|
منير العبيدي
18 ـ 2 ـ2006
Munir_alubaidi@web.de

حين تعرفت على علي
النجار في الثمانينات
لاحظت أن
هذا الفنان ذا الدماثة يمتلك صفة مثيرة : انه بالكاد يلامس الأرض
حين يسير ،
ثم باندهاش
لا يقل عن الأول
اكتشفت : أن كائنات علي النجار
، التي
اكتشفها
خياله ،
والتي كانت في المركز من لوحاته في حقبة الثمانينات والتسعينات
وحتى الآن في أعمال
أخرى أقل
, إن هذه الكائنات هي
الأخرى
لا تلامس الأرض
, إنها
مخلوقات
هلامية أو
سديمية متغيرة الشكل , كما توحي لوحاته , ولكنها دائما محلقة في
فضاء ما بلون ما , وان لوحاته لم تكن لها أبدا أية أرضية
وحتى فيما بعد ، في التطور اللاحق لفنه كانت التكوينات أيضا في
الغالب عديمة الارضية
.
توظيف المعاناة
إبداعيا
علاقة الفن بالمرض
هي علاقته بالإخفاق . والمرض هو إخفاق فيزياوي ، جسدي ، يعجز
فيه الجسد عن أداء إحدى وظائفه ، تاركا ، لا محالة ، تركيباً
نفسيا خاصا يتمثل فيه الموقف من المرض بردود فعل مختلفة : الصراع
، المقاومة ، التعايش أو الاستسلام .... الخ .
اقترنت
أعمال النجار دائما ،
بشكل مباشر
أو غير مباشر
،
بمعاناته المرضية , وسنلاحظ عبر الرحلة الطويلة لهذا الفنان
والذي تنوعت لديه الأساليب وطرق التعبير أن الجامع والإطار لهذا
التنوع هو المعاناة التي رافقت مرضه الرهيب , لقد حوّل النجار
المعاناة مع المرض وشبح
الموت والقلق الممض
إلى
فن قاتم
أحيانا
، ولكنه في
أحيان
أخرى ,
بل وفي أغلب الأحيان ،
ويا للمفارقة ، متوهج اللون طاغي الفرح .
كانت المفارقة الأخرى هي أن الألم كان وسيلته لصناعة الأمل . و
إنه عندما يصارع الألم والخوف بواسطة فنه إنما يصارع في الوقت
نفسه مصادر إبداعه نفسها ،
كانت التهويمات والتداعيات التي تثيرها مراحل اليقظة المتدرجة من
تأثير المخدر في أعقاب العمليات الجراحية أشبه بدائرة حلزونية
هائلة تشبه دوامات المياه المتدفقة
التي تسحب الى القاع أو ترفع الى الأعلى كل ما يمر بطريقها جاعلة
الجسم البشري والروح إثناء الصحو من المخدر أشبه بريشة في مهب
الريح .
سيأذن لي علي
النجار ، وربما تأذنون أنتم لي
أيها القراء الأعزاء
، أن أتحدث عن
مشاعر الإنسان إثناء إسترداده لوعيه بعد زوال تأثير المخدر في
أعقاب العمليات الجراحية والذي لا يتحقق فجأة وإنما على مراحل
ومستويات
توهم كل واحدة منها صاحبها بأنها هي الصحوة الحقيقية الكاملة ، و
لكن سرعان ما يكتشف أن تلك كانت صحوة أو تهويمة كاذبة وهكذا
دواليك . وعملية الصحو المتدرج من تأثير المخدر تشبه ما يعتبره
متسلقو الجبال القمم الكاذبة ففي كل مرة تلوح قمة ما يضنها
المتسلق إنها هي القمة النهائية ليجد بعد أن يتسلقها أن ثمة قمة
أعلى منها .
