|
مدار النقد |
|
بقلم : شوكت الربيعي بدعوة من الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، أفتتح معرض الفنان البارع الدكتور صبيح كلش في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 2005م.. ونجد في هذه المبادرة الطيبة من قبل ادارة الجمعية، اهتماما نبيلا حريصا على عرض النماذج المتقدمة التي تتميز برؤى أصيلة ترى في تقديمها للجمهور العماني أهمية جوهرية لإمتاع الذائقة الفنية بالقيمة الجمالية التي تعمق الشعور بالعمل المثمر وبحب الحياة.. تحية إلى مبادرة المستقبل. =======مقدمة ولد الفنان الدكتور صبيح كلش عام 1948 وسط عائلة نزحت من مدينة (العمارة) الزراعية، التي تقع على ثلاثة انهر : دجلة والمشرح والكحلاء في جنوب العراق، وعاش ونشأ بين أفراد طبقة فقيرة من الفلاحين الذين هجروا الأرض للعمل في المدن . وكان في صباه، مولعا برسم وتكبير الوجوه الشخصية لأفراد عائلته وبعض اصدقاء طفولته وممثلي السينما و النشرات المدرسية في مرحلة الدراسة الإبتدائية.. وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره، دخل معهد الفنون الجميلة في بغداد ونال دبلوم الرسم عام 1970 م. وظلت مواضيعه المحببة، تمجد الإنسان والأرض في القرى والأرياف ومشاهد العوائل الفلاحية الفقيرة. وأهوار العراق، محققا ذلك بصياغة ومعالجة واقعية، لكثرة ما كان يتامل اللوحات الكلاسيكية و الأعمال الواقعية والإنطباعية والأكاديمية الدراسية التي اعتمدتها المناهج التعليمية في العراق، كما كان ذلك يحدث أيضا في كلية الفنون الجميلة، التي درس فيها لأربع سنوات، ليحصل على بكالوريوس في الرسم عام 1974 م، وينال بعدها عدة جوائز مهمة عن مشاركاته بمعارض وطنية وعربية ودولية، أثناء فترة عمله رساما و مصمما في الصحافة العراقية وفي قسم التصميم في وزارة الاعلام، منها جائزة معرض الرابطة الدولية ( أياب)عام 1976م..
التعبيرية الحديثة اشتهر صبيح كلش برسم المشاهد الطبيعية والواقعية. كما جسدت لوحاته الخفة الجامحة لدى قرويات فاتنات من أهوار الجنوب، اللاتي يصفهن الشعراء بأجمل نساء الجنوب قاطبة، كان يعرف قيمة وجمال المرأة فيرسمها فاتنة بطلعتها البهية النابضة بالحياة واضحى الفنان الاكثرقبولا والأوسع شهرة بين أقرانه من الرسامين. لمعالجاته الجريئة المبتكرة في تفاصيل لوحاته الواقعية واندفاعه لرسم المواضيع الريفية وعالم المرأة والفلاحين . لقد أمضى سنوات كثيرة منهمكاً في العمل المتواصل. إذ كان يستغرقه الرسم لإثنتي عشرة ساعة يومياً في مشغله. فعمل بجدية وأنجز كل الموضوعات التي طلبت اليه. كان سريعاً وموهوباً ويرسم في منهجية حرفية عالية. و سطعت تجربته في هذا الجانب، وانهالت عليه طلبات التكليف برسم جداريات في الفنادق والمؤسسات والبنوك والنوادي والجمعيات الخاصة. ورسم أعمالا لأشخاص عاديين احبوا أسلوبه وألوانه الشفافة في إظهار مفاتن المرأة التي تدفع بزورقها الممتليء حطبا لتنانير الخبز، وسط مياه الهور الصفراء من كثرة الطمي وقت الفيضان، لتبدو أكثر تألقاً وجمالا بلمساته الساحرة. وكان يرسم ايضاً اعمالاً للمعارض الشخصية والسنوية المشتركة. ومع كل هذه الانشغالات وجد الوقت ليفتح محترفاً لتجاربه الفنية ولكنه هجره لسبب ما ، على الرغم من