بالتعريف المعاصر ـ تحتمي بدفاعات تجعل من محاكاة الآخر ، امتدادا ً لماضيها . فالذات العربية مازالت تتحرك فوق أرضية تحافظ علي أهدافها البكر : ان التعبير ليس هو الغاية . انها لا تجد رضاها بالاستهلاكي ، الزائل ، مع انها لا تغادر منطق الاندثار المنبثق . فالتكرار ليس وظيفة آلية ، تصنيعية ، بل هو تمسك بما وراء المرئي ، والمتحرك . ولا يصعب ان نجد إثباتات دفعت بكبار علماء أوربا في الفنون والآداب ، من التمسك بالروحي ، وغير المبتذل ، بالتجربة العربية . مثال غوته وبوشكن في الشعر .. ومثال ديلاكروا وبول كلي وكاندنسكي في الرسم ، وهنري مور وجايكوميتي في النحت ..أمثلة دالة علي ان الزمن المؤجل ، في الدرس ، لا يغادر الزمن الزائل . فنحن نعجب بالتصميم وببناء النص الهندسي ، المختزل ،الرمزي ، بما يمثله من تصورات تعويضية ، ولكن ، بما يجعل عجز الإدراك ـ الفسلفي ـ إدراكا ً تاما ً .

3- اياد الحسيني ، منذ البدء ، أشتغل بالبصري . بمعني راح يحفر فوق السطح ، إيماءات الثابت . كان مشروعه في الخط العربي تمجيدا ً لا شعوريا ً ، ضمن عادات جمعية وفردية ، للحرف ومكانته الشفاهية والتدوينية . فالكلام هبط من اللامحدود كي يأخذ حده ، وشكله . فهو انتقالة ، من المتحرك الي اللاحافات أو الروحي . انها ليست مثالية كانتية ( نسبة للفيلسوف كانت أو كانط ) ، كي نعيد معني الشيء في ذاته .. ولكنها نتيجة عوامل تحافظ علي انساق المعني . بيد ان اياد الحسيني ، ليس بعيدا ً عن التصميم ، أي ، ليس بعيدا عن تخيل المشهد مصمما ً ، وبالضرورة ، فهو ينتظر إعادة التصميم . ومع البناء ، يتدخل المرئي ، ويتدخل اللون وعناصر الرسم الأخري ، كسطوح ، مظاهر يتقمصها اللانهائي . لكن من ذا يمتلك قدرة فك ـ وعزل ـ تداخل مكونات النص ، كي يأتي المعمار ، والبناء الديني والقبر والبيت والزقاق ، مثلا ً ، في مشهد لا يغادر مفهوم الإيقونة ( أقدم مناطق التأمل ) : رؤية العالم من عين اللامحدود ، في جعل الخطاب مكانيا ً ، حيث الزمن يحجز داخله ، لكنه يشغلنا بما هو مؤجل : باللامحدود أبدا ً . ان تجربة الفنان اياد الحسيني ، في مأزق التشكيل العربي ، لا تضبط بدافع أخير . فالتجربة تتناص فيها مكوناتها المخفية ( حروف / معمار / بيئة / ومقاربات صوتية .. الخ ) ومحفزاتها ( دلالات المرسل / المعني / وحداثات أوربية معاصرة ) وضوابطها في صهر ، وتوليف ، وتداخل ، عناصر المشهد التركيبي للذات ـ كوثيقة كونتها عوامل التصادم ، والانبثاق .