فأنا كاتب هذه السطور ،
قمت
بهذه الرحلة
التهويمية
الحلزونية سبع مرات خلال 9 شهور تحت التخدير الكامل
في أعقاب
حادث مروري ،
وهذه التجربة على وجه التحديد هي التي تساعدني على تحليل أعمال
علي النجار وعلى تفهم معاناته من جهة و تحليقات خياله من جهة
أخرى ، كما إنها هي التي ساعدتني سابقا على تفهم الأجواء
الإبداعية لـ أدغار ألن بو
و أمثاله
، على أن هذا
الأخير كان يسعى إلى المخدر
باختياره
من اجل إثارة الخيال لغرض الكتابة كما فعل كثيرون غيره
ممن لم يكونوا
مكرهين
على ذلك
كما كان
الأمر لدى النجار أو لدي
.
ولكن لنستمع إلى
علي النجار نفسه وكيف يصف الحالة :
" بعد زوال المخدر الذي طال زمنه وعند الإنتباهة الأولى شعرت
بالموت يزحف على جسدي و رحت مثقلا بروح كالرصاص أغوص في هوة (
ثقب في الجحيم ) . كنت اخترق طبقات من هذا العالم الكابوسي واحدة
اثر الأخرى . كانت وهجا ، نارا تلف أجسادا وتصهر أخرى تتلوى و
صراخ مكبوت لم يكن ثمة نسمة هواء . اختناق مطلق . ثم تلاشيت في
مستقر الطبقة السفلى . كانت روحي خشبة متصلبة أو صخرة جوفاء
قاسية تستقر هناك ...
في الوصف الوارد
أعلاه توجد صورة ، صورة مرسومة بالكلمات و خصوصا المتعلق منها
بصورة الجسد الذي يلفه اللهب والأجساد التي تصهر وتتلوى ، و
الصورة في العمل النثري أمر أصبح أكثر أهمية في الأعمال المعاصرة
كما لدى فرجينيا وولف و كما لدى غابرييل غرسيا ماركيز المعجب بها
، يقول ماركيز عن كتاباته : " أنا دائما أبدأ بصورة " . و الصورة
هنا والتي يعرضها علينا النجار نثريا والتي كأنها تصور الجحيم
موجودة في عقله الباطن و ربما في عقولنا جميعا ، و المطــلع
على كتابات ورســوم الرسام والكاتب الإنكليزي الشهير وليم بليك (
William
Blake 1757 -1827)
سيجد
تجسيدا مشابها لهذا الوصف مرسوما بتخطيطات الحبر والألوان
المائية يتناسب مع التقنيات التي كانت سائدة في زمنه و لكن
النتاج الفني اللاحق لعلي النجار مختلف تماما بطبيعة الحال وليس
هناك أي وجه للمقارنة . مقدمات متشابهة ونتائج مختلفة فرضها زمن
المعاصرة وحداثة التأويل .
و يستمر علي
النجار واصفا صحوته من الغيبوبة وما هية الاشياء التي اثارتها
لديه :
" شعرت بالجفاف يعتصر جسدي و ليس لي إمكانية على النطق . هي
غيبوبة أدخلتني في صلب ميثولوجيا ثنائية الخلق ، في الجزء المعتم
منها . كاشفة بوضوح غريب عن درس المتافيزيقا الأول الذي درجنا
عليه صغارا والذي على ما يبدو حفر بعيدا في ذهني رغم ابتعادي و
منذ وقت مبكر لمنطقة الواقع المادي بكل ثقلها . هي ذاكرة جمعية
تعاود الظهور في لحظة فقدان الجسد كثافته وانحدار وعيه لدرجة
الصفر علي من تغيير فسيولوجي " .
واذا ما كان الذي
فهمته من علي النجار صحيحا ، في: " استعادة الذاكرة الجمعية في
لحظة فقدان الجسد كثافته " فاننا بدون شك إزاء تحليل مدهش توصلت
اليه بعض الافتراضات المتأخرة و المثيرة للجدل في ما أسماه
باحثون يحملون قدرا كبيرا من الخيال في نظرية الكون النابض أو
المتناوب و ربطها بالحالة المسماة ( الديجا فو ) ، والتي
بموجبها تؤوّل بعض التماعات التذكر التي يشعر المرء بموجبها أن
ما يحدث له الآن كان تكرارا دقيقا لما حصل له سابقا بما يشبه
الصدى .