تلقيه دعم وتشجيع أسماء كبيرة في الادب والفن والصحافة الفنية. لقد انجز- ضمن ذلك الاسلوب الواقعي التعبيري- افضل لوحاته التي جلبت انتباه نقدة الفن والصحافة وأوصلته إلى الشهرة بعد التخرج.. وهي الآن ضمن مجموعة المتحف الوطني للفن الحديث في العراق ومؤرخة مابين الأعوام ( 1970-1976). عكست مفهومه عن دورالفن الحقيقي، ووظيفته الاجتماعية، المرتبط بواقع صعب متشابك يثير الكثير من الأسئلة الشائكة التي تلهب من محنة الإنسان في متغيرات الواقع وتفاصيل مفردات الحياة اليومية . وبسبب تعاطفه مع أفكار ومنطلقات الفنون التعبيرية الحديثة، قدم ( مشروعه الفني) معبرا عن مشاهد وحالات مرمزة بمفاصل تاريخية ووحدات من الموروث الشعبي، وحالات تراثية من تاريخ حضارة وادي الرافدين وبخاصة شخصية عشتار والملك السومري التاسع كلكامش، الذي دون أهم الملاحم الأسطورية في تاريخ الآداب الإنسانية القديمة 0 وهنا وفي هذه الأثناء ( 1976 )، ترك العراق وسافر إلى فرنسا لدراسة الفن على نفقته الخاصة ( يشتغل ويواصل دراسته )، فنال الدبلوم العالي من المعهد العالي للفنون الجميلة (البوزار) في باريس عام 1981م. وربما كان تقديره للثقافة الفنية وتاريخ الفن ، أحد أسباب متابعته للدراسة في جامعة السوربون والحصول على شهادة الماجستير عام 1983 م. مستكملا بحثه في تاريخ الفن المعاصر عام،1989م، حيث نال درجة ( الدكتوراه ). فتميز بين الفنانين، ليصبح من أكثر الرسامين العراقيين اهتماما بتقاليد الفن الحديث، وانجز الكثير من الرسوم والتخطيطات خلال عمله في بعض المجلات العربية التي كانت تصدر في باريس، ومنها لوحات البورتريه التي رسمها لأصدقائه من الشعراء والادباء والمسرحيين المؤدين والمخرجين والمؤلفين فيه وفي الموسيقى والباليه والكتاب و الرسامين والنحاتين والروائيين ونقدة الفن. وقد اتيحت له فرص ذهبية عند زيارته دول أوربا الغربية بغية التعرف على أعمال كبار الفنانين في هولندا وايطاليا.. وأسبانيا التي زارها عدة مرات لأنها، غنية بالآثار والمتاحف وصالات العروض الفنية المحلية والأوربية العالمية وأعانته على دراسة أعمال رواد الفن فى العالم مثل ( فيلاسكس وجويا وبيكاسو وسلفادور دالي وتابيس و مانيه وسيزان وهارتونك وفولس ) . فساعدته على شحذ موهبته الفنية. التي كانت قد نضجت مبكرا في سن السادسة عشرة لتتطور وتتعمق بفعل الدراسة الفنية. ولاتزال تلك الإنطباعات التي تولدت عن زياراته لمتاحف العالم الحديث، تظهر، حتى الآن، في أعماله الفنية.. لقد هيأت ظروف انتشار التجريبية وحداثة الأشكال المتقدمة، ظروفا أفضل لنمو وتطور الأساليب والإتجاهات السائدة في أعمال الرسامين الشباب في العراق، بعد أن لفتت أعماله انتباه نقدة الفن والصحافة التشكيلية،وانجذب الناس إلى اسلوبه وبخاصة لوحاته التي تصورالمشاهد الريفية الحافلة بالضوء وسحر الريف وبالمظاهر الحياتية اليومية في أهوار جنوب العراق وكان يهدف الى ما يشعر به دائما من جمال الطبيعة ونضارة الحياة .. وكانت ألوان تلك اللوحات مشبعة بالضوء وبالتوجهات والمعالجات الإنطباعية الساحرة المؤثرة في نفوس المشاهدين.. وكانت لوحاته آنذاك تنتمي إلى مرحلة التعبيرية .