مدار النقد

محمد الجزائري

 
قال الشاعر الراحل حسين مردان مرة: أري (العالم) علي رأس دبوس!..، ومرة ابكته، دمعة طفل محزون..، فطاف بسخريته الدنيا، سخرية حزينة لانها ابنة الفاجعة! وفي زهو الايام العراقية، دخل رضا حسن رضا أكاديمية الفنون الجميلة (جامعة بغداد) (1974م)، وعند مشارف العام 1978م نال بكالوريوس التخصص في (التصميم ــ غرافيك) وبدأت نذر التنكيل!. شاهد فائق حسن يعلمه ويعلم جيلاً واجه حالة الحرب تالياً، بعد ان اكتنز بأيام ظنها عرساً (الجبهة) ومع زميليه صلاح جياد وفيصل لعيبي، دخل محراب الرسم للصحافة.. لكنه لم يستمر طويلاً فكان منذ العام 1975 وحتي عام الحرب (1980) رساماً ومصمماً في مجلات الاطفال بدائرة ثقافة الطفل. (مجلتي والمزمار/ملحق تموز للاطفال لجريدة الجمهورية).. هذا التأسيس المتين اختزنه للغد.. 
رضا من مواليد بغداد (العراق) عام (1953) ــ ومنذ العام 1982 وحتي العام 1999 عمل بشكل حر وثابت رساماً، ورسام كاريكاتير، ومصمماً، ومصوراً فوتغرافياً فنياً، وايضاً مصمماً ورساماً في (الكومبيوتراغرافيك) والشبكة العالمية لصالح عديد الصحف والمجلات ودور النشر والاعلانات داخل ألمانيا وخارجها، اذ نال الجنسية الالمانية عام (1990) وما يزال!.. عمل فيلمي (كارتون) قصيرين مع ابتداع شخصيات كارتونية لها، بخاصة حول موضوع (الاتحاد الاوروبي 1992م) أو (اتحاد أوروبا!).. 
شديد الوجع 
(يضحك) لكنه شديد الوجع علي ما يجري، وما جري... رضا حسن، ابن النكتة العراقية وابن المأساة العراقية، صارت (جنسيته) الألمانية ضاغطاً جدداً علي عراقيته والحنين، فجسدها في لوحاته الزيتية/ أو بالكريليك/ وبحجوم تكبر أو تصغر، لكنها في الاحوال كلها مكتظة بالرحيل والانفصال والحرب والغياب..، فمن لا وطن له يرتحل مثل مسافر دائم! ودائماً لوحاته ذات منظورين في التكوين تري (عمودياً) وأيضاً تري (أفقياً) فالمأساة بوجهين، وهو بذلك وريث (حداثي) للواسطي (يحيي) (ق 13م) الذي كان أو من رسم لوحاته بعين الطائر! ليجسد حالين علي سطح واحد...، أما الحال المستور فهو نظر المقلة الثاقبة للخطاب الآخر الذي تضمره اللوحة، كنص بصري، يقول، ولا يثرثر! 
خالص التعبيري يذهب الي التجريد التعبيري، ولا يلغي الانسان..، هكذا تدرج رضا بأعماله، وراح يطول آليته التعبيرية داخل بنية ميزته اسلوباً وتقنية.. ولوحات تفصح ولا تقول كل شيء! اذ تتميز اعماله بانشائية عالية، حين تنظر الي كتلها كأنك تري المدن والمساحات مفروشة ولكن من عل، تماماً كرقع الارض الملونة، ولكن المفككة والمقطعة.. فالحروب تقطع أوصال اللون كما قطعت اوصال المكان والبشر.. وشتت الجمال المعرف والانساني. 
(البنية والتفكيك) علي هذه الثنائية تقوم لوحات رضا حسن: في المضمون هناك تعبير عن ارتباط شديد بالوطن وناسه وآلامه، وفي الشكل هناك ذلك الفصل العمد المليء بالندب والتضاريس والشروخ التي احدثتها المآسي واشاعها الموت والدمار، حالة الانفصال بين الوجوه، والانفصال القسري عن البيت الاول، الأم، الأخت، الأخ، الصديق ظهرت وخلفياتها معتمة رصاصية دوماً. وبعامة، تكاد لوحاته تخلو من اي عناق عشقي، أو ثنائية حب بشري، إلا ومحاطة أو متأثرة بالاحباط وبهذا الشج الغائر: الانفصال، أو التباعد أو النائي.. حتي تكشفت بعد عام (2001) عن لونية صادقة. في رسومه كأنه يؤسطر الشتات بحيث تكون اسرة الشتات والمنفي معادلاً حياتياً وانسانياً (تقنياً وفنياً/ باللوحة) للموت! فالغربة فقر وافتقار الي الطمأنينة والأمان والاستقرار، وحنين عارم.. من عناوين لوحاته: اغنية مبتورة (عن شقيقته التي توفيت ولم يرها منذ عشرين عاماً!)/ رثاء انكيدو/ العد التنازلي/ القرية المنسية/ رحلة الي مجهول/ رسالة الي صديق غائب/ قلق/ الي أور سلاماً/ بدون افق/ مهاجر/ ذكريات متكررة/ ليلة صاخبة/ المسيح/ رقاء اخير/ و.. صمت! 