أما التحول اللاحق
و تقييم المعاناة من أجل توظيفها إبداعيا فقد و ضحها النجار على
النحو التالي :
"
علي الآن أن أتعايش مع فقدان جسدي لعضو منه و أتكيف مع عادات
جديدة و خسارات جديدة . حاولت في البداية محاولة ولوج عالم
اللاهوت ، لقد اعانني بما أضفاه علي من صفاء كنت بحاجة ماسة إليه
و هيأني لتجاوز محنتي الأولى . انه عالم قريب من أسطورة أعمالي
الفنية التي نفذتها في العشر سنوات السابقة في جوهره . وهو
بالتأكيد أعانني على تجاوز محنتي " .
وبذا نجد أن تحقق
التأويل التشكيلي للمعاناة والقلق والخوف وتداعيات المخدر والذي
كان موازيا لتؤيلاته النثرية ، لم تكن بدون جذور أو انها عديمة
الصلة بأعماله التي سبقت التداخل الجراحي المعقد : فالرؤية التي
نضجت و العالم الذي تشكل لديه هو"عالم قريب من أعمالي الفنية
التي نفذتها في العشر سنوات السابقة " كما يكتب ، وليس في ذلك
غرابه فالجراحة ليست بداية المرض والمعاناة وإنما إحدى مراحل
تشكله
الهور
رحلت عائلة علي
النجار إلى جنوب العراق إلى أطراف الديوانية بعد أن فقد والده
العمل في بغداد ، هناك كان الأطفال يسبحون في المياه الراكدة
المسكونة بعصيات مرض البلهارزيا التي تصيب المجاري البولية
والمثانة على وجه الخصوص . يقول القاص
و المبدع الصديق
فهد الأسدي المولود في الجبايش عن
تجربته القصصية المنشورة في مجلة الثقافة الجديدة : "
زاحمتني في طفولتي جيوش الأطفال
والأسمال والبول الدموي ، كانت لعبتنا المفضلة على شواطئ الأنهار
( مباراة البول الدموي ) الفائز فيها من كان بوله أكثر دما ، ترى
أية لعبة لعينة كانت تلك ؟ "
كانت الأهوار، وهي
مسطحات من المياه أشبه بالبحيرات تغطي مساحات شاسعة من الأراضي
في جنوب العراق وتختلف عن البحيرات في كونها مغطاة في الغالب
بمساحات واسعة من النباتات مثل القصب والبردي
التي تتخلها ممرات مائية أشبه بالأزقة و الشوارع
وتوجد فيها مناطق
صغيرة أشبه ما تكون بالجزر مسكونة من قبل الناس وحيواناتهم ،
كانت منذ آلاف السنين الموطن لنمط من الحياة لأجيال متعاقبة من
الناس الذين كيفوا حياتهم على ضوء مستلزمات العيش في وسط المياه
والسير بقواربهم الرشيقة المسمى أحدها ( مشحوف ) في ممرات القصب
والبردي الضيقة التي ترتفع أحيانا مترين أو أكثر ، وكان المكان
مسكنا ومأمنا للمئات وربما الآلاف من الحيوانات والطيور والأسماك
وبيئة رائعة للطيور المهاجرة
كما كانت حاضنة
لثقافة ونمط حياة خاصين ،
قبل أن يتم تجفيفها
تماما من قبل النظام السابق وتحطيم هذه البيئة التي أعالت لآلاف
السنين ليس الورثة
اللاحقين
للحضارة السومرية
فحسب ، بل
و أيضا
بيئة آمنة لأنواع
لا تعد ولا تحصى من
الأسماك والطيور والحيوانات
الأخرى
. وكان المكان
فاتنا بجماله للمراقب الخارجي الذي لا يعيش هناك ، ولكن هذا
الجمال الفاتن كان من جهة أخرى الوعاء للعديد من الأمراض الفتاكة
مثل البلهارزيا و
الملاريا
كما كان وعاء للعزلة والإهمال من قبل السلطات المتعاقبة

أهوار بريشة علي
النجار
في مجموعة اللوحات