فالنص ـ في مراحله الفنية المتعددة ـ لا يخشي الثبات عند حد ٍ . فالمؤجل يحرك الذاكرة كي تمتد ، لا ان ترتد . فالباحث لا يحفر في قبر ( النص ـ الوثيقة ) مدفنا ً للنسيان . انه يجعل خلايا المعني ـ الزمن المندثر ـ يستكمل بثها . مرة أخري ، تصح تجربة د. اياد الحسيني الشائكة في وضوحها المعلن ، بين الحرفة والتمرد ، بين التصميم والهدم ، بين معني الإرسال والآخر المجهول ، تمتلك معادلها الموضوعي ( إشارة لموضوع الشاعر الانكليزي اليوت ) ، وتوازنها . فالتجربة مكثت بنائية ، كما في تجارب أقدم المعابد في العراق القديم . فالنص العراقي ، المنتُج ، يشيّد بتعدد الخامات ، وتنوعها ، كما يحافظ علي مغزي الأصوات ، داخل صمت النص : الحروف .. الحجارة .. وتدفق الألوان والخطوط .. الخ فهو استذكار ، كما للمعبد والقبر أيضا ً ـ انه النص الذي يتكرر بدءا ً بأول طقس إجلالي للذات الراحلة : الميت وبجواره زاده وفخارياته ووروده وقد رقد للاستيقاظ ـ وانتهاء ً بنبض لا يصرح إلا تجريدا ً بنبضات الباث . فثمة تكرار لا يحصل إلا فوق ارض انبثقت من الماء ، في الأسفل ، والفضاءات ، في الأعلي : نص تكعيبي تمت مشاهدته بأزمنة متباعدة ، وبكتمانات تحافظ علي مجسات الهمس . ألسنا هنا أمام أصوات استحالت الي أشكال ، أكثر مما نحن إزاء العكس ؟ حيث التحديث ينتمي الي الماضي ، لكن ،الماضي مستمرٌ . . كي تشتغل صيغة التوازن بما هو مستحيل ( عجز ) وقد كتم الذي هو قيد الإعلان. انه انتماء لسياق لا يتوقف عند المباشر : المرئي والزائل ـ بل يثب منه / وفيه ـ للروحي ، إن كان مضمرا ً ، أو رتب الي علامات ورموز . فالمخفي غدا في الخارج ( خارج الفعل ـ النص ) والمشاهد ، هو الآخر غدا يمتد ولا يُقيد ، بين زمنين : زمان الشروع بالفن .. وزمان استحالة التوقف .. وهذا الزمن الذي هو بين زمنين ، لا يتقيد بإعادة تأمل أدق أجزاء مكونات الخطاب ، وجمالياته ، وما لم يقله ، بالدرجة الأولي ، ولكن ليس كقفل يدور في الباب ، وإنما كصيرورة تبقي عاملة بخارجها ( ظاهرها ) وبما يستحيل تحديد نهاية لها . 

 
قيود وانبثاق 

 
قيّد اياد الحسيني ، تجربته ، بقيود صارمة : ففكرة ( الجديد ) ـ كي تفهم بصفتها لا تتقاطع مع الأبدي ـ لا تغادر مفهوم التواصل ـ الامتداد ، النمو ، التعاقب ـ ولكن باستيعاب دروس القطيعة . فكل ما سينتمي الي الجديد ، إن لم يحافظ علي ذاكرته ، فإنه لن يكف ان يكون في مواجهة تأويلات متكررة . فلم يستعر ـ في عمليات التركيب ـ إلا المفهوم العام للتطور ، وذلك لمنح آليات الخفاء ـ وعمل الشفرات ـ بوثبات تقاوم مفاهيم : الأفول الأوربي . فالدحض الذي شكل المحتوي النقدي للفلسفة الغربية ، ميز عصر التصنيع وصولا ً الي العولمة ـ كسياق يهدف لصياغة ( حاضر ) لا يتأسس علي ماضيه ، إلا وقد انهي خرافات المحرم ، والثابت الأبدي . بيد ان فهم الجديد ـ بمقابل الأبدي ـ يتطلب مناورة ، وهي ، غالبا ً ، لن تحقق سياقها الواقعي ، إلا من الداخل . فالتركيب الذي سيشغل مساحة كبيرة من أعمال الحسيني ، تضمن وحدة مؤثرات الحواس وعملها بالمركز : فالنص يتطلب اقناعا ً ، قبل ان يمتلك بنيته المعلنة والمخفية ـ وسيلة يصعب عزلها عن غاياتها . فالفنان لن يجد في التقنية المفكِرة إلا سبيلا ً لتقنية تحلم ، مثلما سيحصل عليه الرمزي في امتلاك أرضيته ، وأكثر قدرة علي صياغة العمليات البنائية . إن التقويض بالمعني الغربي ، كدحض الميتافيزيقيا علي صعيد الفلسفة ، بل والتأمل في مكونات الانبثاق . إن هذا الجديد ، في نصوص النحت المعماري ـ وتداخل الفنون بعد ان تداخلت ـ يتوقف عند موروث ( الشاخص ) : العلامة الأكثر صلة ـ وتوسطا ً ـ بين المخفي والفضاء . فالعلامة لم تعد إلا مفارقة في وجودها الصلب ، وهو الذي جعله ، كما تفعل ضربات الزمن ، يترك أثارا فيها . انه / كقانون ، يجعلنا نتذكر : ان الساكن يبقي ساكنا ً ما لم يتعرض للحركة ( وهو افتراض يدحض الثبات ) وهو الذي دفعه ليتوقف عند العامل الجديد : الاختراق والهدم معا . فالكتلة النحتية المتقنة ، بما تمتلكه من فخامة ، لا تصبح علامة دالة إلا شاهدا لهذا الفعل . لم يبلغ اياد الحسيني هذه الحتمية ، خلال سنوات العمل الصبور في إتقان ما تفعله الآلة ، ؛ سنوات تدريب اليد ، بعد توجيه ( الدماغ ) بعمل تعمله الطبيعة ـ الموت والانبثاق ـ إلا بعد ان بلغت القاعدة نهاياتها ،كما ان سنوات عمله في التصميم ، وفي الدراسات النظرية ( التاريخية والتنظيرية معا ) لم تفض إلا الي سؤال : ما الذي يمكن تركه حيا ، أمام الاستعارات والأقنعة والاستبدالات ، بعد ان بلغت تدريباته ذروتها : ما الذي يجعل العلامة تمتلك إرسالها بعد ان بلغت تكاملها ؟ لم تأت الإجابة إلا بتقويض السؤال : ترك انثلامات ، وكسور ،وحفر ، وخدوش .. الخ تعلن ان الزمن ليس وهما تكونه حتمياته ، بل ، ثمة الزمن الآخر : زمن الصدمة . لقد اخذ اياد الحسيني التجارب السابقة بالحسبان، ومنها تجارب الخطاطين والنحاتين والرسامين ، كي يوحد ، في مشروعه ، مجموع العوامل ، وهو يبني نموذجه الفني . فالجديد ، لا يتوخي الإمتاع ، أو التطهر ، بل العكس : انه مغاير لشروط القواعد . فالأثر سيغدو مركزا ً ، وقد تحولت العناصر الأخري الي عوامل مكونة ، ومساعدة ، تجعل علامات الصدمة وقد حملت شفرات النص ، وما يريد البوح به . وما دمنا لا نمتلك صلاحية تحديد معني الفن ، خارج التعريفات المدوّنة ، كمجموع علامات مشفرة ، الي موقف الكائن تحديدا ً ، وهو يعيد صياغة وجوده . فالجديد الذي انبثق ـ من داخل النص تارة وبفعل الخارج تارة أخري ـ يكمل اندماج اللانهائي ـ الزمن ـ بالتاريخي ، حيث الفن يغادر معناه بعد ان أومض بما سمُح له من إضاءة .  
