مدار النقد

 بقلم:  سعد هادي

saadhadixm@hotmail.com

 

   لا تختلف سمات و خصائص الأعمال التي نفذها النحات عبد الرحيم الوكيل خلال السنوات الأخيرة وبالتحديد خلال عقد التسعينات عن تلك التي نفذها من قبل، انه يريد من خلالها أن يصل إلى جوهر المادة وأن يتوصل إلى أقصى ما تمتلكه من أسرار وان يبدأ من شكل ما في الواقع دون أن يلتزم بإعادة صياغة مظهره حرفيا في المادة الصلبة والعصية التي يتعامل معها ثم انه يريد أن يكون نحاتا من هذا العصر دون أن ينسى جذوره في الأرض التي بدأ منها .

   انه لا يزال يتذكر كيف كان خلال السنوات الأولى من الأربعينيات يمضي أوقاتا بين خرائب بابل ينبش فيها الأرض مع صبية في مثل سنه للبحث عن دمى من الطين المفخور تمثل آلهة أو حيوانات أسطورية أو بشرا يختزن الطين ملامحهم إلى الأبد. كان البحث ينتهي عادة بظل رجل عملاق، غامض يستعيد الدمى كأنه يمضي بها ثانية إلى الأرض التي انتزعت منها ، كان هذا الرجل هو الشقي المعروف (ابن عبدكة) الذي كان هرب من ماضيه الشبيه بأسطورة بطولية ليستقر بين أطلال بابل حارسا للآثار ثم ليقتل هناك في مشهد غريب في بنائه ومعناه .

   يعترف الوكيل إن تلك هي البداية وهي التي جعلته ينظر إلى النحت نظرة خوف ممزوجة بالتقديس وبانه محاط دائما بأسرار العالم الآخر وظلال السلطة اللانهائية للماضي وانه يرتبط بالأرض أو يتولد عنها، مادة وصورة، يبدأ منها ثم يعود إليها، كانت هذه الأفكار التي تولدت في ذهن الصبي عن معنى النحت وأصوله وغاياته وهي الأفكار التي ظلت تنمو وتمتزج مع أفكار أخرى ولكنها تعود دائما إلى كلمة أساسية هي القدسية .

   وفي مرحلة تالية حين كان على الوكيل أن يعمل مع بعثات التنقيب في مواقع أثرية مختلفة وبعد أن اكمل دراسة النحت في معهد الفنون الجميلة بين عامي (54-1959) وحين كان عليه أن يشهد ذلك البحث المضني في أرحام الأرض المتفرقة عن تاريخ مضمر وان يلمس بيده تلك الدلائل التي تشير إلى الماضي وان يتأمل القطعة التي نامت لسنوات في الأعماق وهي تستيقظ ثانية في ضياء الحاضر وهوائه ، كان يستعيد ذلك الخوف الغريزي الممزوج بالتقديس والذي كان يعيده إلى طفولته ويذكره بأن للماضي سلطة أبوية وان مخلوقات العالم السفلي لها القدرة على امتلاك هذه الأسرار الكامنة في الطين والحجر والمعدن مثلما هو الحال بالنسبة لمخلوقات العالم الأرضي أو لمخلوقات الجزء من الكون الذي يوجد بين الضوء و الظلمة ، بين الريح والسكون ، بين الماء واليابسة .

ثم توفرت للوكيل تجربة أخرى اكثر إثارة واعمق معنى حين شارك في منتصف الستينات في تنظيم معروضات المتحف العراقي بعد نقله إلى موقعه الحالي . كان عليه أن يرفع كل قطعة أثرية من الصندوق الذي وضعت فيه ويمسح عنها ما تراكم من غبار ثم يضعها في المكان الذي ستستقر فيه ثانية ، قبرها الزجاجي المكشوف أمام الأنظار .

كان يمارس هذا العمل الآلي كما يبدو للوهلة الأولى بأقصى ما يمتلك من تقديس مستندا إلى هاجسه الغريزي ، كانت اصابعه بالكاد تلمس الأثر ، يتعامل بحذر مع ما تركته عوامل الطبيعة أو ما خلفته مجريات الزمن وكان يفعل ذلك بصمت كأنه متعبد قديم ، يتحرك بأناة وهيبة وقد خلع حذاءه لأنه في حضرة آلهة قديمة أو بين شواهد ودلائل تؤدي إليها .

انه يعتبر ذلك هو افضل ما مر به كنحات بل ويعتبر إن تجربة معايشة الأثر التاريخي عن قرب وتفحصه وتأمل مظهره ومعناه دون ظلال أو حواجز هي تجربة فريدة بالنسبة لنحات معاصر ولعلها لم تتوفر لنحات آخر مطلقا .