التي رسمها علي النجار بعد زيارة قام بها في أواخر السبعينات
إلى مناطق الأهوار وقف الفنان مندهشا أمام هذه المسطحات المائية
الشاسعة الممتدة إلى الأفق والغنية بالألوان ، فاللون الأزرق
المخضر الأقرب إلى اللازوردي وهو لون حالم لا تشوبه أية قتامة
، والبقرة حمراء فاقعة تبدو سعيدة بتكاملها اللوني مع زرقة
المياه ويبدو المكان فردوسا يمتد نحو الأفق يفسح الطريق دون عائق
بصري أمام العين للإبحار الى ما لا نهاية . و الآفاق المفتوحة
كانت لدى النجار تعبيرا عن تفاؤل لم يفقده أبدا . رتب علي النجار
بموجبه التكوين ، تكوين اللوحة (
composition)
بتراتيبية متعاقبة عموديا تذكر المراقب المتفحص بالرسومات
اليابانية المشهورة في بنائها المبتكر للمنظور الذي فاجأ
الأوربيين في أواسط القرن التاسع عشر ولعب دورا كبيرا في تثوير
بناء اللوحة لدى جيل الانطباعيين و كما لدى فان كوخ ثم بشكل
أكثر وضوحا لدى ديغا .
حقق علي النجار
بواسطة الرسم سعادته في رحم المأساة ، فأنا شخصيا لم أشاهده
حزينا أبدا ، أو لأقل أنه لم يترك معاناته الداخلية تبرز على
السطح ، كما أنني لاحظت منذ وقت طويل أن الابتسامة لا تفارق
وجهه وانه رغم كل شئ لم يكن في يوم ما متذمرا أو شاكيا .
يقول الجواهري
الكبير واصفا زمنه :
كأن
نعــــــــــمائه حبلى بأبـــــــؤسه من
ســـــــــاعة الصفو تأتي ساعة الكدر
كان الجواهري ، في
هذا البيت على الأقل ، يستنبط الكدر من الصفو ، فيما كان النجار
، على الضد من ذلك تماما ، يستنبط الصفو من الكدر ، الفرح من
الألم .
مخلوقات علي
النجار الجميلة
في بواكير لوحاته
التي عرضها في العراق في الثمانينات كان هذا الفنان يرسم أشكالا
لكائنات من ابتكار خياله ذات أشكال غريبة ليست هي بالحيوان ولا
هي بالإنسان شئ ما بين هذا وذاك بألوان قزحية جميلة وشفافة
كائنات غريبة الشكل جميلة اللون تعطيك انطباعا بأنها صديقة و
ودودة و محببة أكثر مما توحي بالعداء ، وقد سبق هذا الفنان فناني
هوليوود الأشهر من الذين ابتكروا كائناتهم الغرائبية ذات
الشعبية الكبيرة في أفلام الدمى أو الخيال العلمي .
وقد كتبت في
موضوعي عن الفن التشكيلي العراقي والمعنون : " الملامح العامة
للفن التشكيلي العراقي في عقدي الثمانينات والتسعينات " المنشور
على صفحات إيلاف في الحلقة الثالثة عن الحداثة في الفن التشكيلي
العراقي :
"
يقدم لنا علي النجار كائناته الخيالية وهي مستلقية هانئة في
إغفاءة حالمة
متطامنة
ليس على الأرض
و
إنما معلقة في السماء، عديمة الوزن
، ملونة زرقاء وحمراء وتحت رؤوسها وسائدُ هشةٌ ربما من أثير
،
فاتنة الألوان وخلفها سماء حالمة الزرقة، كل
هذا النعيم والفخامة يقدمها على النجار لهذه المخلوقات التي
استنبطها خياله المحلق دون
الإنسان
لذي استكثر عليه، على ما يبدو
،
هذا الامتياز والفخامة المفسِدة
، فالإنسان
المعذَب
، الذي بمعناه الملموس المجسد
، هو علي النجار نفسه
، الهارب من معاناته نحو مخلوقاته المحلقة
، وهو في ذات الوقت أناسه وأحبته الذين عايشهم ورأى عذاباتهم
واغترابهم واستلابهم
.