 
الحرفة:ما بين البذخ والتجريب 

 
منذ وقت مبكر ، ولسنوات غير قصيرة ، انشغل اياد الحسيني بضبط أصول فن الخط العربي، وأنظمته ،وجمالياته ، حتي كاد ، في هذا الحقل البصري ـ المعرفي ـ ان ينغلق . فبعد ان حصل علي شهادتي تفوق في الخط العربي ؛( الأولي بتوقيع الخطاط التركي حامد الامدي 1976 ، والثانية بتوقيع الخطاط المصري سيد إبراهيم 1979 ) وجد في التصميم مساحة للحركة لم يجدها ، تامة ، في آليات عمل الخط وحرفياته . لقد بدأ يراقب تسلل آثار التحديث ، وآثار الحداثات المتعددة ، في الفنون التشكيلية السائدة . ولكن أي قرار سيتخذه ، وهو مشغول بأسئلة التحولات ؟ لقد دخلت تقنيات مغايرة لـ (تقاليد) عمل الخطاط ، أمام رهان قاس ٍ: ايهما يمتلك قدرة الديمومة ؛ موروثات راسخة حتي التزمت ، أم حداثات مربكة لم تتبلور سماتها وإنباتاتها بعد ؟ إن اختيار الفنان لم يتحدد بمصير لا يغادر انشغالات فنان تتفتح أمامه سبل التجريب ، وتعددية الاختيارات . فتجارب التحديث مازالت تتأرجح بين مناورة التحوير وأقنعة الأشكال والتوليف ، فيما كان التيار [ ألحروفي ف منذ أربعينات القرن الماضي ، قد فرض مصالحات ومتجاورات مع التشكيل . ثمة جهود لجميل حمودي وشاكر حسن ـ وهما لا ينحدران عن أصول تقليدية لفنون الخط العربي ـ لا تعد إلا هدما ً ، تقويضا ً ، ونفيا ً للقواعد الراسخة ( إنهما متطرفان إزاء الأصولية الفنية ذات التاريخ العريق ) وفي الوقت ذاته ، تعد تجاربهما بمثابة إعلان عن توازن بين الذاكرة ومغامرات الخطاب الحداثوي . وسيكون من الصعب الحكم علي نتائج هذه الجهود التصالحية ، التي وجد اياد نفسه أمامها ، وعلي نحو مغاير لها ، حيث كانت موضوعات أخري لا تثير إلا الرضا ، ولا علاقة لها بالمشاريع النقدية ، كالواقعية وموضوعات البذخ الجمالي وترف النص التصميمي علي سبيل المثال .

ففي معرضه ( قاعة الرواق ـ 1986 ) قدم تجربة لم يتخل فيها عن مهاراته الخاضعة لتدخل عناصر رؤية الوجود مصمما ً . انه سيغادر مفهوم التطور التدريجي ، كما سيغادر أحادية عمله كخطاط متمرس .. فلم يكتف بجعل التقنية تؤدي وظائفها الجدلية بحدود المهارات ، إنما انحاز لضرب من الجمالية لا يعلن فيه عن إشكالية إضافية إلا بحذر . بيد ان هذا التقديم للحرفة ـ وحتي للمزاوجة بين الخط والتصميم المجاور لفنون الرسم والكرافيك ـ جاء في وقت لم تعد فيه الحرفة إلا تهمة ! مع حقيقة الازدهار المشكوك فيه لتيارات التمرد الحداثوي ، وهي ترجع الي تجارب ما بعد هزيمة حزيران 1967 ( هزيمة عادات وأنظمة بلغت ذروتها كي تثبت بالمشاهدة استحالة احتفاظها بإشكالها الي الأبد ! ) . فكان معرضه بمثابة إعلان عن مهارة تتمسك بأعراف راسخة ، من ناحية ، وعن تمسك بمعالجات فنية وجدت في بذخ المشهد الجمالي للتصميم ذريعة لها ، من ناحية ثانية . في هذه المزاوجة ـ لا الازدواج ـ بين كلاسيكية الخطاط العربي وموروثاته وعاداته ، ومفاهيم فن التصميم الطباعي الحديث ـ فن الماكنة وهو في طور التجريب والإنبات علي أرضية أثبتت الأحداث أنها ليست مناسبة لا علي صعيد التلقي ولا علي صعيد الأفكار ـ مفارقة دفعت بالفنان لتحمل صدمات ( التحديث ) المتكررة ، ولكن المتصلة . ومع ان المغامرة التشكيلية العراقية ، منذ الثمانينات ؛ منذ ظهور نزعة التولع بالأشكال المهجرة والمخلوعة والمستعارة ، وإعادة ترسيخ عادات وتقاليد ( الأوربي ) المتفوق ـ وصاحب إرادة الهيمنة والامتداد بذريعة التفوق هذا ـ في الأساليب الأكثر صلة بمنطلقات الحداثة ونزعاتها المتباينة بين العدمية والبراغماتية الجديدة ، فان الفنان وجد في المصالحة ـ كما فعل قبله جيل الخمسينات ـ حلا ً مناسبا ً ، إن لم يكن مقبولا ً .  