انه يقترح التاريخ مدخلا لتجربته ، يضعنا دائما أمام فكرة إن النحات يرتبط بخيط لا مرئي بالماضي وانه شاء أم أبى سيصل يوما إلى امتلاك الأسرار التي تربطه بمخلوقات العالم السفلي ، مخلوقات الزمن الذي لا يعود ولكنه يتجسد في أشكال أرضية متعددة .

كان الوكيل قد بدأ رساما ويمكن القول إن النحت قد اختاره ليغير مسار حياته حين رآه جواد سليم مصادفة في معهد الفنون الجميلة وقال له انطلاقا من هيئته و معالم القوة التي تبدو عليه : أنت تصلح أن تكون نحاتا . وظل طيلة السنوات التالية يتلذذ بالرسم و يفكر بمصيره كرسام لو تهيأ له أن يستمر في دراسته  ثم يعود ليقنع نفسه انه كان مقدرا عليه منذ طفولته أن يكون نحاتا .

كانت أعماله الأولى تقليدية ولكنها تستغرق في خواص الكتلة والمادة للبحث عن ما يكمن فيهما خلف المظهر المرائي الذي يأخذ المشاهد بعيدا عن فكرة النحت نفسها ليضعه أمام الشكل وحده ويصبح المعنى هو المظهر ويصبح جوهر المحاولة التي أرادها النحات لأيقاظ المادة من سباتها هو محض استنساخ لأشكال الطبيعة .

كانت السنوات الأولى من الستينات التي ذهب فيها ليدرس في كلية (جلسي) في لندن حاسمة في اكتشافه لمعنى النحت كعمل ارضي قابل للتحوير والتكرار في مظاهر شتى . كان النحت قد اجتاز منذ بداية القرن مراحل عديدة في طريق إزاحة الشكل عن المادة وفي اكتشاف أهمية المادة و تأكيد سطوتها وبالطبع قدسيتها وذلك ما حاوله النحات القديم من قبل ، إذ كان ذلك النحات يحاول أن يجسد فكرته وهي طقوسية في أساسها قبل أن يجسدها شكلا وإذا ما جسد الشكل فانه سيحاول تعديل خصائصه المظهرية لتنسجم مع فكرته الأولى .

إن الدمى السومرية مثلا تجسد أشكالا إنسانية ولكن هذه الأشكال في وضعية تعبد عميقة أو إنها نحتت أساسا لأغراض طقوسية وقد هيمنت على النحات أثناء عملية النحت ظلال تجربة قدسية حاول إعادة صياغتها أو نقلها بإيقاعها وأثرها إلى المادة ذاتها ، تأخذنا إلى ذلك بل تجبرنا عليه : تماثيل الإله آنو وزوجته و التماثيل التي تشبه عائلة مقدسة في وضعية تعبدية متكررة و التي وجدت في تل اسمر و التي تفتح محاجر أعينها العميقة والمظلمة باتجاهنا كأنها تدعونا إلى تأمل ذواتنا التي أعاد النحات تأليف أسرارها ووضعها شواهد موحية أمامنا .كان النحات المعاصر قد تخلى عن الشكل الذي يعيد عمله إلى مرجعية واقعية ليقترح مرئيات يصنعها هو أو يحاول ابتكارها أو تأسيس خصائصها محاولا أن يقطع كل ما يربطه بأشكال الطبيعة مؤكدا إن للمادة قدسية وإن للمادة روحا تكمن خلف مظهرها الصلب ويحتاج إلى القليل من الجهد لإظهارها وإن ما يمكن استنتاجه من رموز وموحيات في ما يلي عملية الاكتشاف أو بعد أن تأخذ المادة صورتها اللانهائية هو بلا نهاية ويختلف باختلاف زاوية النظر أو مقدرة الناظر وطبيعته . ولم يكن ذلك ليؤدي إلى اللامعنى ولكنه يقترح معنى مضمرا في المادة نفسها وفي الشكل الذي تأخذه المادة وإن هذا المعنى خفي ولكنه موجود وإن اتخذ صياغات مختلفة .