أصبحت مخلوقات النجار بمرور الوقت
أكثر
اتحادا وتقاربا مع بعضها الآخر، وتجسدت باتخاذها بعدا ثالثا بعد
أن
كانت مسطحة
أشبه بالرقائق تذكر بالكولاج
.
الخلفية الآن ربما صفراء وليست بالضرورة سماء زرقاء ولكن هذه
المخلوقات بقيت محلقة في الفراغ
الأثيري الأصفر
وفي طرف اللوحة
إلى الأسفل
وجه
إنساني
مزدوج المنظور، وفي
أعماله
التي نفذها في السويد بعد
أن
أقام
هناك منذ 1997اشتغل النجار اعمال الـ (
installation
) احداها تمثل سرير المرض وعليه انسان مفترض مرسوم ببعدين وغير
مجسد وقد ارتبطت به انابيب العلاج، ورسم النجار الكف البلاستيكي
للطبيب وهو مغطى بلون الدم،

لقد انتهت لدى النجار
، كما يبدو
،
مرحلة الهروب من مواجهة المرض الذي تعايش معه طويلا لكي ينتقل
الى عالم المواجهة وجها لوجة
"
.
وعي الابداع
في هذا اللوحة الأخيرة لم يلامس النجار المرض بل واجهه وجها لوجه
، لم يهرب منه بل جسده ، لم ينهزم أمامه بل انتصر عليه مجسدا ذلك
في حوارية( مونولوج ) بصري : " أنت هنا و أنا هنا كتوأمين :
دعنا نتعايش سوية ، لست موجودا بدوني فأنا حاملك الذي لم يكل ،
ولست موجودا بدونك أنت في أحشائي كما تحمل الثمرة بذرتها ،
سأروضك و أجعل من قتامة المرض والخوف مصدرا لأجمل الألوان و
التكوينات " . يقول علي النجار محللا جذور فنه بأنه :
" تشكل من تصورات لمخلوقات متحاثة متخيلة يسكنها جذر الواقع
ويتجاوزه بتفاصيل مما اكتسبناه نحن وبقية الخليقة عبر أزمنة
سحيقة , بعضها حمل طابعه السحري والبعض الاخر عقلنته الجيولوجيا
والاركولوجيا ونتاجنا التشكيلي يحمل بعضاً من بصمات تشكلها
اجسادنا ( الأعضاء السرية منها) . أنا اخترت الإقامة في هذا
الجزء المطمور, ربما انه تلبسني طويلا لتقلبات زمني الذي حملني
تقلبات في الطباع والنتاج " .
وإذا لم نقرأ ما
كتبه النجار قراءة عابرة ، و إذا ما انتبهنا الى الصيغة التي
استخدمها في التعبير عن جذور فنه ، فعلينا أن ننتبه للصياغة
التي أعتمدها و هو يتحدث عن تصورات مخلوقات خياله و التي قال
عنها : " يسكنها جذر الواقع وتتجاوزه ..... " .
في هذه العبارة
يحدد النجار ما هو جوهري في فنه : الجذور و تجاوز الجذور ،
الجذور المستمدة من الواقع والتي تتجاوز الواقع في تحويله الى
شكل ولون معادٍ صياغته بطريقة إبداعية خلاقة وليست مجرد انعكاس
سلبي . وهذا التحليل الذي يقوم به النجار لأعماله يسلط الضوء على
أحد الجوانب التي قليلا ما تمت إنارته من قبل النقاد وهو الوعي
النقدي الذي يتمتع به على النجار والذي يمارسه على مستويين :
الأول : غير مكتوب
أو مصرح به : كوسيلة أو آلية لتقييم أعماله إثناء التنفيذ
وكقانون من قوانين تطور اللوحة لدية .