اول إلتفاتة حقيقية لفنه أشعلها عبر جمعية (عود الثقاب) عام 1986 ببرلين كان مع مجموعة من فناني (المدرسة العليا للفنون) اسسوا هذه (الجمعية) وأقاموا معرضهم الاول ــ الصاخب ــ لانهم خرجوا علي (الواقعية) الفوتغرافية والتقليدية (الاكاديمية)، بتعبيرية حداثية جارحة عن الواقع، وتجريدية موالية للتجريب! 
رضا.. يشتغل بمواد مختلفة ــ علي الورق الكارتون السميك فيضع ألوانه خليطاً من: الاكريليك + الطباشير الملون + الاحبار + الفحم ويستعمل تقنية (الاير براش) ومادة (التميرا) فيكون (مزيجه) اللوني خاصاً جداً فتوحي لوحاته بتضاريس وتجاعيد ونتوءات وأغوار، لكنها عند اللمس، تجدها وتحسها ملساء، فيقدم رضا حسن تلك (الخدعة البصرية) عبر تقنية عالية ومتمكنة.. ليضفي علي لوحته بعداً ثالثاً.. وفي بعض لوحاته يلجأ للصق الورق المدعوك، فاللصق علي الكارتون، يضفي مع (الاير براش) خاصية بصرية لملمسها.. ويمنحها ظلالاً (نحتية) استعارية بصرياً. ودائماً لوحاته تقدم المنظورين وفق (عين النسر/ أو عين الطائر) كما ألمحنا.. فأنت تري الكتل موحية ودالة علي رحيل اشخاص، أو جامع كالحيدرخانة، لكنها افقياً تقدم لك منظوراً عن وطن مفكك بالأسي وأرض منفصلة عن بعضها، بشراً وكيانات. بسبب العسف والحرب والنفي والحصار.  
امتدحته عديد الصحف والمجلات الالمانية، وهو يستحق ذلك لتميزه في التقنية والتناول. ففي معرضه الشخصي ببرلين عام 1995 علقت جريدة (بريد الصباح) بقولها: ان الفنان رضا حسن يطرح الحرب التي مر بها وطنه الأم، بشكل يثير الفضول، وبألوان وتقنية ذات قيمة فنية عالية . 
أما صحيفة (مرآة اليوم) فعلقت علي لوحاته بمعرض (BBK/ جمعية الفنانين التشكيليين الألمان) عام 1992: ... أما الفنان رضا حسن فمعاناة الانسان هي محور أعماله . 
وحين أقام مع جماعة (عود الثقاب) معرضاً في العام 1986 علقت جريدة (برلين) علي أعماله بقولها: ... ان الفنان رضا حسن يخفي وراء بشاشته اعمالاً فنية ذات مسحة دراماتيكية . 
وعنه قالت صحيفة (بريد الصباح) الالمانية (1989): فنان مبدع بأكثر من حقل فني وهذا نادراً ما نجده لدي سواه من الفنان . 
وعلقت مجلة (قاسم الضباب) السويسرية بقولها: نحن سعيدون باحتضان فنان مثل رضا حسن، فهو أحد رواد (المضحك المبكي) في فن الكاريكاتير . أما مجلة (مرآة آلبومه) الالمانية فقالت: للفنان رضا حسن فلسفة خاصة، وان اعماله تجسد نظرة ناقدة وحادة لكثير مما يمس حياتنا اليومية . 
وتماماً.. الكثير مما يمس حياتنا اليومية، هي تجليات اللوحات، الزاخرة بالغربة والحنين... وتماماً.. لوحاته (المرسومة) ولا أقول (المكركتة) هي: خليط الحزن والضحك، وهي أيضاً (فكاهة سوداء) تجعل المتلقي في حالة تفكير عما يمس حياتنا بالفعل، وما يجري، ولا تدعه يذهب بابتسامته الي منطقة الرضا والطمأنينة و القفشة بل تشدها للنظر بعمق لما وراء الخطوط الساخرة من معني حزين يثقل قلب الانسان ــ في الوطن العربي والعالم في آن. 
ومثل عديد شباب الرسم، في طيف السبعينيات، حمل رضا حسن فرصة في تجديد يعبّر.. ذلك ان احتدام الستينيات انتج فناً مغايراً، لكنه اشتق نظرته من الواقع وخسائر الحياة والسياسة والاحزاب واقتتال الداخل والاحتراب (الايديولوجي)... ومن ثم، ذلك الهاجس بأن الرحيل وشيك، والمنفي هو الملاذ. فانبثق عن ذلك الركام العنيد من المواجهة، جيل اعترف بشرعية لوحاته معبراً وجسراً للتخاطب والتخاطر ورسالة أفقها يتسع ولا يحد. 
هذا الجيل مارس الاكاديمية و الانطباعية بمهارة اساتذة، كان في طليعة هؤلاء تقنية وخطوطاً ولونية عالية وموضوعاً لا لبس في انتمائه للانسان ثلاثة فتية: صلاح چياد، فيصل لعيبي، هادي نعمان.. 