محاولا التوفيق ما بين الواقعية و الإنطباعية والتيارات الشكلية الحديثة التي سادت تجارب الفن في العراق ، لذا كانت أعماله في المجال التعبيري، تنال أعجاب الرسامين المحدثين وعل رأسهم (فائق حسن وشاكر حسن ومحمد مهر الدين ورسول علوان وغالب ناهي) ،ليس لأنه احد تلامذتهم، بحكم تدريسهم له في معهد وأكاديمية الفنون )،إنما لأنهم تعاملوا بايجابية مع تجربته المتأثرة بتيار الحداثة الواضح والمثير والجميل. و كانت صياغة لوحاته، مثار إعجاب النقاد أيضا، لوضوح شخصيته الفنية.. وتميز أسلوبه في الرسم عامة. وكان يقضي معظم وقته منكبا على البحث في التجريب بالرسم، ولكن كيف له ان يحتفظ بتفجر حيويته ونقاء وبهجة روحه ونفسيته، دون كلل أو ملل منفعلا بصدق التجربة، ومحترقا بذلك الإنفعال.. كما فعل جواد سليم الذي مات بالسكتة القلبية وهو يعمل في نصب الحرية الشامخ في ساحة التحرير ببغداد. أو كما حدث للفنانين: فرج عبو وحافظ الروبي وعطا صبري وخالد الجادر واسماعيل الشيخلي واسماعيل فتاح وسواهم من الرواد.. نحن نصف الحماسة ألتي أحاطت بأعماله بأنها افتتان مرتبط بعقلية زمنه 0
لقد عمل الفنان (د. صبيح كلش) بعد عودته إلى العراق، في عام 1990استاذا في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ، أخذا بنصيحة أستاذه ( فائق حسن ) ،وهيأ لنفسه محترفا في منزله، حيث كان يتمتع بحرية نسبية، دون الانصياع الكامل للمناهج ألأكاديمية الصارمة التي تتناقض مع طبيعته الخاصة ، وأحتل موقعا خاصا في صفوف الحركة التشكيلية العراقية إذ أسهم مع تيارات الحداثة الفنية في العراق، بنشر جانب من تلك الاتجاهات الفنية الجديدة ربطت بين مراحل الرواد في الأربعينات وما بعدهم من مراحل الفن التشكيلي في العقد السادس من القرن الماضي. حيث شهد الفن العراقي بفضل انطلاقة جيل السبعينات ذلك الجيل الشاب وحيويته، بداية جديدة في توجهات الفنون البصرية في العراق.. ثم اشتغل في جامعة اليرموك في الأردن، وجامعة الفاتح في ليبيا مابين الأعوام: 1997) - (2000م . وكان في عام 2004م - رئيسا لقسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس - سلطنة عمان. وكان قد أقام خلال تلك الفترة عدة معارض شخصية ومشتركة في عمان والخليج العربي وفي بعض الأقطار العربية والأوربية. كما أنجز لوحات تعبيرية حديثة يصعب الاختيار بين أفضلها وأبلغها وأشدها تأثيرا من بين عشرات الأعمال الفنية التي أنتجها بعد عودته إلى وطنه.. ومن اشهرها في التسعينات من القرن المنصرم عندما أقام معرضه الشخصي على قاعة حوار 1996، تلك الأعمال التي عبرت عن هموم الإنسان وانشغالاته وتطلعاته إلى المستقبل، على الرغم من مواجهة جدران الرعب والمخاوف والحصار والإستلاب، وكأنه كان يتنبأ - (في مواضيعه التعبيرية)- بقوة رمزية ستتوغل إلى اعماق المعاناة الإنسانية، لتوا جه جد ارالخوف والرعب و إلغاء هوية الشعوب ومحاصرتها وتقطيع أوصالها، كما جرى عندما أقاموا جدار برلين بعد الحرب الثانية، وما يجري الآن من بناء جدارالعنصرية في فلسطين، وجدران سود أخرى ستبنى هنا وهناك. وهي لاتختلف رمزيا عن الجدار المتصدع الذي رسمه صبيح كلش مع بقايا حطام إنسان وامهات ثكلى ويتامى وكوابيس، قد أضفى على مواضيعها التراجيدية، شعورا دراميا بحيوية الشكل الفني ومعماره وحركة أجزائه في مساحات صغيرة وأخرى عريضة، كانت جزءا من معالجته التقنية على مسطح اللوحة التصويري. فاندفعت مفاصل المضمون متصاعدة مع عناصر الشكل الثانوية، لتعبرعن قيمة الموضوع الجمالية والوظيفية، وقد أمدته بطاقة الرفض والمقاومة، وعززت حضور الإنسان الفاعل المستجلي آفاق المستقبل. و الفن الحقيقي، هو الذي يعطي معنى واضحا لمفهوم الحرية، قيمة ورسالة ذات رؤى مستقبلية.