الثاني : أعماله
النقدية المستقلة المكتوبة و التي تعالج الفن التشكيلي بشكل عام
والتي تعالج الأسس الفكرية لأعماله بشكل خاص .
وفي الحالتين :
الأولى غير مكتوبة ، متاحة للمراقب من خلال تحليل أعماله و من
مسار تطور فنه . و الثانية من خلال قراءة كتاباته و الإضاءات
النقدية لأعماله نفسها ، و التي نجد النجار فيها ناقدا واعيا
يمتلك قدر تحليلية ونظرية رصينة ، بالرغم من انه لم يأخذ الكتابة
على محمل الجد بمعنى انه لم يكرس نفسه لها .
وبذا فأن إنجازات
علي النجار التشكيلية ، والتي بدون شك متفردة ، لأنها مستمدة من
معاناته ، معاناة فريدة ، وتأويل (
interpretation)
فريد للمعاناة ، تمتاز بأنها :
أولا : تجربة
تأملية . اقرأ معي مايلي :
بصمات تشكلها أجسادنا ( الأعضاء السرية منها) . أنا اخترت
الإقامة في هذا الجزء المطمور, ربما انه تلبسني طويلا لتقلبات
زمني الذي حملني تقلبات في الطباع والنتاج " .
فعلي النجار اختار
إذن ، بوعي ، الإقامة في جزء مطمور من أعضاء جسمه التي وصفها
بأنها " سرية " أي غير ذات وجود مادي عضوي ، ففي الوقت الذي
تجاوز فيه المرض كخطر ماثل يهدد الحياة ، كخلل في أحد أعضاء جسده
، و بالرغم من الآثار الجسدية التي سوف تبقى لدية مدى الحياة ،
فان الآثار النفسية له و التداعيات التي أثارها الألم ، وذكريات
كوابيس الاستيقاظ من المخدر والصور التي تستدعيها ودوامات
الإنتقال اللولبية من اللاوعي الى الوعي أو العكس ، كل ذلك لم
يجعله يهرب ويحاول ان يتناسى أو أن يتجنب ، وانما ، على العكس
،عمل على مرحلتين تمثلتا بـ : الأستيعاب والتوظيف أولا ، ثم
المواجهة .
ثانيا : انها ، أي
هذه التجربة ، ورغم كونها تندرج مثل بقية تجارب ممثلي الحداثة
العراقية ضمن المسار العام للحداثة العالمية ، الا انها حافظت
ضمن هذا الاطار على تفردها بانتمائها الى التجربة الحسية للفنان
، كما انها لم تقع في فخ التقريرية أو الرجعوية التي تجعل من
الفنان ضحية الذكريات المؤلمة إنما قادته كما فعلت مع فنانين
آخرين في تاريخ الفن ، الى الامام .
تحول التجربة
وانقطاعها عن جذور المنشأ
تطور فن النجار
بأكثر من اتجاه بعد مغادرته العراق ، ولا نستطيع الجزم فيما اذا
كان هذا التطور مرتبطا بهذه المغادرة أم أنه هذا كان سيتحقق في
كل الاحوال بغض النظر عن المكان ، أي أنه تطور زمني تعاقبي و
ليس مكانيا ، بالرغم من أن من المؤكد أن اقامته في السويد منذ
نهاية التسعينات قد وفرت له قدرا اكبر من الاستقرار و الاطمئنان
، والعمل المعروض اعلاه والذي يمثل سرير المرض هو أحد الاعمال
التي نفذها إثناء إقامته في السويد ، و أرى بأن النجار ما كان له
أن ينفذ هذا العمل بدون ان يغادر العراق لأسباب عديدة ، ليس
أقلها المساحات التي تستطيع أن توفرها قاعات العرض في أوربا ، و
الميل الى عرض الاعمال القابلة للبيع في العراق بشكل واسع في
أعوام الثمانينات والتسعينات .
و مجموعة الاعمال
التي تنتمي في جوهرها الى : " عوالم بريئة " والتي تمثل مخلوقات
النجار التي سبق الحديث عنها قد إغتنت لونيا و أصبحت أكثر سعادة
و أقل وحشة .