اتكأ رضا علي العنوان الادبي الساند وهو أمر يميل إليه الناس في توصيف اللوحة أو توثيقها ــ وأحياناً لادراك مراميها وبعدها. وكان هذا الامر موضوع نقاش صداقي، طرحه مهندس (كردي) يحمل جنسية المنافي ايضاً، عريق بثقافته العربية، وبانسانية نظراته، حين وقف عند لوحة رضا ــ المعلقة علي جدار في غرفة استقبال احد المهندسين المولع بلوحات الفنانين العراقيين ــ جوار لوحة لفائق حسن وأخري لمحمد مهر الدين، وقبالة لوحات للصكار وكان عنوان لوحة رضا: الحيدرخانة ، في حين كان لوحة مهر الدين بلا عنوان مع انها تضمنت غربة الانسان، اذ هي من اشتغالاته الأخيرة امتداداً لمعرضه الشهير: غريب هذا العالم أكيد ان (العناوين) الادبية تساعد لوحات رضا حسن علي سبر موضوعاتها، بخاصة وهي تتوجه الي المتلقي الاجنبي، لكنها تمتاز ايضاً بخصوصيتها التقنية، ودالها الوطني والانساني، فالفن، مثل الحقيقة، يقبل النظر إليه من وجهات مختلفة! اذ حين نضع لوحة رضا ــ افقياً ــ سنري أهواراً مجففة، وعموديا سنشاهد بانوراما المأساة، رحيلاً مفجعاً لبشر الاهوار، وتغيراً في طوبوغرافية المكان.. تبدو الشخوص ــ في اللوحات ــ علاماتية، خلاف لوحاته الكاريكاتيرية التي تجعل الشخوص تدخل في صميم المشاهد، فلا يخطئ التأويل، وهي أيضاً غير قابلة لتفسيرين، فهي كركته الموضوع الواحد والمباشر، مع احتفاظها بتقنية عالية ومميزة في التعبير والسخرية. 
عديد لوحات رضا ــ الكاريكاتيرية ــ لا تحتاج الي تعليق.. فكيف يمكننا التعليق علي رسمة لعراقي غريقاً، تمد له (اميركا) يدها بطوق نجاة مثقوب؟! 
شفافية الروح الحزينة، وقوة الملاحظة كرستها بقوة التقنية والبراعة العالية. أما لوحاته الكاريكاتيرية الاخري، فهي تتسع لاكثر من كتابين احدهما طريف وساخر حد المرارة عن الغرب وعاداته، حين اتخذ الكلب كرفيق للانسان!.. وتجاوز اهتمامه بهذا الكائن، حدود المنطق والمعقول. 
وهكذا.. تماماً.. من ملجأ العامرية ومأساتها الي محارب مكمم الفم ومدقوق علي رأسه وعلي جسمه بالمسامير، (ايقاع مضطرب)، كما عنوان احدي لوحاته، لكنها، كذلك الحياة..، لوحاته، اذاً، تمس واقعنا، هنا، أو هناك... وبسخريته، أو بحزنه.. يرسم رضا حسن همومه، بصدق، وهمومنا أيضاً، علي خلفية رصاصية كئيبة منذ الثمانينيات حتي نهاية القرن العشرين، ثم علي انفتاح لوني صادح، اختزل، شيئاً، شيئاً، تلك الحجوم والكتل والوجوه والحالات، ليصير الي الجسد البشري مشعاً بعذاباته، ولكن بالتجريد اللوني، وبذلك التشظي الصاخب المعبر عن ازمة الانسان في الرحيل الي المنافي، وايضاً في الانتقال الممض من مكان الي آخر، لكن الضوء الساطع، عاد من جديد بألوانه الحارة، ليغمر لوحاته الاخيرة، كما لو أن المكان صار مقارباً لبلاده، هنا، رأي ــ بعد قرابة الربع قرن ــ المنائة من جديد، الشمس الحارقة، وطرز العمارة، البشر والاسواق، والعادات، فاستذكر ألوان وطنه، وعمائرها وقبابها وابوابها وشبابيكها وازقة بغداد.. لكنه ايضاً استذكر المحمولات الميثولوجية من رثاء انكيدوا الي رثاء اور، ومن ملجأ العامرية ــ حيث الرقاد الأخير ــ الي الوطن الممنوع من الحب. فراحت فرشاته تبحث عن ملاذ في الجسد العاشق، والحبيب الذي سار معه هذا الترحال النبيل بصبر..، وعلي حياء، ظهر ذلك التزامن العشقي، وان جاء متأخراً، ومعه، ظهر طيف من الألوان البراقة، الحارة، غلب فيها الاصفر ــ كأنه شمس بلاده ــ والازرق ــ كأنه سماء بلاده.. أو قباب مساجدها وأضرحة أئمتها والأولياء.. 
مهما ابتعدنا.. عنه، فالوطن، لا مناص، يغمر العقل والقلب والمقلة بالحب والحنين والهموم، في آن! 
ورضا عبّر عن ذلك كله، في ذلك كله. 
 
المقال بتاريخ 2002 - 7 - 25