فواصل الفنان فحص موروثاته ، وضبط تقنياته ، في بناء تجارب كانت قد حسبت لصالح النص الحروفي ـ الذي لا يكف يذكرنا بالمخطوطات في صفحاتها الأول ـ وتقاطعه ، غير المباشر ، مع تيارات الحداثة ، إلا في حدود الموازنة والمصالحة ، بعيدا ً عن تقنيات التلصيق . فالتوازن لا يهمل قصديه التراجع والولاء للمرجع ، كما لم يعلن عن مشروع يجاور التيارات الراديكالية في إقصاء المعني ، بعد سلاسل دفن الإله والفن والفلسفة والإنسان ، منذ نيتشة حتي فوكو ودريدا . كانت نصوصه متقنة ، ومهاراته أضفت للتكنيك جمالية ، هي الأخري ، مكثت لا تعلن عن حل أخير . فالمركز لا يتأسس فوق الأرض ، مع انه ليس معلقا ً الي الأعلي . ان استثماراته التدريبية ومعالجاته لمفاهيم التصميم الحديث ، ستسمح له بإعادة تحليل الرقع ( النصوص ) القديمة ، مواكبة لذائقة لم يكن الفن فيها ، عامة ، إلا مشهدا رمزيا ً قابعا ً في الخلف . كانت المتغيرات في الوجود السياسي تعمل عملها ، كي يمكث الفن ـ ومعظم السطوح والمعالجات الفوقية ـ تابعا ً لبرمجيات وآليات التحول . واليوم ، بعد ربع قرن ، يمكن رصد المزاوجة بصفتها ازدواجية ، ولكنها ستبقي علامة لم يتوقف الجـــــــــهد النقدي عندها طويلا ً .  
ما الحرفة ؟ لقد حدد اياد الحسيني ، انها تطويع العناصر ، وفي الوقت نفسه ، التمرد عليها . كانت حرفته ( تفكر ) داخل النص التركيبي ، المكوّن من موروثات الخطاط ، وأشكال الرسم الحديث ، كي تتداخل ، وكي تثبت شرعيتها . ولم تلتفت الدراسات النظرية للتصادم الداخلي الذي أثمر مغامرة مازالت نهايتها مفتوحة ، بل توقفت عند المهارة وقد دمجت عناصرها المختلفة بالبعد الجمالي للإخراج ولذائذه . كان اياد قد اكتشف ان التقنية ( في مسار تقدم الوعي بالحرفة ) تفكر ، ولا تحلم . وكان عليه ، من اجل ان يكمل مغامرته ، ان يستكمل دراسته لفنون التصميم ، كي يكتشف ان الفن ، ليس محض عادات حرفية إلا بوضع عادات قد تتقاطع مع ـ الذاكرة ـ أو ، كما سيعمل ، بجعلها تعمل بعمل المخيال  
. إن الحرفة ، في نصوصه ، لم تبلغ ذروتها إلا بعد ان وجد إنها لا تقول ما تريد ـ ولا ما يريد ـ الفنان أيضا ً . إننا نتذكر هنا تجارب أخري بدأها فائق حسن بالتجريد ، ثم تخلي عنه ، كما واصل وليد شيت العمل بمنهجين متقاطعين تماما ، لا يوحدهما إلا الانشغال الجمالي .. وكان شاكر حسن قد ذهب بعيدا ً في استلهام فعل الزمن في الجدران مواكبة لحداثات تحدق في تدحرج إنسانها نحو المجهول .. ومحمد مهر الدين مكث ينوع نموذجه التصميمي للنص التشكيلي . لقد بلغت الحرفة صمتها ، عند الجميع ، وكان علي كل منهم ان يجد حلا لا ينخلع فيه ، مع موجة الانخلاع والقطيعة والفصام مع الواقع الاجتماعي ، ومع التراكمات في عملها غير المشكوك في نتائجه .. فكان النص الفني ، هو الآخر ، لا يعكس الخداع الخارجي للسطوح فحسب ، بل لا يمتلك قدرة التوغل أكثر مما فعل . وهنا تتجلي محنة الانغلاق داخل الأحادية ، أو الكف عن تفكيك آليات المنجز السائد ، في حدود وقائع لا تسمح إلا للموت أو الترقب ، أو العمل بثقة تتطلب مغامرة لا رهان عليها .  