أما محاولات مضاهاة الشكل الواقعي فكانت تمر بمراحل متعاقبة من الاختصار و الاجتزاء والإزاحة والحذف إلى الحد الذي يكون الشكل فيه قائما بذاته ، بمعناه ومنطقه ومظهريته التي تتجرد من الطبيعة وتنفصل عنها . وهذا ما كان يجسد جوهر المحاولة النحتية للوكيل خلال الستينات ، كان يبدأ من شكل واقعي ، يمسك بمعالمه الظاهرة ويعيد تأليفها في كتلة الطين أو أي خامة أخرى كما تبدو عليه في المصدر الذي أخذت منه وهو في الأعم الأغلب جسد إنساني أو تفصيل منه ثم يبدأ بالاشتغال على هذا الشكل الأولي الظاهر والمحدد ويعيد صياغته وحذف معالم منه وإزاحة تفاصيل تربطه بمصدره الأرضي وبعد محاولات عديدة يجتزيء كل منها تفصيلا أو سمة يتحول الشكل تدريجيا إلى ظلال غامضة للشكل الأساسي الذي استمد منه أو إلى رمز لا يمكن إعادته بسهولة إلى أصوله التي استعارها النحات أو انطلق منها في البداية . وبالتأكيد فان النحات سيسعى إلى إخفاء مصادره ويتكتم على تسلسل المراحل التي قطعتها محاولته وصولا إلى الشكل النهائي الذي استقرت المادة فيه و سيعتبر ذلك سرا من أسرارها أو سيقدم حلا مواربا يفيد بأنه يصنع شكلا قائما بذاته لا صلة له بأشكال الطبيعة .

كانت أعمال السبعينيات بمجملها تتحدد في هذا الإطار وكانت تنفذ في مواد صلبة تستدعي من الفنان جهدا للعثور على ما يكمن خلف سطوحها . أما في الثمانينيات فقد بدا إن الوكيل قد رسخ اتجاها خاصا يميزه عن مجايليه من النحاتين العراقيين الذين كانوا أمام حلين تقنيين أساسيين هما :

-         استعارة أشكال من الماضي و التنويع عليها سواء كانت هذه الأشكال من الموروث التاريخي الرافديني أو من السياق الاجتماعي الذي تجسد في أشكال فلكلورية و استخدامية متعددة .

-         ثم من خلال الاستفادة من تجربة معاصرة صنعها و بما يشبه المعجزة فنان غائب هو جواد سليم (1920-1961) ليقيم مثالا حيا على إمكانية الجمع بين متناقضات شكلية و نظرية جاء كل منها من مصدر مختلف .

وكان محور التجربة النحتية في العراق التي لا يزيد عمرها في الثمانينيات على الخمسين عاما( إذا اعتبرنا إن ما أنجزه فتحي صفوة و هو أول نحات عراقي بالمعنى الحديث للكلمة من أعمال خلال عقد الثلاثينيات هي البداية الموثقة للنحت العراقي ) يدور حول تعاليم تنفيذية ونظرية تتعلق بجدوى النحت ومآله ومعناه تعود باتجاهاتها العامة إلى تجربة النحت الأوربي وتكرار مبادئه وطرائقه التي تجعل الشكل الإنساني محورا للطبيعة وعنه تنبثق كل الأشكال الأخرى أو تتم كذلك معالجة نسبها ومظاهرها رياضيا من خلال نسب الجسد الإنساني والعلاقة بين أعضائه شكليا ووظيفيا وهذه المبادئ والطرائق تعود أصولها إلى الحضارة الإغريقية في مرحلة نضوجها عندما قررت وضع الإنسان الفرد مركزا للعالم .

كان الوكيل من خلال تعلقه بأشكال الماضي ومن خلال بحثه الشخصي ومن خلال تواصله مع حركة النحت العالمي وأيضا لأسباب تتعلق بمزاجه الشخصي قد توصل إلى صياغات شكلية رمزية يختصر فيها ملامح الشكل الخارجي و يتوصل إلى ما خلف السطح ويحاول أن يركز الحركة في اقل ما يمكن من اوجه الفعل أو من الدلائل التي تشير إليه ، ذلكم هو ما يتوضح من خلال تجاربه في الثمانينيات وهي التي كان يتجاوز فيها قيود المادة الخام ليصل إلى ابتكار أشكال لا يمكن فيها أن نضع حدودا أو فواصل بين المادة وما تتجسد فيه أو تتحول عبره من مظاهر .

إن أعمال تلك الفترة التي عرض اغلبها في المعرض الشخصي الذي أقامه الوكيل في قاعة الرواق (بغداد) منتصف الثمانينيات تتجرد من معطيات و اشتراطات المرجع الذي استمدت منه لتكون كيانات شكلية قائمة بذاتها يتحدد معناها في ضوء وجهة النظر التي تتعامل معها جماليا أو تصل إلى لحظة الاتفاق مع جمالياتها أو مع ما حاول النحات الوصول من خلاله إلى جوهر المادة .