و الاتجاه الثالث
تمثل بأعمال تنتمي كلية الى عالم التجريد فيما يوحي لأول وهلة
بإنقطاع عن التجربة السابقة . لا يحصل الانقطاع بشكله المطلق ،
كما قد يتوهم من يرغب في اخذ التعبير على علاته ، فالأشكال و
التكوينات التي ابتكرها النجار لاحقا ، والموضحة في أدناه ، لم
تكن مقطوعة الجذور بالمرة عن فنه المبكر بإعتباره تجسيدا
للمعاناة وفقدان الوعي ، ولكنها حققت لاحقا تطورا نوعيا في فنه
تأسس على تطوير أشكال و تكوينات جديدة ، و خصوصا في أعماله
الصغيرة المنفذة بحبر الطباعة ، لقد استبعد عناصر محددة من سلسلة
تجاربه و إنجازاته السابقة ، ففي المرحلة التي رسم بها " عوالم
بريئة " والتي غطت فترة عقدي الثمانينات والتسعينات قبل أن يغادر
العراق مثلت كائنات ما بين الطير والحيوان لا وجود لها في الواقع
. هذه الأعمال هي إستعادات مدهشة لتداعيات الغيبوبة التي سمحت
بإزالة الحدود بين كل المخزون الثقافي و بضمنه " الميثولوجيا
والأركيولوجيا " كما عبر هو ، و الحكايات و الأساطير وحكايات
الأمهات والجدات و التحلق حول نار الموقد كما أزعم و أتخيل ،
ازاحة الحدود هذه التي وفرتها تداعيات الغيبوبة والصحو الحلزوني
هي بمثابة استبعاد لإقحام المنطق وإدخاله قسرا على منطقة الخيال
، هذه العملية ـ أي عقلنة الخيال ـ هي العدو اللدود للإبداع ، و
لكن ما أن امسك النجار بهذه اللحظة ، لحظة تخليص الخيال من
المنطق ، بمهارة حتى وفرت اللحظة هذه له المفتاح السحري لولوج
عالم جديد و حولت الشرارة الأولى إلى قبس ، و التالي ما هو الا
تحصيل حاصل لمنطق العالم الجديد هذا الذي يدفع الى تورط متواصل ،
تورط متزايد ، تورط جميل .
ولا شك بأن علي
النجار يدرك ، مثل كثير من الفنانين ، أن الدخول من منطقة الخيال
و التصور الى عالم اللوحة المجسد والملموس ، أي من مرحلة تصور
اللوحة الى مرحلة التنفيذ ، يفرض هو الآخر شروطه ، فشروط التنفيذ
، الوجود المادي للخيال ، لها شروطه ومستلزماته التي لا تتطابق
بالكلية مع خزين الخيال ، أي مع الصورة التي في الذهن وبهذا تصدى
الفنان الى المهمة الأصعب في كل الأشكال الإبداعية : تحويل
الصورة الذهنية و منتجات الخيال إلى عمل إبداعي ملموس : لوحة ،
قطعة موسيقية ، عمل مسرحي ....الخ

تجريد
1
تجريد 2
في العملين أعلاه
والذين سمحت لنفسي بتسميتهما تجريد 1 و تجريد 2 استخدم النجار
مادة جديدة هي حبر الطباعة ، و إختيار مادة جديدة لتنفيذ
الأعمال تعكس مبدئيا رغبة في التجديد و الولوج الى عوالم جديدة
، في المواد هذه هناك تفهم واضح لطبيعة المادة المستعملة و
قدرتها التعبيرية والقدرة على استيعابها و المزاوجة بين الشفافية
التي هي من خصائص الاعمال المائية والكثافة اللونية ، في العمل
الاول يحاول علي النجار أن يعطينا شيئا ما قائم على توازن تشكيلي
بحت غير مكترث بالمعاناة و الماضي ، و في الثاني هناك شي ما يوحي
بالضمادات الطبية المرفوعة توا عن الجراح وخصوصا في جزئها الاسفل
، ولكن علي النجار في كل الاحوال في مجموعة أعماله هذه ،والتي
نعرض في أعلاه جزءا منها ، قد تخلص الى حد بعيد من سطوة المرض
بعد أن افرز له حيزا كبيرا في فنه .