كما ان النزوع الانساني في الفن جزء من حرية الفنان في التعبير عن مواقفه المبدئية والدفاع عن قيمة الفن الرفيع المؤثر في قيمة ووجدان المجتمع الإنساني. وفكرة صراع الإنسان وعذاباته وتمزقه لقد بدءها،( وهو طالب فن) - مستخدما التقنية والأسلوب الحديث من خلال( موضوعة) فن الأرض.. والمفردات التي كان يضعها في لوحاته، إلى اليوم، لم يتعب من تكرار رسمها : أطراف الأيادى البشرية وهي تشير إلى (علامة النصر)،والعظام الملفوفة بأكياس النايلون الشفاف . وهكذا ينبغي أن تتبلور مواقف الفنانين والمثقفين عامة للتعبير عن رؤاهم ولتجسيد معاني الحرية التي تعمق الشعور الحقيقي بدور الفن والادب والعلم والمعرفة في تقدم وتطور حضارة ومستقبل البشرية والحفاظ على الحياة الانسانية. وهذا ما سعى إليه الفنان صبيح كلش في معارضه السابقة. واحتفظت تجربته باختزال وتبسيط واضحين وبتقنية رقيقة لموضوع شديد الإنفعال والقوة. وتمكن أن ينجز أعماله التعبيرية المبسطة، بروح البيئة وأنفاس الأمكنة، وطبيعة الرؤى العربية، منذ 1967.جسدها (روح وقيمة العمل الفني ).. دون استعارات واضحة من الفنون الاخرى.
شاهدنا في بعض لوحاته، وجوها مرتعبة، مجوفة، مرتابة، ومستوحدة، لامست
أحزان العراقيين على مدى القرون السالفة ..تلك الوجوه التي ، سعت داخل
مساحة
الذاكرة تتلوى منعزلة صامتة تحمل تمائم الحرب البشعة في ظاهرها
وأغوارها ومراياها.. كان عنصر التكرار في حركة وحدات الشكل الفني, يتحول إلى معالجة بارعة في التقنية اللونية التي تبدو وكأنها تستعير مفردات وتشبيهات وإشارات لولادة حوافز ودوافع جديدة. فالخطوط البسيطة الأولية هي جزء من رموز عاطفية متصلة بالطبيعة. وتتنوع أشكال تلك العلاقة ما بين عناصر التكوين والبناء الشكلي وتتداخل وتتنافر أو تعود إلى حالة تكونها الأولى . لتقترب من تضاريس الأرض حين تنفسح ألوان الأشكال بين مفاصلها. كي تفتح نوافذ كوامنها، أوأن تغلق دوننا الأبواب. لتتحول إلى جدار صدي كثرت على مسطحه الأسود شقوق العذابات البشرية. لقد ازدادت اهتمامات ( صبيح كلش ) بمعالجة التفاصيل التكميلية في هيكل البناء وبخاصة عندما قام بتنفيذ رسم شخوص اللوحة ككتلة أو مساحة من تصميم مفردات الواقع الاجتماعي وحياة الفلاحين والمزارع والحقول والانهار وتصوير مشاهد الاعياد والاحتفالات الشعبية الموسمية والسنوية الدينية والاجتماعية، في الوقت ذاته ولكي يبدع (صبيح كلش) في إنشاء لوحته وبنائها أومعمارها، استخدم بعض الرموزالزخرفية والحروف العربية ومقاطع محددة بخط الثلث والجلي والديواني والكوفي من آيات قرآنية استعان بها جماليا، على تنفيذ ومعالجة الموضوع . وهو يدرك اهمية استلهام رسم الحروف العربية وويتقن استخدام الخط العربي بكل حرفياته وتقنياته وتنوع رسوم أشكاله بما تحمله من قيم جمالية وأخلاقية، جعل منها رموزا وإيحاءات تشبيهية، صورية