كان الوكيل في هذا المعرض قد عاد إلى البرونز الذي هجره مؤقتا من قبل ، كان عليه أن يفجر أشكالا غامضة في كتلة الطين أولا وأن ينقل صداها في مرحلة تالية إلى البرونز محاولا أن يحقق حلولا وسطى بين ما يمكن إنجازه على الحجر أو المرمر وبين ما يمكن تنفيذه في الطين الذي يتمظهر في ما بعد في تكوينات برونزية هي الأخرى مدغمة ومجردة وغامضة ومرائية كما لو كانت قد نفذت على الحجر من قبل ثم أعيدت صياغتها وصهرها في أشكال برونزية متداخلة و مجزأة وذات انحناءات وتقويسات محيرة . كانت التجربة في هذه المرحلة تتولد عما سبقها ولكنها تتجاوز مستوى المادة السطحي وإمكانيات المعالجة المحدودة للشكل إلى ما يشبه تأملا صوفيا في أشكال لم يقيض لها أن توجد من قبل ، أشكال تتناسل في منطقة غامضة هي التي يقترحها النحات أو يعود من خلالها إلى ماضيه ليعيد اكتشاف ما لم يستطع العثور عليه حين كان طفلا يسعى بين أطلال وخرائب الماضي وبين اللقى التي تفلت بصعوبة من بين أيدي كائنات العالم السفلي .

كانت أعمال الوكيل ومنحوتاته ورؤاه وأحلامه وكوابيسه التي تتجسد في مظاهر متعددة هي وثائق وشهادات يحاول من خلالها أن يشير إلى الماضي أو يؤكد سطوته عليه ومهما اختلفت خصائصها وسماتها عن مرجعها الذي أخذت عنه فهي لابد أن تصل إلى لحظة تبدو فيها شبيهة بمظهرها الأول ، مظهر الطين أو الحجر في صورته البدائية الأولى .

أما في سنوات التسعينيات وبما يشبه العودة إلى نقطة البدء يمكن القول إن سمات وخصائص أعمال الوكيل لم تتغير جذريا ولكن أضيف إليها مبدأ جديد شكلي في جوهره يتمثل في محاولة تحويل الحركة في القطعة النحتية من فعل مضمر إلى صيغة ظاهرة من خلال تجزئة القطعة النحتية إلى مجموعة من الوحدات يؤلف بينها كيان موحد يقوم على وحدة البناء الخارجي وعناصر الانسجام و التوازن و بطريقة تتيح للمتلقي أن يعيد تأليف أجزاء القطعة النحتية وفق الطريقة التي يراها اكثر جمالية وتحقيقا لشروط الشكل الحر الذي يقترحه النحات ولا يفرضه على المشاهد .

كان النحات باقتراحه لمبدأ الحركة في النحت و في تطبيقه لهذا المبدأ و في سعيه للتواصل مع ظاهرة عالمية كانت بدأت في الخمسينيات لإحداث الحركة في النحت وفي نقل الكتلة من السكون إلى الفعل ، قد وصل إلى مرحلة مهمة من مراحل اكتشافه ونزوعه الاسلوبي وان لم يحدث اختلاف جوهري بين ملامح الشكل الذي كان يعمل عليه من قبل و بين تلك التكوينات المصقولة جيدا التي تكاد عروقها الداخلية تطفو على السطح إن كانت من المرمر أو يبدو ما خلف المعدن من أسرار إن كانت من البرونز .

وبدأ الوكيل يحدث تنويعات في مظهر الجسد البشري الذي يعيد تأليفه و لكن ذلك لا يشكل مرحلة قائمة بذاتها ضمن مراحل فنه ، إن الارتباط بين هذه الفترة وبين ما قبلها موجود وواضح وعضوي والشيء الوحيد الذي يميزها هو تجزئة العناصر وإيجاد رابط جديد يجمع بين الأجزاء هو في كثير من الأحيان عبارة عن سلك أو محور من البرونز يجمع بين قطعتين أو ثلاث قطع من الحجر أو المرمر ويمكن تغيير مواقع هذه القطع فوقه ويؤدي هذا التغيير إلى إحداث اختلاف في الشكل أو المظهر بين مرة وأخرى . ولابد إن ذلك هو منتهى ما يطمح للوصول إليه نحات معاصر حين يجعلنا ننظر إلى أعماله من زوايا مختلفة أو نشارك في تعديل سماتها لكي نراها متغيرة وبطراز جمالي مختلف في كل مرة وبالتأكيد فأن كل ذلك يجسد تجربة طويلة امتدت منذ منتصف الخمسينيات وحتى الآن وبعمل مستمر أشبه بالواجب اليومي الذي يبدأ من ساعات الصباح الأولى ويبدو أحيانا و مع استمرار وتيرة العمل كأنه بلا نهاية .

 

·       ملاحظة أخيرة

عبد الرحيم الوكيل من مواليد الحلة ( بابل ) عام 1934 وهو يقيم حاليا في لندن حيث يمارس عمله الفني .