مدار النقد

مي مظفّر

 

      منذ بضعة أعوام بدأت أعمال أحمد البحراني (1965) تشق طريقها في حضور لافت من خلال منحوتات تجريدية ذات طابع خاص، لتحتل مكانة مميزة بين أعمال أسلافه من النحاتين العراقيين، ولتبعث روحا وهّاجة في بحر هذا الجانب من النشاط الفني الذي شابه الركود. فمن شأن هذه الأعمال التجريدية أن تحمل مسيرة النحت في العراق إلى أبعاد جديدة بعد أن استطاعت أن تفلت من مؤثرات الأسلاف من النحاتين العراقيين المعاصرين، وأن تبتعد عن مدار التكوينات القائمة على أشكال الكائنات الحية. لقد توصل البحراني إلى إبداع تكوينات مجردة قائمة، كما يبدو، على تصور ذهني وتتسم بالوضوح والبساطة. فالمدهش في أعمال أحمد البحراني النحيتة، سواء أكانت ثلاثية الأبعاد أم ذات بعدين، أنها تتحدى الفضاء بقدر ما تتحدى المادة، وتخترق وجدان المشاهد بهالة من جمال هادئ ينبثق من أشكالها المختزلة.

      داخل قاعة العرض تتوزع أعمال البحراني، بعضها قائم على الأرض والبعض الآخر معلق على الجدران، في نسق يتداخل مع المكان ليصبح هذا الأخير جزءا مكملا لكائناته الحديدية الصلبة، بل كأن المكان وجد ليحتويها.

      تبدو أشكاله وكأنها لا تنتمي إلا لمرجعيتها الهندسية أو شبه الهندسية، مع أنها مفعمة بدلالات لا تكشف عن نفسها إلا لدى التمعن بها واستقرائها. كما أن أسلوبها ينم عن قدرة في الأداء تتحكم بها معرفة مستمدة من أصول هذا الفن العريق، ومن أسس الصنعة التي تتلمذ عليها البحراني يوم كان طالبا في معهد الفنون الجميلة في بغداد.

      اعتمد البحراني على مخيلة غنية بمشاهد وأحداث راكمتها سنوات الطفولة والنشأة الأولى على ضفاف الفرات في مسقط رأسه. وهو إذ يعي ما وصل إليه النحت العالمي من مفاهيم وتقنيات حديثة حررت النحت من موروثه التقليدي، فإنه ينطلق بصياغة أفكاره مطوعا مادة الحديد، كتلة كانت أم صفائح مرققة، لتستجيب لأفكار وصور محفورة في ذاكرته التي راح يستعيدها في مكان آخر بعيد، ويعيد صياغتها بلغة فنية معاصرة.

      ومع أنها أعمال توظف تقنيات النحت الحداثي الغربي ونظرياته، فهي تستمد من شخصية الفنان جوهرها وخصوصيتها. إنها أشكال لا تتنكر لقوالبها الهندسية الصارمة، كما لا تتنكر لمرجعيتها المستمدة من عناصر الطبيعة المرنة. فإذا كانت الدائرة والمستطيل والمربع أطرا عامة، فإن الأرض والفضاء والبحر مصادر أساسية لمضامين هذه التكوينات. ثمة شرائط معدنية متموجة تتشكل في حزَم تحتضن الأرض في الوقت الذي تمتد فيه باتجاهات عمودية لتشق الفضاء كما لو كانت شرائط من نور يتدفق، أو موجات مائية تتردد في بحرها الافتراضي. وذلك ما يجعلها أعمالا قادرة على التكيف مع المكان، بل قادرة على أن تكون جزءا من الطبيعة أو عنصرا مكملا لها. كما أن التداخل في الكتل المكعبة، والدوائر المسطحة أو الأخرى المفرغة يبعث فيها حركة ما، ويوحي بالمرونة. وذلك ما يجعل هذه الأعمال المجردة الخالية من استعارات اللون ومؤثراته أشكالا قادرة على مخاطبة العين والوجدان معا. أما الأعمال المعلّقة على الجدران فهي لدى الفنان سطوح يدوّن فوقها أشكالا ورموزا على شكل وحدات منسقة تعتمد التكرار والتشابه، ذات مرجعيات شعبية أو دينية موروثة تحمل الأثر الإنساني. ومن خلال معاملة السطح مع الحفاظ على طبيعة المادة، تتداخل تقنية الظل والضوء في الجداريات لتوجد جماليات تعبيرية شديدة التأثير. ولعل البحراني أراد أن يرسم وينحت ويكتب في آن واحد، مستعيرا رموزه من البيئة التي نشأ فيها، ومن طمي الفرات مفرداته التي كان يطلق عليها الأسماء والصفات يوم كان طفلا ليس لديه من وسائل اللهو غير جرف النهر يستجيب لمخيلته الخلاقة.

      من اللعب بالطين إلى اللعب بالحديد تمضي المسيرة الفنية لأحمد البحراني نحو مستقبل يبشر بعطاء غني. فمن شأن هذا التوازن ما بين توظيف الوسائل والتقنيات العالمية للتعبير عن مضامين ضاربة في جذور المكان، استطاع الفنان أن يشكل اختراقا لا شك فيه لأعمال النحاتين العراقيين على امتداد تاريخهم الحديث، وأن يصنع تفرده الذي مع أنه ما زال في بداياته فإنه إنجاز ضخم قادر على فرض نفسه على حاضر الفن العربي ومستقبله.

      مي مظفّر

      عمّان: شباط 2006م