تجريدية .. من جانب آخر، يحقق الفنان انطباعا خاصا في تصاعد العامل الدرامي للموضوع، عندما يعالج حالة اجتماعية أو يرصد قضية قائمة تشغل أذهان الناس، مؤكدا على الجانب القصصي الحكائي الذي يدعم معالجة عناصر الشكل بالمستوى الذي يتسم بالرفض والمقاومة . على سبيل المثال : لوحة (النائحة الثكلى) المرأة النائحة ،على شاهدة قبر، ربما كانت حزينة لفقيد كان عائدا من منافي الجوع والمخاوف والأحزان. ولكي يبدع (صبيح كلش) في إنشاء لوحته وبنائها ومعمارها، ولكي يطور تقنياته لتنفيذ رسم شخوص اللوحة خلال ذلك، تجسيدا للموضوع، استخدم بعض الرموز الزخرفية والحروف العربية ومقاطع من آيات قرانية، استعان بها على تنفيذ الموضوع .مخلفا انطباعا خاصا لردود الأفعال، حققه الفنان بشكل دراماتيكي خلال هيئة (المراة النائحة) على شاهدة القبر، ليسحب المشاهد دفعة واحدة، إلى استذكارالموضوع المتعلق بالمغادرين ذاكرتهم واوطانهم، أوبالعائدين من منافي الجوع والمخاوف والأحزان.. فأظهرها في صورة الفجيعة، منشدة لملاقاة وحيدها( الضحية) التي نهضت من ظلمة القبر. كما يرينا الفنان في خلفية اللوحة( الجدار المشروخ) واكياس مليئة بأشلاء وهياكل عظمية.. وشواهد قبورأخرى بلا عناوين أو أسماء وأخوات وامهات وزوجات ترملن نضرات يافعات، يسرعن إلى أحتضان ذاكرة الغائبين.. أو الطفلة التي تجلس إلى جوار القبر، تنظر مستغربة مندهشة يحتويها معنى مبهم عن موت أبيها الذي لن يعود، كانت صغيرة جدا لكي تتذكره. الفنان هنا يسحبك إلى قصة ورواية وحكاية وناس ومجتمع وامة وأزمنة وأمكنة وحيوات. وبهذا كله، وضع عناصر معماره الفني وانشائه على عدة اقسام، الجزء البعيد هو امتداد وانبساط الأرض والجزء الذي يليه يشير إلى كتلة الجدار أو رمز الماورائية وما نجهله خلف حائط الغموض، من عالم الآخرين.. واشتمل الجزء الثالث على مشهد القبور والغربان والغيوم في السماء المبقعة بزخارف وحروف تم معالجتها تقنيا ضمن انشاء العمل الفني، ولمسات لونية صغيرة وكبيرة وعناصر تكميلية متوزعة على مساحة خلفية اللوحة.. والجزء الرابع وهو الأهم، يشير إلى مقدمة اللوحة واشتغال الرسام على مسطحها التصويري .. إذ تتميز واجهة لوحاته عموما بدلالة كتل المساحة الأمامية لكل عمل، وبمعالجة لماحة، لعناصر اللوحة الأساسية ولمكونات إنشائها العام، وقد نجح الفنان بجعل عيون المشاهدين تتركز مباشرة على كتلة الأم وهي جالسة متعبة وضعيفة.. وحزينة. لأنها بؤرة الحدث ومركز الموضوع والشكل معا. طبعا ، هذا مثال واحد عن الطريقة التي ننظر بها نقديا إلى العمل الفني، ستقودنا إلى متابعة التجربة الرائعة التي نتأمل قيمتها الجمالية، كلما اختصرنا المسافة بين بصيرتنا وذائقتنا وطاقة التخييل عندنا، وبين العمل الفني الذي نسعى إلى التقرب من روحه وعالمه الخاص. إن انشغال واهتمام صبيح كلش بعناصر الشكل، أسهم في أبجدية الموضوع، فأوجد للكتل والمساحات والخطوط والشخوص والجدران التي رسمها، قيمة تعبيرية مسكونة بالتحولات، وأعطاها روحا و مشاعر و طاقة بوح بالحقائق الغائبة وبا لتناقضات والانكسارات، ما يشير إلى أعمق من دلالة اليقين وبلاغة الصمت والتأمل. كما ظهر في خصائص الشكل الذي عرض خلاله المضمون في لوحاته الجديدة المتلائمة مع رؤية الفنان.