 

التركيب : تجانس الخطاب / الزولات والانبثاق

بين صيغة الختم ونظامه ، في فجر الحضارة العراقية ، وبين المعمار الديني القديم – والمتعاقب – لا توجد الضرورة عمليات صياغة النص فحسب ، بل ولغزه . لقد اكتشف – وبعد ذلك راح يبني – حدود الوحدة بين المركز والمحيط ، فاعمال ( المعرض الرابع 1994 مركز الفنون / بغداد ) تأتي في سياق بناء النص التركيبي . بيد ان ما جمعه ، من اجناس ، في النصوص المعمارية ، لم يخص مخيال اياد الحسيني وكده الصبور الا بصفته حلا تجاوز المصالحة بين فنون الشرق – والحداثة الغربية ، ان لم يكن ، في المعنى الابعاد ، نقيضها . في المجال الاول : ركب الفنان ما تعلمه من خلاصات : ما تريده اللغة فوق الرقعة ، من وظائف ، وتداول ، فضلا عن وظائف التعبير .. وما يمثله المأوى ، من حماية ، ومركز للعمل والتأمل .. يضاف اليهما الوعي بالمساحات : فالمجسمات التي قدمها – كجزء من متطلبات رسالة الدكتوراه – تضعنا في سؤال اخر : ما العلاقة بين النحت والمدينة – المركز لقوى تحمي ذاتها من اجل ان تكون اداة اتساع – في عصر غادر المخيال حدود النصوص المنغلقة ؟ ان الفنان سيصنع ، بعيدا عن التمثل والتجسيد للهيئات البشرية ، تجريدات ومرموزات السكن ، وتراتيل الحماية معا . مأوى – بدأ من المغارة ومرورا بالقواقع ودروع البرمائيات وليس انتهاء بالملاجئ التي برهنت انها لا تمتلك شيئا ازاء الدمار ، وفعل الزمن في الثابت – مهما ضاق او اتسع ، غدا المسافة الممتدة بين الميلاد والموت . انه المكان المشيد بضربات قلب الفنان - بتعبير مستعار من باشلار حول بناء اعشاش الطيور – ولكن ، بنبضات جمعية وجد الذاتي انسجامه فيه . فالفنان لم يستعر نماذجه من اجل موائمتها في مواقع فرضت عليها الاشكال الحديثة ، بدل ان تنتجها ، بل تمسك بمفهوم الشفرة – الارض ومخفياتها – المعنى المتحرك عبر الانقطاعات وفترات الضمور . وهنا يتسع ، مثلما تتقلص الفجوة ، في مفهوم الانبعاث في صيغة تركيب مفردات النصوص : تتسع بحسب الخصائص المكانية ، وتتقلص بما يمتلكه النص من خطاب تكونه مغامرة الرؤية ، لا تلسيقاتها .

المجسمات ، ليست محض مصغرات سكن ، وذكرى تاريخ عنيد ، انها تمثلت بحثا في مخيالها المنبثق . فالنحت المعماري ، غير المنفصل عن فخاريات انتجتها محنة الصراع مع الزمن والمجهول ، رتبها الفنان ، بمعنى صممها بقواعد البحث المعاصر . فالمشهد الذي توخى البعد الجمالي ، تضمن خطابا تضرعياً مضمرا ومكشوفا تمثل بنية الضمير المكتوم : الغفران : وكأن معنى المنجزات – كما في تقاليد الخطاطين القدامى – انحناءا مشتركا للمحركات ، ومنها الزمن .. واخيرا ، العلامات المولدة لخطابها . فالفنان وضع روافده : المأوى / النحت/ الرسم / الكتابة وجعل يشتغل على بناء نص يريد ان يقول الذي يستحيل الى ( عجز ) اصلا ، فكيف اذا اكتفا بجنس من اجناس التعبير ؟ ان مهمته لم تكن لتجسد كفايتها في التشكيل المعماري ، او التجريد النحتي ، او تجديدات صياغة الكتابة وفنها ، وتكوينها بتصميم راعى المؤثرات الطباعية – والصناعية ، ورسومات مكث اللون كامنا في درجات الابيض ، كباث ، تتباين تأثيراته في الاستلام ، كلها تجاورت ، لا تتحاور ، بل لتغدو الوحدة ذاتها دالاً لمدلولات صاغت خطابها التحديثي ، تجاورا مع انجازات نصف قرن من الرسم والنحت والخزف المعاصر في العراق : هذه النصوص ، بهذا التحديد ، لا تمتلك شرودها او تشتتها ، بل تمركزها المتجاور لخلاصات منجزات التحديث ، ومؤثرات مكثت صريحة على صعيد السطح – لا على صعيد متطلبات النصوص وهي تتوخى الوحدة . هنا ، قد يكون المعمار – في المغارة الى المعبد مرورا بالضريح – قد اشتمل وسائل التعبير التشكيلية والكتابية ضمنا ً ، وطغى على خصائص المجسمات ، كأبعاد مكانية والرسم وسيادته اللونية – والتشكيلية ، والكتابة وما تحمله من وظائف مزدوجة بين الضرورة والتأمل / لولا اشتغال الفنان بنسج نصوصه بهدف لا يحصر بارسال محدد . وماذا تريد الحداثة الاوربية ان تقول ، منذ نيتشة ، اذا ما تذكرنا ان الفن ، عند هيغل ، يأتي بعد الفلسفة ، وبعد ان تحدث عنه كقيمة لا تتجانس مع الروح ، عدا توغله الى التدحرج نحو المجهول . ولكن لا يبدو سياق الحداثة متجانسا ، حيث العدم ذاته ، بعد سلاسل القتل والافول المعروفة ، وجد ضده في [ ما بعد الحداثة ] – وان كان النقد الغربي مكث موزعا بين اكتمال شروطها تارة ، وبتلمس حلول اكثر اتصالا بالدوافع الحيوية والنفعية والبيئية الى الفلسفية منها تارة اخرى – بما جعل نسخ الوجود لا ينغلق عند مأزق رأس المال – وما بعده- في الموجة الثالثة ( توفلر ) ونضجها تحت اتساع جغرافية العولمة وهيمنتها الكبرى .

ان هذه المفارقة لا تغيب عن المراقبة ، وعند تأمل تجربة تعلن عن ارسال مغاير : فالذهن الشرقي ، بجذور بالغة القدم ، يغادر السطح واحادية الخطاب نحو العقلية التحليلية / التركيبية ، استنادا ً لشواهد سومر ومصر واكد وبابل ونينوى والعصر العباسي ، بدأت تشتغل ، بعد بحث عن مخفيات الذاكرة ، وما هو متوفر في كنوز المتاحف والمخطوطات – بنصوص ينبثق ارسالها لا معنى الا بتقنية لها سماتها [1] تقنية حفر في الموروث [2] وتقنية دراسة كل جنس من الاجناس الفنية [3] وتقنية ، تفكر ، نحو تقنية : تنفي حدودها من اجل ان تبرهن انها لا تعزل عن واقعها الجمعي – ولا عن بحث خطاب تتناص فيه الخبر ، لنص لا يقول الا الذي يكتمه [4] تقنية يحركها فعل المخيال ، بالتركيب البنائي بين النحت والجدران ، بين الرسم والكلمات ، بين الفضاء والزمن ، وبين المرئيات ومحركاتها ، ان كانت ذاتية او كونية [5] تقنية بلغت ، في التركيب حد الوحدة ( الانصهار ) ،حيث لم تعد تتوقف عند حدود الوظيفة ، والاجادة ، بل ، الى جوار العمليات البنائية ، تلتقط فعل النفعي ، لفعل اخر ، لم يختره الفنان كوثيقة ، كهدم ، وكصدمات تتكرر بتويض المعمار / النحت / الرقعة الكتابية / وتهشيم الاناقة التصميمية .. الخ ، بدافع التوثيق بعد المشاهدة ، بل ، فضلا عن ذلك ، للمقارنة . ما الذي يمثله هذا التراكم ، والمعنى ، تحت ضربات لم تعد من صنع اليات القوة والازاحة والهيمنة البشرية فحسب ، بل انها اكثر اتصالا بفعل الانبثاق . ان د.اياد الحسيني يجعلنا نفكر بسؤال ، لا يغادر الذهنية المتوقدة : كم من الزولات تكمن وراء فعل ( إرادة ) الانبثاق ؟ انه سؤال يولد نفيه : كم من الانبثاقات لا تنتظر الا زوالها ؟

 
 
جريدة (الزمان)