الأقنـــــــــعة

أنجز علي النجار
في الغربة سلسلة أعماله المسماة : (الأقنعة ) ، من خزين الذاكرة
الذي نقله معه إلى مكان إقامته الجديد ، ففي حديثه عن ذكرياته عن
حرب الخليج الثانية كتب النجار عما أوحته إليه هذه الحرب :
"
بلغ الامر ذروته باطلاق حكومتنا التي استمدت تفويضها من الحزب و
مدعية مرة اخرى من الله, صواريخها في صحراء النقب. كان يسكن معي
ابني مازن فقط والذي جلب للبيت قناعا واحدا واقيا من الغازات
استلمه من كلية الفنون التي كان يدرس فيها حينذاك . ما يؤرقني
وقتها حصة من هذا القناع اذا مادعت الحاجة اليه لتلافي تسممنا
حينما تحين ساعته. حسنا انا تجاوزت الخمسين وشبعت من متاعب الكبر
قبل الاوان ومن حجم متاعب عمري التي اورثتها حقبنا العراقية
الغير سوية.. اذن
ليكن القناع له ولا فائدة ترجي من سد منافذ فجوات منزلي , فلابد
للغاز من ان يتسرب.
كان القناع شاخصا وكنت اختلس اليه النظر لادرك اننا مجرد
اقنعة اخترقتها غازات شتى , روائح لا تعد نحاول جهد امكاننا ان
نستنشق افضلها في اخريات ازمنتنا عسى ولعل ان نديم حلمنا الاول
"
.
خاتمة
يحتاج الفنان الى
الشجاعة و روح المغامرة والصبر والمطاولة ربما بنفس القدر الذي
يحتاج فيه الى المهارات التكنيكية ، هذه العبارة طالما رددتها
على مسامع المعارف و الأصدقاء و في المناقشات التي تدور حول
الفنانين الذين حققوا قدرا مهما من النجاح أو حققوا حضورا في
الحياة الثقافية . وعلي النجار واحد من الفنانين الذين يتمتعون
بروح مقاتلة وصبورة ، لم يعط لنفسه أبدا الأعذار في عدم
الاستمرار في العمل والإنجاز ، فلقد عمل في كل الظروف حلوها
ومرها ، إن كان ثمة حقا أية حلاوة في حياتنا العاصفة بالمعني
العادي للكلمة .
في الحلقات الستة
التي نشرتها عن الملامح العامة للفن التشكيلي العراقي في عقدي
الثمانينات والتسعينات أشرت إلى أن الفنانات والفنانين التشكيلين
العراقيين قد عملوا إثناء فترات الحروب والحصارات ، وما أكثرها ،
و أنجزوا الكثير من الأعمال التي تستحق الإطراء والتمجيد وكانت
قدرهم على العمل في ظروف القصف الجوي وانقطاع التيار الكهربائي و
الحر اللاهب والقلق الممض و عدم توفر مواد المعيشة الأساسية ،
ناهيك عن المواد الفنية الضرورية ، كل هذا جعل مثل هذه الإنجازات
و في مثل تلك الظروف عملا بطوليا ، و بما أن علي النجار كان
واحدا من هؤلاء الفنانين فأنه قد تحمل عبئا مضاعفا : العبئ العام
من جهة و ظروف مرضه من جهة أخرى و الكثير من الضغوطات المترتبة
على ذلك .
لا زال النجار
يقدم فنا رفيعا ، لقد ارتبط فنه بحياته ، صنوان لا انفصام لهما ،
وسيستمر على النجار في تقديم إنجازاته وتجديدها بحيوية و
ديناميكية ، هذه ليست مجرد أماني بل هي ، إضافة إلى ذلك ، ثقة
بقدرة هذا الفنان وحيويته و مثابرته .
|