خلاصة الرؤية لقد رسم الفنان د. صبيح كلش، آفاق استلهاماته التعبيرية عن خبرات وتجارب معلميه وتبلورت خلال سنوات دراسته الفنية التأسيسية الأولى في بغداد على أيدي فنانين اساتذة كبار: في المتوسطة النظامية، كان معلم الفن، شاكر حسن سعيد. وفي معهد الفنون كان: محمد مهر دين ورافع الناصري. وفي الأكاديمية، كان فائق حسن واسماعيل الشيخلي وحافظ الدروبي وصالح القرة غولي ونزيهة سليم واسماعيل فتاح وسعد شاكر ومحمد غني.. لهذا فإن الناقد المتابع، سيرى حضور ملامح كل هؤلاء المعلمين، في معالجات وصياغات متناثرة تنبثق دفعة واحدة في لوحات (كلش).. وهذه الملاحظة تجدها واضحة جدا في لوحاته التجريبية التي أنجزها في باريس، وكانت دراسته الفنية هناك، قد أثمرت عن حيوية وحدات معمار العمل الفني ومعالجتها باتجاه نضوج الشكل العام بتعامل شفاف مع الخطوط والحروف المغرقة (بالتاشيزم) أو(البقعية) المتناثرة والمتداخلة مع الخطوط الحادة المتقطعة المتجهة إلى مركز اللوحة او الخارجة عنه في البناء المفتوح. كذلك أولى اهتماما للخطوط الصغيرة المتقطعة التي ترمز إلى الماء، ضمن تكويناته المتكررة التي ترافق استعارة رسوم المثلثات المتعاكسة المتجاورة والمتداخلة،التي نراها في الأواني والأصص الفخارية ونقوش الأفاريز ومنحوتات الرليف على جدران المعابد والقصورالسومرية والبابلية والآشورية، بله اعتماده الرموز والإحالات العمانية: المبخرة – الخنجر – الماء – الثروة السمكية والنفطية – النخيل والرطب وثمر جنة عمان الأخرى، وقيمة الإنسان العماني الكبير بمكانته وتاريخه وطيبته ووعيه ومعارفه..، وكان الفنان قد جعل من بعضها رموزا متكررة تنبثق من مركز اللوحة باتجاه المشاهد .. تلك الإستعارات كانت قد شملت معظم مساحات لوحاته التي ظهرت بألوانها المبسطة والمقتصدة. وبالرغم من تراجيدية وجدية بعض مواضيع اللوحات سياسيا واجتماعيا وأسريا، فإن امتلاء اللوحة الواحدة بجمالية حركة الأشكال وتوزعها على المساحات والكتل ،جعل منها مشهدا مبهجا مفرحا، بالرغم من تراجيدية بعض المضامين.. ويمكن للمشاهد ان يتخيل في لحظة ما، بأن عينيه ستمتلئان بدموع الفرح، وستحتفل بصيرته وروحه بلحظات التجلي على معراج الفنون الإنسانية التي تعمق مشاعرنا بحب الحياة. كان أساتذة صبيح كلش، من العراقيين والفرنسيين ، قد ساعدوه على رؤية اسلوبه، فهو لم ينسلخ عنهم ولم يفلت من تأثيرهم.. وأصبحت تجاربهم، ينبوعا يرفد التعبيرية لديه، بأفكار جديدة، تعامل معها وأضاف بها خبرةعلى تجاربه السابقة، وحافظ في الوقت ذاته، على طابعه التراثي الذي صار رمزا وثيمة في عمله فرزه عن سائر تجارب الآخرين. وهذا ما كان يشغل تفكيره واهتمامه، منذ أن أنهى دراسته في باريس وحتى اليوم. وقد انعكست تلك الرؤية والمتابعة، على منطلقاته وافكاره ابتداءً من موضوعاته: قضية الانسان المستلب ورمز الجدارالمنشرخ والصلب والشهادة وأسئلة الوجود و والرفض والمقاومة والرأس القناع والطيور والغربان، وقطع جسدية ومفاصل عظام بشرية وجثث ملفوفة بأكياس شفافة، هذا من حيث الموضوع ..أما من حيث الصياغة والمعالجة والتقنية، فإنه يشغل مسطح اللوحة بالتركيب الجزئي لعناصر البناء العام للشكل الفني، بين الخط والمساحة وإخضاع بعض الأشكال الزخرفية للمعمار الكلي واستلهام حركة الخط العربي ضمن تجربته العامة. فمن يتأمله وهو يرسم لوحاته بمسطرة فكرية هندسية، سيرى: دقة وضبط وانسجام وتوازن واقتصاد رقيق في اللون والخط ومتانة يقينية في معمارالشكل الفني العام المتصاعد مع المضمون.. وسيرى أنه يوشيها بموسيقى الذاكرة التي اختزنها في تجربته عن أعمال أساطين التشكيليين العراقيين والعرب والأجانب، وهو ما انعكس، (حاضرا)، على تجربته بشكل واضح، خاصة في بناء عناصر الشكل الفني وتناغمها الحيوي المتوازن مع مكونات المضمون.
عطر وقيمة المكان كانت ريشة الفنان صبيح كلش ترسم، قيمة المكان المعطر بذاكرة أمته بين العراق وليبيا والاردن وسلطنة عمان، فجعل من تلك الأمكنة، وطناً للوحاته الفنية، فبرع في تصوير البيئة ويوميات المكان بإنجاز تخطيطات بقلم الرصاص والفحم والمائية والإكريلك والأقلام الخشبية الملونة والباستيل والشمع، سعيا وراء حداثة الشكل، ووضوح المضمون السامي. فيكون فنه امتداداً للوجدان والروح والعقل، وهو يعرض للمشاهد، متعة العين والفكر والنفس، لتلتقي عند نقطة الرؤية المستقبلية الجديدة، على أفق الفن الانساني.. و ستبقى في ذاكرة المستقبل، لوحات لاتنسى من أعماله الجميلة ، تجسدت فيها جمالية (قيمة المكان) في عمان وفي أزمنة وأمكنة أخرى عاش فيها مع عائلته، وطرا من عمره، فتجسد فيها بهاء المكان (بكل مفرداته وتفاصيله ورموزه) وامتازت بقوة حضور (الإنسان العماني) و تاريخه ومهابته وأخلاقه وانسانيته، فكان لذلك الأثره العميق في نفسية وافكار وفن صبيح كلش، حتى ضمت لوحاته (تجربة المكان والزمان والإنسان )، وهي تتحدث عن أرض عمان التي تسطع بالدفء الحيوي. الذي جسدته لوحات جديدة، حملت صفات وملامح مالوفة في المعالم الآثارية والثقافية والسياحية والحضارية، وبعض الرموز والنماذج الوطنية الشهيرة في تفاصيل الحياة العمانية اليومية التي رسمها بالزيت على قماش (كانفاس) بقياس ( 100سم × 100سم ) وآخر بقياس( 70سم × 70سم) وأنجزها جميعا، في العام 2005م. فاحتضنتها قاعات الجمعية العمانية للفنون التشكيلية. شوكت الربيعي ناقد وفنان تشكيلي sh_alrubaie@hotmail.com مسقط 8 / 10 / 2005م
|